Indexed OCR Text

Pages 361-380

=
٣٦١
١- (بابُ وُجُوب الزكاةِ) - حديث رقم ٢٤٣٥
السبعة روى (١٦٩٦) حديثًا، وهو آخر من مات بالطائف من الصحابة رضي الله تعالى
عنهم، ومن المشهورين بالفتوى. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ، لِمُعَاذ) ابن جبل
رَّهِ. قال الحافظ رحمه الله تعالى: كذا في جميع الطرق، إلا ما أخرجه مسلم عن أبي بكر بن
أبي شيبة، وأبي گُریب، وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن و کیع، فقال فیه: ((عن ابن عباس،
عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول اللّه وَلَّ))، فعلى هذا فهو من مسند معاذ، وظاهر سياق
مسلم أن اللفظ مدرج، لكن لم أر ذلك في غير رواية أبي بكر بن أبي شيبة، وسائر الرواة أنه من
مسند ابن عباس، فقد أخرجه الترمذيّ، عن أبي کریب، عن و کیع، فقال فیه: ((عن ابن عباس
أن رسول الله ﴾﴾ بعث معاذًا»، و کذا هو في مسند إسحاق بن إبراهيم، وهو ابن راهويه، قال:
((حدثنا وکیع به)). وكذا رواه عن وكيع أحمد في ((مسنده))، أخرجه أبو داود عن أحمد،
وللبخاريّ في ((المظالم)) عن يحيى بن موسى، عن وكيع كذلك. وأخرجه ابن خزيمة في
((صحيحه)) عن محمد بن عبد الله المخرِّميّ، وجعفر بن محمد الثعلبيّ. وللإسماعيليّ من
طريق أبي خيثمة، وموسى بن السديّ، والدار قطنيّ من طريق يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقِيّ،
وإسحاق بن إبراهيم البغويّ، کلھم عن و کیع کذلك. فإن ثبتت رواية أبي بكر، فهو من مرسل
ابن عباس، لكن ليس حضور ابن عباس لذلك ببعيد؛ لأنه كان في أواخر حياة النبيّ وَ الر، وهو
إذ ذاك مع أبويه بالمدينة انتهى كلام الحافظ (١).
وقال ابن الملقن گآلمُ - بعد أن ذكر الاختلاف المذكور -: ما نصه: ويُجمع بينهما بأن
یکون سمع ابن عباس الحديث مرّة من معاذ، فرواه متصلًا، وأرسله تارة، ومرسله حجة
على المشهور، كيف وقد عُرف من أرسل عنه، ويحتمل أن ابن عباس سمعه من معاذ،
وحضر القصّة، فرواه تارة بلا واسطة، وتارة بها، إما لنسيانه، وإما لمعنى آخر انتهى(٢).
(حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ) وكان بَعْثُ معاذ تظنّه إلى اليمن سنة عشر، قبل حج النبيّ
وَالر، كما ذكره البخاريّ في أواخر ((المغازي)). وقيل: كان ذلك في أواخر سنة تسع عند
منصرفه # من تبوك، رواه الواقديّ بإسناده إلى كعب بن مالك، وأخرجه ابن سعد في
((الطبقات)) عنه. ثم حكى ابن سعد أنه كان في ربيع الآخر سنة تسع(٣). وقيل: بعثه
(١) - ((فتح)) ج ٤ ص١٧٦ .
(٢) - ((الإعلام» ج٥ص١٤.
(٣) - وقع في ((الفتح)) هنا ((سنة عشر))، وهو تصحیف، بلا شك، وقد وقع في «المغازي» ج٨ ص
٣٨٦ على الصواب، فتنبه.

٣٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
عام الفتح سنة ثمان. واتفقوا على أنه لم يزل على اليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكر
رَّهَا، ثم توجّه إلى الشام، فمات بها، واختلف هل كان معاذ واليًا، أو قاضيًا؟ فجزم
ابن عبد البرّ بالثاني، والغسّانيّ بالأول قاله الحافظ(١).
(إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا، أَهْلَ كِتَابٍ) هي كالتوطئة للوصيّة لتستجمع همته عليها، لكون أهل
الكتاب أهل علم في الجملة، فلا تكون العناية في مخاطبتهم كمخاطبة الجهال من عبدة
الأوثان، وليس فيه أن جميع من يُقْدِمُ عليهم من أهل الكتاب، بل يجوز أن يكون فيهم
من غيرهم، وإنما خصّهم بالذكر تفضيلاً لهم على غيرهم.
(فَإِذَا جِئْتَهُمْ، فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) وفي
رواية: ((وأني رسول اللّه)). قال في ((الفتح)): كذا في رواية زكريا بن إسحاق لم يُختلف
عليه فيها، وأما إسماعيل بن أميّة، ففي رواية رَوح بن القاسم عنه: ((فأول ما تدعوهم
إليه عبادة اللّه، فإذا عرفوا اللَّه)). وفي رواية الفضل بن العلاء عنه: ((إلى أن يوحّدوا
اللَّه، فإذا عرفوا ذلك)).
ويجمع بينها بأن المراد بعبادة الله توحيده، وبتوحيده الشهادة له بذلك، ولنبيّه وَلّ
بالرسالة .
ووقعت البداءة بهما لأنهما أصل الدين الذي لا يصحّ شيء غيرهما إلا بهما، فمن كان
منهم غير موحّد، فالمطالبة متوجّهة إليه بكلّ واحدة من الشهادتين على التعيين، ومن
كان موحّدًا فالمطالبة له بالجمع بين الإقرار بالوحدانية، والإقرار بالرسالة، وإن كانوا
يعتقدون ما يقتضي الإشراك، أو يستلزمه، كمن يقول بينوة عُزير، أو يعتقد التشبيه،
فتكون مطالبتهم بالتوحيد لنفي ما يلزم من عقائدهم.
واستَدَلّ به من قال من العلماء: إنه لا يشترط التبرّي من كلّ دين يخالف دين
الإسلام؛ خلافًا لمن قال: إن من كان كافرًا بشيء، وهو مؤمن بغيره لم يدخل في
الإسلام إلا بترك اعتقاد ما كفر به.
والجواب أن اعتقاد الشهادتين يستلزم ترك اعتقاد التشبيه، ودعوى بُنُوّة عزير،
وغيره، فیکتفی بذلك.
واستُدلّ به على أنه لا يكفي في الإسلام الاقتصار على شهادة أن لا إله إلا الله، حتى
يُضيف إليها الشهادة لمحمد وَّله بالرسالة، وهو قول الجمهور. وقال بعضهم: يصير
بالأولى مسلمًا، ويطالب بالثانية. وفائدة الخلاف تظهر في الحكم بالردة.
(١) - ((فتح)) ج٤ ص١٢٦ - ١٢٧ .

٣٦٣ =
١- (بَأَبُ وُجُوب الزَّكَاةِ) - حديث رقم ٢٤٣٥
[تنبيهان]:
(أحدهما): كان أصل دخول اليهودية في اليمن في زمن أسعد أبي كُريب، وهو تُبْعّ
الأصغر، كما حكاه ابن إسحاق في أوائل ((السيرة النبويّة)).
(ثانيهما): قال ابن العربيّ في ((شرح الترمذيّ)): تبرّأت اليهود في هذه الأزمان من
القول بأن عزيرًا ابنُ الله، وهذا لا يمنع كونه موجودًا في زمن النبيّ بَّ؛ لأن ذلك نزل
في زمنه، واليهود معه بالمدينة وغيرها، فلم يُنقل عن أحد منهم أنه ردّ ذلك، ولا تعقّبه،
والظاهر أن القائل بذلك طائفة منهم، لا جميهم بدليل أن القائل من النصارى: إن المسيح
ابن اللّه طائفة منهم، لا جميعهم، فيجوز أن تكون تلك الطائفة انقرضت في هذه الأزمان،
كما انقلب اعتقاد معظم اليهود عن التشبيه إلى التعطيل، وتحوّل معتقد النصارى في الابن،
والأب إلى أنه من الأمور المعنوية، لا الحسيّة، فسبحان مقلّب القلوب.(١).
وكتب العلامة الصنعانيّ رحمه اللّه تعالى على قول ابن العربيّ: ولم ينقل عن أحد
منهم ردّ ذلك، ولا تعقّبه: ما نصّهُ: ونقول: إنهم لا يُصَدَّقون الآن في دعوى البراءة،
فإنهم يُكَذّبون نص القرآن، فإن اللَّه أخبرنا بأن صفات رسولنا محمد زَّل عندهم،
يجدونه مكتوبا في التوراة والإنجيل، وأنكروا ذلك، فكيف تقبل براءتهم مما حكاه الله
عنهم من قولهم: ﴿عُزَيْرُّ أَبْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وإن أراد ابن العربي أن الموجودين
في زمنه تبرأوا من قولهم بذلك، فلا يُجدي نفعًا، ولا ينفي إشراك آبائهم، وإن قيل: إن
بعض اليهود كان يقول ذلك، فكذلك قد قيل: إن بعض النصارى يقول ذلك، وقد
نسب اللَّه القول إلى اليهود والنصارى جملة. انتهى. كلام الصنعانيّ(٢). وهو بحث
نفيس. والله تعالى أعلم.
(فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوَ بِذَلِكَ) ولفظ ((الكبرى)): ((فإن هم أطاعوا بذلك)): أي انقادوا، وفي
رواية ابن خُزيمة: ((فإن هم أجابوا لذلك))، وفي رواية الفضل بن العلاء: ((فإذا عرفوا
ذلك».
واستُدلّ به على أن أهل الكتاب ليسوا بعارفين، وإن كانوا يعبدون الله، ويُظهرون
معرفته.، لكن قال حذّاق المتكلّمين: ما عَرَفَ اللَّهَ من شبّهه بخلقه، أو أضاف إليه
اليد، أو أضاف إليه الولد، فمعبودهم الذي عبد وه ليس هو اللَّه، وإن سمّوه به. قاله في
((الفتح)).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله هؤلاء المتكلّمون مشتمل على حقّ
(١) - ((فتح)) ج٤ ص ١٢٧ .
(٢) - ((العدّة حاشية العمدة)) ج ٣ ص ٢٧٣ .

٣٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
وباطل، أما الحقّ، فقولهم: من شبّه اللّه بخلقه، أو أضاف إليه الولد. وأما الباطل،
فقولهم: أو أضاف إليه اليد، فإن هذا باطل بلا شكّ، فكيف يقال: من أضاف إلى الله
عز وجل ما أضافه لنفسه في كتابه العزيز، في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيْهِمْ﴾
[الفتح: ١٠]، وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾ [ص: ٧٥]، وأضافه إليه النبيّ ◌َّ في أحاديثه
الصحيحة، كما هو منصوص عليه في محلّه: إنه لا يعرف الله، إن هذا لهو العجب
العجاب، فمن اعتقد أن لله تعالی یدا، لا تشبه أيدي المخلوقین، بل على ما يليق بجلاله،
فهو العارف بربه حقّ معرفته، وإنه هو الذي على الحقّ، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ أَلْحَقِّ إِلَّا السَّلَلَّ﴾
[يونس: ٣٢]. فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّرْ بالاعتساف، والله الهادي إلى سواء السبيل.
واستدلّ به على أن الكفار غير مخاطبين بالفروع، حيث دُعُوا أولًا إلى الإيمان فقط،
ثم دُعُوا إلى العمل، ورتب ذلك بالفاء. وأيضًا فإن قوله: ((فإن هم أطاعوا، فَأَخْبِرْهُم)»
يُفْهَم منه أنهم لو لم يطيعوا لا يجب عليهم شيء.
وفيه نظر؛ لأن مفهوم الشرط مُختَلَفْ في الاحتجاج به. وأجاب بعضهم عن الأول
بأنه استدلال ضعيف، لأن الترتيب في الدعوة لا يستلزم الترتيب في الوجوب، كما أن
الصلاة، والزكاة لا ترتيب بينهما في الوجوب، وقد قُدّمت إحداهما على الأخرى في
هذا الحديث، ورُتبت الأخرى عليها بالفاء، ولا يلزم من عدم الإتيان بالصلاة إسقاط
الزكاة.
[تنبيه]: كتب العلامة الصنعانيّ رحمه اللّه تعالى في مسألة خطاب الكفّار بالفروع
بحثا مفيدًا، أحببت إيراده هنا لنفاسته:
قال رحمه الله تعالى: قوله: ((غير مخاطبين بالفروع)) أقول: هكذا أطبق الناس عليه،
ولا يخفى أن اللّه بعث الرسل تدعو العباد إلى طاعته تعالى في كلّ ما أمرت به الرسل،
من غير تفرقة بين فروع ولا أصول، بل هذه التفرقة والتسمية حادثة اصطلاحًا قطعًا، وقد
بيّن رََّ في حديث عمر رَّ، وإتيان جبريلُالَّلهُ يسأله عن الإيمان، والإسلام،
فأجابه بأن: ((الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول اللّه، وتقيم
الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلًا)). فقال له
جبريل: ((صدقت)). وإذا كان هذا مسمّى الإسلام بالنصّ النبويّ. ورواية ((بني الإسلام
على خمس))، وذكر هذه، أخرج الأولى مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ. وأخرج الثانية
الشيخان، والترمذيّ، وأبو داود، والنسائيّ.
وإذا عرفت أن هذا مسمى الإسلام، وقد عرفت أنه وَرَ بُعث يدعوا الأمة إلى
الإسلام، وقال في كتابه إلى قيصر الذي أخرجه البخاريّ وغيره: ((أَسْلِمْ تَسْلَمْ)) فقد دعا

=
٣٦٥
١- (ہابُ وُجُوب الزكاة) - حديث رقم ٢٤٣٥
إلى هذا المركّب من الخمسة الأجزاء، وهي سواء في صدقه عليها، فلا فروع، ولا
أصول، بل هذه تسمية مبتدعة، وإذا كان كذلك، فالدخول في هذا الإسلام مخاطب به
كلّ مكلّف، الكافر مكلّف بالدخول فيه، والاتصاف به، والمسلم مكلّف بالاستمرار
عليه، فإن امتنع الكافر عن الدخول فيه عُذّب على تركه كما يُعذّب المسلم على تركه
لأيّ أجزائه عمدًا، فالكفّار مخاطبون بهذا الذي اصطلحوا على تسميته فروعًا، فإن امتنع
الكافر عن الإسلام عوقب على تركه الإسلام بجميع أجزائه بلا فرق. وقالت الكفّار لَمّا
سُئلوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِينَ﴾ الآية [المدثر: ٤٢، ٤٣]. والرسل
من أولهم إلى آخرهم يقولون لأممهم: ﴿أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:
٥٩]، وعبادته المأمور بها شاملة لكلّ ما تأمرهم به الرسل مما سَمَّوه أصولًا، وفروعًا،
وهذا شيء دخيل. قال: ولكن لما قسموا الإسلام إلى الأمرين، فشا لهم الخلاف في
مسألة خطاب الكفّار بالفروع، وأطالوا المسألة، والمقاولة في الأصول الفقهيّة، وإلا
فهذا شيء لا يُعرَف في سلف الأمّة، وعصر النبوّة انتهى كلام الصنعانيّ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله العلامة الصنعانيّ رحمه الله تعالى
بحثٌ نفيس، وتحرير أنيس. والله تعالى أعلم.
وقيل: الحكمة في ترتيب الزكاة على الصلاة أن الذي يقرّ بالتوحيد، ويجحد الصلاة
يكفر بذلك، فيصير ماله فيًا، فلا تنفعه الزكاة.
قال الحافظ: وأما قول الخطابي: إن ذكر الصدقة أُخّر عن ذكر الصلاة؛ لأنها إنما
تجب على قوم دون قوم، وأنها لا تكرر تكرار الصلاة. فهو حسن، وتمامه أن يقال: بدأ
بالأهمّ، فالأهمّ، وذلك من التلطّف في الخطاب، لأنه لو طالبهم بالجميع في أول مرّة
لم يأمن النفرة(٢).
وقال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: قوله ون له: ((فإن هم أطاعوا لك
بذلك)). طاعتهم في الإيمان بالتلفّظ بالشهادتين، وأما طاعتهم في الصلاة، فتحتمل
وجهين: أحدهما أن يكون المراد إقرارهم بوجوبها، وفرضيتها عليهم، والتزامهم لها.
والثاني: أن يكون المراد الطاعة بالفعل، وأداء الصلاة، وقد رجّح الأول بأن
المذكور في لفظ الحديث هو الإخبار بالفرضيّة، فتعود الإشارة بذلك إليها. ويترجّح
الثاني بأنهم لو أخبروا بالوجوب، فبادروا بالامتثال بالفعل لكفى، ولم يشترط تلفّظهم
بالإقرار بالوجوب، وكذلك نقول في الزكاة: لو امتثلوا بأدائها من غير تلفّظ بالإقرار
(١) - المصدر السابق.
(٢) - (فتح) ج٤ ص١٢٨ .

٣٦٦
E
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
لكفى، فالشرط عدم الإنكار، والإذعان للوجوب، لا التلفّظ بالإقرار انتهى (١).
وذكر ابن المقّن وجها ثالثًا، وهو أن يكون المراد مجموع ذلك، قال: وهو
الظاهر(٢).
وقال الحافظ: الذي يظهر أن المراد القدر المشترك بين الأمرين، فمن امتثل بالإقرار
بالفعل كفاه، أو بهما فأولى، وقد وقع في رواية الفضل بن العلاء بعد ذكر الصلاة: ((فإذا
صلّوا))، وبعد ذكر الزكاة: ((فإذا أقرّوا بذلك، فخذ منهم)). انتهى (٣).
وقال الصنعانيّ: ويظهر أن المراد: فأخبرهم أن اللَّه قد فرض عليهم فعل خمس
صلوات في اليوم والليلة، لا أنه فَرَضَ الإقرار بوجوبها خمس مرّات كما عبّر في غيره
بقوله وَيقول: ((وتقيم الصلاة))، وإقامتها فعلها، فطاعتهم بفعلها، وهو المطلوب، لا مجرّد
الإقرار، ولذا ضمّن أطاعوا انقادوا، وعدّاه باللام(٤)، إذ الانقياد زيادة على مجرّد
الطاعة، فالمطلوب منهم في الصلاة فعلها، وهو يتضمّن الإقرار بفرضيتها، واعتقاده
ظاهرًا، وأما التلفّظ بالإقرار بالفرضيّة لها، فليس بمراد، ولا ورد طلب الشارع لذلك،
إلا في الشهادتين، لا غير، فقول الشارح: ولو بادروا بالامتثال بالقول لكفى غير ظاهر،
بل نقول: التلفّظ بالوجوب بها غير مطلوب منهم، ومثله يجري في الزكاة. وإنما قلنا
ظاهرًا لأنهم لو فعلوها غير معتقدين وجوبها، كصلاة المنافقين قبلنا ظاهر فعلهم،
وأدخلناهم في حكم الإسلام، ووكلنا سرائرهم إلى اللَّه، كما تقرّر في غير هذا انتهى
كلام الصنعانيّ(٥). وهو حسن جدًّا. والله تعالى أعلم.
(فَأَخْبِرْهُمْ، أَنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ، فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ، فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) استُدلّ به
على أن الوتر ليس بواجب، وكذا ركعتا الفجر، فإن بَعْثَ معاذ إلى اليمن قبل وفاة النبيّ
وَالله بقليل، بعد الأمر بالوتر، وركعتي الفجر. وقد قال بوجوب الوتر أبو حنيفة، دون
صاحبيه، وبوجوب ركعتي الفجر الحسن البصريّ، وذلك مردود عليهما، وقد تقدّم
تمام البحث في ذلك في موضعه، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
(فَإِنْ هُمْ - يَعْنِي أَطَاعُوكَ بِذَلِكَ) ولفظ ((الكبرى)): ((فإن يعني هم أطاعوا لك بذلك)).
(١) - ((إحكام الأحكام)) ج٣ ص٢٧٤ -٢٧٥ . بنسخة الحاشية.
(٢) - ((الإعلام)) ج٥ص ٢٠.
(٣) - ((فتح)) ج٤ ص١٢٩ .
(٤) - هذا في رواية من رواه ((فإن هم أطاعوا لك بذلك))، وأما رواية النسائيّ هنا، ((فإن هم أطاعوك))
بدون لام.
(٥) - ((العدّة)) ج٣ص ٢٧٥ .

٣٦٧
١- (بابُ وُجُوب الزكاةِ) - حديث رقم ٢٤٣٥
ولعلّ بعض الرواة شكّ، فزاد ((يعني)). وسيأتي في ٢٥٢٢/٤٦ - من طريق وكيع، عن
زكريا بن إسحاق بدونها (فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةٌ) زاد في رواية
أبي عاصم، عن زكريا: ((في أموالهم)). وفي رواية الفضل بن العلاء: ((افترض عليهم
زكاة في أموالهم، تؤخذ من غنيّهم، فتُردّ على فقيرهم)) (تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ) استُدلّ به
على أن الإمام هو الذي يتولّى قبض الزكاة، وصرفها، إما بنفسه، وإما بنائبه، فمن امتنع
منها أُخذت منه قهرًا (فَتُرَدُّ) وفي نسخة: ((وتردّ)) بالواو (عَلَى فُقَرَائِهِمْ) استُدلّ به لقول
مالك وغيره: إنه يكفي إخراج الزكاة في صنف واحد. قال الحافظ: وفيه بحث - كما
قال ابن دقيق العيد- لاحتمال أن يكون ذكر الفقراء لكونهم الغالب في ذلك، وللمطابقة
بینهم وبین الأغنياء انتھی.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول هو الأظهر، فيقدّم على الاحتمال
المذكور. والله تعالى أعلم.
وقال الخطابيّ: وقد يَستَدِلّ به من لا يرى على المديون زكاة ما في يده إذا لم يفضل
من الدين الذي عليه قدر نصاب، لأنه ليس بغنيّ، إذا كان إخراج ماله مستحقًا لغرمائه.
(فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ بِذَلِكَ) ولفظ ((الكبرى)): ((فإن هم أطاعوا لك بذلك)) (فَاتَّقِ دَعْوَةً
الْمَظْلُومِ))) وفي الرواية الآتية في -٢٥٢٢/٤٦ -: ((فإن هم أطاعوك بذلك، فإياك
وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)).
و(إياك)) منصوب بفعل مضمر، لا يجوز إظهاره، والتقدير: باعد، واتق كرائم
أموالهم، وهو من باب إياك والأسد، وأهلك والليل، وأشباه ذلك. قال ابن قتيبة: ولا
يجوز: ((إياك كرائم)) بحذف الواو. قال ابن مالك في ((خلاصته)) :
إِيَّاكَ وَالشَّرَّ وَنَخْوَهُ نَصَبْ مُحَذْرٌ بِمَا اسْتِثَارُهُ وَجَبْ
والكرائم جمع كريمة، وهي جامعة الكمال الممكن في حقّها، من غزارة لبن، وكمال
صورة، أو كثرة لحم، أو صوف، وهي النفائس التي تتعلّق بها نفس مالكها، أو يختصها
لنفسه، ويؤثرها، كالأكولة(١)، والرُّبِى، وهي التي تُربّي ولدها، أو الحديثة العهد
بالنتاج، والماخض، وهي الحامل، وفحلِ الغنم، وحَزَرَاتِ المال(٢) - بتقديم الزاي،
وقيل: بتأخيرها- وهي التي تُحرَز بالعين، وتُرمَق لشرفها عند أهلها.
(١) - الأكولة التي تُسَمَّنُ للأكل، وقيل: هي الخصيّ. وأخرج مالك في ((الموطإ)) عن سفيان بن
عبدالله الثقفيّ، أن عمر بن الخطاب قال له: ((لا تأخذ الأكولة، ولا الرُّبّى، ولا الماخض، ولا
فحل الغنم» انتھی.
(٢) - ((الحَزْرَةُ)) من المال: خياره، وجمعه حَزَرَات بفتحات. أفاده في ((القاموس)).

٣٦٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
والحكمة في منع الساعي ذلك أن الزكاة وجبت مواساة للفقراء في مال الأغنياء، فلا
يناسب ذلك الإجحاف بأرباب الأموال، فسامحهم الشرع بما يضنّون به، ونهى الساعي
عن أخذه، فيحرم عليه أخذها، بل يأخذ الوسط، ويحرم على ربّ المال إخراج شرّ
المال، نعم لو رضي المالك بإخراج الكريمة قُبلت منه.
وفي وجه عند الشافعية: أن الربّى لا تؤخذ؛ لأنها لقرب عهدها بالولادة مهزولة،
والهزال عيب. وفي وجه آخر: أنه لا تقبل الكريمة إذا تبرّع المالك بها للنهي المذكور،
وهذان الوجهان فاسدان، كما قال العلامة ابن الملقّن رحمه اللَّه تعالى(١).
وقوله: ((واتق دعوة المظلوم)): أي تجنّب الظلم؛ لئلا يدعو عليك المظلوم. وفيه
تنبيه على المنع من جميع أنواع الظلم، والنكتة في ذكره عقب المنع من أخذ الكرائم
الإشارة إلى أن أخذها ظلم.
وقال بعضهم: عطف ((واتق)) على عامل ((إياك)) المحذوف وجوبًا، فالتقدير اتق
نفسك أن تتعرّض للكرائم. وأشار بالعطف إلى أن أخذ الكراثم ظلم. ولكنه عمم إشارة
إلى التحرّز عن الظلم مطلقًا.
وقوله: ((فإنها ليس بينها وبين اللَّه عز وجل حجاب)) أي ليس لها صارف يصرفها،
ولا مانع، والمراد أنها مقبولة، وإن كان عاصيًا، كما جاء في حديث أبي هريرة تَّه
عند أحمد مرفوعًا: ((دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجرًا، ففجوره على نفسه)).
وإسناده حسن.
وقال الطيبيّ: قوله: ((اتق دعوة المظلوم)) تذييل لاشتماله على الظلم الخاصّ من
أخذ الكرائم، وعلى غيره. وقوله: ((فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)) تعليل للاتقاء،
وتمثيل للدعاء، كمن يقصد دار السلطان متظلّمًا، فلا يُحجب.
قال ابن العربيّ: إلا أنه وإن كان مطلقًا، فهو مقيّد بالحديث الآخر أن الداعي على
ثلاث مراتب: إما أن يُعجّل له ما طلب، وإما أن يدّخر له أفضل منه، وإما أن يدفع عنه
من السوء مثله. وهذا كما قُيّد قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ الآية [النمل:
٦٢] بقوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ﴾ الآية [الأنعام: ٤١] انتهى.
(تنبيه): كتب ابن الملقّن في ((شرح العمدة)) على قوله: ((ليس بينها وبين الله
حجاب)): ما نصّه: الحجاب يقتضي الاستقرار في المكان، والباري منزه عن ذلك، إلا
أنه وَليّ كان يُخاطب العرب بما تَفهم. والمراد أنها مقبولة على كلّ حال، لا أن للباري
(١) - ((الإعلام)) ج٥ص٢٦-٢٨ .

٣٦٩
١- (ہابُ وُجُوب الزكاة) - حدیث رقم ٢٤٣٥
جلّ وتعالى حجابًا يحجبه عن الناس. ويحتمل كما قال الفاكهيّ أن يراد بالحجاب هنا
المعنويّ، دون الحسيّ انتهى(١) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ليت شعري ما الذي يعنيه بنفي الحجاب؟، كيف
ينفي حجاب اللّه تعالى، من يسمع الحديث الصحيح، كحديث أبي موسى الأشعريّ
رَّه، قال: قام فينا رسول اللّه ◌َلهله بخمس كلمات، فقال: ((إن اللَّه عز وجل لا
ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يَخفِض القسط، ويَرفعه، يُرفَع إليه عملُ الليل، قبل عمل
النهار، وعمل النهار، قبل عمل الليل، حجابه النورُ)). وفي روايةٍ: ((النارُ))، لو كشفه،
لأحرقت سُبُحاتُ وجهه، ما انتهى إليه بصره، من خلقه)). أخرجه مسلم في
((صحيحه)). وغير ذلك من النصوص الصحيحة الصريحة في إثبات الحجاب؟، إن هذا
لهو العَجَب العُجَاب.
ومن العجيب أن صاحب ((الفتح)) قد ذكر أيضًا نحو هذا الكلام مُقَرِّرًا له، وراضيا به.
والحقّ أننا نثبت ما أثبته اللَّه تعالى لنفسه، من حجاب، أو غيره، على المعنى اللائق
به سبحانه وتعالى، فلا نعطّل، ولا نشبه. ولقد صدق في قوله: كان ◌َليّ يخاطب
العرب بما تفهم.
ونحن -ولله الحمد- نكتفي بما تفهمه العرب، واكتفت به من ظواهر النصوص التي
بلّغها النبيُّ وَّرِ أَمَّتَهُ، لأنه هو الصراط المستقيم الذي أوجب اللَّه على عموم الثقلين أن
يتّبعوه، وأوجب عليهم أيضًا اعتقاد ما فهموه، فلو كان هذا الذي فهمته العرب غير مراد
لبادر * إلى أنه غير مراد، وبيّن أن المراد كذا وكذا، فقد بين جميع ما يحتاج إليه
المكلّف، من المعتقدات، والأعمال بيانا شافيًا. كما أمره الله عز وجل بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَآ
إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤].
فيا أيها العاقل لا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وملجأ العنيد. اللَّهم فاطر
السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عباك فيما كانوا فيه يختلفون،
اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، اللّهمّ
أرنا الحقّ حقًا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، آمين. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
(١) - ((الإعلام)) ج٥ص٢٨-٢٩ .

٣٧٠
===
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
حديث ابن عباس تَوّت هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٤٣٥/١ و٢٥٢٢/٤٦ - وفي «الكبرى» ٢٢١٥/١.
وأخرجه (خ) في ((الزكاة))١٣٨٥ و١٤٥٨ و١٤٩٦ وفي ((المظالم والغصب))٢٤٤٨
و ((المغازي)»٤٣٤٧ و((التوحيد)»٧٣٧١ و٧٣٧٢ (م)في ((الإيمان))١٩ وفي ((الزكاة)) ٦٢٥
و((البر والصلة)) ٢٠١٤ (د) في ((الزكاة)) ١٥٨٤ (ق) في ((الزكاة)) ١٧٨٣ (أحمد) في
(مسند بني هاشم)) ٢٠٧٢ (الدارميّ) في ١٦١٤. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف، وهو وجوب الزكاة (ومنها): وجوب الدعوة إلى الله
تعالى (ومنها): مشروعيّة الدعاء إلى التوحيد قبل القتال (ومنها): توصية الإمام عامله
فيما يحتاج إليه من الأحكام وغيرها (ومنها): بَعْثُ السعاة لأخذ الزكاة (ومنها): قبول
خبر الواحد، ووجوب العمل به (ومنها): إيجاب الزكاة في مال الصبيّ والمجنون؛
لعموم قوله: ((من أغنيائهم)). قاله عياض، وفيه بحث (ومنها): أن الزكاة لا تدفع إلى
الكافر؛ لعود الضمير في ((فقرائهم)) إلى المسلمين، سواء قلنا بخصوص البلد، أو
العموم (ومنها): أن الفقير لا زكاة عليه (ومنها): أن من ملك نصابًا لا يُعطى من الزكاة،
من حيث جعل المأخوذ منه غنيّا، وقابله بالفقير، ومن ملك النصاب فالزكاة مأخوذة
منه، فهو غنيّ، والغنى مانع من إعطاء الزكاة؛ إلا من استشني(١). قال ابن دقيق العيد
رحمه الله تعالى: وليس هذا البحث بالشديد القوة، وهذا مذهب أبي حنفية، وبعض
أصحاب مالك (ومنها): ما قاله البغويّ: فيه أن المال إذا تلف قبل التمكن من الأداء
سقطت الزكاة؛ لإضافة الصدقة إلى المال، وفيه نظر أيضًا (ومنها): أنه دليل على تعظيم
أمر الظلم (ومنها): استجابة دعوة المظلوم، وأنه لا يحجبها عن اللّه تعالى حجاب،
وإن كان صاحبها فاجرًا، فقد أخرج أحمد بإسناد صحيح عن أنس رَظليه ، قال رسول
اللّه وَالغير: ((اتقوا دعوة المظلوم، وإن كان كافرًا، فإنه ليس دونها حجاب)). والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): [إن قيل]: لِمّ لم يقع في هذا الحديث ذكر الصوم، والحجّ، مع
أن بعث معاذ كما تقدّم كان آخر الأمر؟.
(١) - أراد به ما أخرجه أبو داود، وابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدريّ تَظمي، مرفوعًا: ((لا تحلّ
الصدقة لغنيّ، إلا لخمسة: العامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل
الله، أو مسكين تُصُدّق عليه، فأهداها لغنيّ))، وهو حديث صحيح.

١- (بابُ و ◌ُجُوب الزكاة) - حديث رقم ٢٤٣٥
٣٧١ ~
[قلت]: أجاب ابن الصلاح رحمه الله تعالى بأن ذلك تقصير من بعض الرواة. وتُعُقّب
بأنه يفضي إلى ارتفاع الوثوق بكثير من الأحاديث النبويّة؛ لاحتمال الزيادة والنقصان.
وأجاب الكرمانيّ بأن اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر، ولهذا كرّرا في القرآن،
فمن ثَمّ لم يُذكر الصوم والحجّ في هذا الحديث مع أنهما من أركان الإسلام. والسرّ في
ذلك أن الصلاة والزكاة إذا وجبا على المكلّف لا يسقطان عنه أصلًا، بخلاف الصوم،
فإنه يسقط بالفدية، والحجّ فإن الغير قد يقوم مقامه فيه كما في المعضوب(١)، ويحتمل
أنه لم یکن شُرع انتھی.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الاحتمال الأخير باطلٌ، لما تقدّم آنفًا من أن بعث
معاذ رَّه كان متأخرًا. والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ: وأجاب شيخنا شيخ الإسلام -يريد البلقينيّ -: إذا كان الكلام في بيان
الأركان لم يُخلّ الشارع منه بشيء، كحديث ابن عمر: ((بُني الإسلام على خمس))، فإذا
كان في الدعاء إلى الإسلام اكتفى بالأركان الثلاثة: الشهادة، والصلاة، والزكاة، ولو
كان بعد وجود فرض الصوم والحجّ، كقوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَّوْاْ
الزَّكَوَةَ﴾ الآية [التوبة: ٥ و١١]، في موضعين من ((براءة)) مع أن نزولها بعد فرض
الصوم والحجّ قطعًا، وحديث ابن عمر أيضًا: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا
إله إلا اللَّه، ويقيموا الصلاة، ويؤتو الزكاة))، وغير ذلك من الأحاديث.
قال: والحكمة في ذلك أن الأركان الخمسة اعتقاديّ، وهو الشهادة، وبدنيّ، وهو
الصلاة، وماليّ، وهو الزكاة، فاقتصر في الدعاء إلى الإسلام عليها لتفرّع الركنين
الأخيرين عليها، فإن الصوم بدنيّ محض، والحجّ بدنيّ ماليٍّ. وأيضًا فكلمة الإسلام هي
الأصل، وهي شاقّة على الكفّار، والصلوات شاقّة لتكرّرها، والزكاة شاقّة لما في جِبِلّة
الإنسان من حبّ المال، فإذا أذعن المرء لهذه الثلاثة كان ما سواها أسهل عليه بالنسبة
(٢) .
إلیھا . انتھی
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله شيخ الإسلام البلقينيّ رحمه الله تعالى
حسنٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في السنة التي فُرضت فيها الزكاة:
ذهب الأكثرون إلى أنّ فرضيتها وقع بعد الهجرة، فقيل: كان في السنة الثانية، قبل
(١) - يقال رجل معضوب: زَمِنْ لا حَرَاكَ به، كأن الزَّمَانة عَضَبته، ومنعته الحركة. قاله في
((المصباح)).
(٢) - ((فتح) ج٤ ص ١٣٠.

٣٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
فرض رمضان، أشار إليه النوويّ في ((باب السير)) من كتابه ((الروضة)). وجزم ابن الأثير
في ((التاريخ)) بأن ذلك كان في السنة التاسعة .: وهذا - كما قال الحافظ- فيه نظر، فقد
ثبت في حديث ضمام بن ثعلبة، وفي حديث وفد عبد القيس، وفي عدّة أحاديث ذكر
الزكاة، وكذا مخاطبة أبي سفيان مع هرقل، وكانت في أول السابعة، وقال فيها: ((يأمرنا
بالزكاة))، لكن يمكن تأويل كلّ ذلك، كما سيأتي في آخر الكلام.
وقوّى بعضهم ما ذهب إليه ابن الأثير بما وقع في قصّة ثعلبة بن حاطب المطوّلة،
ففيها: ((لما أنزلت آية الصدقة بعث النبيّ وَلهو عاملًا، فقال: ما هذه إلا جزيةٌ، أو أخت
الجزية)». والجزية إنما وجبت في التاسعة، فتكون الزكاة في التاسعة. لكن الحديث
ضعيف، لا يُحتجّ به.
وادعى ابن خزيمة في ((صحيحه)) أن فرضها كان قبل الهجرة، واحتجّ بما أخرجه من
حديث أم سلمة في قصّة هجرتهم إلى الحبشة، وفيها أن جعفر بن أبي طالب، قال
للنجاشيّ في جملة ما أخبره به عن النبيّ وَله: «ويأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصيام))
انتھی.
قال الحافظ: وفي استدلاله بذلك نظرٌ، لأن الصلوات الخمس لم تكن فُرضت
بعدُ، ولا صيام رمضان، فيحتمل أن تكون مراجعة جعفر لم تكن في أول ما قدم
على النجاشيّ، وإنما أخبره بذلك بعد مدّة، قد وقع فيها ما ذكر، من قصّة
الصلاة، والصيام، وبلغ ذلك جعفرًا، فقال: ((يأمرنا)) بمعنى يأمر به أمته، وهو بعيدٌ
جدًّا.
وأولى ما حُمل عليه حديث أم سلمة هذا -إن سَلِمَ من قدح في إسناده- أن المراد
بقوله: ((يأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصيام»، أي في الجملة، ولا يلزم من ذلك أن
يكون المراد بالصلاة الصلوات الخمس، ولا بالصيام صيام رمضان، ولا بالزكاة هذه
الزكاة المخصوصة ذات النصاب والجول.
ومما يدلّ على أن فرض الزكاة كان قبل السنة التاسعة حديث أنس رَمنّ في قصّة
ضمام بن ثعلبة، المتقدّم للنسائيّ في ((الصيام)) -٢٠٩٢/١- وقوله: أنشدك الله، آالله
أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا، فتردها على فقرائنا»، وكان قدوم ضمام سنة
خمس، كما تقدّم ، وإنما الذي وقع في التاسعة بعث العمّال لأخذ الصدقات، وذلك
يقتضي تقدّم فريضة الزكاة قبل ذلك.
ومما يدلّ على أن فرض الزكاة وقع بعد الهجرة اتفاقهم على أن صيام رمضان إنما
فُرض بعد الهجرة؛ لأن الآية الدالة على فرضيته مدنيّة بلا خلاف.

١- (بابُ وُجُوب الزكاةِ) - حديث رقم ٢٤٣٥
٣٧٣
وثبت عند أحمد، وابن خزيمة أيضًا، والنسائيّ(١)، وابن ماجه، والحاكم، من
حديث قيس بن سعد بن عُبادة، قال: ((أمرنا رسول اللَّه وَ ل# الفطر قبل أن تنزل الزكاة،
ثم نزلت الزكاة، فلم يأمرنا، ولم ينهنا، ونحنُ نفعله)). إسناد صحيح، ورجاله رجال
الصحيح، إلا أبا عمّار الراوي له عن قيس بن سعد، وهو كوفيّ، اسمه عَرِيب -
بالمهملة المفتوحة- ابن حُميد، وقد وثّقه أحمد، وابن معين، وهو دالّ على أن فرض
صدقة الفطر كان قبل فرض الزكاة، فيقتضي وقوعها بعد فرض رمضان، وذلك بعد
الهجرة، وهو المطلوب.
ووقع في ((تاريخ الإسلام)): في السنة الأولى فُرِضت الزكاة. وقد أخرج البيهقيّ في
((الدلائل)) حديث أم سلمة المذكور من طريق ((المغازي لابن إسحاق)) من طريق يونس
ابن بُكير، عنه، وليس فيه ذكر الزكاة، وابن خزيمة أخرجه من حديث ابن إسحاق،
لكن من طريق سلمة بن الفضل، عنه، وفي سلمة مقال(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن الراجح أن فرض الزكاة كان بعد
الهجرة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم فيمن تجب عليه الزكاة:
قال الإمام محمد بن رُشد رحمه اللّه تعالى في كتابه («بداية المجتهد، ونهاية المقتصد)):
اتفقوا على أنها تجب على كل مسلم حرّ، بالغ، عاقل، مالك للنصاب، ملكًا تامًّا.
واختلفوا في وجوبها على اليتيم، والمجنون، والعبيد، وأهل الذّة، والناقص
الملك، مثل الذي عليه دينٌ، أو له الدين، ومثل المال المحبّس الأصل.
فأما الصغار، فإن قومًا قالوا: تجب عليهم الزكاة في أموالهم، وبه قال عمر، وعليّ،
وابن عمر، وجابر، وعائشة، والحسن بن عليّ من الصحابة *، وبه قال جابر بن
زيد، وابن سيرين، وعطاء، ومجاهد، وربيعة، ومالك، والشافعيّ، والثوريّ،
وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وغيرهم من فقهاء الأمصار.
وقال قوم: ليس في مال اليتيم صدقةٌ أصلًا. وبه قال النخعيّ، والحسن، وسعيد بن
جبير، من التابعين .
وفرق قوم بين ما تُخرج الأرض، وبين ما لا تُخرجه، فقالوا: عليه الزكاة فيما تُخرجه
الأرض، وليس عليه زكاة فيما عدا ذلك، من الماشية، والنّاض(٣)، والعُرُوض، وغير
(١) - سيأتي في - ٢٥٠٧/٣٥ .
(٢) - راجع ((الفتح) ج٤ ص٩ - ١٠ .
(٣) - أي الدرهم والدينار، فقد ذكر في ((القاموس)) من معاني الناض: الدرهم، والدينار، أو إنما
يسمى ناضًا إذا تحوّل عَينًا بعد أن كان متاعًا انتهى بتصرّف من مادة نضّ.

٣٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
ذلك. وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه.
وفرق آخرون بين النّاضّ وغيره، فقالوا: عليه الزكاة إلا في الناضّ.
قال ابن رشد: وسبب اختلافهم في إيجاب الزكاة عليه، أو لا إيجابها هو اختلافهم
في مفهوم الزكاة الشرعية، هل هي عبادة كالصلاة، والصيام؟ أم هي حقّ واجب للفقراء
على الأغنياء؟ فمن قال: إنها عبادة اشترط فيها البلوغ، ومن قال: إنها حقّ واجبٌ
للفقراء والمساكين في أموال الأغنياء، لم يَعتَبِر في ذلك بلوغًا من غيره، وأما من فرّق
بين ما تُخرجه الأرض، أو لا تخرجه، وبين الخفيّ والظاهر، فلا أعلم له مستندًا في هذا
الوقت. انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: المذهب الأول عندي هو الأرجح؛ لعموم النصوص
الصحيحة في إيجاب الزكاة، ولما روي من آثار الصحابة: عمر، وعليّ، وعائشة،
وجابر ، رواها أبو عبيد، والبيهقيّ، والدارقطنيّ وغيرهم. والله تعالى أعلم.
قال: وأما أهل الذمّة، فإن الأكثر على أن لا زكاة على جميعهم؛ إلا ما روت طائفة
من تضعيف الزكاة على نصارى بني تغلب -أعني أن يؤخذ منهم مثلا ما يؤخذ من
المسلمين في كلّ شيء -.
وممن قال بهذا الشافعيّ، وأبو حنيفة، وأحمد، والثوريّ، وليس عن مالك في ذلك
قولٌ، وإنما صار هؤلاء لهذا لأنه ثبت أنه فعل عمر بن الخطّاب بهم، وكأنهم رأوا أن
مثل هذا هو توقيفٌ، ولكن الأصول تعارضه.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: كون هذا الذي أخذ من نصارى بني تغلب زكاةً فيه
نظرٌ لا يخفى. والله تعالى أعلم.
قال: وأما العبيد فإن الناس فيهم على ثلاثة مذاهب:
فقوم قالوا: لا زكاة في أموالهم أصلًا، وهو قول ابن عمر، وجابر من الصحابة
، ومالك، وأحمد، وأبي عُبيد، من الفقهاء.
وقال آخرون: بل زكاة مال العبد على سيده، وبه قال الشافعيّ، فيما حكاه ابن
المنذر، والثوريّ، وأبو حنيفة، وأصحابه.
وأوجبت طائفة أخرى على العبد في ماله الزكاة، وهو مرويّ عن ابن عمر، من
الصحابة، وبه قال عطاء، من التابعين، وأبو ثور من الفقهاء، وأهل الظاهر،
وبعضهم(١). وجمهور من قال: لا زكاة في مال العبد هو على أن لا زكاة في مال
المكاتب حتى يعتق. وقال أبو ثور: في مال المكاتب زكاة.
(١) - هكذا نسخة الكتاب: ((وبعضهم)) بالواو، ولعله: ((او بعضهم)) بـ((أو ((، فليحرّر.

٣٧٥
١- (ہابُ وُجُوب الزكاة) - حديث رقم ٢٤٣٥
وسبب اختلافهم في زكاة مال العبد اختلافهم في هل يملك العبد ملكًا تامًا أو غير تام؟
فمن رأى أنه لا يملك ملكًا تامًّا، وأن السيّد هو المالك، إذ كان لا يخلو مال من مالك،
قال: الزكاة على السيّد، ومن رأى أنه لا واحد منهما يملكه ملكا تامامًا، لا السيّد، إذ
كانت يد العبد هي التي عليه، لا يد السيّد، ولا العبد أيضًا، لأن للسيّد انتزاعه منه،
قال: لا زكاة في ماله أصلا. ومن رأى أن اليد على المال توجب الزكاة فيه لمكان
تصرّفها فيه تشبيهًا بتصرّف يد الحرّ قال: الزكاة عليه، لا سيّما من كان عنده أن الخطاب
العامّ يتناول الأحرار والعبيد، وأن الزكاة عبادة تتعلّق بالمكلّف لتصرّف اليد في المال.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا القول الأخير هو الظاهر عندي؛ لأن النصوص
تعمّ الحرّ والعبد، وظواهر النصوص أن العبد يملك إذا أذن له السيّد في التصرّف. والله
تعالى أعلم.
قال: وأما المالكون الذين عليهم الديون التي تستغرق أموالهم، أو تستغرق ما تجب
فيه الزكاة من أموالهم، وبأيديهم أموال تجب فيها الزكاة، فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال:
قوم: لا زكاة في مال حَبًّا كان، أو غيره حتى تُخرج منه الديون، فإن بقي ما تجب فيه
الزكاة زُكّي، وإلا فلا. وبه قال الثوريّ، وأبو ثور، وابن المبارك، وجماعة.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: الدين لا يمنع زكاة الحبوب، ويمنع ما سواها.
وقال مالك: الدين يمنع زكاة الناضّ فقط، إلا أن يكون له عُروض فيها وفاء من
دینه، فإنه لا يمنع.
وقال قوم بمقابل القول الأول، وهو أن الدين لا يمنع زكاة أصلًا.
والسبب في اختلافهم اختلافُهم، هل الزكاة عبادة، أو حقّ مرتّبٌ في المال
للمساكين؟ فمن رأى أنهاحقّ لهم قال: لا زكاة في مال من عليه الدين، لأن حقّ
صاحب الدين متقدّم بالزمان على حقّ المساكين، وهو في الحقيقة مال صاحب الدين،
لا للذي المالُ بيده، ومن قال: هي عبادة قال: تجب على من بيده مالٌ لأن ذلك هو
شرط التكليف، وعلامته المقتضية الوجوب على المكلّف، سواء كان عليه دينٌ، أو لم
يكن؛ وأيضًا فإنه قد تعارض هنالك حقّان: حقّ لله، وحقّ للآدميّ، وحقّ اللَّه أحقّ أن
يُقضى. والأشبه بغرض الشرع إسقاط الزكاة عن المديون؛ لقوله وَ لجر: ((صدقة تؤخذ من
أغنيائهم، وتُردّ على فقرائهم ... )) والمديون ليس بغنيّ. وأما من فرق بين الحبوب،
وغير الحبوب، وبين الناضّ، وغير النّاضّ، فلا أعلم له شبهة بيّنة.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الأقرب عندي أن من عليه دين يستغرق بماله، لا
زكاة عليه أصلًا، ومن عليه دين لا يستغرق لا زكاة عليه بقدر الدين، ويزكي ما عداه؛

٣٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
لظاهر النصّ المذكور، فإنه شرط في أخذ الزكاة أن يكون غنيّا، والمديون لا يسمّى
غنيًا. والله تعالى أعلم.
قال: وأما المال الذي هو في الذّمّة -أعني في ذمة الغير - وليس هو بيد المالك،
وهو الدين، فإنهم اختلفوا فيه أيضاً، فقوم قالوا: لا زكاة فيه، وإن قُبض حتى يستكمل
شرط الزكاة عند القابض له، وهو الحول، وهو أحد قولي الشافعيّ، وبه قال الليث، أو
هو قياس قوله. وقوم قالوا: إذا قبضه زكّاه لما مضى من السنين. وقال مالك: يزكيه
لحول واحد، وإن أقام عند المديون سنين إذا كان أصله عن عوض، وأما إذا كان عن
غير عوض، مثل الميراث، فإنه يستقبل به الحول انتهى كلام ابن رشد ببعض
تصرّف(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي أنه إن كان الدين عند مقرّ به، أو
له عليه بيّنة، فإنه يزكّيه، وإلا فلا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط الحول في الزكاة:
ذكر ابن رشد رحمه الله تعالى أن جمهور الفقهاء يشترطون في وجوب الزكاة في
الذهب والفضّة والماشية الحولَ، لثبوت ذلك عن الخلفاء الأربعة، ولانتشاره في
الصحابة . ولانتشار العمل به، ولاعتقادهم أن مثل هذا الانتشار من غير خلاف لا
يجوز أن یکون إلا عن توقيف. وقد روي مرفوعًا من حديث ابن عمر تطئنا، عن النبيّ
وَ لخير، أنه قال: ((لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول))، وهذا مجمع عليه عند فقهاء
الأمصار، وليس فيه في الصدر الأول خلاف، إلا ما روي عن ابن عباس، ومعاوية
.، وسبب اختلافهم أنه لم يرد في ذلك حديث ثابت. قاله ابن رشد رحمه الله
(٢)
تعالى(٢).
وقال النووي رحمه الله تعالى: ما معناه: هذا الأثر المذكور عن أبي بكر، وعثمان،
وعليّ * صحيح عنهم، رواه البيهقيّ وغيره، وقد روي عن عليّ، وعائشة رَيْهتا عن
النبيّ بَّر، أنه قال: ((لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول)).
قال: وإنما لم يحتج المصنّف -يعني صاحب ((المهذّب))- بالحديث؛ لأنه ضعيف،
فاقتصر على الآثار المفسّرة. قال البيهقيّ: الاعتماد في اشتراط الحول على الآثار
٥ .
الصحيحة، فيه عن أبي بكر الصدّيق، وعثمان، وابن عمر، وغيرهم .
قال العبدريّ: أموال الزكاة ضربان: (أحدهما): ما له نماء في نفسه، كالحبوب
(١) - ((بداية المجتهد)) ج١ ص٢٤٥-٢٤٦.
(٢) - ((بداية المجتهد)) ج١ ص ٢٧٠.

٣٧٧
١- (بابُ وُجُوب الزكاة) - حديث رقم ٢٤٣٦
والثمار، فهذا تجب الزكاة فيه لوجوده. (والثاني): ما هو مُرَصَّدٌ للنماء، كالدراهم،
والدنانير، وعروض التجارة، والماشية، فهذا يُعتبر فيه الحول، فلا زكاة في نصابه حتى
يحول عليه الحول، وبه قال الفقهاء كافّةً، قال: وقال ابن مسعود، وابن عباس له :
تجب الزكاة فيه يوم ملك النصاب، قال: فإذا حال الحول وجبت زكاة ثانية.(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: مذهب الجمهور، في اشتراط الحول عندي هو
الأرجح؛ للآثار الصحيحة المذكور، والحديث المذكور صحيح موقوفًا، لكن الموقوف
في مثل هذا في حكم المرفوع، وأما رفعه فضعيف. وقد صححه بعض أهل العلم من
المعاصرين، وفيه نظر لا يخفى، لأن فيه عنعنة أبي إسحاق السبيعيّ، وهو معروف
بالتدليس، وأن جرير بن حازم خالف الثقات في رفعه، فقد رواه الثوريّ، وشريك،
وزكريا بن أبي زائدة، وغيرهم عن أبي إسحاق عن علي موقوفًا (٢).
وفيه عّة أخرى، نبّه عليها ابن الموّاق، وهي أن جرير بن حازم لم يسمعه من أبي
إسحاق، فقد رواه الحفّاظ أصحاب ابن وهب: سحنون، وحرملة، ويونس، وبحر بن
نصر، وغيرهم عن ابن وهب، عن جرير بن حازم، والحارث بن نبهان، عن الحسن بن
عمارة، عن أبي إسحاق، فذكره. ذكره الحافظ في ((التلخيص الحبير))(٣).
وهذه العلة بمفردها تكفي، فإن الحسن بن عمارة متروك الحديث.
وقد روي الحديث أيضًا عن ابن عمر، وعائشة ، بأسانيد ضعيفة، لا تصلح
للاحتجاج بها، ولا للاستشهاد.
والحاصل أن الاعتماد في المسألة على الآثار الصحيحة المتقدّمة، لا على المرفوع،
كما نبّه عليه البيهقيّ رحمه الله تعالى، فيما تقدم من كلامه. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٤٣٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ بُهْزَ بْنَ
حَكِيم، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَا أَتَيْتُكَ حَتَّى حَلَفْتُ أَكْثَرَ
مِنْ عَدَدِهِنَّ، لِأَصَابِعِ يَدَيْهِ، أَنْ لَا آتِيَكَ، وَلَا آتِيَ دِينَكَ، وَإِنِّي كُنْتُ امْرَأَ، لَا أَعْقِلُ شَيْئًا،
إِلَّا مَا عَلَّمَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَرَسُولُهُ، وَإِنِّي أَسْأَلُكَ بِوَخِي اللَّهِ، بِمَا بَعَثَكَ رَبُّكَ إِلَيْنَا؟،
قَالَ: ((بِالْإِسْلَام)، قُلْتُ: وَمَا آيَاتُ الْإِسْلَام؟، قَالَ: ((أَنْ تَقُولَ أَسْلَّمْتُ وَجْهِي إِلَى اللَّهِ،
وَتَّخَلَّيْتُ، وَتُقِيمُّ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ))) .
(١) - ((المجموع)) ج٥ص٣٢٧-٣٢٨.
(٢) - راجع ((الإرواء)) للشيخ الألبانيّ ج٣ ص٢٥٦-٢٥٧.
(٣) - ((التلخيص الحبير)) ج٢ ص ٣٣٧.

٣٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ البصريّ، ثقة [١٠]٥/٥ .
٢- (معتمر) بن سليمان التيميّ البصريّ، ثقة، من كبار[٩]١٠/١٠.
٣- (بهز بن حَكِيم) بن معاوية القشيريّ، أبو عبد الملك البصريّ، صدوق [٦].
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وقال أيضًا: إسناد صحيح، إذا كان
دون بهز ثقة. وقال ابن البراء، عن ابن المدينيّ: ثقة. وقال أبو زرعة: صالح، ولكنه
ليس بالمشهور. وقال أبو حاتم: هو شيخ يُكتب حديثه، ولا يحتجّ به. وقال أيضًا:
عمرو بن شُعيب، عن أبيه عن جدّه أحبّ إليّ. وقال النسائيّ: ثقة. وقال صالح جَزَرَة:
إسناد أعرابيّ. وقال الحاكم: كان من الثقات ممن يُجمع حديثه، وإنما أسقط من
الصحيح روايته عن أبيه، عن جدّه لأنها شاذة، لا متابع له عليها. وقال ابن عديّ: قد
روی عنه ثقات الناس، وقد روى عنه الزهريّ، وأرجو أنه لا بأس به، ولم أر له حديثًا
منكرًا، وإذا حدّث عنه ثقة، فلا بأس به. وقال الآجريّ، عن أبي داود: هو عندي
حجة، وعند الشافعيّ ليس بحجة، ولم يُحدّث شعبة عنه، وقال له: من أنت؟، ومن
أبوك؟. وقال ابن حبّان: كان يُخطىء كثيرًا، فأما أحمد، وإسحاق فهما يحتجان به،
وتركه جماعة من أئمتنا، ولو لا حديثه: ((وإنا آخذوها، وشطرَ ماله)) لأدخلناه في
((الثقات))، وهو ممن أستخير الله فيه. وقال الترمذيّ: وقد تكلّم شعبة في بهز، وهو ثقة
عند أهل الحديث. وقال أبو جعفر محمد بن الحسن البغداديّ في ((كتاب التمييز)): قلت
لأحمد -يعني ابن حنبل -: ما تقول في بهز بن حكيم؟ قال: سألت غندرًا عنه، فقال:
قد كان شعبة مسّه، ثم تبيّن معناه، فكتب عنه. قال: وسألت ابن معين: هل روى شعبة
عن بهز؟ قال: نعم، حديث ((أَتَرْعَوُون عن ذكر الفاجر))، وقد كان شعبة متوقّفًا عنه.
وقال أبو جعفر السبتيّ: بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه صحيح. وقال ابن قُتيبة: كان
من خيار الناس. وقال أحمد بن بشير: أتيت البصرة في طلب الحديث، فأتيت بهزًا،
فوجدته يلعب بالشطرنج مع قوم، فتركته، ولم أسمع منه.
علّق له البخاريّ، وأخرج له الأربعة، وروى له المصنف برقم ٢٤٣٦ و٢٤٤٤
و٢٤٤٩ و٢٥٦٦ و٢٥٦٨ و٢٦١٣ و٤٨٧٧ و ٤٨٧٨.
٤- (أبوه) حكيم بن معاوية القشيريّ، صدوق [٣].
قال العجليّ: ثقة. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)).
وذكره أبو الفضائل الصغاني فيمن اختُلف في صحبته، وهو وهَمّ منه، فإنه تابعيٍّ قطعًا.
علّق له البخاريّ، وأخرج له الأربعة، وروى له المصنف بالأرقام المذكورة في
الترجمة الماضية .

٣٧٩
١- (بابُ وُجُوب الزكاة) - حديث رقم ٢٤٣٦
٥- (جده) معاوية بن حَيْدَة بن معاوية بن قُشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن
صَعْصَعة القشيريّ، نزل البصرة. روى عن النبيّ وَّر. وعنه ابنه حكيم، وعُروة بن رُوَيم
اللَّخْميّ، وحميد المزنيّ. قال ابن سعد: وَفَد على النبيّ ◌َّ، وصحبه. وقال ابن
الكلبيّ: أخبرني أبي أنه أدركه بخُرَاسان، ومات بها. وذكر الحاكم أبو عبد الله، وتبعه
ابن الصلاح أنه تفرّد بالرواية عنه ابنه. لكن فيه نظر، فقد مرّ آنفًا أنه رَوى عنه عروة بن
رُوَيم، وحميد المزني.
علّق له البخاريّ، وروى له الأربعة، وروى له المصنف في هذا الكتاب بالأرقام
المذكورة أيضًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات.
(ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن أبيه، عن جده.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن معاوية بن حيدة رَّه، أنه قال: (قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَا أَتَيْتُكَ) ((ما)) نافية، أي
لم أجىء إليك (حَتَى حَلَفْتُ أَكْثَرَ مِنْ عَدَدِهِنَّ، لِأَصَابِعِ يَدَئِهِ) يريد أن ضمير ((عددهنّ)»
لأصابع يديه، وفي رواية أحمد عن يحيى بن سعيد، عن بهز: ((والله ما أتيتك، حتى
حلفت أكثر من عدد أولاء، وضرب إحدى يديه على الأخرى)) (أَنْ لَا آتِيَكَ، وَلَا آتِيَ
دِينَكَ) يريد أنه كان كارهًا للنبيّ وَّرَ، ولدين الإسلام، إلا أن اللَّه تعالى منّ عليه، فهداه
للإسلام، فجاء، مسترشدًا، وطالبًا معرفة حقيقة الأمر الذي جاء به النبيّ وََّ (وَإِنِّي
كُنْتُ امْرَأَ) الظاهر أن ((كان)» هنا زائدة، والمراد أني في الحال لا أعقل شيئًا الخ. وليس
المراد أنه كان في سالف الزمان كذلك، ومقصوده أنه ضعيف الرأي، عقيم النظر،
فينبغي للنبيّ ◌َّ﴾ أن يجتهد في تعليمه، وتفهيمه. قاله السنديّ(١).
(لَا أَعْقِلُ شَيْئًا، إِلَّا مَا عَلَّمَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَرَسُولُهُ) بَّهِ (وَإِنِّي أَسْأَلُكَ بِوَخِي اللَّهِ)
وفي ((الكبرى)): ((بوجه اللَّه))، وأشار في هامش ((الهندية)) أنه هكذا في بعض نسخ
((المجتبى))، وهو الذي ترجم عليه في الرواية الآتية - ٢٥٦٨/٧٣ - باب ((من سأل بوجه
اللَّه عز وجل)) (بِمَا بَعَثَكَ رَبُّكَ إِلَيْنَا؟) وفي ((الكبرى)) ((بم بعثك الخ))، بحذف الألف،
وهو الجاري على غالب الاستعمال، لأن ((ما)) الاستفهامية إذا جرّت ◌ُحذفُ ألفها غالبًا،
(١) - ((شرح السنديّ)) ج ٥ص٤ -٥.

=
٣٨٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
سواء جُرّت بحرف، كما في قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَلَمَلُونَ﴾ [النبأ: ١]، أو باسم، كما في
قولك: ((اقتضاءَ مَ اقتَضَى زيدٌ))، وقَلّ إثباتها، كقول حسّان [من الوافر]:
عَلَى مَا قَامَ يَشْتِمُنِي لَئِيمٌ كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ فِي الرَّمَادِ
وكقراءة بعضهم: ﴿عَمَّ يَتَسَلَّلُونَ﴾، وكهذا الحديث، وتلحقها هاء السكت في الوقف
غالبًا، وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك في ((الخلاصة)) بقوله:
و((مَا)) فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ أَلِفُهَا وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ
وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا انْخَفَضًا
بِاسْم كَقَوْلِكَ اقْتِضَاءَ مَ اقْتَضَى
(قَالَ) وَِّ (بِالْإِسْلَام) متعلّق بمقدّر، دلّ عليه السؤال، أي بعثني بالإسلام (قُلْتُ:
وَمَا آيَاتُ الْإِسْلَام؟) أي ما هي الأشياء التي تكون دالّة على تحقّق الدخول فيه،
واستحقاق من تمسَّك بها أن يسمّى مسلمًا (قَالَ) وَِّ ((أَنْ تَقُولَ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَى اللَّهِ)
أي جعلت جميع أجزائي منقادًا لحكمه تعالى، واستسلمت له، فالمراد بالوجه تمام
النفس، أي كله (وَتَخَلَّيْتُ) أي تبرّأت من الشرك، وانقطعت عنه. قاله ابن الأثير(١).
وقال السنديّ رحمه الله تعالى: والتخلّي: التفرّغ،، أراد البعد من الشرك، وعقدَ
القلب على الإيمان، أي تركتُ جميع ما يُعبد من دون اللَّه، وصِرتُ عن الميل إليه
فارغًا، ولعلّ هذا كان بعد أن نطق بالشهادتين، لزيادة رُسُوخ الإيمان في القلب.
ويحتمل أن يكون هذا إنشاءَ الإسلام؛ لأنه في معنى الشهادة بالتوحيد، والشهادة
بالرسالة قد سبقت منه بقوله: ((إلا ما علّمني الله ورسوله))، أو أن هذا الكلام يتضمّن
الشهادة بالرسالة؛ لما في أسلمت وجهي من الدلالة على قبول جميع أحكامه تعالى،
ومن جملة تلك الأحكام أن يشهد الإنسان لرسوله بالرسالة، ففيه أن المقصود الأصليّ هو
إظهار التوحيد، والشهادة بالرسالة بأيّ عبارة كانت. والله تعالى أعلم انتهى كلام
السنديّ(٢).
(وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ) أي تؤديها مراعيًا شروطها، وأركانها، وسننها (وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ))) زاد في
الرواية الآتية: ((كُلُّ مسلم على مسلم مُخرِمٌ، أخوان نصيران، لا يقبل اللَّه عز وجل من
مشرك عملًا، أو يفارقَ المشركين إلى المسلمين)).
فقوله: ((كلّ مسلم على مسلم مُخرِمٌ)). وهو بصيغة اسم الفاعل كما قال ابن الأثير،
وعبارته في ((النهاية)): يقال: إنه لَمُخْرِمُ عنك، أي يَحَرِّمَ أذاك عليه، ويقال: مسلم
(١) - ((جامع الأصول)) ج١ ص٢٣٤ تحقيق عبدالقادر الأرناؤوط.
(٢) - ((شرح السندي» ج٥ص٥ .