Indexed OCR Text
Pages 201-220
٥٨- (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى هِشَام ابْن ... - حديث رقم ٢٣٠٤ ٢٠١ وقوله: ((هي رخصة)): الضمير للإفطار، والتأنيثُ باعتبار الخبر، والكلام جاء على اعتقاد السائل، فلا يلزم أن ظاهره ترجيح الإفطار، حيث قال: ((فحسن))، وقال في الصوم: ((فلا جُناح عليه)). قاله السنديّ (١). والحديث أخرجه مسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب». ٥٨- (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى هِشَام ابْنِ عُزْوَةَ فِيهِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف المذكور أن محمد بن بشر رواه عن هشام، عن أبيه، عن حمزة بن عمرو رَّ ، وخالفه عبدالرحيم بن سليمان الرازيّ، فرواه عنه، عن أبيه، عن عائشة، عن حمزة. ورواه مالك، عنه، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ((إن حمزة قال لرسول اللّه مَلتر))، ورواه ابن عجلان، وعبدة بن سليمان، كلاهما عنه، عن أبيه، عن عائشة بنحوه. قال الحافظ رحمه الله تعالى عند شرح قول البخاريّ: ((عن عائشة تحديثها أن حمزة ابن عمرو الأسلمي الخ: ما نصّه: هكذا رواه الحفّاظ عن هشام، وقال عبدالرحيم بن سليمان عند النسائيّ، والدراورديّ عند الطبرانيّ، ويحيى بن عبدالله بن سالم عند الدارقطنيّ، ثلاثتهم: عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، عن حمزة بن عمرو، جعلوه من مسند حمزة، والمحفوظ أنه من مسند عائشة. ويحتمل أن يكون هؤلاء لم يقصدوا بقولهم: ((عن حمزة» الرواية عنه، وإنما أرادوا الإخبار عن حكايته، فالتقدير: ((عن عائشة، عن قصّة حمزة أنه سأل)). لكن قد صحّ مجيء الحديث من رواية حمزة، فأخرجه مسلم من طريق أبي الأسود، عن عروة، عن أبي مُرَاوح، عن حمزة. وكذلك رواه محمد بن إبراهيم التيميّ، عن عروة، لكنه أسقط أبا مُراوح، والصواب إثباته، وهو محمول على أن لعروة فيه (١) - ((شرح السنديّ)) ج٤ ص١٨٨. ٢٠٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَام طريقين: سمعه من عائشة، وسمعه من أبي مراوح، عن حمزة. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((والصواب إثباته)) فيه نظر، بل الصواب عندي صحة الطرق الثلاثة، لأن محمد بن إبراهيم لم ينفرد بإسقاط أبي مُرواح، بل تابعه عليه محمد بن بشر - كما عند المصنّف في هذه الرواية- ويحيى بنُ عبدالرحمن بن حاطب - كما ذكره الحافظ المزيّ في ((تحفته)) جـ ٣ص٨٢ فرواه الثلاثة عن هشام، عن أبيه، عن حمزة، فيكون لعروة ثلاثة من الشيوخ: أبو مراوح، وعائشة، وحمزة نفسُه. فتأمّل. والحاصل أن الحديث صحيح من الطرق الثلاثة. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٣٠٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَّمِيِّ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ، أَصُومُ فِي السَّفَرِ؟، قَالَ: ((إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنَّ شِئْتَ فَأَفْطِرْ)) ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه ((محمد بن إسماعيل بن إبراهيم)) المعروف أبوه بـ((ابن عليّة))، قاضي دمشق، فإنه من أفراد المصنّف، وهوثقة [١١] ٤٨٩/٢٢. و((محمد بن بشر)): هو أبو عبدالله العبديّ الكوفي ثقة حافظ [٩] ٨٨٢/٥. [تنبيه] : هذا الحديث وقع في ((الكبرى)) في الباب المتقدّم، وهو ظاهر، حيث إن فيه بيان الاختلاف على عروة، ولِمَا هنا أيضًا وجه صحيح، وهو بيان الاختلاف على هشام، ويتضح في ضمنه الاختلاف على عروة أيضًا. والحديث صحيح كما أسلفته آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٣٠٥- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ اللَّانِيُّ بِالْكُوفَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ الرَّازِيُّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَجُلٌ أَصُومُ، أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ، قَالَ: ((إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِزْ)) ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، سوى شيخه ((عليّ بن الحسن)) اللانيّ -بنون- الكوفيّ، صدوق [١٠]. روى عن عبدالرحيم بن سليمان، والمعافَى بن عمران الموصليّ. وعنه النسائيّ، وعبدالله بن محمد بن ناجية. ذكره النسائيّ في ((مشيخته))، وقال: لا بأس به. وهو من أفراده، روى عنه حديثين فقط: هذا ٢٣٠٥ وحديث ٢٤٠٩ . (١) - ((الفتح)) ج٤ ص٦٨٩ . ٥٨- (ذِكْرُ الاخْتِلافِ عَلَى هِشَام ابْن ... - حديث رقم ٢٣٠٦ ٢٠٣= [تنبيه]: قوله: ((اللانيّ))، قال في ((تهذيب الكمال)): ولَانُ من فَزَارة، وبلدٌ بالعجم انتهى. وتعقّبه في (تهذيب التهذيب)) بأنه وَهَمّ تَبَعَ فيه ابنَ السمعانيّ، وقد تعقّبه ابن الأثير، فأجاد. والذي من فزارة لاي -بتحتانيّة-، وقد يهمز، والنسبة إليه اللائيّ - بالهمزة الخفيفة- قال: وقد وجدت في نسخة من النسائيّ مصححة اللَّائِّيّ - بهمزة ثقيلة، نسبة إلى بيع اللؤلؤ، أو نَخْتِهِ، فليحرّر. والذي في ((ثقات)) ابن حبان تصحيف (١) . من اللاني. انتھی و((عبدالرحيم الرازيّ)): هو ابن سليمان الكنانيّ، أو الطائيّ، أبو عليّ الأشلّ المروزيّ، نزيل الكوفة، ثقة له تصانيف، من صغار [٨]. قال سهل بن عثمان: نظر وکیع في حديثه، فقال: ما أصحّ حدیثه، کان عبدالرحیم، وحفص بن غياث يطلبان الحديث معًا. وقال ابن معين، وأبو داود: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، كان عنده مصنفات، قد صنّف الكتب. وقال ابن المدينيّ: لا بأس به. وقال العجليّ: ثقة متعبّدٌ، كثير الحديث. وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال عثمان بن أبي شيبة: ثقة صدوق، ليس بحجة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). قال محمد بن الحجّاج الضبّيّ: مات عبدالسلام بن حرب سنة (١٨٧) ومات عبدالرحيم بن سليمان أظنّ آخر السنة. روى له الجماعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب تسعة أحاديث برقم ٢٣٠٥ و٢٤٠٩ و٣٠٤٩ و٣٠٧٤ و ٣٨٨٥ و ٤٣٧٤ و ٥١٦٨ و٥٥٦١ و ٥٦٧١ . [تنبيه]: قوله: ((الرازيّ)) هكذا في نسخ ((المجتبى))، والذي في كتب الرجال هو ((المروزيّ))، لا الرازيّ، ولم يذكر في ((الكبرى)) لا هذا، ولا هذا، فليحرّر. والحديث متفق عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٣٠٦- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إِنَّ حَمْزَةَ، قَالْ لِرَسُولِ اللَّهِ وَّهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،َ أَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ -وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ- فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ: ((إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ)) ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، ((محمد بن سلمة)): هو المراديّ، المصري الثقة الثبت. و((ابن القاسم)): هو عبدالرحمن الْعُتَقيّ (١) - ((تهذيب التهذيب)) ج١ ص ١٥٢. ٢٠٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ المصريّ الفقيه. و((مالك)): هو ابن أنس إمام دار الهجرة. والحديث متفق عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٣٠٧ - (أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزِوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إِنَّ حَمْزَةَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصُومُ فِي السَّفَرِ؟، فَقَالَ: ((إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِزْ)) ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه ((عمرو بن هشام))، أبي أميّة الحرّانيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة [١٠] ١٤١/ ٢٢٢. و((محمد بن سلمة)): هو الحرّاني أيضًا، ثقة [٩] ٣٠٦/١٩١. [تنبيه] : محمد سلمة هذا ليس هو المذكور في السند الماضي، بل هذا من الطبقة التاسعة من شيوخ ذاك، فتنبه. والله تعالى أعلم. و(ابن عجلان)): هو محمد بن عجلان المدنيّ صدوق [٥] ٤٠/٣٦. والحديث متفق عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٣٠٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ ابْنُ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ حَمْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ، سَأَلَ رَسُولَ اللّهِ وَّهَ عَنِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ، وَكَانَ رَجُلا يَسْرُدُ الصِّيَّامَ، فَقَالَ: ((إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَقْطِرْ)) ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((إسحاق ابن إبراهيم)): هو المعروف بـ((ابن راهويه)) الحافظ الحجة [١٠] ٢/٢ .. و((عبدة بن سليمان)): هو الكلابيّ الكوفيّ الثقة الثبت، من صغار [٨] ٣٣٩/٧. والحديث متفق عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب». ٢٠٥ ٥٩- (ذِكْرُ الاخْتِلاَفِ عَلَى أَبِي نَضْرَةَ، ... - حديث رقم ٢٣٠٩ ٥٩- (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى أَبي نَضْرَةَ، الْمُنْذِرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ قُطَعَةً فِیهِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدّم بيان مرجع الضمير في قوله: (فيه)» قريبًا . ووجه الاختلاف المذكور أن الْجُرَیريّ رواه عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ رَّه ، وتابعه أبو سلمة، وخالفهما عاصم الأحول، فتارة رواه عن أبي نضرة، عن جابر ◌َظله ، وتارة رواه عن أبي سعيد، وجابر كليهما. ومثل هذا الاختلاف لا يضرّ، كما تقدّم غير مرّة، ولهذا أخرج الحديثَ الإمام مسلم رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) من كلا الطريقين. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قوله: ((ابن قُطَعة)) المشهور في ضبطه أنه بضم القاف، وفتح الطاء، والعين المهملتين، هكذا ضبطه في ((التقريب))، وضبطه في ((الخلاصة)) بكسر القاف، وسكون الطاء، وهكذا ضبطه النوويّ في أماكن من ((شرح مسلم)) . والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٣٠٩ - (أَخْبَرَنَا يَحْتَى بْنُ حَبِيبٍ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ سَعِيدِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، قَالَ: ((كُنَّا نُسَافِرُ فِي رَمَضَانَ، فَمِنَّا الصَّائِمُ، وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، لَا يَعِيبُ (١) الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا يَعِيبُ الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ)) ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١- (يحيى بن حبيب بن عربيّ) البصريّ، ثقة [١٠] ٧٥/٦٠. ٢- (حماد) بن زيد بن درهم الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٨] ٣/٣ . ٣- (سعید الْجُریريّ) هو ابن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقة اختلط قبل موته بثلاث سنين [٥] ٣٢ /٦٧٢ . ٤- (أبو نضرة) المنذر بن مالك بن قُطَعَة العبديّ الْعَوَقيّ البصريّ، ثقة [٣] ٢١/ ٥٣٨ . ٥- (أبو سعيد) سعد بن مالك بن سنان بن عُبيد الأنصاريّ الخدريّ الصحابيّ ابن (١) - وفي نسخة: ((فلا يعيب)). ٢٠٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ الصحابيّ رضي اللَّه تعالى عنهما٢٦٢/١٦٩ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير الصحابيّ، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أبا سعيد رضي اللَّه تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي نَضْرَةَ) المنذر بن مالك رحمه اللَّه تعالى، أنه (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ) الخدريّ، سعد بن مالك بن سنان الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ◌َاتها (قَالَ: «كُنَّا نُسَافِرُ فِي رَمَضَانَ، فَمِنَّا الصَّائِمُ) وهم الأقوياء (وَمِنَّا الْمُفْطِرُ) وهم الضعفاء (لَا يَعِيبُ) بفتح الياء: أي لا يلوم، ولا يُعاتب (الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرٍ) أي لأنه عَمِل بالرخصة، ومن أخذ بها لا لوم عليه (وَلَا يَعِيبُ الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِم) لعمله بالعزيمة. يعني أنه لا ينكر الصائم على المفطر إفطاره أخذًا بالرخصة، ولاَّ المفطر على الصائم صومه أخذا بالعزيمة؛ لأنهما جائزان. زاد مسلم في رواية من طريق ابن عليّة، عن الجريريّ: ((يَرون أن من وجد قوّة فصام، فإن ذلك حسنٌ، ويرون من وجد ضعفًا، فأفطر، فإن ذلك حسن)). قال النوويّ رحمه الله تعالى: وهذا صريح في ترجيح مذهب الأكثرين، وهو تفضيل الصوم لمن أطاقه بلا ضرر، ولا مشقّة ظاهرة. وقال بعض العلماء: الفطر والصوم سواء؛ لتعادل الأحاديث. والصحيح قول الأكثرين انتهى (١). وقال في ((الفتح)) بعد ذكر هذا الحديث: ما لفظه: وهذا التفصيل هو المعتمد، وهو رافع للنزاع انتهى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي سعيد الخدريّ رَّ هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: (١) - (شرح مسلم) ج٨ص ٢٣٠. ٢٠٧ == ٥٩- (ذِكْرُ الاختِلَافِ عَلَى أَبِی نَضْرَةَ، ... - حدیث رقم ٢٣١٠ أخرجه هنا ٢٣١٠/٥٩ و٢٣١١ و٢٣١٢ - وفي ((الكبرى))٢٦١٨/٥٩ و٢٦١٩ و٢٦٢٠ . وأخرجه (م) في ((الصيام))١١١٦ و١١١٧ (ت) في ((الصوم)) ٧١٢ و٧١٣ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١١٠٢١ و١١٠٧٩ و١١٣٠٨ و١٣٩٩ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): سماحة الشريعة، وسهولتها حيث شَرَع الله تعالى الفطر في مواضع الضرورة، كالسفر، والمرض (ومنها): جواز الفطر للمسافر إذا كان يشُقّ عليه (ومنها): جواز صومه إذا لم يلحقه بذلك ضرر، خلافًا لمن منع ذلك (ومنها): أن من فعل شيئًا مما شرعه الله تعالی لا ينبغي للآخرین أن یعیبوا عليه ذلك، وإن كانوا يرونه خلاف الأولى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٣١٠- (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطَّالْقَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ - وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ - عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَِّيّ وَّهِ، فَمِنَّ الصَّائِمُ، وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، وَلَا يَعِيبُ (١) الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا يَعِيبُ الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِم)) ). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه (سعيد بن يعقوب الطالقانيّ))، أبي بكر، ثقة، صاحب حديث [١٠]. قال الأثرم: رأيته عند أحمد يذاكره الحديث. وقال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. ووثقه مسلمة، والدار قطنيّ. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: ربما أخطأ، مات ببغداد سنة (٢٤٤) وكذا أرّخه البخاري. وقال الحاكم في ((تاريخه)): هو محدّث خراسان في عصره، قَدِم نيسابور قديمًا، وحدّث بها، فسمع منه الذهليّ وأقرانه، ومن زعم أن ابن خزيمة سمع منه فقد وَهِم. روى عنه المصنف، وأبو داود، والترمذيّ، وله عند المصنف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط . [تنبيه]: قوله: ((الطالقانيّ)): بسكون اللام، بعدها قاف نسبة إلى بلد بخراسان، وبقزوين. قاله في ((لبّ اللباب)) ج٢ ص٨٤. وضبطه بعضهم بفتح اللام. والله تعالى أعلم. (١) - وفي نسخة: ((فلا يعيب)). ٢٠٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ و((خالد بن عبدالله الطخان)) الواسطيّ الثقة الثبت [٨] ٦٧ /١٨٠٧. و((أبو مسلمة)) سعيد بن يزيد بن مسلمة الأزديّ، ثم الطاحيّ البصريّ القصير، ثقة [٤] ٢٤ / ٧٧٥ . [تنبيه]: وقع في نسخ ((المجتبى))، و(الكبرى)) في هذا السند: ((أبو سلمة))، وهو تصحيف فاحش، والصواب ((أبو مسلمة)) بالميم، فتنبه. والله تعالى أعلم. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٣١١- (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدْثَنَا الْقَوَارِبِرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عَاصِم الْأَخْوَلِ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَافَزْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ، فَصَامَ بَعْضُنَا، وَأَفْطَرَ بَعْضُنَا)) ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((أبو بكر بن عليّ)): هو أحمد بن عليّ بن سعيد بن إبراهيم المروزيّ القاضي الثقة الحافظ [١٢] ٢٠٩٤/١ . من أفراد المصنّف. و(القواريريّ)): هو عبيدالله بن عُمَر بن ميسرة، أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقة ثبت [١٠] ٢٣١١/٥٩ . و((بشر بن منصور)) السَّليميّ -بفتح المهملة، وبعد اللام تحتانيّة- أبو محمد الأزديّ البصريّ، ثقة (١) عابد زاهد [٨] . قال ابن المدينيّ: ما رأيت أحدًا أخوف لله منه، وكان يصلي كلّ يوم خمسمائة ركعة، وكان وِزده ثلثَ القرآن. وقال القواريريّ: هو من أفضل من رأيت من المشايخ. وقال أبو زرعة: ثقة مأمون. وقال أبو حاتم، والنسائيّ: ثقة. وقال عليّ بن نصر بن عليّ الجهضميّ: ثبت في الحديث. وقال ابن حبّان في ((الثقات)): كان من خيار أهل البصرة، وعبادهم، مات بعد ما عمي. وقال يعقوب بن شيبة: كان قد سمع، ولم یکن له عنایة بالحديث. مات سنة(١٨٠) روى له مسلم، والمصنف، وأبو داود، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا ٢٣١١ وفي ((كتاب الاستعاذة)) ٥٥٠٢. والحديث أخرجه مسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٢٣١٢- (أُخْبَرَنِي (٢) أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَزْوَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، (١) - قال عنه في ((ت)): صدوق. قلت: بل هو ثقة، كما علمت من أقوال أهل العلم فيه، وليس لمخالفة يعقوب بن شيبة في جنب ما قاله الجمهور قيمة. فتنبه. (٢) - وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٦٠- (الرُّخْصَّةُ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَصُومَ ... - حديث رقم ٢٣١٣ ٢٠٩ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّمَا سَافَرَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ، فَيَصُومُ الصَّائِمُ، وَيُفْطِرُ الْمُفْطِرُ، وَلَا يَعِيبُ (١) الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِم)»). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، سوى شيخه («أيوب بن محمد)» الوزّان، أبي محمد الرقّيّ، فإنه من أفراده هو، وأبي داود، وابن ماجه، وهو ثقة [١٠] ٣٢/٢٨. و((مروان)) بن معاوية الفزاريّ الكوفيّ، ثم المكيّ، ثم الدمشقيّ، ثقة حافظ، يدلّس أسماء الشيوخ [٨] ٥٠/ ٨٥٠. و((عاصم)): هو ابن سليمان الأحول. والحديث أخرجه مسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) .. ٦٠- ( الرُّخْصَةُ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَصُومَ بَعْضًا، وَيُفْطِرَ بَعْضًا) ٢٣١٣- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ((خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِلِهِ عَامَ الْفَتْحِ صَائِمًا، فِي رَمَضَانَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْكَدِيدِ أَقْطَرٌ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وهو من أصحّ الأسانید لابن عباس تڅ . و((سفيان)): هو ابن عيينة. و((عبيد الله بن عبد اللَّه)): هو ابن عتبة بن مسعود. قوله: ((بالكديد)) : -بفتح الكاف، وكسر الدال المهملة- قال النووي رحمه الله تعالى: هي عين جارية بينها وبين المدينة سبع مراحل، أو نحوها، وبينها وبين مكة قريب من مرحلتين، وهي أقرب إلى المدينة من عُسفان. قال القاضي عياض: الكَدِيد عين جارية على اثنين وأربعين ميلاً من مكة، قال: وعُسْفان قرية جامعة بها منبر على ستة وثلاثین میلاً من مكة، قال: والگَدِید ما بينها وبين قُدید. (١) - وفي نسخة: ((فلا يعيب)). - ٢١٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَام وفي الحديث الآخر: ((فصام حتى بلغ كُرَاع الغميم))، وهو بفتح الغين المعجمة، وهو وادٍ أمامَ عُسفان بثمانية أميال، يُضاف إليه هذا الكُرَاع، وهو جبل أسود متصل به، والكُراع كلّ أنف سال من جبل أو حزّة. قال القاضي: وهذا كله في سفر واحد في غَزَاة الفتح، قال: وسميت هذه المواضع في هذه الأحاديث لتقاربها، وإن كانت عُسفان متباعدة شيئًا عن هذه المواضع، لكنها كلها مضافة إليها، ومن عَمَلِها، فاشتمل اسم عُسفان عليها، قال: وقد يكون عَلِمَ حالَ الناس، ومشقّتهم في بعضها، فأفطر، وأمرهم بالفطر في بعضها. هذا كلام القاضي. قال النوويّ: وهو كما قال، إلا في مسافة عسفان، فإن المشهور أنها على أربعة بُرُد من مكة، وكل بَرِيد أربعة فراسخ، وكلّ فرسخ ثلاثة أميال، فالجملة ثمانية وأربعون ميلاً، هذا هو الصواب المعروف الذي عليه الجمهور انتهى كلام النووي (١). وقوله: ((حتى إذا بلغ الكَديد أفطر)): هذا محلّ الترجمة، حيث إنه يدلّ على جواز صوم بعض الشهر، وفطر بعضه للمسافر. والله تعالى أعلم. والحديث متفق عليه، وقد تقدم تخريجه في-٢٢٨٧/٥٤- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٦١- (الرُّخْصَةُ فِي الإِفْطَارِ لِمَنْ شَهِدَ شَهْرَ رَمَضَانَ، فَصَامَ، ثُمَّ سَافَرَ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الفرق بين هذه الترجمة والتي قبلها أن تلك لبيان جواز صوم المسافر بعض الشهر، وفطره بعضه مطلقًا، سواء وقع ذلك البعض في الحضر، أم في السفر، وهذه خاصّة بمن صام بعضه في الحضر، ثم سافر. ووجه الاستدلال لما ترجم له من جهة أن النبيّ وَّر سافر في أثناء رمضان، وذلك في (١) - ((شرح مسلم) ج٨ص ٢٣٠. ٦١ - (الرُّخْصَةُ فِي الإِفْطَارِ لِمَنْ شَهِدَ ... - حديث رقم ٢٣١٤ ٢١١ = عاشر رمضان، وقد شَهِدَ الشهرَ، وصام أيامًا في الحضر. وأشار بهذه الترجمة إلى تضعيف ما روي عن عليّ تَّه ؛ وإلى ردّ ما روي عن غيره في ذلك، قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: رُوي عن عليّ بإسناد ضعيف، وقال به عَبِيدة بن عمرو، وأبو مِجْلَز، وغيرهما، ونقله النوويّ عن أبي مجلز وحده، ووقع في بعض الشروح أبو عبيدة، وهو وَهَمِّ، قالوا: إنّ من استهلّ عليه رمضان في الحضر، ثم سافر بعد ذلك، فليس له أن يفطر؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهَرَ فَلْيَصُمَّةٌ﴾ ، قال: وقال أكثر أهل العلم: لا فرق بينه وبين من استهلّ عليه رمضان في السفر، ثم ساق ابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عمر، قال: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمّْةٌ﴾ نسخها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الآية. ثم احتجٌ للجمهور بحديث ابن عباس رَزيت المذكور في هذا الباب. قاله في ((الفتح)) (١). والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٣١٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاؤُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَافَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَتِه فَضَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَشَرِبَ تَّارَا، لِيَرَاهُ النَّاسُ، ثُمَّ أَفْطَرَ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ، فَاقْتَتَحَ مَكّْةَ فِي رَمَضَانَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَصَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ فِي السَّفَرِ وَأَفْطَرَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَقْطَرَ). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و((مفضّل)): هو ابن مُهَلْهَل السعديّ الكوفي، ثقة ثبت نَبِيل عابد [٧] ٢٥ /١٢٤٠ . و((منصور)): هو ابن المعتمر. وقول ابن عباس رضيت هذا هو الذي عليه الجمهور، وهو الحقّ. قال النوويّ رحمه الله تعالی عند الكلام على الحدیث المذکور: ما نصّه: فیه دلیل لمذهب الجمهور أن الصوم والفطر جائزان. وفيه أن المسافر له أن يصوم بعض رمضان، دون بعض، ولا يلزمه بصوم بعضه إتمامه، وقد غَلِطَ بعضُ العلماء في فهم هذا الحديث، فتوهّم أن الكديد، وكراع الغميم قريب من المدينة، وأن قوله: ((فصام حتى بلغ الكديد، وكراع الغميم)) كان في اليوم الذي خرج فيه من المدينة، فزعم أنه خرج من المدينة صائمًا، فلما بلغ كراع الغميم في يومه أفطر في النهار، واستدلّ به هذا (١) - ((فتح) ج٤ ص ٦٩٠ . ٢١٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَام القائل على أنه إذا سافر بعد طلوع الفجر صائمًا له أن يفطر في يومه، ومذهب الشافعيّ والجمهور أنه لا يجوز الفطر في ذلك اليوم، وإنما يجوز لمن طلع عليه الفجر في السفر، واستدلال هذا القائل بهذا الحديث من العجائب الغريبة؛ لأن الكديد، وکراع الغميم على سبع مراحل، أو أكثر من المدينة. والله أعلم انتهى كلام النوويّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن أين الدليل لمنع الفطر لمن طلع عليه الفجر، وهو في الحضر، هيهات هيهات، بل النصوص الدّالّة على إباحة الفطر للمسافر مطلقة، فالحقّ ما ذهب إليه أحمد، وإسحاق، والمزنيّ رحمهم الله تعالى أنه يجوز الفطر للمسافر مطلقًا، سواء طلع عليه الفجر، وهو مقيم، أم لا، وقد تقدّم بيان ذلك في شرح حديث جابر رَّه في ٢٢٦٣/٤٩ - فلا تغفل، وبالله تعالى التوفيق. والحديث متفق عليه، كما تقدم البحث فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). * ٦٢ - (وَضْعُ الصِّيَّامِ عَنِ الْحُبْلَى وَالْمُرْضِعِ) ٢٣١٥- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ وُهَيْبٍ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَوَادَةَ الْقُشَيْرِيُّ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، رَجُلٌ مِنْهُمْ، أَنَّهُ أَتَى النَِّيَّ ◌َّهِ بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ يَتَغَذَّى، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ: «هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ»، فَقَالَ: إِنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ وَّهِ: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَضَعَ لِلْمُسَافِرِ الصَّوْمَ، وَشَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ الْحُبْلَى، وَالْمُرْضِعٍ»). رجال هذا الإسناد : كلهم رجال الصحيح، سوى شيخه، فإنه من أفراده، وهو نسائيّ ثقة. و((مسلم بن إبراهيم)): هو الأزديّ البصريّ الثقة المأمون المكثر، من صغار [٩]. و((وهيب بن خالد)): هو الباهليّ البصريّ الثقة الثبت [٧] . و(«عبد الله بن سَوَادة)) بن حنظلة القشيريّ البصريّ، ثقة [٤] . روى عن أبيه، وأنس بن مالك الكعبيّ. وعنه أبو هلال الراسبيّ، ووُهيب بن خالد، ٦٢- (وَضْعُ الصيام عن الحُبلَی والمُرضِع) - حديث رقم ٢٣١٥ -٢١٣ وعبد الوارث، وحماد بن زيد، وابن علية. قال ابن معين: ثقة. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال العجليّ: ثقة. روى له مسلم، والأربعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وعندهم هذا، وحديث ((لا يَغُرَّنَّ أحدَكُم أذان بلال من السحور .. )) الحدیث . و(«أبوه)): هو سوادة بن حنظلة القشيريّ البصريّ، صدوقٌ [٣] ٢١٧١/٣٠. والسند مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فنسائيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه. والله تعالى أعلم. وقوله: ((للمسافر)) اللام بمعنى ((عن))، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَاً إِلَيْهٍ﴾ الآية [الأحقاف: ١١]. كما قاله ابن الحاجب. أي عن المسافر، ويحتمل أن تكون للتعليل، أي لأجل الرفق بالمسافر، وبه قال ابن مالك وغيره في الآية. أفاده ابن هشام في ((مغنيه)) (١). وقوله: ((وعن الحبلى والمرضع)) أي وَضَعَ الصوم عنهما فقط، فليس شطر الصلاة موضوعًا عنهما. فتنبّه . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه هذا حسن، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في- ٢٢٧٤/٥١ - إلا ((الْحُبْلَى))، و((المرضع»، وهذا موضع البحث في حكمهما، فأقول: (مسألة): في اختلاف أهل العلم في حكم الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما، أو على أولادهما لو صامتا: قال الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى -بعد أن أخرج الحديث -: ما نصّه: والعمل على هذا عند أهل العلم، وقال بعض أهل العلم: الحامل والمرضع يفطران، ويقضيان، ويُطعمان، وبه يقول سفيان، ومالك، والشافعيّ، وأحمد. وقال بعضهم: يفطران، ويُطعمان، ولا قضاء عليهما، وإن شاءتا قضتا، ولا طعام عليهما، وبه يقول (٢) . إسحاق. انتھی وقال في ((الفتح)): اختُلِفَ في الحامل والمرضع، ومن أفطر لكِبَر، ثم قَوِي على القضاء بعدُ، فقال الشافعيّ: يقضون، ويُطعمون، وقال الأوزاعيّ، والكوفيون: لا إطعام. انتهى. (١) - راجع ((مغني اللبيب)) ج١ ص٢١٣. (٢) - انظر ((الجامع)) ج٣ ص٤٠٢-٤٠٣. بنسخة ((تحفة الأحوذيّ)). ٢١٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَام وحكى ابن قدامة، والزرقانيّ اتفاق العلماء على وجوب القضاء من غير فدية فيما إذا خافت الحامل، والمرضع على أنفسهما. قال ابن قدامة في ((المغني)) جـ ٣ص١٣٩: إن الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما، فلهما الفطر، وعليهما القضاء، فحسبُ، لا نعلم فيه بين أهل العلم اختلافًا؛ لأنهما بمنزلة المريض الخائف على نفسه. وقال الزرقانيّ: إذا خافتا على أنفسهما، فلا فدية باتفاق أهل المذاهب، وهو إجماع؛ إلا عند من أوجب الفدية على المريض انتهى. وأما إذا خافتا على ولديهما فقط، وأفطرتا، فاختلفوا فيه على خمسة أقوال: (أحدها): يُطعمان، ولا قضاء عليهما، وهو مرويّ عن ابن عمر، وابن عباس، رواه أبو داود، والبزار، والدارقطنيّ، والبيهقيّ عن ابن عباس، ومالكٌ، وابنُ أبي حاتم، والدار قطنيّ، والبيهقيّ عن ابن عمر، وهو أحد أقوال مالك. (الثاني): يقضيان فقط، ولا إطعام عليهما، وبه قال عطاء، والزهريّ، والحسن، وسعيد بن جُبير، والنخعيّ، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأبو حنيفة وأصحابه، والأوزاعيّ، والثوريّ، واستدلّ لهم بحديث الباب. قال الجصاص: ووجه الدلالة على هذا إخباره وَّر بأنّ وضعَ الصوم عن الحامل والمرضع هو كوضعه عن المسافر، ألا ترى أن وضع الصوم الذي جَعَلَه من حكم المسافر هو بعينه جَعَلَه من حكم الحامل والمرضع؛ لأنه عطفهما عليه من غير استثناء ذكر شيء غيره، فثبت بذلك أن حكم وضع الصوم عن الحامل والمرضع هو حكم وضعه عن المسافر، لا فرق بينهما، ومعلوم أن وضع الصوم عن المسافر إنما هو على جهة إيجاب قضائه بالإفطار من غير فدية، فوجب أن يكون ذلك حكمّ الحامل والمرضع . وفيه دلالة على أنه لا فرق بين الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما، أو ولديهما، إذ لم يفصّل النبيّ وَّه بينهما، وأيضًا لما كانت الحامل والمرضع يُرجى لهما القضاء، وإنما أبيح لهما الإفطار للخوف على النفس، أو الولد مع إمكان القضاء وجب أن تكونا كالمريض والمسافر انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الجصاص رحمه الله تعالى، حسنّ جدًّا. (الثالث): يقضيان، ويُطعمان، وهو المشهور من مذهب الشافعيّ، وهو ثاني أقوال مالك، وإليه ذهب أحمد. (الرابع): إن الحامل تقضي، ولا تطعم، والمرضع تقضي وتطعم. وبه قال الليث، وهو المشهور من أقوال مالك؛ لأن المرضع يمكن أن تسترضع لولدها بخلاف ٦٣ - (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللهِ عز وجل: ﴿ وَعَلَى ... - حديث رقم ٢٣١٦ ٢١٥ الحامل، ولأن الحمل متصل بالحامل، فالخوف عليه كالخوف على بعض أعضائها . (الخامس): يطعمان، ولا قضاء عليهما، وإن شاءتا قضتا، ولا إطعام. حكاه الترمذيّ عن إسحاق بن راهويه (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يترجّح عندي من هذه الأقوال قول من قال: يجب عليهما القضاء، فقط، دون الإطعام، لأنهما في حكم المريض، ولم يُجب اللّه تعالى الإطعام عليه، فكذلك هما، وأيضًا فقد سوّى النبي وَلّ بينهما وبين المسافر في وضع الصوم عنهم، ومعلوم أن المسافر يقضي، ولا إطعام عليه، كما تقدّم تقريره في كلام الجصّاص رحمه الله تعالى. والحاصل أن الحامل والمرضع إذا أفطرتا لما ذُكر تقضيان، ولا فدية عليهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٦٣- ( تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ عز وجل : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدِيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]) ٢٣١٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا بَكْرٌ -وَهُوَ ابْنُ مُضَرَ - عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ، عَنْ يَزِيدَ، مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُّ: ﴿وَعَلَى أَلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كَانَ مَنْ أَرَادَ مِنَّا أَنْ يُفْطِرَ، وَيَقْتَدِيَ، حَتَّى نَزَلَتِ الْآَيَّةُ الَّتِي بَعْدَهَا، فَسَخَتْهَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (قتيبة) بن سعيد الثقفي، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١. ٢- (بكر بن مضر) بن محمد، أبو محمد المصريّ، ثقة ثبت [٨] ١٧٣/١٢٢ . ٣- (عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقة (١) - أفاده في ((المرعاة)) ج٧ص ١٥-١٦. ٢١٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَام ثبت فقيه [٧] ٦٣ /٧٩ . ٤- (بكير) بن عبد الله بن الأشجّ المدنيّ، ثم المصريّ، ثقة [٥] ٢١١/١٣٥. ٥- (يزيد مولى سلمة بن الأكوع) بن أبي عبيد الأسلميّ المدنيّ، ثقة [٤] ٦٧/ ١٩٦١. ٦- (سلمة بن الأكوع) هو سلمة بن عمرو بن الأكوع -نُسب لجدّه- الأسلميّ، أبو مسلم، أو أبو إياس الصحابيّ، شهد بيعة الرضوان، ومات سنة (٦٤) وتقدّم في ١٥/ ٧٦٥ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بثقات المصريين، وقتيبة، وإن كان بغلانيّا، إلا أنه دخل مصر للأخذ عن مشايخها، ونصفه الثاني مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأُكْوَعِ) هو ابن عمرو بن الأكوع نُسب لجدّه الصحابيّ الشهير رَّه ، أنه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كَانَ مَنْ أَرَادَ مِنَّ أَنْ يُفْطِرَ، وَيَفْتَدِيَ) خبر ((كان)) محذوفٍ، أي فَعَلَ ذلك (حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا) أي قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ [البقرة: ١٨٥] (فَتَسَخَتْهَا) حديثُ سلمة رَّ هذا صريح في أن هذه الآية منسوخة، وثبت مثله عن ابن عمر رَايها، فقد أخرج البخاريّ في ((صحيحه)) من طريق نافع، عنه أنه قرأ: ﴿فِدِيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: هي منسوخة)). ورجّح النسخَ ابنُ المنذر من جهة قوله: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، قال: لأنها لو كانت في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام لم يناسب أن يقال: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، مع أنه لا يُطيق الصيام. وقيل: إن الناسخ قوله تعالى ﴿وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَكُمّ﴾ قال البخاريّ تعليقًا: وقال ابن نمير، حدثنا الأعمش، حدثنا عمرو بن مرّة، حدثنا ابن أبي ليلى، حدثنا أصحاب محمد وَله: ((نزل رمضان، فشقّ عليهم، فكان من أطعم كلّ يوم مسكينًا، ترك الصوم، ممن يُطيقه، ورُخص لهم في ذلك، فنسختها: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فأمروا بالصوم)). وهذا التعليق وصله أبو نعيم في ((المستخرج))، والبيهقيّ من طريقه، ولفظ البيهقيّ: ٦٣ - (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّه عز وجل: ﴿وَعَلَى ... - حديث رقم ٢٣١٦ ٢١٧= «قَدِم النبيّ ټۋ المدینة، ولا عهد لهم بالصيام، فکانوا یصومون ثلاثة أيام من كل شهر، حتى نزل: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾، فاستكثروا ذلك، وشقّ عليهم، فكان من أطعم مسكينًا كلّ يوم ترك الصيام، ممن يُطيقه، ورخص لهم في ذلك، ثم نسخه: ﴿وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ ڵڪم﴾، فأُمروا بالصيام)). قال الحافظ رحمه الله تعالى: وإذا تقرّر أن الإفطار والإطعام كان رخصة، ثم نسخ لزم أن يصير الصيام حتمًا واجبًا، فكيف يلتئم مع قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌّ لَكُمْ﴾، والخيريّة لا تدلّ على الوجوب، بل المشاركة في أصل الخير؟. أجاب الكرمانيّ رحمه اللّه تعالى بأن المعنى: فالصوم خير من التطوّع بالفدية، والتطوّع بها كان سنّة، والخير من السنة لا يكون إلا واجبًا، أي لا يكون شيء خيرًا من السنّة إلا الواجب. كذا قال، ولا يخفى بعده، وتكلّفه. ودعوى الوجوب في خصوص الصيام في هذه الآية ليست بظاهرة، بل هو واجب مخيّر، من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم، فنصّت الآية على أن الصوم أفضل، وكون بعض الواجب المخيّر أفضل من بعض لا إشكال فيه. واتفقت هذه الأخبار على أن قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ منسوخ. وخالف في ذلك ابن عباس رؤيتها، فذهب إلى أنها محكمة، لكنها مخصوصة بالشيخ الكبير ونحوه، كما يأتي في الرواية التالية، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سلمة بن الأكوع ظمفيه هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٣١٦/٦٣ - وفي («الكبرى»٢٦٢٥/٦٣ و١١٠١٧/٢٥ . وأخرجه (خ) في ((التفسير))٤٥٠٧ (م) في ((الصيام)) ١١٤٥ (د) في ((الصوم))٢٣١٥ (ت) في ((الصوم)) ٧٩٨ (الدارميّ) في ((الصوم)) ١٧٣٤. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ثبوت النسخ في القرآن، وقد أجمعت الأمة على ذلك، ودلّ عليه قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُفِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾ (ومنها): التدرّج في تشريع الصوم، تسهيلاً على المكلّفين، فكان أول ما شُرع من أراد أن يصوم صام، ومن أراد أن يُطعم أطعم وأفطر، حتى إذا أَلِفُوه، وسهل عليهم نزل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ ٢١٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ فَلْيَصُمْةٌ﴾، فأوجب الله عليهم صيامه، ونسخ الفدية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٣١٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَنْبَأَنًا وَرْقَاءُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ يُطِيقُونَهُ: يُكَلَّفُونَةُ، فِذْيَةٌ، طَعَامُ مِسْكِينٍ وَاحِدٍ، ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرً﴾ طَعَامُ مِسْكِينٍ آخَرَ، لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُّ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌّ لَكُمْ﴾ لَا يُرَخَّصُ فِي هَذَا، إِلَّا لِلَّذِي (١) لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ، أَوْ مَرِيضٍ لَا يُشْفَى). رجال هذا الإسناد : ستة: ١- (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) المعروف أبوه بابن عُليّة البصريّ، نزيل دمشق، وقاضيها، ثقة حافظ [١١] ٤٨٩/٢٢. ٢- (يزيد) بن هارون السلميّ، أبو خالد الواسطيّ، ثقة متقن عابد [٩]٢٤٤/١٥٣. ٣- (ورقاء) بن عمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، صدوقٌ في حديثه عن منصور لين [٧] ٦٠ /٨٦٦ . ٤- (عمرو بن دينار) الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١١٢، ١٥٤ . ٥- (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة فقيه فاضل، كثير الإرسال [٣] ١٥٤/١١٢. ٦- (ابن عباس) عبد الله البحر الحبر رضي اللّه تعالى عنهما٣١/٢٧. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ) أي في بيان ما يتعلّق به (١) - وفي نسخة: ((إلا الذي)). ٦٣ - (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ عز وجل: ﴿وَعَلَى ... - حديث رقم ٢٣١٧ ٢١٩ من المعانى (﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ﴿يُطِيقُونَهُ﴾: يُكَلَّفُونَهُ) قال السنديّ رحمه الله تعالى: أي يَعُدّونه مشقّة على أنفسهم، ويَحمِلونه بكلفة، وصعوبة، وفي ((الكشّاف)) وغيره من التفاسير أن هذا المعنى مبنيّ على قراءة ابن عباس تعطلفيها، وهي يُطَوَّقُونه، -بتشديد الواو، من باب التفعيل، من الطوق، ثم ذكروا عنه روايات أُخَر، ثم ذكروا أنه يصحّ هذا المعنى على قراءة ﴿يُطيقونه﴾ أي يبلغون به غاية وسعهم، وطاقتهم، وعلى هذا لا حاجة إلى تقدير حرف النفي على القراء المشهورة، والمشهور أنه على القراءة المشهورة يُقدَّر حرف النفي. والله تعالى أعلم انتهى (١). وقال الحافظ عند قول البخاريّ: ((قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة»: ما نصّه: هذا مذهب ابن عباس، وخالفه الأكثر. وفي هذا الحديث، والذي بعده ما يدلّ على أنها منسوخة، وهذه القراءة تضعّف تأويل من زعم أنّ ((لا)) محذوفة من القراءة المشهورة، وأن المعنى: وعلى الذين لا يطيقونه فدية، وأنه كقول الشاعر: فَقُلْتُ يَمِينُ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا أي لا أبرح قاعدًا، ورُدّ بدلالة القسم على النفي بخلاف الآية، ويُثَبِّت هذا التأويل أن الأكثر على أن الضمير في قوله: ﴿يطيقونه﴾ للصيام، فيصير تقدير الكلام: وعلى الذين يطيقون الصيام فدية، والفدية لا تجب على المطيق، وإنما تجب على غيره. والجواب عن ذلك أن في الكلام حذفًا تقديره: وعلى الذين يطيقون الصيام إذا أفطروا فدية، وكان هذا في أول الأمر عند الأكثر، ثم نُسخ، وصارت الفدية للعاجز إذا أفطر . وأما على قراءة ابن عباس -يعني يطوّقونه بالتضعيف- فلا نسخ؛ لأنه يجعل الفدية على من تكلّف الصوم، وهو لا يقدر عليه، فيفطر ويكفّر، وهذا الحكم باق. وفي هذا الحديث حجة لقول الشافعيّ، ومن وافقه: إن الشيخ الكبير، ومن ذكر معه إذا شقّ عليهم الصوم، فأفطروا، فعليهم الفدية؛ خلافًا لمالك ومن وافقه. واختلف في الحامل والمرضع، ومن أفطر لكبر، ثم قوي على القضاء بعدُ، فقال الشافعيّ، وأحمد: يقضون، ويطعمون. وقال الأوزاعيّ، والكوفيون: لا إطعام انتهى كلام الحافظ (٢). (١) - ((شرح السنديّ)) ج٤ ص١٩١ . (٢) - ((فتح)) ج٩ ص ٣٥ . ٢٢٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَام قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: تقدّم أن الراجح هو ما ذهب إليه الأوزاعيّ، والكوفيّون؛ لأنه لا دليل على إيجاب الفدية مع الصوم. والله تعالى أعلم. [تنبيه] : قد اختلف السلف في الحدّ الذي إذا وجده المكلّف جاز له الفطر، والذي عليه الجمهور أنه المرض الذي يبيح له التيمم مع وجود الماء، وهو ما إذا خاف على نفسه لو تمادى على الصوم، أو على عضو من أعضائه، أو زيادة في المرض الذي بدأ به، أو تماديه. وعن ابن سيرين: متى حصل للإنسان حال يستحقّ بها اسم المرض، فله الفطر، وهو نحو قول عطاء. وعن الحسن والنخعيّ: إذا لم يقدر على الصلاة قائمًا يفطر. قاله في ((الفتح))(١) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي ذهب إليه الجمهور هو الأرجح عندي؛ لأن الله تعالى رخّص في الفطر للمريض، إزالة للضرر، فإذا كان مرضه خفيفًا لا يتضرّر بالصوم، ولا يشقّ معه فلا حاجة له للرخصة. والله تعالى أعلم. (فِذْيَةٌ، طَعَامُ مِسْكِينٍ وَاحِدٍ، ﴿فَمَنْ تُطَوَّعَ خَيًْ﴾ طَعَامُ مِسْكِينٍ آخَرَ، لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ) أي الآية على هذا المعنى ليست منسوخة، وجملة ((ليست منسوخة)) معترضة بين تفسير الآية (﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُّ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ لَا يُرَخَّصُ فِي هَذَا، إِلَّا لِلَّذِي لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ) قد يؤخذ منه الإشارة إلى التوجيه المشهور، وهو تقدير ((لا)) للقراءة المشهورة على هذا المعنى (أَوْ مَرِيضٍ لَا يُشْفَى) بالبناء للمفعول، والجملة صفة لـ((مريض)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس توقيت هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٣ / ٢٣١٧ وفي ((الكبرى)) ٢٦٢٦/٦٣ وفي ((التفسير)) ١١٠١٨/٢٥ و١١٠١٩ وأخرجه (خ) في ((التفسير)) ٤٥٠٥ (د) في ((الصوم)) ٢٣١٦ و٢٣١٧ و٢٣١٨ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). (١) - المصدر المذكور.