Indexed OCR Text
Pages 341-360
١٨- ( الحثُّ عَلَى السَّحُورُ ) - حديث رقم ٢١٤٤ ٣٤١ = اسم ما يُتسخّر به، من الطعام والشراب، وبالضمّ المصدر، والفعل نفسه، وأكثر ما روي بالفتح، وقيل: الصواب بالضمّ لأنه بالفتح الطعام، والبركة، والأجر والثواب في الفعل، لا في الطعام، وتسخّر أكل السَّحُور انتهى. وفي ((المصباح)): السَّحَر -بفتحتين -: قُبيل الصبح، و-بضمتين- لغةٌ، والجمع أَسْحار، والسَّحُور وِزان رَسُول: ما يؤكل في ذلك الوقت، وتسخّرتُ: أكلت السَّحُور، والسُّحُور بالضمّ فعل الفاعل انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢١٤٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِم، عَنْ زِرْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((تَسَخَّرُوا، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً)). وَقَفَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (محمد بن بشار) بُندار، أبو بكر البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٢٧/٢٤. ٢- (عبدالرحمن) بن مهديّ المترجم في الباب الماضي. ٣- (أبو بكر بن عياش) الأسديّ الكوفيّ المقرىء الحَّاط، مشهور بكنيته، والأصحّ أنها اسمه، ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح [٧] ٩٨/ ١٢٧. ٤- (عاصم) بن أبي النَّجُود الأسديّ مولاهم، أبو بكر الكوفي المقرىء، وهو ابن بهدلة، صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في ((الصحيحين)) مقرون [٦] ١٢٢١/٢٠. ٥- (زِرّ) بن حُبيش بن حُبَاشة الأسديّ، أبو مريم الكوفيّ، ثقة جليل مخضرم [٢] ١٢٦/١٩٨ . ٦- (عبدالله) بن مسعود الهذلي الصحابيّ الشهير رضي الله تعالى عنه ٣٩/٣٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالکوفیین، غیر شیخه، وشیخ شيخه، فبصريان. (ومنها) : أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا في الباب الماضي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود رَُّه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: (تَسَخَّرُوا،) أي كلوا وقت السَّحَر (فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً)) ) الفاء للتعليل، لأن في السحور بركة. قال ٣٤٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيَامِ في ((الفتح)): ((السحور)): بفتح السين وضمها، لأن المراد بالبركة الأجر والثواب، فيناسب الضمّ، لأنه مصدر بمعنى التسخّر، أو البركة؛ لكونه يقوّي على الصوم، ويُتَشِّطُ له، ويخفّف المشقّة فيه، فيناسب الفتح؛ لأنه ما يتسخر به. وقيل: البركة ما يتضمّن من الاستيقاظ والدعاء في السحر، والأولى أن البركة في السحور تحصل بجهات متعدّدة، وهي اتباع السنّة، ومخالفة أهل الكتاب، والتّقوّي على العبادة، والزيادة في النشاط، ومدافعة سوء الخلق الذي يُثيره الجوع، والتسبّب بالصدقة على من يسأل إذ ذاك، أو يجتمع معه على الأكل، والتسبب للذكر والدعاء وقت مظنّة الإجابة، وتدارك نية الصوم لمن أغفلها قبل أن ينام. قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: هذه البركة يجوز أن تعود إلى الأمور الأخروية، فإن إقامة السنّة يوجب الأجر وزيادته، ويحتمل أن تعود إلى الأمور الدنيوية؛ كقوّة البدن على الصوم، وتيسيره من غير إضرار بالصائم، قال: ومما يُعلَّل به استحباب السحور المخالفة لأهل الكتاب؛ لأنه ممتنع عندهم، وهذا أحد الوجوه المقتضية للزيادة في الأجور الأخرويّة. وقال أيضًا وقع للمتصوّفة في مسألة السحور كلام من جهة اعتبار حكمة الصوم، وهي كسرة شهوة البطن والفرج، والسحور قد يُباين ذلك. قال: والصواب أن يقال: ما زاد في المقدار حتى تنعدم هذه الحكمة بالكلية، فليس بمستحبّ، كالذي يصنعه المترفون من التأنّق في المآكل، وكثرة الاستعداد لها، وما عدا ذلك تختلف مراتبه. انتهى ما في ((الفتح)) (١). وهو بحث نفيسٌ جدًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا - ١٨/ ٢١٤٤ و ٢١٤٥ - وفي ((الکبری)) ٢٤٥٤/١٩ و٢٤٥٥ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): أنه يحصل السحور بأقلّ ما يتناوله المرء من مأكول ومشروب، وقد أخرج هذا الحديث أحمد من حديث أبي سعيد الخدريّ تمثله، بلفظ: ((السحور بركة، فلا تَدَعُوه، ولو أن يَجرَع أحدكم جرعة (٢) من ماء، فإن اللَّه، وملائكته، يصلّون (١) - ((الفتح)) ج ٤ ص٦٣٩ - ٦٤٠. (٢) - ((جرع)) من باب نفع، وفيه لغة أخرى من باب تَعِبَ، و((الجُرعة بالضمّ: ما يُجرّع مرة واحدة. أفاده في ((المصباح)). ١٨ - (الْحَثُّ عَلَى السَّحُورُ ) - حديث رقم ٢١٤٥ = ٣٤٣ على المتسخّرين)). ولسعيد بن منصور من طريق أخرى مرسلة: ((تسخروا، ولو بِلُقْمة. قاله في ((الفتح)) (١) . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): أنه نقل الإمام ابن المنذر رحمه اللّه تعالى الإجماع على ندبية السحور(٢). وقال النوويّ رحمه اللّه تعالى: وأجمع العلماء على استحبابه، وأنه ليس (٣) . بواجب انتھی قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: فعلى هذا يكون الأمر بالسحور في حديث الباب للاستحباب، لا للوجوب، وقد ترجم الإمام البخاري رحمه الله تعالى في ((صحيحه))، فقال: ((باب بركة السحور، من غير إيجاب))؛ لأن النبيّ وَّلتر، وأصحابه واصلوا، ولم يُذكر السحور انتھی. وأشار البخاريّ رحمه الله تعالى بهذا إلى حديث أبي هريرة رضي أن النبيّ وَّ نهى عن الوصال، فلما أبوا واصل بهم يومًا، ثم يومًا، ثم رأوا الهلال، فقال: لو تأخر لزدتكم)) الحديث. متفق عليه. وهو استدلال حسنٌ جِدًّا، فإنه يدلّ على أن السحور ليس بحتم، إذ لو كان حتمًا لما واصل بهم النبيّ وَّر، فإن الوصال يستلزم ترك السحور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وقوله: (وَقَقَّهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ) يعني أن عبيدالله بن سعيد السرخسيّ خالف محمد ابن بن بشّار في رواية هذا الحديث عن عبدالرحمن بن مهديّ، فرواه موقوفًا على ابن مسعود رَّ ، كما بيّنه بقوله: ٢١٤٥- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِم، عَنْ زِرِ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ، قَالَ: (تَسَخَّرُوا)). قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: لَا أَدْرِي، كَيْفَ لَفْظُهُ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث ساقه المصنّف لبيان الاختلاف بين شيخيه: محمد بن بشار، وعُبيدالله بن سعيد في الرفع والوقف، وظاهر تأخيره روايةً عُبيدالله يدلّ على ترجيحه الوقف؛ لأن عادته غالبًا أنه يقدّم الأخبار المعلّلة، ثم يأتي بالأحاديث التي يرى صحّتها، كما أفاده الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في ((شرح (١) - ((فتح)) ج٤ ص ٦٤٠. (٢) - انظر ((الفتح)) ج٤ ص٦٣٩ . (٣) - انظر ((شرح مسلم)) ج٧ص ٢٠٧ . ٣٤٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيًا. علل الترمذيّ)) (١). ومما يؤيّد ما قاله ابن رجب أن الحافظ أبا الحجاج المزيّ رحمهما الله تعالى نقل في ((تحفة الأشراف)) جـ٧ ص٢٦ عن المصنّف بعد إيراد الحديث بالطريقين السابقين: ما نصّه: وقال: عبيدالله أثبت عندنا من ابن بشّار، وحديثه أولى بالصواب انتهى. ولم أر هذا الكلام للمصنّف لا في ((المجتبى))، ولا في ((الكبرى))، ولعله لاختلاف النسخ، والله تعالى أعلم. لكن الذي يظهر لي أن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ في صحة المرفوع، لأن محمد بن بشار ثقة ثبت، ولأن المرفوع يشهد له حديث أنس تنظّ الآتي بعد هذا، وهو متفق عليه، وحديث أبي هريرة رَّه الآتي في الباب التالي، فَيُحمّل على أن ابن مسعود رَِّ حدّث به مرفوعًا مرّةً، وأفتى به مرّةً أخرى. والحاصل أن الذي يظهر كون الحديث صحيحًا مرفوعًا، وموقوفًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٤٦- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((تَسَخَّرُوا، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةٌ)) ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و((أبو عوانة)): هو الوضّاح بن عبدالله اليشكريّ الواسطيّ. و((عبدالعزيز)): هو ابن صُهَيب البنانيّ البصريّ. والحديث متفقٌ عليه، وأخرجه المصنّف هنا-٢١٤٦/١٨ - وفي ((الكبرى)) ١٩/ ٢٤٥٦ . وأخرجه (خ) في ((الصوم)) ١٩٢٣ (م)٢٥٤٤ (ت) ٦٤٢ (ق) ١٦٨٢ (أحمد) ١١٥١٢ و١٢٧٦٨ و١٢٩١١ و١٣٠٦٣ و١٣٢٠٨ (الدارميّ) ١٦٣٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). (١) - عبارة الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وقد اعتُرِض على الترمذيّ رحمه الله تعالى بأنه في غالب الأبواب يبدأ بالأحاديث الغريبة الإسناد غالبًا. وليس ذلك بعيب، فإنه رحمه الله تعالى يبيّن ما فيها من العلل، ثم يبيّن الصحيح في الإسناد، وكأن مقصده رحمه الله تعالى ذكر العلل، ولهذا تجد النسائيّ إذا استوعب طرق الحديث بدأ بما هو غلط، ثم يذكر بعد ذلك الصواب المخالف له انتھی . ■شرح علل الترمذيّ)» ج٢ ص٦٢٥ بتحقيق د/ همام عبدالرحيم سعيد. ٣٤٥ ١٩ - (ذِكْرُ الاخْتِلاَفِ عَلَى عَبْدِالْمَلِكِ ... - حديث رقم ٢١٤٧ ١٩- (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف المذكور أن منصور بن أبي الأسود رواه عن عبدالملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن أبي هريرة رَّه، مرفوعًا (١)، وخالفه يزيد بن هارون، فرواه عن عبدالملك، عن عطاء، عن أبي هريرة تَظويه موقوفًا عليه، والظاهر أن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ في صحة الحديث، كما تقدّم البحث عنه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢١٤٧- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ جَرِيرٍ، نَسَائِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عَبَدِ الْمَلِّكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((تَسَخَّرُوا، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً)) ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((عليّ بن سعيد بن جَرِير)): هو ابن ذكوان، أبو الحسن النسائيّ، نزيل نيسابور، صدوق، صاحب حديث [١١]. قال النسائيّ: صدوق. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: كان متقنًا من جُلساء أحمد. وقال الحاكم: عليّ بن سعيد بن جرير محدّث عصره، كتب بالحجاز، والشام، والعراقين، وخراسان، سمعت أبا سعيد عبدالرحمن بن أحمد يقول: قال لنا محمد بن يحيى: اكتبوا عن هذا الشيخ، فإنه شيخ ثقة، يشبه المشايخ. وقال المستملي: حدثنا سنة (٢٥٦). وذكر الخليليّ في ((الإرشاد)) أنه مات سنة (٢٥٧) روى عنه المصنّف هذا الحديث فقط، وابن ماجه في ((التفسير)). و((أبو الربيع)): هو سليمان بن داود العَتّكيّ الزهرانيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقة، لم يتكلّم فيه أحد بحجة [١٢] . قال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. وقال الآجرّيّ: سألت أبا داود عن أبي الربيع، والحَجَبيّ، أيهما أثبت في حماد بن زيد؟ فقال: أبو الربيع أشهرهما، والحَجَبيّ (١) - قال الطبراني في ((الأوسط)): تفرّد به منصور، عن عبدالملك، وتفرّد به أبو الربيع، عن منصور انتهى. ذكره في ((النكت الظراف)) ج١٠ ص٢٦٣. قلت: لكن سيأتي أن ابن أبي ليلى أيضًا رواه عن عبدالملك، فلم يتفرّد به. والله تعالى أعلم. ٣٤٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ ثقة. وقال ابن قانع: ثقة صدوق. وقال الساجيّ: سمعت عبدالقدّوس بن محمد يقول: قال لي عبدالله بن داود الْخُرَيبيّ: اقرأ على أبي الربيع، فإنه موضع يُقرأ عليه. وقال مَسْلَمة بن قاسم: بصريّ ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال ابن خِرَاش: تُكُلِّم الناس فيه، وهو صدوق. قال الحافظ: ولا أعلم أحدًا تكلّم فيه بخلاف ما زعم ابن خِرَاش. قال الحضرميّ، وغيره: مات سنة (٢٣٤). روى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، وروى له المصنّف بواسطة علي بن سعيد بن جرير، والحسن بن أحمد بن حبيب الكرمانيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث: هذا٢١٤٧ وحديث ٤١٨٠، وحديث ٥٤١٢ . و(«منصور بن أبي الأسود)): هو الليثيّ الکوفيّ، يقال: اسم أبيه حازم، صدوق رُمي بالتشيّع [٨] . قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وقال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: لا بأس به، كان من الشيعة الكبار. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وذكره ابن سعد في الطبقة السادسة من أهل الكوفة، وقال: كان تاجرًا كثير الحديث. روى له أبو داود، والترمذيّ، والمصنف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. و((عبدالملك بن أبي سليمان)» ميسرة: هو العَرْزَميّ الكوفيّ، صدوق له أوهام [٥] ٤٠٦/٧. و((عطاء)): هو ابن أبي رباح أسلم المكيّ، أبو محمد الفقيه الثقة الثبت المشهور [٣] ١١٢ / ١٥٤. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: حديث أبي هريرة ◌َّه هذا صحيح، تفرّد به المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٢١٤٧/١٩ و٢١٤٨ و٢١٤٩ و٢١٥٠ و٢١٥١- وفي («الكبرى»٢٤٥٧/٢٠ و٢٤٥٨ و٢٤٥٩ و٢٤٦٠ و٢٤٥٦١ . وأخرجه (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٨٥٤ و٩٧٩٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٤٨- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: ((تَسَخَّرُوا، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً)). رَفَعَهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((أحمد بن سليمان)): هو أبو الحسين الرُّهاويّ، ثقة حافظ [١١] ٣٨/ ٤٢ من أفراد المصنّف. و((يزيد)): هو ابن هارون الواسطيّ الحافظ المشهور. ١٩ - (ذِكْرُ الاخْتِلاَفِ عَلَى عَبْدِالمَلكِ ... - حديث رقم ٢١٤٩ ٣٤٧ = وقوله: ((رفعه ابن أبي ليلى)): يعني أنه روى هذا الحديث محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة تعطّه، عن النبيّ وَّرَ، فرفعه. ونقل الحافظ أبو الحجاج المزيّ رحمه الله تعالى في ((تحفة الأشراف)) جـ١٠ ص٢٦٨: ما نصّه: قال النسائيّ: ابن أبي ليلى ليّن الحديث، سيء الحفظ، ليس بالقويّ انتھی. ولم أر هذا الكلام للمصنّف لا في ((المجتبى))، ولا في ((الكبرى))، ولعله من اختلاف النسخ. والله تعالى أعلم. وهذا يدلّ على أن المصنّف رحمه اللَّه تعالى يرى أن رفع هذا الحديث ضعيف، لضعف ابن أبي ليلى، لكن الذي يظهر لي أنه صحيح؛ لأنه لم ينفرد ابن أبي ليلی به، بل تابعه على رفعه منصور بن أبي الأسود، كما سبق قبل حديث، وهو ثقة، فيصح الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ثم ذكر المصنّف رحمه الله تعالى رواية ابن أبي ليلى التي أشار إليها، فقال: ٢١٤٩ - (أخبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطَاءِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ الشَِّيِّ وَِّ، قَالَ: (تَسَخَّرُوا، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً)) ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((ابن أبي ليلى)): هو محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى الأنصاريّ الكوفيّ الفقيه القاضي، أبو عبدالرحمن، صدوق سيّء الحفظ جدًّا [٧]. قال أبو طالب، عن أحمد: كان يحيى بن سعيد يضعّفه. وقال عبدالله بن أحمد، عن أبيه: كان سيء الحفظ، مضطرب الحديث، كان فقه ابن أبي ليلى أحبّ إلينا من حديثه. وقال مرّة: ابن أبي ليلى ضعيف، وفي عطاء أكثر خطأ. وقال أبو داود الطيالسيّ، عن شعبة: ما رأيت أحدًا أسوأ حفظًا من ابن أبي ليلى. وقال رَوح، عن شعبة: أفادني ابن أبي ليلى أحاديث، فإذا هي مقلوبة. وقال الجُوزَجانيّ، عن أحمد بن يونس: كان زائدة لا يُحدّث عنه، وكان قد ترك حديثه. وقال أبو حاتم، عن أحمد بن يونس: ذكره زائدة، فقال: كان أفقه أهل الدنيا. وقال العجليّ: كان فقيها، صاحب سنّة، صدوقًا، جائز الحديث، وكان عالمًا بالقرآن، وكان من أحسب الناس، وكان جميلاً نبيلاً، وأول من استقضاه على الكوفة يوسف بن عمر الثقفيّ. وقال ابن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: ليس بذاك. وقال أبو زرعة: ليس بأقوى ما يكون. وقال أبو حاتم: محلّه الصدق، كان سيء الحفظ، شُغل بالقضاء، فساء حفظه، لا يتهم بشيء من الكذب، إنما ينكر عليه كثرة الخطأ، يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به، وهو ٣٤٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ والحجّاج بن أرطاة ما أقربهما. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ. وقال ابن حبّان: كان فاحش الخطإ، رديء الحفظ، فكثرت المناكير في روايته، تركه أحمد ويحيى. وقال الدار قطنيّ: كان رديء الحفظ، كثير الوَهَم. وقال ابن جرير الطبريّ: لا يُحتجّ به. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة عدل، في حديثه بعض المقال، ليّن الحديث عندهم. وقال صالح بن أحمد، عن ابن المدينيّ: كان سيء الحفظ، واهي الحديث. وقال أبو أحمد الحاكم: عامّة أحاديثه مقلوبة. وقال الساجيّ: كان سيء الحفظ، لا يتعمّد الكذب، فكان يُمدَح في قضائه، فأما في الحديث فلم يكن حجّة. قال: وكان الثوريّ يقول: فقهاؤنا: ابن أبي ليلى، وابن شُبْرُمة. وقال ابن خزيمة: ليس بالحافظ، وإن كان فقيهًا عالمًا. قال البخاريّ: مات سنة (١٤٨). روى له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثمانية أحاديث برقم ٢١٤٩ و٢١٥٠ و٢٤٢٦ و٢٤٢٧ و٤٣١٣ و٤٧٧٤ و ٤٩٠٢ و ٥٠٨١ . و((عمرو بن عليّ)): هو الفلاس الصيرفيّ البصريّ الحافظ. و((يحيى)): هو ابن سعيد القطّان الإمام المشهور. والحديث صحيح، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٥٠- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ وَاصِلِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتَى بْنُ آدَمَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطَاءِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: (تَسَخَّرُوا ، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً)) ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((عبدالأعلى بن واصل بن عبدالأعلى)): الأسديّ الكوفيّ، ثقة، من كبار [١٠] ٦١٨/٥٤. و((يحيى بن آدم)): هو أبو زكريا الكوفيّ، مولى بني أميّة الحافظ الثبت الفاضل، من كبار [٩] ١/ ٤٥١. و((سفيان)): هو الثوريّ الإمام . والحديث صحيح، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٥١- (أَخْبَرَنَا زَكَرِيًّا بْنُ يَخْتَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةً، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: (تَسَخَّرُوا، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً)) ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((زكريا بن يحيى)): هو السِّجْزيّ، أبو عبدالرحمن، نزيل دمشق، ثقة حافظ [١٢] ١١٦١/١٨٩. من أفراد المصنّف. ١٩- ( ذكرُ الاختلافِ عَلَى عَبدِالمَلِكِ - حديث رقم ٢١٥١ ٣٤٩ و((أبو بكر بن خَلّاد)): هو محمد بن خلّاد بن كثير الباهليّ، أبو بكر البصريّ، ثقة [١٠] . قال عبدالله بن أحمد، عن أبيه: أبو بكر بن خلّاد عرفته معرفة قديمة، لقيناه أيام المعتمر بالبصرة، ويبغداد، وكان ملازما ليحيى بن سعيد. وقال أبو بكر بن أعين: سمعت مسدّدًا يقول: أبو بكر بن خلّاد ثقة، ولكنه صَلِف (١). وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال معاوية بن عبدالكريم الزياديّ: أدركت البصرة، والناس يقولون: ما بها أعقل من أبي الوليد، وبعده أبو بكر بن خلّاد، وبعده عبّاس العنبريّ. ووثقه مسلمة بن قاسم. مات سنة (٢٤٠) على الصحيح. روى عنه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه. وروى عنه المصنّف بواسطة زكريا السجزيّ هذا الحديث فقط. و((محمد بن فُضيل)) بن غَزْوان: هو أبو عبدالرحمن الضبّيّ مولاهم الكوفيّ، صدوق رُمي بالتشيّع [٩] ١٨/ ٧٩٩. و((يحيى بن سعيد)): هو الأنصاريّ المدنيّ الحافظ الثبت. و((أبو سلمة)): هو ابن عبد الرحمن بن عوف الفقيه المدنيّ، تقدّم قبل باب. والله تعالى أعلم. (قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ رحمه اللَّه تعالى (حَدِيثُ يَخْيَى بْنِ سَعِيدٍ هَذَا، إِسْتَادُهُ حَسَنٌ) أي لكون رجاله ثقات (وَهُوَ مُنْكَرٌ) الظاهر أن سبب النكارة كونه من رواية أبي سلمة، عن أبي هريرة ◌َّثه، لأن المعروف أنه من رواية عطاء، عن أبي هريرة تظر فيه. والله تعالى أعلم (وَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ الْغَلَطُ، مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلِ) بن غَزْوان، حيث جعله عن يحيى بن سعيد، عن أبي سلمة، فخالف غيره من الثقات، فإن منصور بن أبي الأسود، ويزيد بن هارون جعلاه عن عبدالملك، عن عطاء، عن أبي هريرة. ويحيى القطان، والثوريّ جعلاه عن ابن أبي ليلى، عن عطاء. والحديث وإن تكلم في سنده المصنّف، صحيح بما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). (١) - ذكر في القاموس من معاني الصَّلْف التكلّم بما يكرهه صاحبك، والتمدّح بما ليس عندك، أو مجاوزة قدر الظرف، والادعاء فوق ذلك تكبّرًا. اهـ .. ولا أدري أي المعنى منها أراد مسدد هنا، والله تعالى أعلم. ٣٥٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ ٢٠- ( تَأْخِيرُ السَّحُورِ، وَذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَی زِرِّ فِهِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف فيه أن عاصمًا رواه عن زرّ، عن حُذيفة، مرفوعًا، وخالفه عديّ بن ثابت، فرواه عنه موقوفا من فعل حذيفة رَظافته، وأيضًا إن رواية عاصم تدلّ على أن السحور وقع بعد طلوع الفجر، بخلاف رواية عديّ، فإن ظاهرها أنه قبل طلوعه. والذي يظهر لي أن رواية الوقف هي أرجح، وهو الذي يظهر من صنيع المصنّف رحمه الله تعالى حيث أورد رواية عديّ بن ثابت بعدها، كعادته في إيراد الأخبار المعللة أوّلاً، ثم الأخبار الصحيحة، ثم أتبعها بما يقوّي ذلك، وهو أثر صِلَة بن زفر. وسيأتي تحقيق القول في ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢١٥٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَخْتِى بْنِ أَيُّوبَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا وَكِيعُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرِّ، قَالَ: قُلْنَا لِحُذَيِفَةَ: أَيَّ سَاعَةٍ تَسَخَّرْتَ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ؟، قَالَ: (هُوَ النَّهَارُ، إِلَّا أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ)) ). رجال هذا الإسناد : ستة: ١- (محمد بن يحيى بن أيوب) الثقفي، أبو يحيى المروزيّ المعلّم، ثقة حافظ [١٠] ١٦٢ / ٢٥٤ . ٢ - (وكيع) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة ثبت عابد [٩] ٢٥/٢٣ . ٣- (سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٧/٣٣ . ٤- (عاصم) بن أبي النَّجُود، وهو ابن بُهْدَلة الأسديّ مولاهم، أبو بكر الكوفيّ المقرىء، صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في ((الصحيحين)) مقرون [٦] ٢٠ /١٢٢١ . ٥- (زِرّ) بن حُبيش بن حُبَاشة الأسديّ، أبو مريم الكوفيّ، مخضرم ثقة فاضل [٢] ١٢٦/١٩٨ . ٦- (حُذيفة) بن اليمان، واسم اليمان حِسْل -بكسر، فسكون- أو حُسيل -مصغّرًا- العبسيّ حليف الأنصار الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي اللّه تعالى عنهما، مات في أول خلافة عليّ رضي الله تعالى عنه سنة (٣٦) وتقدّم في ٢/٢ . والله تعالى أعلم. ٣٥١ ٢٠- (تَأْخِيرُ السَّحُورِ، وَذِكْرُ الاخْتِلافِ ... - حديث رقم ٢١٥٢ لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو، والترمذيُ. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ. (ومنها): أن صحابيّه من السابقين إلى الإسلام، وهو صاحب سرّ رسول اللَّه وَ له، فقد روى مسلم في ((صحيحه)) أن رسول اللَّه و لل أعلمه بما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ زِرٌ) بن حُبيش، أنه (قَالَ: قُلْنَا لِحُذَيْفَةَ) بن اليمان ◌َّهَا (أَيَّ سَاعَةٍ) بنصب ((أَيّ)) على الظرفيّة متعلقة بقوله (تَسَخَّرْتَ) أي أكلت السحور (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ؟، قَالَ: ((هُوَ النَّهَارُ) أي الوقت الذي تسخّرت فيه النهار (إِلَّا أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُغْ))) يعني أن الوقت هو النهار الحقيقيّ، غير أن الشمس لم تطلع، وهذا غاية كون الأكل وقع في النهار الحقيقيّ. [تنبيه]: نقل الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ رحمه الله تعالى في ((تحفة الأشراف)) جـ٣ص٣١-٣٢ بعد أن أورد الحديث: ما نصّه: قال (س) -يعني النسائيّ -: لا نعلم أحدًا رفعه غير عاصم، فإن كان رفعه صحيحًا، فمعناه أنه قرب النهار، كقوله عز وجل : ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢] معناه إذا قاربن البلوغ، وكقول القائل: بلغنا المنزل، إذا قاربه انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لم أر هذا الكلام للمصنّف، لا في ((المجتبى))، ولا في ((الكبرى))، ولعله لاختلاف النسخ، فالله تعالى أعلم. ثمّ إنه يُبعِد هذا التأويلَ تأكيدُ حذيفة رَيْه بقوله: ((إلا أن الشمس لم تطلع))، فإنه ظاهر في كون المراد حقيقة النهار، لا مجازُه. فتنبّه. وقال السنديّ رحمه الله تعالى: الظاهر أن المراد هو النهار الشرعيّ، والمراد بالشمس الفجر، والمراد أنه في قرب طلوع الفجر، حيث يقال: إنه النهار، نعم ما كان الفجر طالعًا انتهى(١). وزاد في ((شرحه)) على ((ابن ماجه)): وقيل الحديث منسوخ، وهو مشكل بأن الصوم قد نُسخ فيه التشديد إلى التخفيف، دون العكس انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: تأويل السنديّ قريب من التأويل المذكور عن النسائيّ، (١) - ((شرح السندي)) ج٤ ص١٤٢. (٢) - ((شرح السندي)) على ابن ماجه ج٢ ص٣٢٢. ٣٥٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ وفيه ما تقدّم فيما ذُكر عن النسائيّ، وهو أنه غير صحيح، لأن قول حذيفة ◌َّه : إلا أن الشمس لم تطلُع)) صريح في إرادته طلوعها حقيقة، لا طلوع الفجر. فتنبّه. وأصرح في الرد من هذا رواية الطحاويّ، فقد أخرج الحديث في ((شرح معاني الآثار)) جـ٢ ص٥٤-٥٥ من طريق رَوْح بن عُبادة، عن حماد، عن عاصم بن بُهْدَلَة، عن زِرّ بن حُبيش، قال: تسخّرت، ثم انطلقت إلى المسجد، فمررت بمنزل حذيفة، فدخلت عليه، فأَمَر بلِقْحَة، فحُلبت، وبقِذْرٍ، فسُخّنت، ثم قال: كُلْ، فقلت: إني أريد الصوم، قال: وأنا أريد الصوم، قال: فأكلنا، ثم شربنا، ثم أتينا المسجد، فأقيمت الصلاة، قال: هكذا فعل بي رسول اللّه وَله أو صنعت مع رسول اللّه ◌َله، قلت: بعد الصبح؟ قال: بعد الصبح، غير أن الشمس لم تطلع. انتهى. فهذا صريح في ردّ ما نُقِل عن النسائيّ، من أن المراد قرب النهار، وعلى ما قاله السنديّ، من أن المراد بالشمس الفجر، والمراد قرب طلوع الفجر، فقد صرّح بأنه أكل بعد الصبح. قال الطحاويّ رحمه الله تعالى: ففي هذا الحديث عن حذيفة أنه أكل بعد طلوع الفجر، وهو يريد الصوم، ويَحكِي مثل ذلك عن رسول اللَّه وَله. وقد جاء عن رسول اللَّهِ وَ لّ خلاف ذلك، من أنه قال: ((إن بلالاً يؤذّن بليل، فكلوا واشربوا، حتى ينادي ابن أم مكتوم». وأنه قال: ((لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه إنما يؤذّن لينتبه نائمکم، ولیرجع قائمکم)، ثم وصف الفجر بما قد وصفه به، فدل ذلك على أنه هو المانع للطعام والشراب، وما سوى ذلك، مما يُمْنَعُ منه الصائم، فهذه الآثار التي ذكرناها مخالفة لحديث حذيفة. وقد يحتمل حديث حذيفة عندنا -والله أعلم - أن يكون كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِقُواْ الْصِيَامَ إِلَى أَيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. انتهى المقصود من كلام الطحاويّ رحمه الله تعالى، بشيء من الاختصار. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: لكن الحديث لا يصحّ مرفوعًا؛ كما يأتي قريبًا، فلا يعارض الأحاديث الصحيحة التي أشار إليها الطحاويّ رحمه اللّه تعالى، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث حذيفة رَّ هذا مرفوعًا ضعيف؛ لتفرّد عاصم به، ومخالفته، وهو ممن لا ٣٥٣ ٢٠- ( تأخیرُ السَّحُورِ، وَذِكْرُ الاختلافِ ... - حديث رقم ٢١٥٢ يُحتَمَل مخالفته، فإنه وإن كان إماما في القراءة، إلا أنه سيء الحفظ، ولذا لم يخرّج له الشيخان إلا مقرونا، فتفرده برفع هذا الحديث، ومخالفته لعديّ بن ثابت، وهو أوثق منه يدلّ على وَهَمِه، ويدلّ على رُجحان رواية عديّ على روايته رواية صِلَة بن زُفَر للحديث موقوفًا أيضًا. والحاصل أن هذا الحديث لا يصحّ مرفوعًا، وإنما هو من فعل حذيفة رَّه ، فلا يكون حديثه معارضًا للأدلّة الصريحة الصحيحة على أن طلوع الفجر، وتبيّه يمنع من الأكل والشرب، ونحوهما، وعلى تقدير صحته يحتمل أن يكون قبل هذه النصوص، كما تقدّم عن الطحاويّ رحمه الله تعالى. واللَّه تعالى علم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢١٥٢/٢٠ و٢١٥٣ و٢١٥٤ - وفي («الكبرى»-٢٤٦٢/٢١ و ٢٤٦٣ و٢٤٦٤ و٢٤٦٥. وأخرجه (ق) في ((الصوم)) ١٦٩٥ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في الوقت الذي يحرم فيه الأكل والشرب في الصوم: قال النووي رحمه الله تعالى في ((شرح المهذّب)): ما حاصله: مذهب الشافعيّ، وأبي حنيفة، ومالك، وأحمد، وجماهير العلماء، من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم أن وقت الصوم يدخل بطلوع الفجر، فيحرم الطعام، والشراب، والجماع به. قال ابن المنذر رحمه اللّه تعالى: وبه قال عمر بن الخطاب، وابن عباس، وعلماء الأمصار، قال: وبه نقول، قال: وروينا عن عليّ بن أبي طالب تَزّيه أنه قال حين صلى الفجر: الآن حين تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود. قال: ورُوي عن حُذيفة رَّه أنه لما طلع الفجر تسخر، ثم صلى، قال: وروي معناه عن ابن مسعود. وقال مسروق: لم يكونوا يَعُدّون الفجر فجركم، إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق. قال: وكان إسحاق يميل إلى القول الأول من غير أن يطعن على الآخرين، قال إسحاق: ولا قضاء على من أكل في الوقت الذي قاله هؤلاء. هذا كلام ابن المنذر انتهى كلام النوويّ (١) . وقال في ((الفتح)): وذهب جماعة من الصحابة -وقال به الأعمش من التابعين، وصاحبه أبو بكر بن عياش- إلى جواز السحور إلى أن يتّضح الفجر، فروى سعيد بن منصور (٢)، عن أبي الأحوص، عن عاصم، عن زرّ، عن حذيفة، قال: ((تسخرنا مع (١) - ((المجموع)) ج٥ ص٣٢٤. (٢) - كان الأولى للحافظ أن يعزو الحديث للنسائيّ، وابن ماجه، كما هو صنيع المحدثين في عزو الحدیث للأمهات الست، ثم إلى غيرها. ٣٥٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ رسول اللّه و ◌َل#وهو والله النهار، غير أن الشمس لم تطلع)). وأخرجه الطحاويّ من وجه آخر، عن عاصم نحوه. وروى ابن أبي شيبة، وعبدالرزاق ذلك عن حذيفة من طرق صحيحة. وروى سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر من طرق عن أبي بكر أنه أمر بغلق الباب حتى لا يرى الفجر. وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن عليّ أنه صلى الصبح، ثم قال: الآن حين تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود. قال ابن المنذر: وذهب بعضهم إلى أن المراد بتبيّن بياض النهار من سواد الليل أن ينتشر في الطرق والسكك والبيوت، ثم حكى ما تقدّم عن أبي بكر وغيره. وروى بإسناد صحيح عن سالم بن عُبيد الأشجعيّ -وله صحبة - أن أبا بكر قال له: اخرج، فانظر هل طلع الفجر؟ قال: فنظرت، ثم أتيته، فقلت: قد ابيضّ، وسطع، ثم قال: اخرج، فانظر هل طلع؟ فنظرت، فقلت: قد اعترض، فقال: الآن أبلغني شرابي. وروى من طريق وكيع، عن الأعمش أنه قال: لولا الشهوة (١) لصليت الغداة، ثم تسخّرت. قال إسحاق: هؤلاء رأوا جواز الأكل، والصلاة بعد طلوع الفجر المعترض حتى يتبيّن بياض النهار من سواد الليل، قال إسحاق: وبالقول الأول أقول، لكن لا أطعن على من تأول الرخصة كالقول الثاني، ولا أرى عليه قضاء، ولا كفّارة. قال الحافظ: وفي هذا تعقّب على الموفّق وغيره، حيث نقلوا الإجماع على خلاف ما ذهب إليه الأعمش. والله أعلم انتهى (٢). واحتجّ الجمهور بالأحاديث الصحيحة المشهور المتظاهرة: (منها): حديث عديّ بن حاتم ◌َّه، قال: لما نزلت: ﴿حَقَّ يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ اَلْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، قلت: يا رسول الله إني أجعل تحت وسادتي عقالين، عقالا أبيض، وعقالاً أسود، أعرف الليل من النهار، فقال رسول الله وَ له: ((إن وسادك لَعَريض، إنما هو سواد الليل، وبياض النهار)). متفق عليه. (ومنها): حديث سهل بن سعد رَّهَا، قال: أنزلت: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ اٌلْخَيْطُ الْأَنْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ﴾، ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض، والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبيّن له رؤيتهما، فأنزل الله تعالى: ﴿مِنَ اُلْفَجْرِ﴾، فعلموا أنه يعني به الليل من النهار. متفق عليه . (١) - هكذا النسخة، ولعله: لولا الشهرة، والله أعلم. (٢) - ((فتح)) ج ٤ ص ٦٣٥ - ٦٣٦. ٣٥٥ = ٢٠- ( تأخیرُ السَّحُورِ، وذِكْرُ الاخْتِلافِ ... - حديث رقم ٢١٥٣ (ومنها): حديث سمرة بن جندب رَظثه، قال: قال رسول اللّه وَ له: ((لا يغرّنّكم أذان بلال، ولا هذا العارض لعمود الصبح حتى يستطير)). رواه مسلم. (ومنها): حديث ابن مسعود رَظّه عن النبي قال: ((لا يمنعنّ أحدكم -أو أحدًا منكم - أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذّن -أو ينادي- بليل ليرجع قائمكم، ولينبّه نائمكم، وليس أن يقول الفجر -أو الصبح- وقال بأصابعه، ورفعها إلى فوقُ، وطأطأ إلى أسفل حتى يقول هكذا، وقال بسبابته إحداهما فوق الأخرى، ثم مدهما عن يمينه وشماله)). رواه البخاري. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور، من أن وقت الصوم يدخل بطلوع الفجور هو الأرجح، لظهور أدلّته. لكن المراد بطلوعه تحققه وتبيّنه، فلو شك في طلوعه جاز له الأكل وغيره حتى يتيقن طلوعه، لظاهر الآية المذكورة. قال النوويّ رحمه الله تعالى: ولو شكّ في طلوع الفجر جاز له الأكل، والشرب، والجماع، وغيرها بلا خلاف حتى يتحقق الفجر للآية الكريمة: ﴿حَقِّ يَقَبَيِّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ اٌلْأَنْيَضُ﴾، ولِمَا صح عن ابن عباس رَوفيها أنه قال: (كُلْ ما شككت حتى يتبيّن لك)). رواه البيهقيّ بإسناد صحيح. وفي رواية عن حبيب بن أبي ثابت، قال: ((أرسل ابن عباس رجلين ينظران الفجر، فقال أحدهما: أصحبت، وقال الآخر: لا ، قال: اختلفتما أرني شرابي)). قال البيهقيّ: وروي هذا عن أبي بكر الصدّيق، وعمر، وابن عمر ◌َّ، وقول ابن عباس: ((أرني شرابي)) جار على القاعدة أنه يحلّ الشرب، والأكل حتى يتبيّن الفجر، ولو كان قد تبيّن لما اختلف الرجلان فيه، لأن خبريهما تعارضا، والأصل بقاء الليل، ولأن قوله: ((أصبحت)) ليس صريحًا في طلوع الفجر، فقد تطلق هذه اللفظة لمقاربة الفجر. والله أعلم انتهى كلام النوويّ(١) . وهو بحثّ نفيسٌ جدًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ٢١٥٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٌّ، قَالَ: سَمِعْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ، قَالَ: تَسَخَّرْتُ مَعَ حُذَيِفَةَ، ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا أَتَيْنَا الْمَسْجِدَ، صَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنٍ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَلَيْسَ بَيْتَهُمَا إِلَّا هُنَيْهَةٌ). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((محمد)): هو ابن جعفر، المعروف بـ((غُندَر)). (١) - ((المجموع)) ج٥ ص٣٢١٥ . ٣٥٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ و((عديّ)): هو ابن ثابت الأنصاريّ الكوفيّ، ثقة [٤] ٦٠٥/٤٩ . وقوله: ((هُنهية)»: بالتصغير، أي إلا قدر يسير. والحديث موقوف صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٥٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَعْفُورِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، قَالَ: ((تَسَخَّرْتُ مَعَ حُذَيْفَةَ، ثُمَّ خَرَجْئًا إِلَى الْمَسْجِدٍ (١)، فَصَلَّيْنَا رَكْعَتَي الْفَجْرِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّيْنَا)) ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((عمرو بن عليّ)): هو الفلاس. و((أبو يعفور)): عبدالرحمن بن عُبيد بن نِسْطاس الكوفيّ، ثقة [٥] ١٦٣٩/١٧. و((إبراهيم)): هو ابن يزيد النخعيّ. و((صِلَّة بن زُفَر)): هو العبسيّ، أبو العلاء الكوفيّ، تابعيّ كبير [٢] ١٠٠٨/٧٧. والحديث موقوف صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٢١- (قَدْرُ مَا بَيْنَ السَّحُورِ، وَبَيْنَ صَلَاةِ الصُّبْحِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدال على بيان مقدار الوقت الذي بين انتهاء السحور، وابتداء الصلاة؛ لأن المراد تقدير الزمان الذي ترك فيه الأكل، والمراد بفعل الصلاة أولُ الشروع فيها. قاله الزين ابن المنير رحمه الله تعالى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب. ٢١٥٥- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: ((تَسَخَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَّ، ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟، قَالَ: قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً). (١) -وفي نسخة: ((المصلّى)). (٢) - راجع ((الفتح)) ج٤ ص ٦٣٧ . ٣٥٧ ٢١- ( قَدْرُ مَا بَيْنَ السَّحُورِ، وَبَيْنَ صَلَاةٍ ... - حديث رقم ٢١٥٥ رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزيّ ابن راهويه، ثقة ثبت حجة [١٠] ٢/٢ . ٢- (وكيع) بن الجرّاح المذكور في الباب الماضي. ٣- (هشام) بن أبي عبد اللَّه، واسمه سَنْبَر بوزن جعفر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت رُمي بالقدر، من كبار [٧] ٣٤/٣٠. ٤ - (قتادة) بن دِعَامة السدوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقة ثبت يُدلّس [٤] ٣٤/٣٠. ٥- (أنس) بن مالك الصحابي الخادم الشهير رضي الله تعالى عنه٦/٦ . ٦- (زيد بن ثابت) بن الضحاك الأنصاريّ النجاريّ الصحابيّ الشهير تظنّه، كاتب الوحي، قال مسروق: كان من الراسخين في العلم، مات تَّه سنة خمس، أو ثمان وأربعين، وقيل: بعد الخمسين، تقدّم في ١٧٩/١٢٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ) وفي رواية للبخاريّ من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: قال: قلت لأنس ... فصرح بالسؤال (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) رَّهِ، أنه قال (قَالَ: (تَسَخَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بِّهِ، ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، قُلَّتُ) القائل أنس، والمقول له زيد بن ثابت راث، وفي رواية لأحمد عن يزيد بن هارون، عن همام، وفيه أنّ أنسًا قال: قلت لزيد ... (كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟، قَالَ: قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً) أي متوسّطة، لا طويلة، ولا قصيرة، لا سريعة، ولا بطيئة، و((قدرُ)) بالرفع على أنه خبر المبتدإ، ويجوز النصب على أنه خبر ((كان)) المقدّرة في جواب زيد، لا في سؤال أنس؛ لئلا تصير ((كان)) واسمها من قائل واحد، والخبر من آخر: أي كان الزمن قدرَ الخ. وقال المهلّب وغيره: فيه تقدير الأوقات بأعمال البدن، وكان العرب تقدر الأوقات بالأعمال، كقولهم: قدر حلب شاة، وقدر نحر جزور، فعدل زيد بن ثابت نظمته عن ذلك التقدير بالقراءة، إشارةً إلى أن ذلك الوقت كان وقت عبادة بالتلاوة، ولو كانوا يقدّرون بغير العمل لقال مثلاً قدر درجة، أوثلث، أو خمس ساعة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. ٣٥٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث زيد بن ثابت رضي هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢١٥٥/٢١ و٢١٥٦/٢٢- وفي «الكبرى» ٢٤٦٥/٢٢ و٢٣٢٤٦٦. وأخرجه (خ) في ((مواقيت الصلاة))٥٤١ و٥٤٢ و((الصوم)» ١٧٨٧ (م) في ((الصوم)) ١٨٣٧ (ت) في ((الصوم)) ٦٣٨ (ق) في ١٦٨٤ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٢٢٧٨ و ١٢٩٧٧ و٢٠٦٠٣ (الدارمي) في ((الصوم)) ١٦٣٣ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان القدر الذي يكون بين السحور وصلاة الصبح، وذلك قدر قراءة خمسين آية (ومنها): استحباب تأخير السحور؛ لكونه أبلغ في المقصود (ومنها): ما قاله ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى: فيه الإشارة إلى أن أوقاتهم كانت مستغرقة بالعبادة (ومنها): ما قاله أيضًا: كان ◌َله ينظر ما هو الأرفق بأمته، فيفعله، لأنه لو لم يتسخّر لاتبعوه، فيشقّ على بعضهم، ولو تسخّر في جوف الليل لشقّ أيضًا على بعضهم، ممن يغلب عليه النوم، فقد يفضي إلى ترك الصبح، أو يحتاج إلى المجاهدة بالسهر. (ومنها): ما قاله أيضًا: فيه تقوية على الصيام؛ لعموم الاحتياج إلى الطعام، ولو ترك لشقّ على بعضهم، ولا سيّما من كان صفراويًّا، فقد يُغشى عليه، فيفضي إلى الإفطار في رمضان انتهى (ومنها): تأنيس الفاضل أصحابه بالمؤاكلة، وجواز المشي بالليل للحاجة؛ لأن زيد بن ثابت ◌َّ ما كان يبيت مع النبيّ ◌َلهر (ومنها): استحباب الاجتماع على السحور (ومنها): حسن الأدب في العبارة؛ لقوله: ((تسخّرنا مع رسول اللّه وَلّ))، ولم يقل: نحن ورسول اللّه وَلير؛ لما يُشعر لفظ المعيّة بالتبعية (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: فيه دلالة على أن الفراغ من السحور كان قبل طلوع الفجر، فهو معارض لقول حذيفة بنز: ((هو النهار، إلا أن الشمس لم تطلع)) انتهى. وأجاب الحافظ بأنه لا معارضة، بل تحمل على اختلاف الحال، فليس في رواية واحد منهما ما يشعر بالمواظبة، فتكون قصّة حذيفة سابقة انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) - ((فتح)) ج٤ ص٦٣٨ . .... ٢٢- ( ذِكْرُ اختلافِ هِشَام، وسعيد ... - حديث رقم ٢١٥٧ ٣٥٩ === ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٢٢- ( ذِكْرُ اخْتِلَافِ هِشَام، وَسَعِيدٍ عَلَى قَتَادَةَ فِيهِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف المذكور أن هشاما الدستوائيّ رواه عن قتادة، عن أنس، عن زيد بن ثابت، فجعله من مسند زيد ◌َّهِ ، ووافقه همّام بن يحيى العَوْذيّ، عن قتادة، وقد أخرجه البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) من طريقيهما في ((مواقيت الصلاة)) رقم ٢٧ / ٥٧٥ و٥٧٦ . وخالفه سعيد بن أبي عَرُوبة، فرواه عن قتادة، عن أنس رَّه، قال: ((تسخر رسول اللَّهِ وَ له، وزيد بن ثابت ... ))، فجعله من مسند أنس ◌َّه، وأخرج البخاري طريق هشام في ((الصيام)) رقم ١٩/ ١٩٢١ . قال الحافظ رحمه الله تعالى: وتَرَجَّحَ عند مسلم روايةُ همّام، فإنه أخرجها، وأعرض عن رواية سعيد، ويدلّ على رجحانها أيضًا أن الإسماعيليّ أخرج رواية سعيد من طريق خالد بن الحارث، عن سعيد، فقال: ((عن أنس، عن زيد بن ثابت)). قال: والذي يظهر لي في الجمع بين الروايتين أن أنسًا حضر ذلك لكنه لم يتسخّر معهما، ولأجل هذا سأل زيدًا عن مقدار وقت السحور. قال: ثم وجدت ذلك صريحا في رواية النسائيّ، وابن حبّان، ولفظهما: ((عن أنس، قال: قال لي رسول اللّه أَلقول: يا أنس إني أريد الصيام، أطعمني شيئًا، فجئته بتمر، وإناء فيه ماء، وذلك بعد ما أذّن بلال، قال: يا أنس انظر رجلاً يأكل معي، فدعوت زيد بن ثابت، فجاء، فتسخّر معه، ثم قام، فصلّى ركعتين، ثم خرج إلى الصلاة)) (١) . فعلى هذا فالمراد بقوله: (كم كان بين الأذان والسحور)) أي أذان ابن أم مكتوم؛ لأن بلالاً كان يؤذّن قبل الفجر، والآخر يؤذّن إذا طلع انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب. (١) - سيأتي الحديث للمصنف برقم ٢١٦٧/٢٨. (٢) - ((فتح)) ج٤ ص٢٤٨ . ٣٦٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ ٢١٥٦- (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَال: (تَسَخَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ شَهِ، ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، قُلْتُ : - زَعَمَ (١) أَنَّ أَنَسَّا الْقَائِلُ - مَا كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ؟ قَالَ: قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آَيَّةً» ). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة. و((خالد)): هو ابن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ الحافظ الثبت. وقوله: ((زَعَم الخ))، فاعل: ((زَعَم)) ضمير خالد بن الحارث، كما بينته رواية الإسماعيليّ، أي قال خالد: إن قائل: ((ما كان بين ذلك؟)) هو أنس وَائل . وعبارة الحافظ في ((الفتح)) عند شرح قوله: ((قلت: كم كان بينهما؟)): ووقع عند الإسماعيليّ من رواية عفّان، عن همام: ((قلنا لزيد))، ومن رواية خالد بن الحارث، عن سعيد، قال: خالد : -أنس القائل- كم كان بينهما؟، ووقع عند المصنّف -يعني البخاريّ- من رواية روح، عن سعيد: قلت لأنس، فهو مقول قتادة، قال الإسماعيليّ: والروايتان صحيحتان، بأن يكون أنس سأل زيدًا، وقتادة سأل أنسا. والله أعلم (٢) انتھی(٢). وقوله: ((ما كان بين ذلك؟)) ((ما)) استفهامية، أي أي وقت كان بين السحور والقيام للصلاة . والحديث متّفق عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٥٧- (أَخْبَرَنَا أَبُو الْأَشْعَثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَس، رَمْثُ، قَالَ: (تَسَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، ثُمَّ قَامَا، فَدَخَلَا فِي صَلَاةٍ الضَّبْحِ، فَقُلْنَا لِأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا، وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الْإِنْسَاَنُ خَمْسِينَ آيَّةً)) ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و(«أبو الأشعث)): هو أحمد بن المقدام العجليّ البصريّ، صدوق [١٠] ٣١٩/١٣٨. و ((سعيد)»: هو ابن أبي عروبة. (١) - ((زَعَم)) بالبناء للفاعل، فما وقع في بعض النسخ من ضبطه بالقلم بالبناء للمفعول، فلا وجه له، فتنبه . (٢) - ((فتح) ج٤ ص٢٤٨ .