Indexed OCR Text

Pages 301-320

١ ٣٠ =
٥٧- ( صَوْمُ ثلثي الدّهْرِ، وَذِكْرُ ... - حديث رقم ٢٣٨٥
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير أبي عمار، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين. (ومنها):
أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن أبي عمّار، عن عمرو
ابن شُرحبيل. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَِّيِّ وَّهِ) لم أر من سمّاه، لكن جهالته لا تضرّ؛ لأن الصحابة
وَلّ كلهم عدول بإجماع من يُعتدّ بإجماعه، كما هو مقرّر في كتب مصطلح الحديث (قَالَ: قِيلَ
لِلَّبِيِّ وَّهِ: رَجُلٌ يَصُومُ الدَّهرَ) ((رجل)) مبتدأ، وما بعده صفته، والخبر محذوف، أي ما
حكمه؟ . ويحتمل أن يكون ((قیل)) بمعنی ذُكِرَ، و((رجل)) نائب فاعله، وجملة ((يصوم الدهر))
صفة ل((رجل)). ويؤيّد الاحتمال الأول وقوعه في الرواية التالية بلفظ الاستفهام: ((ما تقول
في رجل صام الدهر؟)). (قَالَ: ((وَدِدْتُ أَنَّهُ لَمْ يَطْعَم الدَّهْرَ))) أي وددت أنه ما أكل ليلاً، ولا
نهارًا، حتى مات جوعًا، والمقصود بيان كراهة عمله، وأنه مذموم العمل حتى يتمنّى له
الموت بالجوع (قَالُوا: فَثُلُثَيْهِ) بالنصب مفعولا لمقدّر، أي إن صام ثلي الدهر، فما حكمه؟
(قَالَ: ((أَكْثَرَ) يحتمل أن يكون أفعل تفضيل، مرفوعًا خبرًا لمحذوف، أي هو أكثر من الحد
المطلوب. ويحتمل أن يكون فعلاً ماضيا، أي أكثر الرجل من الصوم حتى جاوز الحدّ ينبغي
أن لا يتجاوزه عع (قَالُوا: فَنِصْفَهُ) أي إن صام نصف الدهر (قَالَ: ((أَكْثَرَ))) هذا بناء على
النظر إلى أحوال غالب الناس، فإنه بالنظر إلى غالبهم يضعف، ويُخلّ في إقامة الفرائض
وغيره، وإلا فهو صوم داودّ الَّلهُ، وقد ثبت عنه وَالل أنه قال: ((أفضل الصيام صيام داود
◌َِّرُ))، كما يأتي في الباب التالي (ثُمَّ قَالَ: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ) -
بفتحتين- قيل: غَشّه، ووساوسه. وقيل: الحقد والغيظ. وقيل: العداوة. وقيل: أشدّ
الغضب. وقيل: ما يحصل في القلب من الكدورات، والقسوة، وينبغي أن يراد ههنا
الحاصلة بالاعتياد على الأكل والشرب، فإن الصوم إنما شُرع لتصقيل القلب، كما قال الله
عز وجل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْضِيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ﴾ [البقرة:
١٨٣[، فكأنه أشار إلى أن هذا القدر يكفي في ذلك. ويحتمل أن يقال: طالب العبادة لا
يطمئنّ قلبه بلا عبادة، فأشار إلى أن القدر الكافي في الاطمئنان هذا القدر، والباقي زائد
عليه. والله تعالى أعلم. قاله السنديّ (١) .
(١) - ((شرح السندي)) ج٤ ص٢٠٨-٢٠٩.

٣٠٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
(صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) بالرفع على أنه خبر لمحذوف، أي هو صوم ثلاثة أيام (مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) .
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، ولا يقال: فيه سفيان
والأعمش من المدلسين؛ لأنه تشهد له الأحاديث الآتية، وهو من أفراد المصنّف،
أخرجه هنا-٢٣٨٥/٧٥ و٢٣٨٦ - وفي ((الكبرى)) ٢٦٩٣/٧٥ و٢٦٩٤. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٨٦ - (أُخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ
أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَخْبِيلَ، قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِوَّهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا
تَقُولُ فِي رَجُلٍ، صَامَ الَذَّهْرَ كُلَّهُ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: وَدِدْتُ أَنَّهُ لَمْ يَطْعَمِ الدَّهْرَ شَيْئًا،
قَالَ: فَقُلُثَيْهِ؟، قَالَ: (أَكْثَرَ))، قَالَ: فَنِصْفَهُ؟، قَالَ: ((أَكْثَرَ))، قَالَ: (أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يُذْهِبُ
وَحَرَ الصَّذْرِ؟))، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ((صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، مِنْ كُلِّ شَهْرٍ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد هم المذكورون في السند الماضي،
غير شيخه، محمد بن العلاء، أبي كريب، وغير أبي معاوية محمد بن خازم الضرير.
والحديث مرسل؛ لأن عمرو بن شُرحبيل تابعيّ، لكن يشهد له ما قبله، فهو صحيح
به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٨٧- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
مَعْبَدِ الزُّمَّانِيّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ الدَّهْرَ
كُلَّهُ؟، قَالَ: ((لَا صَامَ، وَلَا أَفْطَرَ))، أَوْ ((لَمْ يَصُمْ، وَلَمْ يُفْطِزْ))، قَالَ: يَا رَسُولُ اللَّهِ،
كَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ يَوْمَيْنٍ، وَيُفْطِرُ يَوْمًا؟، قَالَ: ((أَوَ يُطِيقُ ذَلِكَ أَحَدٌ؟، قَالَ: فَكَيْفَ بِمَنْ
يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا؟، قَالَ: ((ذَلِكَ صَوْمُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام))، قَالَ: فَكَيْفَ بِمَنْ
يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمَيْنٍ؟، قَالَ: ((وَدِدْتُ أَنِّي أُطِيقُ ذَلِكَ))، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: ((ثَلَاثْ مِنْ
كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، هَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّمِ)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((حماد)):
هو ابن زید.
وقوله: أَوَ يطيق ذلك)) الهمزة للاستفهام، والواو عاطفة، قال السنديّ رحمه الله
تعالى: كأنه كرهه؛ لأنه مما يُعجَز عنه في الغالب، فلا يُرغَب فيه في دین سَهْلٍ سَمْحٍ
انتھی .
وقوله: ((ذاك صوم داود)) أي وصومه أفضل الصيام، وكأنه تركه لتقريره ذلك غير
مرّة. والله تعالى أعلم.

٧٦- ( صَوْمُ يَوْم، وآِفْطَارُ يَوْم، وَفِكْرُ ... - حديث رقم ٢٣٨٨
٣٠٣
وقوله: ((وددت أني أُطيق ذلك)) أي أقدر عليه مع أداء حقوق النساء، فمرجع هذا إلى
خوف فوات حقوق النساء، فإن إدامة الصوم يُخلّ بحظوظهنّ منه، وإلا فكان يُطيق أكثر
منه، فإنه كان يواصل. قاله السنديّ.
والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم قبل باب برقم -٧٣/ ٢٣٨٢ - وتقدم تمام البحث
فيه هناك، فراجعه تزدد علمًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٧٦- ( صَوْمُ يَوْمِ، وَإِفْطَارُ يَوْم،
وَذِكْرُ اخْتِلَافٍ أَلْفَاظِ النَّقِينَ(١) لِخَبَرِ
عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرِو فِيهِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف المذکور أنه في روايات مجاهد سمی
صوم يوم وإفطار يوم أفضل الصيام، وفي رواية أبي سلمة سماه صوم نصف الدهر،
وفي رواية ابن المسيب، وأبي سلمة سماه أعدل الصيام، وفي رواية أبي سلمة الأخيرة
سماه أعدل الصيام عند الله.
ولا تخالف بينها، فإن الأعدل لا ينافي كونه أفضل؛ لأن العدل في الأمور هو
الاقتصاد، وهو خلاف الجور، كما في ((المصباح))، والاقتصاد أفضل الأمور، وهو
أيضًا صوم نصف الدهر؛ لأن صوم يوم، وفطر يوم هو صوم نصف الدهر. والله تعالى
أعلم بالصواب.
٢٣٨٨- (قَالَ: وَفِيَمَا قَرَأَ عَلَيْنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
حُصَيْنٌ، وَمُغِيرَةُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ:
((أَفْضَلُ الصِّيَّامِ، صِيَامُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامِ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا))).
قال الجامعَ عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: ((قال: وفيما قرأ علينا الخ)» هكذا العبارة هنا،
وفي ((الكبرى)) على خلاف عادته، حيث يقول: ((أخبرنا)) بكثرة، و((حدثنا))، أو نحو
(١) - هكذا النسخة الهندية، ووقع في النسخ المطبعة بلفظ ((وذكر اختلاف ألفاظ الناقلين في ذلك
الخ)»، والظاهر أنه غلط، لأن قوله في الآخر: ((فيه)) بمعناه، فيكون تكرارًا. فتنبّه.

٣٠٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّام
ذلك بقلة، ولما هنا أيضًا وجه صحيح.
وذلك أن قائل ((قال)) هو الراوي عن المصنّف، وهو الحافظ أبو بكر ابن السنّيّ؛ لأنه
المشهور برواية ((المجتبى)) عنه، ويحتمل أن يكون غيره، وفاعل ((قال)) ضمير النسائيّ،
وقوله: ((فيما قرأ علينا الخ)) متعلّق بحال مقدّر، أو بـ((قال))، من قوله: ((قال: حدثنا
هشيم))، وفاعل ((قال)) ضمير أحمد بن منيع، وجملة ((حدثنا هشيم)) مقول القول،
والتقدير: قال النسائيّ: قال أحمد بن منيع فيما قرأه علينا من الأحاديث: حدثنا هشيم
الخ.
و((هشيم)): هو ابن بشير الواسطيّ. و((حصين)): هو ابن عبدالرحمن. و((مغيرة)): هو
ابن مقسم .
والحديث صحيح، ويأتي تمام البحث فيه في الحديث الذي بعده، إن شاء الله
تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٨٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو
عَوَانَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: أَنْكَحَنِي أَبِي امْرَأَةً،
ذَاتَ حَسَبٍ، فَكَانَ يَأْتِيهَا، فَيَسْأَلُهَا عَنْ بَعْلِهَا، فَقَالَتْ: نِعْمَ الرَّجُلُ، مِنْ رَجُلٍ، لَمْ يَطَّأْ
لَنَا فِرَاشًا، وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَتَفًا، مُنْذُ أَتَيْنَاهُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِّ وَِّ، فَقَالَ: ((اثْنِي بِهِ))،
فَتَيْتُهُ مَعَهُ، فَقَالَ: ((كَيْفَ تَصُومُ؟)»، قُلْتُ: كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: ((صُمْ مِنْ كُلِّ جُمعَةٍ، ثَلَاثَةَ
أَيَّام))، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ (١) مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: ((صُّمْ يَوْمَيْنٍ، وَأَفْطِزْ يَوْمًا))، قَالَ: إِنِّي
أَطِيْقُ، أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: ((صُمْ أَفْضَلَ الصِّيَّامِ، صِيَامَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامِ، صَوْمُ يَوْمٍ،
وَفِطْرُ يَوْم)»).
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (محمد بن مَعْمَر) بن ربعيّ القيسيّ البحرانيّ البصريّ، صدوق، من كبار [١١]
١٨٢٩/٥ .
٢- (يحيى بن حمّاد) بن أبي زياد الشيبانيّ مولاهم البصريّ، خَتَنُ أبي عوانة، ثقة
عابد، من صغار [٩] ٢٢٢٥/٤٣.
٣- (أبو عوانة) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ البزاز، ثقة ثبت [٧]
٤٦/٤١ .
٤- (مغيرة) بن مِقْسَم الضبّيّ مولاهم، أبو هشام الكوفيّ الأعمى، ثقة متقنّ، إلا أنه
(١) -وفي نسخة: ((أكثر)).

٣٠٥
٧٦- ( صَوْمُ يَوْمِ، وَإِفْطَارُ يَوْمِ، وَذِكْرُ ... - حديث رقم ٢٣٨٩
يدلّس [٦] ٣٠١/١٨٨.
٥- (مجاهد) بن جبر المخزوميّن أبو الحجاج المكيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ٣١/٢٧.
٦- (عبد الله بن عمرو) بن العاص بن وائل السهميّ، أبو محمد، أو أبو عبد
الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي اللَّه تعالى عنهما ١١١/٨٩. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد المشايخ التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا
واسطة، وهم الذين جمعتهم بقولي:
اشْتَّرَ
الأَئِمَّةُ
ذَوُو الأُصُولِ السِّئَّةِ الْوُعَاةُ
الْهُدَاءُ
فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوحِ الْمَهَرَةِ
الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَة
أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرٍ
نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرُ السَّرِي
ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيَادٌ يُخْتَذَى
وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَثَّارٍ كَذَا
(ومنها): أن صحابيّه رضي اللّه تعالى عنه أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العبادلة
الأربعة المجموعين في قول السيوطيّ رحمه الله تعالى في ((ألفية الحديث)):
وَالْحَبْرُ وَابْنَا عُمَرٍ وَعَمْرٍو وَابْنُ الزُّبَيْرِ فِي اشْتِهَارٍ يَجْرِي
وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَالَ لَةْ
دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَهُمْ عَبَادِلَهُ
وتقدّم كل هذا غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُجَاهِدٍ) بن جَبْر رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو) ابن
العاص رضي الله تعالى عنهما (أَنْكَحَنِي أَبِي) أي زوّجني، وهذا ظاهر في كون أبيه هو
الذي تولّى تزويجه، كما جرت العادة بذلك، فإن أبا الرجل يتولّی تزويج ابنه، وإن کان
كبيرًا، وذلك بأن يستشيره بالتزويج، ويتقدّم لخطبة المرأة المناسبة له، ويتولّى ما يتعلّق
بأمر العقد، من دفع المهر، ونحو ذلك، فلا حاجة لما ذكره في ((الفتح) من قوله: وهو
محمول على أنه كان المشير عليه بذلك، وإلا فعبدالله بن عمرو حينئذ كان رجلاً
كاملاً.
قال: ويحتمل أن یکون قام عنه بالصداق، ونحو ذلك انتهى.
قلت: وهذا الأخير هو المقصود هنا. والله تعالى أعلم (امْرَأَةً، ذَاتَ حَسَبٍ) وفي

٣٠٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
رواية أحمد عن هشيم، عن مغيرة، وحصين، عن مجاهد في هذا الحديث: ((امرأة من
قريش)). وهي أمّ محمد بنت مَحْمِيَة -بفتح الميم، وسكون المهملة، وكسر الميم، بعها
تحتانيّة مفتوحة خفيفة - ابن جَزْء الزُّبيديّ، حليف قريش، ذكرها الزبير وغيره. قاله في
(الفتح)) (١) (فَكَانَ يَأْتِيهَا) وفي رواية البخاريّ في ((فضائل القرآن)): ((فكان يأتي كُنَّه))، -
بفتح الكاف، وتشديد النون: هي زوج الولد (فَيَسْأَلُهَا عَنْ بَعْلِهَا) أي عن شأنه، هل
يتفقّدها؟، أو لا يلتفت إليها لشغله بالطاعة، ويحتمل أن يكون السؤال عن غير ذلك،
كصحته، أو مرضه، لكن جواب المرأة يقويّ الاحتمال الأول. والله تعالى أعلم.
(فَقَالَتْ: نِعْمَ الرَّجُلُ، مِنْ رَجُلٍ) قال ابن مالك رحمه الله تعالى: يُستفاد منه وقوع
التمييز بعد فاعل ((نعم)) الظاهرِ، وقد منعه سيبويه، وأجازه المبرّد. وقال الكرمانيّ:
يحتمل أن يكون التقدير: نعم الرجل من الرجال، قال: وقد تفيد النكرة في الإثبات
التعميم، كما في قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسُ مَّا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤]، قال: ويحتمل
أن تكون ((من)) للتجريد، كأنه جرّد من رجل موصوف بكذا وكذا رجلاً، فقال: نعم
الرجل المجرّد من كذا، صفته كذا انتهى ( لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا) أي لم يضاجعنا، حتى يطأ
فراشنا (وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا) قال في ((الفتح)): كذا للأكثر -بفاء، ومثناة ثقيلة، وشين
معجمة- وفي رواية لأحمد، والنسائيّ، والكشميهنيّ: ((ولم يَغْشَ)) - بغين معجمة
ساكنة، بعدها شين معجمة- و((كنَفًا)) -بفتح الكاف والنون، بعدها فاء -: هو الستر،
والجانب، وأرادت بذلك الكنايةَ عن عدم جماعه لها؛ لأن عادة الرجل أن يدخل يده مع
زوجته في داخل أمرها. وقال الكرمانيّ: يحتمل أن يكون المراد بالكنف الكنيف،
وأرادت أنه لم يطعم عندها حتى يحتاج إلى أن يفتّش عن موضع قضاء الحاجة. كذا
قال، والأول أولى. وزاد في الرواية التالية من طريق عَبْثر، عن حُصين: ((فوقع بي،
وقال: زوجتك امرأة من المسلمين، فعَضَلْتها، فجعلت، لا ألتفت إلى قوله مما أرى
عندي من القوّة والاجتهاد، فبلغ ذلك النبيّ وَلتر ... )).
(مُنْذُ أَتَيْنَاهُ) تعني من أول وقت أن تزوّجها (فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ بََّ) وفي رواية
البخاريّ: ((فلما طال ذلك عليه ذكر للنبيّ وَّ)، وفيه أنه أباه تَأَنَّى في شكواه إلى النبيّ
وَل رجاء أن يتدارك، فلما تمادى على حاله، خشي أن يلحقه الإثم بتضييع حقوق
زوجته، فشكاه (فَقَّالَ) بَّهِ (((اثْنِي بِهِ) وفي رواية البخاريّ: ((القَني به)) (فَأَتَيْتُهُ مَعَهُ،
فَقَالَ: ((كَيْفَ تَصُومُ؟»، قُلْتُ: كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: ((صُمْ مِنْ كُلِّ ◌ُعَةٍ، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، قُلْتُ:
(١) - ((فتح)) ج١٠ ص١١٧.

٧٦- ( صَوْمُ يَوْمِ، وَإِفْطَارُ يَوْمِ، وَذِكْرُ ... - حديث رقم ٢٣٨٩
٣٠٧ ==
إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: ((صُمْ يَوْمَيْنِ، وَأَفْطِزْ يَوْمًا))) ووقع عند البخاريّ في
((فضائل القرآن)) بلفظ: ((صم ثلاثة أيام في الجمعة، قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك،
قال: أفطر يومين، وصم يومًا».
قال الداوديّ: هذا وَهَمْ من الراوي؛ لأن ثلاثة أيام من الجمعة أكثر من فطر یومین،
وصيام يوم، وهو إنما يُدَرِّجه من الصيام القليل إلى الصيام الكثير. قال الحافظ: وهو
اعتراض متّجه، فلعلّه وقع من الراوي فيه تقديم وتأخير، وقد سلمت رواية هشيم من
ذلك، ولفظه: ((صم في كل شهر ثلاثة أيام، قال: إني أقوى من ذلك، فلم يزل
يرفعني، حتى قال: صم يومًا، وأفطر يومًا انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية المصنّف سالمة من الاعتراض المذكور،
خلاف ما يوهمه ما قاله السنديّ في ((شرحه)) (١).
(قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ، أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: ((صُمْ أَفْضَلَ الصِّيَّامِ، صِيَّامَ دَاوُدَ عَلَيْهِ
السَّلام) بنصب ((صيام)) على البدلية، أو البيان، أو بتقدير ((أعني))، ويجوز رفعه على أنه
خبر لمبتدإ محذوف، أي هو، ولا يجوز جرّه.
وفي رواية لمسلم: ((فصم صوم داود نبيّ اللَّهَ الَّل، فإنه كان أعبد الناس)). قال
القرطبيّ: إنما أحاله على صوم داود، ووصفه بأنه كان أعبد الناس؛ لقوله تعالى:
﴿وَأَذْكُرُ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِّ إِنَّهُ، أَوَّبُ﴾ [ص: ١٧] قال ابن عباس رَّهَا: ((الأَيْدُ)) هنا القوة
على العبادة، و(الأواب)) الرجّاع إلى الله تعالى، وإلى عبادته، وتسبيحه انتهى(٢) (صَوْمُ
يَوْمٍ، وَفِطْرُ يَوْمٍ))) بالرفع على الخبرية لمحذوف، أي هو، ويجوز النصب، كما تقدّم
فيّ الذي قبله.
وزاد في رواية: ((ولا تزد عليه))، وفي أخرى: «قلت: إني أطيق أفضل من ذلك،
فقال النبيّ وَلّ: ((لا أفضل من ذلك))، وفي رواية: ((ولكن أدلك على صوم الدهر، ثلاثة
أيام من الشهر))، قلت: يا رسول اللَّه، إني أطيق أكثر من ذلك، قال: ((صم خمسة
أيام))، قلت: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: ((فصم عشرًا))، فقلت: إني أطيق أكثر من
ذلك، قال: ((فصم صوم داودَلََّلام ... )). وفي رواية: ((صوم يوما)) -يعني من كل
عشرة أيام- ولك أجر ما بقي))، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: ((صم يومين، ولك
أجر ما بقي))، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: ((صم ثلاثة أيام، ولك أجر ما بقي))،
قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: ((صم أربعة أيام، ولك أجر ما بقي))، قال: إني
(١) - راجع ((شرح السنديّ)) ج٤ ص ٢١٠.
(٢) - ((المفهم» ج٣ص٢٢٦ .

شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَام
٣٠٨
أطيق أكثر من ذلك، قال: ((صم أفضل الصيام عند اللّه، صوم داود (لسَّلامُ)).
وهذا يقتضي أنه ◌َ﴾ أمره بصيام ثلاثة أيام من كلّ شهر، ثم بستة، ثم بتسعة، ثم
باثني عشر، ثم بخمسة عشر، فالظاهر من مجموع الروايات الواردة في الباب أنه أمره
بالاقتصار على ثلاثة أيام من كلّ شهر، فلما قال: إنه يطيق أكثر من ذلك زاده بالتدريج
إلى أن أوصله إلى خمسة عشر يومًا، فذكر بعض الرواة عنه ما لم يذكره الآخرون،
ويدلّ على ذلك رواية عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبدالله بن عمرو، عند أبي
داود: ((فلم يزل يناقصني، وأناقصه)).
ووقع عند المصنّف في رواية محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة الآتية -٢٣٩٣ -:
((فصم من الجمعة يومين: الاثنين، والخميس)). وهو فرد من أفراد ما تقدّم ذكره. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبدالله بن عمرو رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٣٨٨/٧٦ و٢٣٨٩ و٢٣٩٠ و٢٣٩١ و٢٣٩٢ و ٢٣٩٣ و٢٣٩٤/٧٧
و ٢٣٩٥ و٢٣٩٦ و ٢٣٩٧/٧٨ و ٢٣٩٨ و٢٣٩٩ و٢٤٠٠ و٢٤٠١ و ٢٤٠٢/٧٩ و٨٠/
٢٤٠٣ و١٦٣٠/١٤ و٢٣٤٤/٦٩ - وفي ((الكبرى)) ٢٦٩٦/٧٦ و٢٦٩٧ و٢٦٩٨
و٢٦٩٩ و٢٦٧٠ و٢٦٧٠١ و٢٧٠٢/٧٧ و٢٧٠٣ و٢٧٠٤ و ٢٧٠٥/٧٨ و٢٧٠٦
و٢٧٠٧ و٢٧٠٨ وو٢٧٠٩ و٢٧١٠/٧٩ و٢٧١١/٨٠ و٢٦٥٣/٦٩ و١٣٢٧/٢٢.
وأخرجه (خ) في ((الجمعة)) ١١٣١ و١١٥٣ و((الصوم)) ١٩٧٤ و١٩٧٥ و١٩٧٦
و١٩٧٧ و١٩٧٨ و١٩٧٩ و١٩٨٠ و((أحاديث الأنبياء)) ٣٤١٨ و٣٤١٩ و٣٤٢٠ ((فضائل
القرآن)» ٥٠٥٢ و٥٠٥٣ و٥٠٥٤ و((النكاح)) ٥١٩٩ و((الأدب)) ٦١٣٤
و ((الاستئذان)»٦٢٧٧ (م) في ((الصيام)) ١٩٦٢ و١٩٦٣ و١٩٦٤ و١٩٦٦ و١٩٦٧
و١٩٦٨ و١٩٦٩ و١٩٧٠ و١٩٧١ و١٩٧٢ و١٩٧٣ (د) في ((الصلاة)) ١٣٨٨ و١٣٨٩
و١٣٩٠ و١٣٩١ و((الصوم»٢٤٢٧ و٢٤٤٨ (ت) في ((الصوم)» ٧٧٠ (ق) في
((الصلاة» ١٣٤٦ و((الصيام١٧٠٦ و١٧١٢ (أحمد) في ((مسند المكثرين من الصحابة))
٦٤٤١ و ٦٤٥٥ و٦٤٧٠ و٦٤٨٠ و٦٤٩١ و٦٧٢١ و٦٧٢٥ و٦٧٥٠ و٦٧٩٣ و٦٨٠٢
و٦٨٢٣ و٦٨٢٤ و٦٨٣٤ و٦٨٣٧ و٦٨٧٥ و٦٨٨٢ و٦٩٨٤ و٧٠٥٨ (الدارميّ) في
١٧٥٢ و((فضائل القرآن)) ٣٤٨٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

=
٧٦- ( صَوْمُ يَوْمِ، وَإِفْطَارُ يَوْم، وَفِكْرُ ... - حديث رقم ٢٣٨٩
٣٠٩
(المسألة الثالثة): في فوائد حديث عبدالله بن عَمْرٍو ◌َبيتها على اختلاف ألفاظه(١):
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو أفضيلة صوم يوم، وإفطار يوم
(ومنها): مشروعية قيام الأب بتزويج ابنه، ليصونه عن الوقوع في المحرمات (ومنها):
تفقّد الأب ابنه في شأن زوجته؛ لئلا يضيع حقوقها (ومنها): يجوز للمرأة أن تشكو
زوجها في عدم جماعها، ونحو ذلك؛ لئلا يلحقها ضرر بذلك (ومنها): شكوى الأب
ابنه إلي وليّ الأمر إذا رأى منه تفريطًا في الحقوق؛ حفظا له عن المأثم (ومنها): تفقّد
الإمام لأمور رعيته كلياتها، وجزئياتها، وتعليمهم ما يُصلحهم (ومنها): بيان رفق النبيّ
وَ لّ بأمته، وشفقته عليهم، وإرشاده إياهم إلى ما يُصلحهم، وحثّه لهم على ما يطيقون
الدوام عليه، ونهيهم عن التعمّق في العبادة؛ لما يُخشى من إفضائه إلى الملل المفضي
إلى الترك، أو ترك البعض، وقد ذمّ اللّه تعالى قومًا لازموا العبادة، ثم فرّطوا فيها
(ومنها): الندب إلى الدوام على ما وظّفه الإنسان على نفسه من العبادة (ومنها): جواز
الإخبار عن الأعمال الصالحة، والأوراد، ومحاسن الأعمال، ولا يخفى أن محلّ ذلك
عند أمن الرياء (ومنها): الحضّ على ملازمة العبادة؛ لأنه وَ لير مع كراهته لعبدالله بن
عمرو تشدّده على نفسه حضّه على الاقتصاد، كأنه قال له: ولا يمنعك اشتغالك بحقوق
من ذكر من النفس، والأهل، والأضياف أن تضيّع حقّ العبادة، وتتروك المندوب جملة،
ولكن اجمع بينهما. (ومنها): أنه لا يجوز للإنسان أن يُجهد نفسه بالعبادة حتى يَضعُف
عن القيام بحقوق زوجته، من الجماع، والاكتساب.
وقد اختلف العلماء فيمن كفّ عن جماع زوجته، فقال مالك: إن كان بغير ضرورة
أُلزم به، أو يفرّق بينهما، ونحوه عن أحمد، والمشهور عند الشافعيّة أنه لا يجب عليه.
وقيل: يجب مرّة. وعن بعض السلف في كلّ أربع ليلة. وعن بعضهم في كلّ طهر
مرّة(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي ما ذهب إليه مالك، وأحمد من وجوب
جماعها؛ لأن هذا من المعاشرة بالمعروف التي أوجبها اللَّه تعالى بقوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ
بِالْمَعْرُوفٍ﴾ الآية [النساء: ١٩]، وقال أيضًا: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَ بِمَعْرُوفٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٣١]،
وسيأتي تمام البحث في ذلك في موضعه من ((كتاب النكاح))، إن شاء الله تعالى.
(ومنها): جواز القَسَم على التزام العبادة، وفائدته الاستعانة باليمين على النشاط لها،
(١) - ليس المراد فوائد هذا المتن الذي شرحته الآن، بل فوائد الحديث بجميع طرقه المختلفة التي
ذكرها المصنّف في الروايات الآتية، أو زيدت في الشرح.
(٢) - فتح ج١٠ ص٣٧٤ .

٣١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَام
وأن ذلك لا يخلّ بصحة النية، والإخلاص فيها (ومنها): أن اليمين على التزام العبادة لا
يُلحقها بالنذر الذي يجب الوفاء به (ومنها): جواز الحلف من غير استحلاف (ومنها):
أن النفل المطلق لا ينبغي تحديده، بل يختلف الحال باختلاف الأشخاص، والأوقات،
والأحوال (ومنها): جواز التفدية بالأب والأمّ (ومنها): الإشارة إلى الاقتداء بالأنبياء
عليهم الصلاة والسلام في أنواع العبادات (ومنها): أن طاعة الوالد لا تجب في ترك
العبادة، ولهذا احتاج عمرو إلى شكوى ولده عبدالله، ولم ينكر عليه النبيّ وَّ ترك
طاعته لأبيه في ذلك (ومنها): زيارة الفاضل للمفضول في بيته (ومنها): إكرام الضيف
بإلقاء الفُرُش، ونحوها تحته، وتواضع الزائر بجلوسه دون ما يفرش له، وأنه لا حرج
عليه في ذلك، إذا كان على سبيل التواضع والإكرام للمزور. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٩٠- (أَخْبَرَنَا أَبُو حَصِينٍ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
عَبْثَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍوَ، قَالَ: زَوَّجَنِي أَبِي
امْرَأَةَ، فَجَاءَ يَزُورُهَا، فَقَالَ: كَيْفَ تَرَيْنَ بَعْلَكِ، فَقَالَتْ: نِعْمَ الرَّجُلُ، مِنْ رَجُلٍ، لَا يَنَامُ
اللَّيْلَ، وَلَا يُفْطِرُ النَّهَارَ، فَوَقَعَ بِي، وَقَالَ: زَوَّجْتُكَ امْرَأَةَ، مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فُّعَضَلْتَهَا،
قَالَ: فَجَعَلْتُ لَا أَلْتَفِتُ إِلَى قَوْلِهِ، مِمَّا أَرَى عِنْدِي، مِنَ الْقُوَّةِ وَالإِجْتِهَادِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ
وَِّ، فَقَالَ: ((لَكِنِّي أَنَا أَقُومُ وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأَفْطِرُ، فَقُمْ وَتَمْ، وَصُمْ وَأَفْطِزْ))، قَالَ: ((صُمْ
مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةً أَيَّامٍ))، فَقُلْتُ: أَنَا (١) أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: ((صُمْ صَوْمَ دَاوُدَ عَلَيْهِ
السَّلَامِ، صُمَّ يَوْمًا، وَأَفْطِرْ يَوْمًا))، قُلْتُ: أَنَا أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: ((اقْرَأِ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ
شَهْرٍ، ثُمَّ انْتَهَى إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ))، وَأَنَا أَقُولُ أَنَا أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ))).
قَال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه،
وهو: ((أبو حَصِين)) -بفتح أوله، وكسر ثانيه- هو اليربوعيّ الكوفيّ، ثقة [١١] ٦٥/
٢٣٢٠ فإنه ممن انفرد به هو والترمذيّ.
و((عبثر)): هو ابن القاسم الزُّبَيديّ الكوفيّ، ثقة [٨] ١١٦٤/١٩٠.
و((حُصين)): هو ابن الرحمن.
وقوله: ((فوقع بي)): أي سَبَّني، يقال: وقع فلان في فلان وُقُوعًا، ووَقِيعةً: إذا سبَّه،
وثَلَبَه. أفاده في ((المصباح)).
وقوله: ((ثم انتهى إلى خمس عشرة الخ)) هذه الرواية فيها اختصار، وسيأتي في
(١) -وفي نسخة: ((إني)).

٧٦- ( صَوْمُ يَوْمِ، وَإِفْطَارُ يَوْمِ، وَذِكْرُ ... - حديث رقم ٢٣٩٠
٣١١
الرواية الآتية من طريق أبي العباس الشاعر، عن عبدالله بن عمرو ما يوضّح ذلك،
ولفظه: ((اقرإ القرآن في شهر، قلت: إني أطيق أكثر من ذلك، فلم أزل أطلب إليه،
حتى قال: في خمسة أيام)) ... )) الحديث.
وفي رواية الدارميّ في («مسنده)) من طريق أبي فروة (١)، عن عبدالله بن عمرو:
قال: ((قلت: يا رسول اللّه في كم أختم القرآن؟ قال: اختمه في شهر، قلت: إني
أطيق، قال: اختمه في خمسة وعشرين، قلت: إني أطيق، قال: اختمه في عشرين،
قلت: إني أطيق، قال: اختمه في خمس عشرة، قلت: إني أطيق، قال: اختمه في
خمس، قلت: إني أطيق، قال: لا)).
وفي رواية: ((قال: فاقرأه في كلّ شهر، قلت: إني أجدني أقوى من ذلك، قال:
فاقرأه في كلّ عشرة أيام، قلت: إني أجدني أقوى من ذلك، قال: فاقرأه في كلّ
ثلاث)) .
وعند أبي داود والترمذيّ مصححًا من طريق يزيد بن عبدالله بن الشّخّير، عن عبدالله
ابن عمرو، مرفوعًا: ((لا يفقه من قرأ القرآن في أقلّ من ثلاث))، وشاهده عند سعيد بن
منصور بإسناد صحيح من وجه آخر عن ابن مسعود: ((اقرؤوا القرآن في سبع، ولا
تقرؤوه في أقلّ من ثلاث))، ولأبي عبيد من طريق الطيب بن سلمان، عن عمرة، عن
عائشة رعيّها: ((أن النبيّ وَّر كان لا يختم القرآن في أقل من ثلاث)).
ولأبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ من طريق وهب بن منبه، عن عبدالله بن عمرو أنه
سأل رسول اللَّه وَالر في كم يقرأ القرآن؟ قال: ((في أربعين يوما))، ثم قال: ((في شهر))،
ثم قال: ((في عشرين))، ثم قال: ((في خمس عشرة))، ثم قال: ((في عشر))، ثم قال:
((في سبع))، ثم لم ينزل عن سبع.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهذا إن كان محفوظًا احتمل في الجمع بينه، وبين
رواية أبي فَرْوة تعدد القصّة، فلا مانع أن يتعدد قول النبيّ وَّر لعبدالله بن عمرو ذلك
تأكيدًا، ويؤيّده الاختلافُ الواقع في السياق.
[تنبيه] : قراءة القرآن في ثلاث هو اختيار أحمد، وأبي عبيد، وإسحاق بن راهويه،
وغيرهم، وثبت عن كثير من السلف أنهم قرؤو القرآن في دون ذلك، قال النوويّ:
والاختيار أن ذلك يختلف بالأشخاص، فمن كان من أهل الفهم، وتدقيق الفكر استُحبّ
له أن يقتصر على القدر الذي لا يُخلّ به المقصود، من التدبّر، واستخراج المعاني،
(١) - أبو فروة اسمه عروة بن الحارث، الهمدانيّ الكوفيّ ثقة من الخامسة.

٣١٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَام
وكذا من كان له شغل بالعلم، أو غيره، من مهمات الدين، ومصالح المسلمين العامّة
يستحبّ له أن يقتصر منه على القدر الذي لا يُخلّ بما هو فيه، ومن لم یکن كذلك،
فالأولى له الاستكثار ما أمكنه من غير خروج إلى الملل، ولا يقرؤه هذرمة. والله أعلم
انتھی .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: ((فالأولى له الاستكثار ما أمكنه الخ)) فيه نظر،
بل الأولى له التقيّد بما صحّ عنه بَله من عدم تجاوز الثلاث. والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ في موضع آخر: وكأن النهي عن الزيادة ليس على التحريم، كما أن
الأمر في جميع ذلك ليس للوجوب، وعُرف ذلك من قرائن الحال التي أرشد إليها
السياق، وهو النظر إلى عجزه عن سوى ذلك في الحال، أو في المآل.
وأغرب بعض الظاهريّة، فقال: يحرم أن يقرأ القرآن في أقلّ من ثلاث. وقال
النوويّ: أكثر العلماء على أنه لا تقدير في ذلك، وإنما هو بحسب النشاط والقوّة، فعلى
هذا يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: في هذا الكلام نظر من أوجه:
(أحدها): أن قوله: وكأن النهي ليس للتحريم، وتشبيهه بالأمر غير صحيح، لأنه
ليس هنا قرينة تدلّ على أنه ليس للتحريم، بل القرائن كلها إنما تدل على عدم كون الأمر
للوجوب، كما لا يخفى لمن تأمل.
و(الثاني): قوله: ((وأغرب بعض الظاهرية الخ)) هذا عجيب منه، فهل يوصف من
كان ظاهر النصوص معه بأنه يُغرب، بل الذي يُغرب هو الذي خالف ظواهر النصوص
المتقدّمة، وتأولها بما يخرجها عن موضوعها.
(والثالث): قول النوويّ: إنما هو بحسب النشاط، والقوّة عجيب أيضًا، فهل هناك
نشاط أكثر من نشاط عبدالله بن عمرو الذي شدّد، فشدّد النبيّ وَّ عليه، فنهاه أن يقرأ
في أقلّ من ثلاث؟، وهل بعد صحة قوله ويّلير -كما في حديث ابن مسعود -: ((لا
تقرؤوه في أقلّ من ثلاث)) مجال لتعليق الأمر على النشاط؟ فهيهات هيهات.
(والرابع): قوله أيضًا: ((أكثر العلماء على أنه لا تقدير في ذلك)) غريبٌ، فهل كثرة
القائلين مع مخالفة النصّ الصريح لهم تكون حجة، كلّا، وإنما الحجة في قوله وَتليفون:
((لا تقرؤوا القرآن في أقلّ من ثلاث))، فقط، وأما الأكثرون، فيُعتذر لهم بعدم ثبوت
الخبر لديهم، أو نحو ذلك.
والحاصل أن قراءة القرآن في أقلّ من ثلاث ممنوع؛ لصحة الأدلة بذلك. والله تعالى
أعلم بالصواب.

٣١٣
٧٦- ( صَوْمُ يَوْمِ، وَإِفْطَارُ يَوْمِ، وَذِكْرُ ... - حديث رقم ٢٣٩١
والحديث صحيح، كما سبق بيانه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٩١ - (أَخْبَرَنَا يَحْتِى بْنُ دُرُسْتَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى بْنُ
أَبِي كَثِيرِ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ نَِّ حُجْرَتِي، فَقَالَ:
(أَلَّمْ أُخْبِّرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ، وَتَصُومُ النَّهَارَ؟))، قَالَ: بَلَى، قَالَ: ((فَلَا تَفْعَلَنَّ، نَمْ وَقُمْ،
وَصُمْ وَأَقْطِرْ، فَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجَتِكَ(١) عَلَيْكَ
حَقًّا، وَإِنَّ لِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِصَدِيقِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنْهُ عَسَى أَنْ يَطُولَ بِكَ
عُمُرٌ، وَإِنَةً حَسْبُكَ أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثًا، فَذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْسٍ
أَمْثَالِهَا)»، قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ، عَلَيَّ، قَالَ: ((صُمْ مِنْ كُلِّ تُمعَةٍ ثَلَاثَةً
أَيَّام))، قُلْتُ: إِنِّي أَطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ، قَالَ: ((صُمْ صَوْمَ نَبِيّ اللَّهِ
دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلام))، قُلْتُ: وَمَا كَانَ صَوْمُ دَاوُدَ؟، قَالَ: ((نِصْفُ الدَّهْرِ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((يحيى بن دُرُست)) - بضمتين، وسكون المهملة-
البصريّ، ثقة [١٠] ٢٤/٢٣. و((أبو إسماعيل)): هو إبراهيم بن عبدالملك القَنّاد
البصريّ، صدوق في حفظه شيء [٧] ٢٣/ ٢٤.
و((أبو سلمة)): هو ابن عبدالرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ الفقيه الثبت.
وقوله: ((ألم أُخْبَر الخ)) -بضم الهمزة، وسكون المعجمة، وفتح الموحّدة، مبنيًّا
للمفعول، وهمزة ((ألم)) للاستفهام، ولكنه خرج عن الاستفهام الحقيقيّ، فمعناه هنا
حمل المخاطب على الإقرار بأمر، قد استقرّ عنده ثبوته.
وفيه أن الحكم لا ينبغي إلا بعد التثبّت؛ لأنه وٍَّ لم يكتف بما نُقل له عن عبدالله
حتى لقيه، واستثبته فيه؛ لاحتمال أن يكون قال ذلك بغير عزم، أو علّقه بشرط لم يطّلع
عليه الناقل، ونحو ذلك. قاله في ((الفتح)) (٢).
ثم إن الذي أخبر النبيّ وَّر بذلك هو عمرو بن العاص والد عبداللَّه رَعليهتا، كما بينته
الرواية السابقة.
وقوله: (نَمْ)) بفتح النون.
وقوله: ((فَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) بالإفراد، وفي رواية بالتثنية، وذلك لأنه من المعلوم
نقصان قوة الباصرة من دوام الصوم والسهر.
وقوله: (وَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا): أي بأن ترعاه، وترفق به، ولا تضرّه حتى تُقعَد
(١) وفي نسخة: ((لزوجاتك)).
(٢) - ((فتح)) ج ٣ص ٣٥٠.

٣١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَام
عن القيام بالفرائض ونحوها.
وقوله: (وَإِنَّ لِزَوْجَتِكَ عَلَيْكَ حَقًّا): أي في الوطء، فإذا سرد الزوج الصوم، ووالى
القيام في الليل ضعف عن حقها.
وقوله: (وَإِنَّ لِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا): أي في البسط، والمؤانسة، وغيرهما، فيعجز
بالصيام والقيام عن حسن معاشرته، والقيام بخدمته، ومجالسته، إما لضعف البدن، أو
لسوء خلقه، أو يدخل الوحشة عليه بعدم الأكل معه بسبب صومه.
وقوله: (وَإِنَّ لِصَدِيقِكَ عَلَيْكَ حَقًّا): من عطف الخاصّ على العامّ.
وفي رواية: ((ولأهلك حقا)) والمراد بالأهل هنا الأولاد، والقرابة، وحقهم هو الرفق
بهم، والإنفاق عليهم، ومؤاكلتهم، وتأنيسهم، وملازمةُ ما التزم من سرد الصوم، وقيام
الليل يؤدي إلى امتناع تلك الحوق كلها، ويفيد أن الحقوق إذا تعارضت قُدّم الأولى.
. (١)
قاله القرطبيّ(١).
وقوله: ((فشددتُ، فشُدِّد علي)) الأول بالبناء للفاعل، والثاني بالبناء للمفعول، يعني
أنه شدد في مطالبة النبيّ وَّ# بالزيادة، وشدد وَّل عليه في مطالبة التنقيص.
والحديث صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٩٢ - (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثْنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ،
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَّمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللّهِ وَهِ، أَنَّهُ يَقُولُ: لَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ،
وَلَأَصُومَنَّ النَّهَارَ، مَاَعِشْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ ذَلِكَ؟))، فَقُلْتُ لَهُ:
قَدْ قُلْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَثَمْ
وَقُمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهِرِ))،
قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: ((صُمْ يَوْمًا، وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنٍ))، فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ
أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَصُمْ يَوْمًا، وَأَفْطِزْ يَوْمًا، وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ، وَهُوَ
أَعْدَلُ الصِّيَّامِ)»، قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((لَا أَفْضَلَ مِنْ
ذَلِكَ))، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو: لَأَنْ أَكُونَ قَبِلْتُ الثّلَاثَةَ الْأَيَّامَ، الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ،
أَحَبُّ إِلَيَّ، مِنْ أَهْلِي وَمَالِيَّ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو
(١) - ((المفهم) ج٣ ص٢٢٥.

٣١٥
٧٦- (صَوْمُ يَوْمِ، وَإِفْطَارُ يَوْمِ، وَذِكْرُ ... - حديث رقم ٢٣٩٣
مصريّ، ثقة.
وقوله: ((لأن أكون قبلت الثلاثة الأيام الخ)) كذا في رواية لمسلم، وفي لفظ
للبخاريّ: ((وكان عبدالله يقول بعد ما كَبِرَ: يا ليتني قبلت رخصة النبيّ وَّ))، ولمسلم:
قال: فصرت إلى الذي قال لي النبيّ وَّر، فلما كبرت وددت أني كنت قبلت رخصة نبيّ
ومعنى كلامه هذا: أنه كبر، وعجز عن المحافظة على ما التزمه، ووظّفه على نفسه
عند رسول اللّه وَله، فشقّ عليه فعله لعجزه، ولم يعجبه أن يتركه لالتزامه له، ولأن
النبيّ وَليره قال له: ((يا عبدالله لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل، فترك قيام الليل))،
فتمنى أن لو قبل الرخصة، فأخذ بالأخفّ.
ومع عجزه، وتمنّيه الأخذ بالرخصة لم يترك العمل بما التزمه، بل صار يتعاطى فيه
نوع تخفيف، فقد ثبت عنه أنه كان حين ضعف، وكبر يصوم تلك الأيام كذلك، يصل
بعضها إلى بعض، ثم يفطر بعدد تلك الأيام، فيقوى بذلك، وكان يقول: لأن أكون
قبلت الرخصة أحبّ إليّ مما عُدل به، لكنني فارقته على أمر أكره أن أخالفه إلى غيره
أفاده في ((الفتح)) (١).
وقال القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: هذا إنما قاله عبدالله لما انتهى من العمر إلى الكبر
الذي كان النبيّ وَّر قد أخبره به بقوله: ((إنك لا تدري لعله يطول بك عمر))، قال:
فصرت للذي قال النبيّ وَلّ، قال: فلما كبرتُ وددتُ أني كنت قبلت رخصة رسول الله
وَالر. وهذا من عبدالله يدل على أنه كان قد التزم الأفضل مما نقله إليه النبيّ بَّه
والأكثر، إما بحكم التزامه الأول، إذ قال: لأصومنّ الدهر، ولأقومنّ الليل ما عشتُ،
وإما بحكم أنه هو الحال الذي فارق النبيّ وَلي عليه، وكره أن ينقص من عمل فارق النبيّ
وَ ثير عليه، فلم ير أن يرجع عنه، وإن كان قد ضعف عنه. والله تعالى أعلم. انتهى كلام
القرطبيّ (٢).
والحديث متفق عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيلِ.
٢٣٩٣ - (أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ بَكْارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ - عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ،
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَّةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو،
قُلْتُ: أَيْ عَمِّ حَدُثْنِي، عَمَّا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، إِنِّي قَدْ كُنْتُ، أَجَعْتُ
(١) - ((فتح)) ج ٤ ص٧٣٩ - ٧٤٠.
(٢) - ((المفهم» ج٣ص٢٢٧ -٢٢٨.

٣١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ
عَلَى أَنْ أَجْتَهِدَ، اجْتِهَادًا شَدِيدًا، حَتَّى قُلْتُ: لَأَصُومَنَّ الدَّخْرَ، وَلَأَقْرَ أَنَّ الْقُرْآنَ، فِي كُلِّ يَوْم
وَلَيْلَةٍ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَأَتَانِ، حَتَّى دَخَلَ عَلَيَّ فِي دَارِي، فَقَالَ: ((بَلَّغَنِي أَنَّكَّ
قُلْتَ: لَأَصُومَنَّ الدَّهْرَ، وَلَأَقْرَ أَنَّ الْقُرْآنَ))، فَقُلْتُ: قَدْ قُلْتُ: ذَلِكَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((فَلَا
تَفْعَالْ، صُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ))، قُلْتُ: إِنِّي أَقْوَى عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: ((فَصُمْ مِنَ
الْجُمُعَةِ، يَوْمَيْنِ الإِثْنَيْنِ، وَالْخَمِيَّ))، قُلْتُ: فَإِنِّي أَقْوَى عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ، قَالَ: ((فَصُمْ
صِيَامَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامِ، فَإِنَةُ أَعْدَلُ الصِّيَامِ، عِنْدَ اللَّهِ، يَوْمًا صَائِمًا، وَيَوْمًا مُفْطِرًا، وَإِنْهُ كَانَ
إِذَا وَعَدَ لَمْ يُخْلِفْ، وَإِذَا لَاقَى لَمْ يَفِرَّ)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أحمد بن بكّار)): هو الحرّانيّ، صدوق، من أفراد
المصنّف. و((محمد بن سلمة)): هو الحرّانيّ أيضًا.
و ((ابن إسحاق)): هو محمد صاحب المغازي. و((محمد بن إبراهيم)): هو التيميّ.
وکلهم من رجال الصحيح، غیر شیخه.
وقوله: ((يومًا صائمًا الخ)) منصوب على أنه خبر ((يكون)) مقدرًا، أي يكون داود يومًا
صائمًا، ويكون يومًا مفطرًا، ويحتمل أن يكون خطابًا لعبدالله بن عمرو رؤيتنا، أي
تكون يومًا صائمًا، ويومًا مفطرًا.
وقوله: ((كان إذا وعد لم يُخلف)) هذه الزيادة لم تذكر في غير هذا الطريق، بل
المذكور قوله: ((ولا يفرّ إذا لا قى)).
قال الحافظ رحمه الله تعالى: ولها مناسبة بالمقام، وإشارة إلى أن سبب النهي خشية
أن يعجز عن الذي يلزمه، فيكون كمن وعد، فأخلف، كما أن في قوله: ((ولا يفرّ إذا
لاقی) إشارة إلى حكمة صوم يوم، وفطر يوم.
وقال الخطابيّ رحمه الله تعالى: محصّل قصّة عبدالله بن عمرو أن اللَّه تعالى لم
يتعبّد عبده بالصوم خاصّة، بل تعبّده بأنواع من العبادات، فلو استفرغ جهده لقصّر في
غيره، فالأولى الاقتصاد فيه؛ ليستبقي بعض القوّة لغيره، وقد أشير إلى ذلك بقوله وله-
في داود ◌َّل: ((وكان لا يفرّ إذا لاقى))؛ لأنه كان يتقوّى بالفطر؛ لأجل الجهاد.
(١)
انتهى " .
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: ((ولا يفرّ إذا لاقى)) تنبيه على أن صوم يوم،
وإفطار يوم لا يُضعُف ملتزمه، بل يحفظ قوّته، ويجدُ من الصوم مشقّته، كما قدمناه،
وذلك بخلاف سرد الصوم، فإنه يُنهك البدن والقوّة، ويزيل روح الصوم؛ لأنه يعتاده،
(١) - «فتح» ج٤ ص٧٤٢ .

... - حديث رقم ٢٣٩٤
٧٧- (ذِكْرُ الزيادةِ فِي الصِّيَّامِ،
٣١٧ ====
فلا يُبالي به، ولا يجد له معنى. انتهى (١).
والحديث في إسناده عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلسٌ، لكن يشهد له ما سبق. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٧٧- ( ذِكْرُ الزِّيَادَةِ فِي الصِّيَامِ،
وَالنُّقْصَانِ مِنَ الأَجْرِ، وَذِكْرُ اخْتِلَّافٍ
الثَّاقِلِينَ لِخَبِرِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرِو فِهِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ترجمة ((الكبرى)) بزيادة لفظة ((من الأجر))، ولم
يقع في نسخ ((المجتبى))، ولا بدّ منه، لأن حذفه يوهم أن النقصان من الصوم أيضًا،
وليس كذلك، بل المراد أن الزيادة في الصيام، مع النقص في الأجر.
ووجه الاختلاف المذكور، أنّ في رواية أبي عياض قال: ((صم يوما، ولك أجر ما
بقي))، ولم يقيده بعشرة، ولا بشهر، وخالف ابن أبي ربيعة، فرواه مقيّدًا، فقال: ((صم
من كلّ عشرة أيام يوما، ولك أجر تلك التسعة الخ، وخالفه شعيب، فقال: ((صم يوما،
ولك أجر عشرة الخ)).
لكن الذي يظهر أنه لا اختلاف في الحقيقة، فرواية أبي عياض المطلقة تحمل على
الرواية المفسّرة، وأما رواية شعيب فمعنى قوله: ((صم يومًا، ولك أجر عشرة)) أي مع
أجر يوم الصوم، وكذلك ما بعده. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٣٩٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زِيَادِ
بْنِ فَاضٍ، سَمِعْتُ أَبَا عِيَاضٍ يُحَدِّثُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، قَالَ
لَهُ: ((صُمْ يَوْمًا، وَلَكَ أَجْرُ مَّا بَقِيَ))، قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: ((صُمْ يَوْمَيْنِ،
وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ))، قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: ((صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَكَّ أَجْرُ مَا
بَقِيّ))، قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: ((صُمْ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، وَلَكَ أَجْرُ ◌ّمَا بَقِيَ))، قَالَ:
(١) - ((المفهم)) ج٣ص٢٢٦ .

=
٣١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: ((صُمْ أَفْضَلَ الصِّيَامِ عِنْدَ اللَّهِ، صَوْمَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامِ،
كَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((محمد)):
هو ابن جعفر، غندر.
و(زياد بن فيّاض)): الخُزاعيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقة عابد [٦].
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة، وهو أحبّ إليّ من زياد بن
عِلَاقة. وقال أبو زرعة: شيخ. وقال يعقوب بن سفيان: كوفيّ ثقة ثقة. وقال ابن
خلفون: وثقه ابن نُمير، وعليّ ابن المدينيّ، وغيرهما. وذكره ابن حبّان في الثقات،
وقال: مات سنة (١٢٩).
روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط،
وأعاده برقم ٢٤٠٣ .
و ((أبو عياض)): ويقال: أبو عبدالرحمن، عمرو بن الأسود الْعَنسيّ - بالنون- ويقال:
الهمدانيّ، الدمشقيّ، ويقال: الحمصيّ، سكن دَارِيًا، ويقال له: عُمير بن الأسود
أيضًا-مصغّرًا-، مخضرم ثقة عابد، من كبار التابعين.
قال ضمرة بن حبيب: مَرّ عمرو بن الأسود على عمر بن الخطّاب، فقال: من سرّه
أن ينظر إلى هدي محمد # فلينظر هدي هذا. وقال محمد بن عوف: عمرو بن
الأسود یکنی أبا عیاض، وهو والد حكيم بن عمير. وقيل: إن أبا عیاض الذي يروي
عنه زياد بن فيّاض والعراقيون رجل آخر. كذا حكى ابن أبي حاتم، عن أبيه، وقال:
اسمه مسلم بن نُذير. وقيل: إن أبا عياض اسمه قيس بن ثعلبة، حكاه النسائيّ في
((الكنى))، والحاكم أبو أحمد. وقال ابن حبّان في ((الثقات)): عُمير بن الأسود كان من
عُبّاد أهل الشام، وزُهّادهم، وكان يُقسم على اللَّه فيُبرّه. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل
الحديث. وروى الحاكم في ((الكنى)) من طريق مجاهد، قال: حدثنا أبو عياض في
خلافة معاوية. وقال ابن عبدالبرّ: أجمعوا على أنه كان من العلماء الثقات، مات في
خلافة معاوية. وذكره أبو موسى المدينيّ في ((ذيل الصحابة))، وحكاه عن ابن أبي عاصم
أنه ذكره فيهم، قال أبو موسى: وليس بصحابيّ، إنما يَروي عن الصحابة. وحكى ابن
أبي خيثمة، عن مجاهد أنه قال: ما رأيت بعد ابن عباس أعلم من أبي عياض (١).
وروى الطبرانيّ في ((مسند الشاميين)) من طريق أرطاة بن المنذر، حدثنا رُزيق أبو عبدالله
(١) - روى الحسن بن عليّ الحلوانيّ في ((كتاب المعرفة)) هذا الكلام عن مجاهد أيضًا بإسناد صحيح.

٧٧- ( ذکرُ الزيادة فِي الصِیام، ... - حدیث رقم ٢٣٩٤
٣١٩=
الألهانيّ أن عمرو بن الأسود قدم المدينة، فرآه عبدالله بن عمر يصلي، فقال: من سرّه
أن ينظر إلى أشبه الناس برسول اللَّه وَالخير، فلينظر إلى هذا. روى له الجماعة، سوى
الترمذيّ، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وفي ((كتاب الأشربة))
حديث رقم ٥٦٥٢ .
وقوله: ((صم يوما، ولك أجر ما بقي)) أي صم من كلّ عشرة أيام يومًا واحدًا، ولك
أجر عشرة أيام.
قال الحافظ: هذا يقتضي أنه أمره بصيام ثلاثة أيام من كلّ شهر، ثم بستة، ثم بتسعة، ثم
باثني عشر، ثم بخمسة عشر، فالظاهر أنه أمره بالاقتصار على ثلاثة أيام من كلّ شهر، فلما
قال: إنه يطيق أكثر من ذلك زاده بالتدريج إلى أن وصله إلى خمسة عشر يومًا، فذكر بعض
الرواة عنه ما لم يذكره الآخر، ويدلّ على ذلك رواية عطاء بن السائب، عن أبيه، عن
عبدالله بن عمرو عند أبي داود: ((فلم يزل يناقصني، وأناقصه)). انتهى (١).
وقد استُشكل قولُهُ: ((صم من كلّ عشرة أيام يومًا، ولك أجر ما بقي)) مع قوله: ((صم
من كل عشرة أيام يومين، ولك أجر ما بقي الخ))، لأنه يقتضي الزيادة في العمل،
والنقص من الأجر، وبذلك ترجم المصنّف هذا الباب.
وأجيب بأن المراد لك أجر ما بقي بالنسبة إلى التضعيف. قال عياض: قال بعضهم:
معنى ((صم يومًا، ولك أجر ما بقي)) أي من العشرة، وقوله: ((صم يومين، ولك أجر ما
بقي)) أي من العشرين، وفي الثلاثة ما بقي من الشهر، وحمله على ذلك استبعاد كثرة
العمل، وقلّة الأجر.
وتعقّبه عياض بأن الأجر إنما اتحد في كلّ ذلك لأنه كان نيته أن يصوم جميع الشهر،
فلما منعه بَ له من ذلك إبقاءً عليه لما ذكر بقي أجر نيته على حاله، سواء صام منه قليلاً،
أو كثيرًا، كما تأوله في حديث: ((نية المرء خير من عمله))، أي إن أجره في نيته أكثر من
أجر عمله؛ لامتداد نيته بما لا يقدر على عمله انتهى.
قال الحافظ: والحديث المذكور ضعيف، وهو في ((مسند الشهاب))، والتأويل
المذکور لا بأس به.
ويحتمل أيضًا إجراء الحديث على ظاهره، والسبب فيه أنه كلما ازداد من الصوم
ازداد من المشقّة الحاصلة بسببه المقتضية لتفويت بعض الأجر الحاصل من العبادات
التي قد يفوّتها مشقّة الصوم، فينقص الأجر باعتبار ذلك.
(١) - (فتح) ج٤ ص٧٣٩ .

٣٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَام
على أن قوله في نفس الخبر: ((صم أربعة أيام، ولك أجر ما بقي)) يردّ الحمل الأول،
فإنه يلزم منه على سياق التأويل المذكور أن يكون التقدير: ولك أجر أربعين، وقد قيّده
في نفس الحديث بالشهر، والشهر لا يكون أربعين.
وكذلك قوله في رواية المصنّف التالية من طريق ابن أبي ربيعة، عن عبدالله بن عمرو
بلفظ: ((صم من كل عشرة أيام يومًا، ولك أجر تلك التسعة))، ثم قال: ((صم من كلّ تسعة
أيام يومًا، ولك أجر تلك الثمانية))، ثم قال :: ((من كلّ ثمانية أيام يومًا، ولك أجر السبعة))،
قال: فلم يزل، حتى قال: ((صم يومًا، وأفطر يومًا))، وله من طريق شعيب بن محمد بن
عبدالله بن عمرو، عن جدّه بلفظ: ((صم يومًا، ولك أجر عشرة))، قلت: زدني، قال:
((صم يومين، ولك أجر تسعة))، قلت: زدني، قال: ((صم ثلاثة، ولك أجر ثمانية)). فهذا
يدفع في صدر التأويل الأول، والله أعلم. أفاده في ((الفتح)) (١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الأقرب عندي حمل الحديث على ظاهره، وهو
الاحتمال الأخير الذي مرّ آنفًا في ((الفتح))، وإنما نقص الأجر مع زيادة العمل؛ لما ذُكِرَ
من ترتب تفويت بعض العبادات بسبب مشقة الصوم. والله تعالى أعلم.
والحديث صحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٩٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا
أَبُو الْعَلَاءِ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ ابْنٍ أَبِي رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: ذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ
وَِّ الصَّوْمَ، فَقَالَ: ((صُمْ مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ أَيَّامِ يَوْمًا، وَلَكَ أَجْزُ تِلْكَ الْتُّسْعَةِ))، فَقُلْتُ: إِنِّي
أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: ((صُمْ مِنْ كُلِّ تِسْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا، وَلَكَ أَجْرُ تِلْكَ الثَّمَانِيَةِ))، قُلْتُ: إِنِّي
أَقْوَى مَنْ ذَلِكَ، قَالَ: ((فَصُمْ مِنْ كُلِّ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا، وَلَكَ أَجْرُ تِلْكَ السَّبْعَةِ))، قُلْتُ:
إِنِّي أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ، حَتَّى قَالَ: ((صُمْ يَوْمًا، وَأَفْطِرْ يَوْمًا))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((أبو
العلاء)): هو يزيد بن عبدالله بن الشّخير، أخو مطرّف.
و((ابن أبي ربيعة)): هو الحارث بن عبدالله بن أبي ربيعة، ويقال: ابن عياش بن أبي
ربيعة عَمْرو بن المغيرة بن عبدالله بن عُمَر بن مخزوم المخزوميّ المكيّ، أمير الكوفة،
المعروف بـ((القُبَاع)) -بضم القاف، وتخفيف الموحدة- صدوق [٢].
قال الزبير بن بكار: استعمله ابن الزبير على البصرة، فرأى مكيالاً، فقال: إن
مكيالكم هذا لقُبَاع، فلقْبوه به. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، رَوَى عن عمر.
(١) - ((فتح)) ج٤ ص٧٣٩ .