Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
٢٣- (ذِكْرُ الاختلافِ عَلَی سلیمانَ ... - حديث رقم ٢١٥٨
والحديث أخرجه البخاريّ، كما مر بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٢٣- (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى سُلَيْمَانَ
ابْنِ مِهْرَانَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةً فِي
تَأْخِيرِ السَّحُورِ، وَاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِمْ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف المذكور أن شعبة رواه عن سليمان
الأعمش، عن خيثمة بن عبدالرحمن، عن أبي عطيّة، قال: قلت لعائشة ... وتابعه
الثوريّ، فيه، وخالفهما زائدة، فرواه عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي
عطيّة، قال: دخلت أنا، ومسروق على عائشة، فقال لها مسروق: رجلان ....
وتابعه فيه أبو معاوية، عن الأعمش.
والظاهر أن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ في صحة الحديث، لإمكان الجمع بكون
الأعمش رواه بالطريقين: طريقٍ خيثمة، عن أبي عطيّة، وطريقٍ عمارة، عن أبي عطيّة.
وقد أخرجه مسلم من طريق أبي معاوية، ويحيى بن أبي زائدة، عن الأعمش، عن
عمارة بن عمير، عن أبي عطيّة. وأما اختلاف الألفاظ فسيأتي بيانه خلال الشرح، إن
شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢١٥٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
سُلَيْمَانَ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: فِينَا رَجُلَانٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ
وَهِ: أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الْإِفْطَّارَ، وَيُؤَخِّرُ السُّحُورَ، وَالْآخَرُ يُؤَخِّرُ الْإِفْطَارَ، وَيُعَجِّلُ
السُّحُورَ، قَالَتْ: ((أَُهُمَا الَّذِي يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ، وَيُؤَخِّرُ السُّحُورَ؟))، قُلْتُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
مَسْعُودٍ، قَالَتْ: ((هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِ﴿ يَصْنَعُ)) ).
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة [١٠] ٥/٥ .
٢- (خالد) بن الحارث الهجيميّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٧/٤٢.
٣- (شعبة) بن الحجاج البصريّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧.

٣٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ
٤- (سليمان) بن مِهْران الأعمش الكوفيّ الإمام المشهور الحجة [٥] ١٨/١٧.
٥- (خيثمة) بن عبدالرحمن بن أبي سَبْرَة الجعفيّ الكوفيّ الثقة [٣]٢٠٥٦/١١٤.
٦ - (أبو عطيّة) مالك بن عامر، أو ابن أبي عامر، أو ابن عوف، أو ابن حمزة، أو
ابن أبي حمزة الوادعيّ الكوفيُّ، مشهور بكنيته، ثقة [٢] ١١٩٨/١٠.
٧- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها٥/٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالی. (ومنها): أن رجالہ کلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، والثاني بالكوفيين، وعائشة
رضي الله تعالى عنها مدنيّة. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن
بعض: الأعمش، عن خيثمة، عن أبي عطيّة، وفيه عائشة رضي الله تعالى عنها من
المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي عَطِئَةَ) الواعيّ، أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ) رَّها، وفي الرواية الآتية بعد
حديث، من طريق زائدة، عن الأعمش، عن عمارة، عن أبي عطيّة، قال: دخلت أنا
ومسروق، على عائشة، فقال لها مسروق: رجلان من أصحاب رسول اللّه وَ التّه
كلاهما لا يألو عن الخير، أحدهما يؤخّر الصلاة ... )). ومن طريق أبي معاوية، عن
الأعمش، عن عمارة، عن أبي عطيّة، قال: ((دخلت أنا ومسروق على عائشة، فقلنا
لها: يا أم المؤمنين رجلان ... )).
ويجمع بين هذا الاختلاف بكون مسروق هو الذي تولّى السؤال؛ لكون عائشة رعيتها
تعرفه، حيث كان كثير الرواية عنها، بخلاف أبي عطيّة، فإنه ما يروي عنها إلا قليلاً،
وإنما قال أبو عطيّة: قلت لعائشة، أو قلنا لها، لكونه طلب من مسروق أن يسألها .
والله تعالى أعلم.
(فِيَا رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ نَّهِ: أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ) أي يختار تعجيل الفطر
في الصوم (وَيُؤَخِّرُ السُّحُورَ) بضم السين، أي يختار تأخير الأكل في وقت السحر،
ويحتمل أن يكون بفح السين، اسمًا للمأكول في ذلك الوقت، كما تقدم بيان الضبطين
مستوفّى في -٢١٤٤/١٨ - وإنما فعل ذلك اتباعًا للسنّة (وَالْآخَرُ يُؤَخِّرُ الْإِغْطَارَ، وَيُعَجِّلُ
السُّحُورَ) أي فمن هو على السنة؟.
والظاهر أن الآخر إنما فعل ذلك ليبيّن للناس جوازه، أو فعله احتياطًا، حيث لم

٢٣ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى سُلَيْمَانَ ... - حديث رقم ٢١٥٨
٣٦٣
تبلغه السنّة في ذلك (قَالَتْ) عائشة ◌َّهَا ((أَيُهُمَا الَّذِي يُعَجِّلُ الْإِغْطَارَ، وَيُؤَخِّرُ
السُّحُورَ؟))، قُلْتُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ) تَّ، أي والآخر أبو موسى الأشعريّ
رَضّه، كما يأتي في رواية عمارة، عن أبي عطيّة (قَالَتْ: «هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِنهـ
يَصْنَعُ))) أي إن فعل ابن مسعود تَظّه هو الموافق لسنة رسول اللّه وَله، والآخر مجتهد
مأجور حيث لم يخالف السنّة قصدًا، كما يأتي من طريق زائدة قوله: ((كلاهما لا يألو
عن الخير)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة راثها هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢١٥٨/٢٣ و٢١٥٩ و٢١٦٠ و٢١٦١ - وفي ((الكبرى))٢٤٦٨/٢٤
و٢٤٦٩ و٢٤٧٠ و٢٤٧١. وأخرجه (م) ((الصوم))٢٥٥١ و٢٥٥٢ (د) في
((الصوم))٢٣٥٤ (ت) في ((الصوم))٧٠٢ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٣٠٨١
و٢٤٢٣٠. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الاختلاف على سليمان
الأعمش في حديث عائشة تها، وقد بيّنًا وجهه (ومنها): استحباب تعجيل الإفطار،
وتأخير السحور. قال الحافظ ابن عبدالبرّ رحمه اللّه تعالى: أحاديث تعجيل الفطر،
وتأخير السحور صحاح متواترة. وعند عبدالرزاق وغيره بإسناد صحيح، عن عمرو بن
ميمون الأوديّ، قال: ((كان أصحاب محمد بَلّ أسرع الناس إفطارًا، وأبطأهم سحورًا))
(١)
انتھی
.
(ومنها): أن أكابر الصحابة، ومن بعدهم قد تخفى عليهم السنّة، فيجتهدون، فيعملون
بخلافها ، وأنهم معذورون ومأجورون بذلك، وأما من قّدهم، فلا عذر له إذا تبين له النص
(ومنها): أن اختلاف أهل العلم كثيرًا ما يكون مبناه على اطلاع بعضهم على النصوص،
وعدم اطلاع الآخرين عليها (ومنها): أن فيه بيانَ كثرة علم عائشة تَعَّها بالسنّة. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(١) - انظر ((الفتح)) ج٤ ص ٧١٣.

1
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
٣٦٤
٢١٥٩- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ
الْأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: فَيْنَا رَجُلَانِ: أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ
الْإِفْطَارَ، وَيُؤَخِّرُ السُّحُورَ، وَالْآخَرُ يُؤَخِّرُ الْفِطْرَ، وَيُعَجِّلُ السُّحُورَ، قَالَتْ: أَيُّهُمَا الَّذِي
يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ، وَيُؤَخِّرُ السُّحُورَ؟، قُلْتُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَتْ: هَكَذَا كَانَ رَسُولُ
اللَّهِ وَلِ يَصْنَعُ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا طريق آخر لحديث عائشة رعايتها، ساقه المصنّف
لبيان متابعة الثوريّ لشعبة، كما قدّمت بيانه أوّلَ الباب.
و((عبدالرحمن)): هو ابن مهديّ. و((سفيان)): هو الثوريّ، والحديث صحيح. والله
تعالى أعلم بالصوابِ، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١٦٠- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ،
عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي عَطِئَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْرُوقُ، عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالَ لَهَا مَسْرُوقٌ:
رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ كِلَاهُمَا لَا يَأْلُو عَنِ الْخَيْرِ، أَحَدُهُمَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ
وَالْفِطْرَ، وَالْآخَرُ يُعَجِّلُ الصَّلَاةَ وَالْفِطْرَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: أَيُهُمَا الَّذِي يُعَجِّلُ الصَّلَاةَ
وَالْفِطْرَ؟، قَالَ مَسْرُوقٌ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: هَكَذَا كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللَّهِ
.(醬
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا طريق ثالث لحديث عائشة تغطيتها أيضًا، ساقه
المصنّف لبيان مخالفة زائدة لشعبة وسفيان في روايتهما عن الأعمش، عن خيثمة بن
عبدالرحمن، عن أبي عطيّة، فرواه عن شعبة، عن عُمَارة بن عُمير عن أبي عطيّة، وقد
تقدّم تصحيح الطريقين قريبًا، فلا تغفل.
و(أحمد بن سليمان)): هو أبو الحسين الرُّهَاويّ الحافظ، من أفراد المصنّف.
و((حسين)): هو ابن عليّ بن الوليد الجعفيّ المقرىء الثبت الكوفيّ. و((زائدة)): هو ابن
قُدَامة الحافظ المتقن الكوفيّ. و((عُمارة بن عُمَير)): هو التيميّ الكوفيّ الثقة الثبت [٤]
٦٠٨/٤٩ .
وقوله: ((لا يألو عن الخير)): أي لا يُقَصِّر عن فعل الخير. وقوله: ((يؤخّر الصلاة)):
أي صلاة المغرب.
والحديث صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١٦١- (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ
أَبِي عَطِئَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْرُوقُ، عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْنَا لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، رَجُلَانِ

٢٤ - ( فَضْلُ السُّحُورِ ) - حديث رقم ٢١٦٢
٣٦٥
مِنْ أَصْحَاب مُحَمَّدٍ وَّهِ: أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ، وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ، وَالْآخَرُ يُؤَخِّرُ
الْإِغْطَارَ، وَيُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ، فَقَالَتْ: أَيُهُمَا يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ، وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ؟، قُلْنَا: عَبْدُاللَّهِ
ابْنُ مَسْعُودٍ، قَالَتْ: هَكَذَا كَانَ يَصْتَعُ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ. وَالْآخَرُ أَبُو مُوسَى، ◌َّهَا).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أبو معاوية)): هو محمد بن خازم الضرير الكوفيّ
الحافظ .
وقوله: ((والآخر أبو موسى)): الظاهر أنه من قول أبي عطيّة، ومسروق، وأما ما وقع
عند مسلم في ((صحيحه)) من قوله بعد أن رواه عن يحيى بن يحيى، وأبي كريب،
كلاهما عن أبي معاوية: ((زاد أبو كريب: والآخر أبو موسى)). فمعناه أن أبا كريب زاد
في روايته على رواية يحيى، لا أنه قال ذلك من عند نفسه. والحديث أخرجه مسلم.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٢٤- ( فَضْلُ السُّحُورِ )
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على بيان فضل السحور، بضم السين، وفتحها،
على ما قدّمنا بيانه.
٢١٦٢- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ، صَاحِبِ الزِّيَادِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ، يُحَدِّثُ عَنْ
رَجُلٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَِّيِّ ◌َِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَِّيِّ ◌َِّه وَهُوَ يَتَسَخَّرُ، فَقَالَ: ((إِنَّا
بَرَكَةٌ أَعْطَاكُمُ اللَّهُ إِيَّاهَا، فَلَا تَدَعُوهُ)) ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج، أبو يعقوب المروزيّ، ثقة ثبت [١١]
٨٨/٧٢ .
٢- (عبدالحميد صاحب الزياديّ) هو ابن دينار بن كُزْديد، وقيل: ابن واصل،
البصريّ، ومنهم من جعلهما اثنين، ثقة [٤] .
روى عن أنس، وأبي رجاء العطارديّ، وثابت البنانيّ، والحسن البصريّ، وغيرهم.
1

٣٦٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
وعنه شعبة، وحماد بن زيد، وابن عليّة، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). قال الحافظ: ذكره ابن
حبان في أتباع التابعين، كأنه لم يصحّ عنده لُقيّه لأنس، وفرق بين ابن دينار، وابن
گردید تبعًا للبخاريّ، وکذا فعل ابن أبي حاتم. روی له الجماعة، سوی الترمذيّ، وابن
ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٣- (عبدالله بن الحارث) الأنصاريّ البصريّ، نسيب ابن سيرين، ثقة [٣] ٨٢/
١٣٣٨. و((عبدالرحمن)) بن مهديّ، وشعبة بن الحجاج تقدّما في الباب الماضي. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَّ) ولا تضرّ جهالته؛ لأن الصحابة رضي الله تعالى
عنهم كلهم عدول (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ نَّهِ، وَهُوَ يَتَسَخَّرُ) جملة في محلّ نصب على
الحال من ((النبيّ)) (فَقَالَ: ((إِنَّا بَرَكَةٌ) أي إن هذه الأكلة ذات بركة. وقال السنديّ رحمه
الله تعالى: أي إن هذا الطعام، أو التسخر، والتأنيث باعتبار الخبر انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: التقدير الأول أولى؛ لما سيأتي من قوله: ((أكلة
السحور)). والله تعالى أعلم.
(أَعْطَاكُمُ اللَّهُ إِيَّاهَا) أي نَدَبَكم إليها، أو خصّكم بإباحتها، دون أهل الكتاب. قال
القاضي عياض رحمه الله تعالى: هو مما اختصّت به هذه الأمّة في صومها انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ويؤيده ما يأتي بعد بابين، من حديث عمرو بن
العاص وَّه، مرفوعًا: ((إن فصل ما بين صيامنا، وصيام أهل الكتاب أكلة السحور)).
ثم إن هذا هو محلّ الاستدلال على الترجمة، فإن كونها بركة، وكونها خُصت بها هذه
الأمة يدلّ دلالة واضحة على فضل السحور. والله تعالى أعلم.
(فَلَا تَدَعُوهُ))) أي لا تتركوا السحور، فالتذكير باعتبار ((السحور))، وهذا الأمر
للاستحباب، لأنه وَ له واصل بأصحابه، فلو كان التسخر واجبًا لما فعل ذلك. والله تعالى
أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه
الله تعالى، أخرجه هنا-٢٤/ ٢١٦٢ - وفي («الكبرى»٢٤٧٢/٢٥ . وأخرجه (أحمد) في
(باقي مسند الأنصار)» ٢٢٠٢٣ و٢٢٠٠٦١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.

٣٦٧ =
٢٥ - ( دَغْوَةُ السّحُورِ) - حديث رقم ٢١٦٣
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٢٥- (دَعْوَةُ السّحُورِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد دَغْوة الناس ليأكلوا السَّحُور، فالإضافة بمعنى
اللام.
قال الفيّوميّ رحمه اللّه تعالى: الدَّغْوَة - بالفتح - في الطعام، اسم من دَعَوْتُ الناسَ:
إذا طلبتَهم ليأكلوا عندك، يقال: نحن في دَعْوَة فلان، ومَدْعَاتِهِ، ودُعَائِهِ بمعنىّ. قال:
والدُّغْوَة -بالكسر - في النسبة، يقال: دَعَوته بابن زيد. قال أبو عُبيد: وهذا كلام أكثر
العرب إلا عَديّ الرِّبَاب، فإنهم يَعكسُون، ويجعلون الفتح في النسب، والكسر في
الطعام. وقال الأزهريّ: الدِّغْوَةُ - بالكسر -: ادعاءُ الولدِ الدَّعيِّ غيرَ أبيه انتهى (١).
والله تعالى أعلم بالصواب.
٢١٦٣- (أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ، بَصْرِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُعَاوِيَةً
ابْنِ صَالِحٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ سَيْفٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي رُهم، عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ
سَارِيَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهَ، وَهُوَ يَدْعُو إِلَى السَّحُورِ،َ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ،
وَقَالَ: ((هَلُمُوا إِلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ)) ).
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (شعيب بن يوسف) أبو عمرو النسائيّ، ثقة صاحب حديث [١٠] ٤٩/٤٢.
[تنبيه]: قوله: ((بصريّ)) هكذا هو في نسخ ((المجتبى)) ((بصريّ))، ولا يوجد في
((الكبرى))، ولم أجد في كتب الرجال كونه منسوبًا إلى البصرة، بل هو فيها منسوب إلى
نَسَاء، فليحرّر. والله تعالى أعلم.
٢- (عبد الرحمن) بن مهديّ المتقدّم قريبًا.
٣- (معاوية بن صالح) بن حُدَير الحضرميّ الحمصيّ، قاضي الأندلس، صدوقٌ له
أوهام [٧] ٥٠ / ٦٢ .
(١) - ((المصباح المنير)» في مادة دعا.

٣٦٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ
٤- (يونس بن سيف) الكلاعيّ الحمصيّ، ثقة(١) [٤].
روى عن الحارث بن زياد، وأبي إدريس الخولانيّ، وغُضَيف بن الحارث، وأبي
كَبْشة السَّلُوليّ، وغيرهم. وعنه ثور بن يزيد، ومحمد بن الوليد الزُّبيديّ، ومروان بن
سالم، ومعاوية بن صالح، وآخرون. قال ابن سعد: كان معروفًا، وله أحاديث. وقال
ابن حبان في ((الثقات)): سأل أبا أمامة عن صيد الْمِعْرَاض. وقال البزار: صالح
الحديث. وقال الدار قطنيّ: ثقة حمصيّ. وحكى البخاريّ أنه قيل فيه يوسف بن سيف
انتهى. وقال في ((التقريب)): ووهم من سماه يوسف. قال ابن أبي عاصم: مات سنة
(١٢٠) وفيها أرّخه ابن سعد.
انفرد به أبو داود، والمصنّف، رويا عنه هذا الحديث فقط، وروى عنه أبو داود
حديثًا آخر في الصيد.
٥- (الحارث بن زياد) الشامي، لين الحديث [٤] . وأخطأ من زعم أن له صحبة.
روى عن أبي رُهْم السَّمَعِيّ، وعنه يونس بن سيف الْكَلَّاعيّ. ذكره ابن حبان في
ثقات التابعين، وقال: أدرك أبا أمامة. وقال البزّار: لا نعلم له كثير أحد روى عنه. قال
الحافظ: وقرأت بخط الذهبيّ في ((الميزان)): مجهول. وشرطه أن لا يُطلق هذه اللفظة
إلا إذا كان أبو حاتم الرازيّ قالها، والذي قاله أبو حاتم: إنه مجهول آخر غيره فيما يظهر
لي. نعم قال أبو عمر بن عبدالبرّ في صاحب هذه الترجمة: مجهول، وحديثه منكر
انتهى. انفرد به أبو داود، والمصنّف، أخرجا له حديث الباب فقط.
٦ - (أبو رُهم) -بضم الراء، وسكون الهاء- اسمه أحزاب بن أسيد - بفتح أوله- على
المشهور، ويقال: بالضمّ، السَّمَعيّ - بفتح المهملة والميم- (٢) مختلف في صحبته.
ذكره ابن أبي خيثمة في ((الصحابة))، وذكره ابن سعد فيمن نزل الشام من الصحابة،
ولكنهما لم يُسمّياه، بل قالوا: أبو رُهْم حسبُ، فيحتمل أن يكون غيره. وقال ابن
يونس: هو جاهليّ عِدَاده في التابعين. وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين. وقال أبو
حاتم في كتاب ((المراسيل)): ليست له صحبة. وقال البخاريّ: هو تابعيّ. وفي ((ت)):
(١) -قال في ((التقريب)): مقبول، وعندي أنه ثقة، فقد روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبان،
والدار قطنيّ، وقال ابن سعد: معروف، وقال البزار: صالح الحديث. فإطلاق لفظ ((مقبول)) على
مثل هذا غير مقبول، فتنبه. والله تعالى أعلم.
(٢) - قال في ((القاموس)): السَّمَع محرِّكة، أو كعِنَبٍ: هو ابن مالك بن زيد بن سهل، أبو قَبيلة من
حِمْيَر، منهم أبو رُهُم أحزاب بن أَسِيد، وشُفْعَةً التابعيّان، ومحمد بن عمرو من تابعي التابعين،
وعبدالرحمن بن عيّاش المحدّث، أو يُقال في النسبة أيضًا سِمَاعيّ بالكسر انتهى في مادة سمع.

٣٦٩
٢٥- ( دَغْوةُ السّحُورِ) - حديث رقم ٢١٦٣
والصحيح أنه مخضرم ثقة. روى له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وله عند
المصنف في هذا الكتاب حديثان، هذا، وفي ((كتاب تحريم الدم)) ٤٠١١/٣ حديث أبي
أيوب الأنصاريّ رَظّه مرفوعًا: ((من جاء يعبد اللَّه، ولا يشرك به شيئًا .. )) الحديث.
٧- (العِرْبَاض بن سارية) -بكسر العين المهملة، وسكون الراء- السلميّ، أبو
نَجِيح، صحابيّ، من أهل الصّفّة، ونزل حمص. قال خليفة: مات في فتنة ابن الزبير.
وقال أبو مُسهر، وغير واحد: مات سنة (٧٥). أخرج له الأربعة، وله عند المصنّف
أربعة أحاديث برقم ٨١٧ و٢٣١٦٣ و٣١٦٤ و٤٦١٩. وتقدّم في ٢٩/ ٨١٧ .
[تنبيه] : قال أبو عمر الزاهد غُلام ثعلب: العِزْبَاض الطويل من الناس وغيرهم،
والجَلْد المخاصم من الناس، وهو مدح. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف رَّلهُ . ومنها: أنه مسلسل بالحمصيين غير شيخه
فنسائي، وعبد الرحمن فبصريّ. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن
بعض. يونس، عن الحارث، عن أبي رُهم. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةً) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ إِ،
وَهُوَ يَذْعُو) جملةَ في محلّ نصب على الحال من ((رسول اللَّه)). ولفظ أبي داود: ((دعاني
رسول اللَّه وَّ)) (إِلَى السَّحُورِ) بضم السين، وفتحها: أي يدعو أصحابه إلى أن يأكلوا
معه وقت السحر، أو يأكلوا الطعام الذي يؤكل في ذلك الوقت (فِي شَهْرِ رَمَضَانَ) متعلّق
بـ((يدعو)) (وَقَالَ: ((هَلْمُّوا) ولفظ أبي داود: ((فقال: ((هلمّ))، و((هلمّ)) اسم فعل أمر،
بمعنى أقبل، ويُخاطَبُ بهِ الواحدُ، والمثنّى، والجمع، والمذكّر، والمؤنّث بلفظ
واحد، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَ شُهَدَآءَكُمُ﴾، وهي لغة أهل الحجاز، وبنو تميم تثنيه،
وتجمعه، وتذكّره، وتؤنثه، فرواية المصنّف على هذه اللغة، ورواية أبي داود على اللغة
الأولى (إِلَى الْغَدَاءِ) متعلق بـ«هلُمْ)). و((الغداء)) : -بالفتح، والمدّ- طعام الغداة، وهي
الضّخوة، كما في ((المصباح))، ويطلق على السحور أيضًا، كما في هذا الحديث.
وفيه استحباب الدعوة إلى الطعام، والاجتماع على أكله (الْمُبَارَكِ)) ) سماه مباركًا لأن
الصائم يتقوّى به على الصوم، ويَنشَط له، وتَخِفّ عنه مشقّته. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:

٣٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ
حديث العرباض بن سارية تظله صحيح.
[فإن قلت] : كيف يصحّ، وفي سنده الحارث بن زياد، وقد تقدم أنه مجهول؟.
[أجيب] : بأن له شواهدَ من حديث المقدام بن معدي كريب الآتي في الباب التالي
وغيره، فيصحّ بها. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢١٦٣/٢٥ - وفي ((الكبرى))٢٤٧٣/٢٦. وأخرجه (د) في ((الصوم))
١٩٩٧ (أحمد في مسند الشاميين) ١٦٥٢ و١٦٥٢٦. و(ابن خزيمة) ١٩٣٨ و(ابن حبان)
٣٤٦٥ و(البيهقيّ) ٢٣٦/٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٢٦- ( تَسْمِيَّةُ السَّحُورِ غَدَاءٌ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: المناسب هنا ضبط ((السَّحُور)) بالفتح؛ لأن الغداء
اسم للمأكول أول النهار، والله تعالى أعلم بالصواب.
٢١٦٤- (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي بَحِيرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدٍ يَكْرِبَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ،
قَالَ: ((عَلَيْكُمْ بِغَدَاءِ السُّحُورِ، فَإِنَةٌ هُوَ الْغَدَاءُ الْمُبَارَكُ))).
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (سويد بن نصر) أبو الفضل المروزيّ، ثقة [١٠] ٥٥/٤٥.
٢- (عبدالله) بن المبارك بن واضح الحنظليّ المروزيّ الإمام الحجة الثبت [٨] ٣٢/
٣٦ .
٣- (بقيّة) بن الوليد بن صائد الكلاعيّ الحمصيّ، صدوق، كثير التدليس عن
الضعفاء [٨] ٥٥/٤٥ .
٤- (بَجِير) -بفتح الموحّدة، وكسر المهملة- ابن سَعْد- بفتح، فسكون- أبو خالد
الحمصيّ، ثقة ثبت [٦] ٦٨٨/١.
٥- (خالد بن معدان) الْكَلاعيّ، أبو عبدالله الحمصيّ، ثقة عابد يرسل كثيرًا [٣] ١/
٦٨٨ .
--

٢٦- ( تَسْمِيَةُ السَّحُورِ غَداء) - حديث رقم ٢١٦٥
=
=
٣٧١
٦- (المقدام بن معديكرب) بن عمرو الكنديّ، صحابيّ مشهور، نزل الشام، ومات
سنة (٨٧) على الصحيح تقدّم في ٨/٨ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه، فتفرد به هو والترمذيّ، وبقية أخرج له مسلم في المتابعات.
(ومنها): أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، وابن المبارك، فمروزيان. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدٍ يَكْرِبَ) تَّهِ (عَنِ النَّبِيِّ وََّ) أنه (قَالَ: ((عَلَيْكُمْ) اسم فعل
منقول من الجارّ والمجرور، كما قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ((الخلاصة)):
وَالْفِعْلُ مِنْ أَسْمَائِهِ عَلَيْكَا وَهَكَذَا دُونَكَ مَخْ إِلَيْكَا
[فائدة]: قولهم: ((عليك زيدًا)): ((عليك)) اسم فعل بمعنى الْزَمْ، و((زيدًا)) منصوب على
أنه مفعول به له، وقد يتعدّى إليه بالباء، كهذا الحديث، وكـ«عليك بذات الدين»، فیکون
بمعنى استمسك مثلاً، وصرّح الرضيّ بأنها زائدة؛ لأنها تزاد كثيرًا في مفعول اسم الفعل؛
لضعف عمله، وأما الكاف، فهي ضمير عند الجمهور، لا حرف خطاب؛ لأن الجارّ لا
يُستعمل بدونها، ولأن الياء والهاء في قولهم: عليّ، وعليه ضميران اتفاقًا، وهل هي فاعل
باسم الفعل، أو مفعوله، والفاعل مستتر: أي أَلْزِمْ أنت نفسَكَ زيدًا. انظر ((حاشية الخضريّ
على شرح ابن عقيل على الخلاصة)) ٢/ ١٤٢. والله تعالى أعلم.
(بِغَدَاءِ السُّحُورِ) متعلق بـ((عليكم))، أو الباء زائدة، كما مرّ تحقيقه آنفًا، وإضافة ((غداء))
إلى ((السحور)) للبيان، أي بغداء هو السحور (فَإِنَةٌ هُوَ الْغَدَاءُ الْمُبَارَكُ)) ) الفاء للتعليل،
أي لأنه الخ. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وهو مما تفرّد به المصنّف رحمه
الله تعالى، أخرجه هنا-٢١٦٤/٢٦ و٢١٦٥ - وفي «الكبرى»٢٤٧٤/٢٧ و٢٤٧٥ .
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده بقية بن الوليد؟، لأنه، وإن صرّح بالإخبار هنا، إلا
أنه مشهور بتدليس التسوية، فلا بدّ من تصريح مَن فوقه بالإخبار أيضًا، وهنا ليس كذلك؟.
[قلت] : يشهد له ما تقدّم من حديثي البابين السابقين، والمرسل الآتي، فيصح بها.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١٦٥ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
ثَوْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَهِ، لِرَجُلِ: ((هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ))

شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
٣٧٢
- يَعْنِي السَّحُورَ-).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((عبدالرحمن)): هو ابن مهديّ. و((سفيان)): هو الثوريّ.
و(ثور)): هو ابن يزيد، أبو خالد الحمصيّ، ثقة ثبت، رمي بالقدر [٧] ٥٠٤/٧.
والحديث مرسل، إلا أنه يشهد له ما تقدم من حديثي البابين السابقين، وغيرهما،
فهو صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٢٧- ( فَضْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامٍ
أَهْلِ الْكِتَابِ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: أراد بالفصل الفاصل، فهو من إطلاق المصدر وإرادة
اسم الفاعل، أي الأمر الفاصل بين صيام المسلمين، وصيام أهل الكتاب. واللَّه تعالى
أعلم بالصوابِ.
٢١٦٦- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُلَيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي
قَيْسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((إِنَّ فَضْلَ مَا بَيْنَ صِيَّامِنَا،
وَصِيَّامٍ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَكْلَةُ السُّحُورِ)) ).
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/١.
٢- (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت فقيه
[٧] ٣٥/٣١ .
٣- (موسى بن عُليّ) بن رَبَاح اللَّخْميّ، أبو عبد الرحمن المصريّ، صدوق، ربما
أخطأ [٧] ٣١ / ٥٦٠ .
٤- (أبوه) عليّ - بفتح العين المهملة - ابن رَبَاح بن قَصِير اللَّخْمَيّ، أبو عبدالله
المصريّ، ثقة مشهور، ويقال: عُلَيّ -بالتصغير - وكان يغضب منه (١)، من صغار [٣]
٥٦٠/٣١ .
(١) - وقال النوويّ رحمه الله تعالى: هو بضمّ العين على المشهور، وقيل: بفتحها. اهـ ((شرح
صحيح مسلم» ج٨ ص٢٠٧ .

٢٧ - ( فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِناً وَصِيَامٍ
٠٠ . - حديث رقم ٢١٦٦
٣٧٣
٥- (أبو قيس) السَّهْميّ، مولى عمرو بن العاص، اسمه عبدالرحمن بن ثابت،
وقيل: ابن الحكم، وهو غلط، ثقة [٢] .
قال ابن يونس: يقال: إنه رأى أبا بكر الصدّيق، وكان أحد فقهاء الموالي الذين
ذكرهم يزيد بن أبي حبيب، وشهد فتح مصر، واختطّ بها، ومات سنة (٥٤) فيما ذكر
ربيعة الأعرج، عن ابن لَهِيعة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وذكره يعقوب بن سفيان
في ثقات المصريين. وقال العجليّ: مصريّ تابعيّ ثقة. وقال محمد بن سحنون في
كتابه: إن عبدالرحمن بن الحكم مولى عمرو بن العاص يُكنى أبا قيس. قال ابن يونس:
وهذا خطأ، وإنما أراد أبا قيس مالك بن الحكم الحبشيّ -يعني آخر غير أبي قيس
صاحب الترجمة. له في ((صحيح مسلم)) حديثان عن عمرو، روى البخاريّ أحدهما (١)
وله عند أبي داود حديث آخر عن عمرو (٢) وعند النسائيّ حديث آخر عن أم سلمة. قاله
في (تهذيب التهذيب)) (٣). روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا
الحديث فقط .
٦- (عمرو بن العاص) بن وائل بن هاشم بن سُعَيد - مصغّرًا - ابن سهم بن عمرو بن
هُصَيص بن كعب بن لُؤيّ ، أبو عبد الله، ويقال: أبو محمد القرشيّ السهميّ ، أمير
مصر، أسلم في صفر سنة ثمان قبل الفتح، وقيل: بين الحديبية وخيبر، وذكر الزبير بن
بكار، والواقديّ بسندين لهما أن إسلامه كان على يد النجاشيّ، وهو بأرض الحبشة.
ورَوَى عن النبي بَّر، وعن عائشة، وروى عنه ابنه عبد الله، وأبو قيس مولاه،
وقيس بن أبي حازم، وأبو عثمان النهدي، وعلي بن رَبَاح اللخمي، وعبد الرحمن بن
شِمَاسة، وعروة بن الزبير، ومحمد بن كعب القرظي، وعمارة بن خزيمة بن ثابت،
وغيرهم. وقال الزبير: أمه سَبِيّة، يقال لها: النابغة من عَنَزَة. وقال البخاري: ولاه النبي
وَلّ على جيش ذات السلاسل. قال الثوري عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم
النخعي: عقد رسول اللّه وَ ل﴿ لواء لعمرو بن العاص على أبي بكر وعمر، وسَرَاة
(١) - هو حديث: ((إذا اجتهد الحاكم، فأصاب فله أجران ... )) الحديث. وأخرجه معهما أبو داود،
والمصنّف، وابن ماجه.
(٢) - وهو حديث الباب، وأخرجه معه أبو داود، والترمذيّ، وله عند أبي داود حديث ((احتلمت في
ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل ... )) الحديث. أخرجه في ((التيمّم))، وهو مختلف في سنده.
(٣) - وهو حديث: ((أرسلني عمرو بن العاص إلى أم سلمة أسألها، أكان رسول اللّه وَله يقبّلها، وهو
صائم؟ وقال لي: إن قالت: لا، فقل لها: إن عائشة رضي الله عنها تخبر أن رسول اللّه و # كان
يقبّلها، وهو صائم، فقالت: لعله ما كان يتمالك عنها حُبّا)). أخرجه المصنّف في ((الكبرى)) رقم
٣٠٧٢ و٣٠٧٣ .

٣٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ
أصحابه. وفي حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رفعه: ((ابنا
العاصي مؤمنان: عمرو وهشام)). أخرجه البخاريّ في ((تاريخه)) ٣٠٣/٦ (١). وعن ابن
أبي مليكة قال: قال طلحة سمعت رسول اللّه وَ لهيقول: ((عمرو بن العاص من صالحي
قريش ... )) الحديث(٢). وقال مجاهد، عن الشعبي، عن قبيصة بن جابر: صحبت
عمرو بن العاص، فما رأيت رجلا أبين، أو قال: أنصع رأيا، ولا أكرم جليسا، ولا
أشبه سريرته بعلانيته منه. وقال محمد بن سلام الجمحي: كان عمر بن الخطاب إذا
رأى الرجل يتلجلج في كلامه قال: خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد. وقال
مجاهد عن الشعبي: دُهاة العرب أربعة: معاوية، وعمرو، والمغيرة، وزياد، فأما
معاوية فللِحِلْم، وأما عمرو فللمعضلات، وأما المغيرة فللمبادهة، وأما زياد فللصغير
والكبير. قال أحمد عن بعض شيوخه عن عمرو: إني لأذكر الليلة التي ولد فيها عمر بن
الخطاب. وقال أبو عمر: كان عمرو من أبطال قريش في الجاهلية، مذكورا بذلك
فیھم، وفضائله، ومناقبه كثيرة جدًا.
ويقال: استعمله النبي ◌َّه﴿ على عُمان، فقُبِض النبي وَّرَ، وهو عليها، وكان أحد
أمراء الأجناد في فتوح الشام، وافتتح مصر في عهد عمر بن الخطاب، وعَمِلَ عليها له،
ولعثمان، ثم عمل عليها زمن معاوية، منذ غلب عليها معاوية إلى أن مات عمرو،
وخلف أموالا عظيمة إلى الغاية.
وقال محمد بن المثنی وغيره: مات سنة (٤٢) وقيل: مات سنة (٤٣) وجزم به ابن يونس
وآخرون، قال ابن بكير: له نحو مائة سنة. وقال بعضهم: مات سنة (٤٨). وقال الهيثم بن
عدي: سنة (٥١). وقال طلحة الكوفي: سنة (٥٨). وقال البخاري، عن الحسن بن واقع،
عن ضمرة بن ربيعة: مات سنة إحدى، أو ثلاث وستين في ولاية يزيد. وقال الحاكم، وابن
عبد البر: إن وفاته سنة (٤٣) أصح. قال الحافظ: والقول المحكي أخيرا في وفاته عن ضمرة
قد جزم به ابن حبان في ((الصحابة))، والظاهر أنه وَهَمٌ، بل هو بَيْن الغلط، وكأنّ ذلك إنما هو
في ابنه عبد الله بن عمرو. والله أعلم. انتهى. روى له الجماعة، وله من الأحاديث (٣٩)
حديثًا، اتفق الشيخان على ثلاثة أحاديث، وانفرد البخاريّ بحديث، ومسلم بحديثين، وله
في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والله تعالى أعلم.
(١) -قال البخاريّ رحمه اللّه تعالى في ((التاريخ الكبير)) ٦/ ٣٠٣: قال آدم، عن حماد بن سلمة، عن
محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة تَّه عن النبيّ ◌َّه قال: ((ابنا العاص مؤمنان:
هشام وعمرو)). انتهى. وهذا الإسناد رجاله رجال الصحيح.
(٢) - قال في ((الإصابة)) ٤/ ٥٤٠: رجال إسناده ثقات إلا أن فيه انقطاعًا بين أبي مليكة وطلحة. انتهى.

٢٧- ( فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِناً وَصِيام ... - حديث رقم ٢١٦٦
٣٧٥
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي
عن تابعيّ، والابن عن أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ اَلِ: ((إِنَّ
فَضْلَ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا) ((الفصل)) بمعنى الفاصل، و((ما)) موصولة، والإضافة من إضافة
الموصوف إلى الصفة، أي الفارق الذي بين صيامنا (وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ) أي اليهود
والنصارى (أَكْلَةُ السُّحُورِ)) ) وفي نسخة: ((السَّحَر))، وهو الذي في ((صحيح مسلم))،
وأبي داود.
قال النوويّ رحمه الله تعالى: معناه الفارق والمميّز بين صيامنا وصيامهم السحور،
فإنهم لا يتسخّرون، ونحن يستحبّ لنا أن نتسخر.
و((أكلة السحر)): هي السَّحور، وهي بفتح الهمزة، هكذا ضبطناه، وهكذا ضبطه
الجمهور، وهو المشهور في روايات بلدنا، وهي عبارة عن المرّة الواحدة من الأكل،
كالغَذْوَة، والعَشْوة، وإن كثر المأكول فيها، وأما الأُكْلة -بالضمّ - فهي اللُّقْمة. وادّعى
القاضي عياض أن الرواية فيه بالضمّ، ولعله أراد أن رواية أهل بلدهم فيها بالضمّ، قال:
والصواب الفتح لأنه المقصود هنا. انتهى كلام النوويّ رحمه اللَّه تعالى (١) ..
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: روايتنا عن متقني شيوخنا ((أَكْلَة)) - بفتح الهمزة- وهي
مصدر أكل أكلة، كضرب ضَرْبَةً، والمراد بها أكلُ ذلك الوقت، وقد روي أُكلة بضم
الهمزة، وفيه بُعْدٌ؛ لأن الأكلة بالضمّ هي اللقمة، وليس المراد أن المتسخّر يأكل لقمة
واحدة، ويصح أن يقال: إنه عبّر عما يُتّسخر به باللقمة لقلّته. انتهى كلام القرطبيّ(٢).
وهذا الحديث يدلّ على أن السحور من خصائص هذه الأمة، ومما خُفّف به عنهم.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبدالله بن عمرو رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم.
(١) - ((شرح مسلم» ج٨ ص٢٠٨ .
(٢) - ((المفهم) ج٣ ص ١٥٥ - ١٥٦.

٣٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه-٢١٦٦/٢٧- وفي «الكبرى»٢٤٧٦/٢٨. وأخرجه(م) في ((الصوم)) ٢٥٤٥
(د) في ((الصوم))٢٣٤٣ (ت) في ((الصوم))٧٠٩ (أحمد) ١٧٠٩٥ و١٧١٣٣
(الدارميّ) ١٦٣٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)).
٢٨- (السُّحُورُ بِالسَّوِيقِ، وَالتَّمْرِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((السَّويق)) -بفتح السين، وكسر الواو بوزن أمير -:
طعام يُتخذ من مدقوق الحنطة والشعير، سمي بذلك؛ لانسياقه على الحلق، جمعه
أسوقة(١). وفي ((اللسان))١٧٠/١٠: ((السويق)): معروف، والصاد فيه لغة لمكان
المضارعة، والجمع أَسوقة. قال: والسويق: ما يُتخذ من الحنظة والشعير. انتهى
المقصود منه. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢١٦٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ -وَذَلِكَ عِنْدَ السُّحُورِ -: ((يَا أَنَسُ، إِنِّي أُرِيدُ
الصِّيَّامَ، أَطْعِمَّنِي شَيْئًا))، فَأَتَيْتُهُ بِتَمْرٍ، وَإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أَذَّنَ بِلَالٌ، فَقَالَ: يَا
أَنَسُ، انْظُرْ رَجُلاً، يَأْكُلْ مَعِي، فَدَعَوْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَجَاءَ، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ شَرِبْتُ،
شَرْبَةَ سَوِيقٍ، وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهُ: ((وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ))، فَتَسَخَّرَ مَعَهُ،
ثُمَّ قَامَ، فَصَلَى رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/٢.
٢- (عبد الرزاق) بن همّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظ
مصنّف شهير، عَمِي في آخر عمره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] ٦١ / ٧٧.
٣- (معمر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت [٧]
١٠ /١٠ .
(١) -راجع ((المعجم الوسيط)١٤ / ٤٦٥.

٢٨- (السُّحُورُ بِالسَّويقِ، وَالتَّمْرٍ) - حديث رقم ٢١٦٧
٣٧٧
٤- (قتادة) بن دِعامة السدوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقة ثبت يُدلّس [٤] ٣٤/٣٠.
٥- (أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه٦/٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فمروزيّ، وعبد
الرزاق، فصنعانيّ. (ومنها): أن فيه أنسًا رضي اللّه تعالى عنه خادم رسول اللَّه وَله
خَدَمَهُ عشرَ سنين، وهو من المكثرين السبعة، رَوَى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات
من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم بالبصرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسٍ) بن مالك رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ - وَذَلِكَ عِنْدَ
السُّحُورِ -) جملة معترضة بيّن به أنس وقت قول رسول اللَّه وَلهو ( ((يَا أَنَسُ، إِنِّي أُرِيدُ
الصِّيَّامَ، أَطْعِمْنِي شَيْئًا))) أي ليتسخّر به (فَأَتَيْتُهُ بِتَمْرٍ، وَإِنَاءِ فِيهِ مَاءٌ) فیه استحباب كون
السحور تمرًا، وماءً، وهو موضع استدلال المصنف رحمه الله تعالى للجزء الثاني من
الترجمة .
وقد ورد في استحباب كون السَّحُور تمرًا ما أخرجه أبو داود، في ((سننه))، وابن
حبان في ((صحيحه))، بإسناد صحيح، من حديث أبي هريرة رَّيه، عن النبيّ ◌َّله
قال: ((نعم سَحُور المؤمن التمر)).
(وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أَذَّنَ بِلَالٌ) أي الأذانَ الأولَ (فَقَالَ: يَا أَنَسُ، انْظُرْ رَجُلاً، يَأْكُلْ مَعِي،
فَدَعَوْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَجَاءَ، فَقَالَ) زيد معتذرًا عن عدم الأكل معه بََّ، ظنا منه أن
وقت الأكل قد انتهى (إِنِّي قَدْ شَرِبْتُ، شَرْبَةَ سَوِيقٍ) تقدّم ضبطه، ومعناه أول الباب،
وهو موضع استدلال المصنّف للجزء الأول من الترجمة، حيث أقرّ النبيّ وَلَّ زيدًا على
التسخّر بالسويق.
(وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ) أي فالوقت باق (فَتَسَخَّرَ)
زيد رَّ (مَعَهُ) بَّهِ (ثُمَّ قَامَ) وَهِ (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ) هما سنتا الصبح (ثُمَّ خَرَجَ إِلَى)
المسجد؛ لأداء (الصَّلَاةِ) جماعة. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث أنس تَّه هذا صحيح، انفرد به المصنّف
رحمه الله تعالى، أخرجه -٢١٦٧/٢٨ - وفي ((الكبرى)) ٢٤٧٧/٢٨. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

٣٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٢٩- (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُواْ
وَأَشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ
مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾
[البقرة: ١٨٧] )
٢١٦٨- (أَخْبَرَنِي هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَيَّاش، قَالَ:
حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ إِذَا نَامَ قَبْلَ
أَنْ يَتَعَشَّى، لَمْ يَحِلَّ لَهُ، أَنْ يَأْكُلَ شَيْئًا، وَلَا يَشْرَبَ لَيْلَتَهُ وَيَوْمَهُ مِنَ الْغَدِ، حَتَّى تَغْرُبَ
الشَّمْسُ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ﴾ إِلَى ﴿اَلْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ﴾ قَالَ: وَنَزَلَتْ فِي
أَبِي قَيْسِ ابْنِ عَمْرٍو، أَتَى أَهْلَهُ، وَهُوَ صَائِمٌ، بَعْدَ الْمَغْرِبِ، فَقَالَ: هَلْ مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَتِ
امْرَأَتُهُ: مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ، وَلَكِنْ أَخْرُجُ، أَلْتَمِسُ لَكَ عَشَاءٌ، فَخَرَجَتْ، وَوَضَّعَ رَأْسَهُ،
فَتَامَ، فَرَجَعَتْ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتْهُ نَائِمًا، وَأَنْقَظَتْهُ، فَلَمْ يَطْعَمْ شَيْئًا، وَبَاتَ، وَأَصْبَحَ صَائِمًا،
حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ، فَغُشِيَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ هَذِهِ الْآيَةُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (هلال بن العلاء بن هلال) ((الباهليّ مولاهم، أبي عمرو الرَّقّيّ، صدوق [١١]
١١٩٩/١٠ . من افراد المصنّف.
٢- (((حسين بن عيّاش) السلميّ مولاهم، أبو بكر البَاجَدَّائيّ، ثقة [١٠ [١٤٨٤/١٥.
٣- (زهير) بن معاوية بن حُدَيج الجعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، ثقة ثبت [٧] ٤٢/٣٨.
[تنبيه] : سماع زهير من أبي إسحاق رحمهما الله تعالى بعد اختلاطه، لكن لم
ينفرد هنا، فقد تابعه إسرائيل بن يونس عند البخاريّ في ((صحيحه))، فرواه عن أبي
إسحاق، كما سيأتي في المسائل، إن شاء اللَّه تعالى. والله تعالى أعلم.
٤- (أبو إسحاق) عمرو بن عبدالله السبيعيّ الكوفي، ثقة عابد اختلط بآخره [٣]
٤٢/٣٨ .
٥- (البراء بن عازب) بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن

٣٧٩ =
٢٩- (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا ... - حديث رقم ٢١٦٨
الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما، استُصغر يوم بدر، ومات سنة (٧٢)، وتقدّم في ٨٦/
١٠٥ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، وشيخ شيخه، فإنهما من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل
بثقات الكوفيين، غير شيخه، فرقّيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) وَ (أَنَّ أَحَدَهُمْ) أي الصحابة. ولفظ البخاريّ، من طريق
إسرائيل، عن أبي إسحاق: ((كان أصحاب محمد ◌َّ إذا كان الرجل صائمًا، فحضر
الإفطار، فنام قبل أن يُفطر لم يأكل ليلته، ولا يومهِ حتى يُمسي ... )) (كَانَ إِذَا نَامَ قَبْلَ أَنْ
يَتَعَشَّى) أي قبل أن يفطر من صومه (لَمْ يَحِلَّ لَهُ، أَنْ يَأْكُلَ شَيْئًا، وَلَا يَشْرَبَ لَيْلَتَهُ وَيَوْمَهُ
مِنَ الْغَدِ، حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ) وفي رواية أبي الشيخ من طريق زكريا بن أبي زائدة، عن
أبي إسحاق: ((كان المسلمون إذا أفطروا يأكلون، ويشربون، ويأتون النساء، ما لم
يناموا، فإذا ناموا لم يفعلوا شيئًا من ذلك إلى مثلها)).
قال الحافظ رحمه الله تعالى: فاتفقت الروايات في حديث البراء على أن المنع من
ذلك مقيدٌ بالنوم، وهذا هو المشهور في حديث غيره، وقيد المنع من ذلك في حديث
ابن عباس رَّها بصلاة العتمة. أخرجه أبو داود بلفظ: ((كان الناس على عهد رسول الله
وَاللّه إذا صلّوا العتمة حرم عليهم الطعام، والشراب، والنساء، وصاموا إلى القابلة)).
ونحوه في حديث أبي هريرة تَّه ، كما سيأتي قريبًا، وهذا أخصّ من حديث البراء
من وجه آخر، ويحتمل أن يكون ذكر صلاة العشاء لكون ما بعدها مظنّة النوم غالبًا،
والتقييد في الحقيقة إنما هو بالنوم؛ كما في سائر الأحاديث.
وبيّن السدّيّ وغيره أن ذلك الحكم كان على وفق ما كُتب على أهل الكتاب، كما
أخرجه ابن جرير من طريق السدّيّ، ولفظه: ((كُتِب على النصارى الصيام، وكُتب عليهم
أن لا يأكلوا، ولا يشربوا، ولا يَنكحوا بعد النوم، وكُتب على المسلمين أوّلاً مثلُ ذلك
حتى أقبل رجل من الأنصار ... ))، فذكر القصّة.
ومن طريق إبراهيم التيميّ: ((كان المسلمون في أول الإسلام يفعلون كما
يفعل أهل الكتاب إذا نام أحدهم لم يَطعَم حتى القابلة)). ويؤيّد هذا ما أخرجه
مسلم من حديث عمرو بن العاص، مرفوعًا: ((فصل ما بين صيامنا، وصيام أهل

٣٨٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ
الكتاب أكلة السحر))(١).
(حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ﴾ إِلَى ﴿اَلْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ﴾ قَالَ) البراء
رَّهِ (وَنَزَلَتْ فِي أَبِي قَيْسِ ابْنِ عَمْرٍو) هكذا وقع في رواية زُهير، عن أبي إسحاق عند
المصنّف وأحمد، ووقع عند البخاريّ، من طريق إسرائيل أنه قيس بن صِرْمة الأنصاريّ
-بكسر الصاد المهملة، وسكون الراء -. قال في ((الفتح)): ولم يُختلف على إسرائيل
فيه، إلا في رواية أبي أحمد الزبيري عنه، فقال: ((صِرْمَة بن قيس)). أخرجه أبو داود،
ولأبي نُعيم في ((المعرفة)) من طريق الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس مثله، قال:
وكذا رواه أشعث بن سَوّار، عن عكرمة، عن ابن عباس. وفي حديث السدّيّ المذكور:
((حتى أقبل رجل من الأنصار، يقال له: ((أبو قيس بن صِرْمة)). ولابن جرير من طريق
ابن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حَبّان - بفتح المهملة، وبالموحّدة الثقيلة- مرسلاً:
(صرمة بن أبي أنس)). ولغير ابن جرير من هذا الوجه: ((صِرْمة بن قيس))، كما قال أبو
أحمد الزبيري، وللذهليّ في ((الزُّهريات)) من مرسل القاسم بن محمد: ((صِرْمة بن
أنس)). ولابن جرير من مرسل عبدالرحمن بن أبي ليلى: ((صرمة بن مالك)).
والجمع بين هذه الروايات أنه أبو قيس صِرْمة بن أبي أنس بن مالك بن عديّ بن عامر
ابن غنم بن عديّ بن النجّار، كذا نسبه ابن عبدالبرّ وغيره، فمن قال: ((قيس بن صرمة))
قلبه، كما جزم الداوديّ، والسهيليّ، وغيرهما بأنه وقع مقلوبًا في رواية حديث الباب،
ومن قال: ((صِرْمة بن مالك)) نسبه إلى جدّه، ومن قال: ((صرمة بن أنس)) حذف أداة
الكنية من أبيه، ومن قال ((أبو قيس بن عمرو ((أصاب كنيته، وأخطأ في اسم أبيه، وكذا
من قال: ((أبو قيس بن صِرْمة))، وكأنه أراد أن يقول: ((أبو قيس صرمة))، فزاد فيه ((ابن))،
وقد صحّفه بعضهم، فرويناه في ((جزء إبراهيم بن أبي ثابت)) من طريق عطاء، عن أبي
هريرة، قال: ((كان المسلمون إذا صلّوا العشاء حرم عليهم الطعام، والشراب، والنساء،
وإن ضمرة بن أنس الأنصاريّ غلبته عينه ... )) الحديث. وقد استدرك ابن الأثير في
((الصحابة)) ضمرة بن أنس في حرف الضاد المعجمة على من تقدّمه، وهو تصحيف
وتحريف، ولم يتنبّه له، والصواب صرمة ابن أبي أنس، كما تقدّم.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيَّين مما سبق أن الصواب في اسمه صرمة بن أبي
أنس، وكنيته أبو قيس. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: صرمة بن أبي أنس مشهور في الصحابة، يُكنى أبا قيس، قال ابن إسحاق
فيما أخرجه السرّاج في ((تاريخه)) من طريقه بإسناده إلى عُوَيم بن ساعدة، قال: قال
صرمة بن أبي أنس، وهو يذكر النبيّ وَّ [من الطويل]:
(١) - ((الفتح)) ج٤ ص ٦٢٧ .