Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١ =
١٢١ - نَوْعٌ آخَرُ - حديث رقم ٢٠٨٩
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل باليمنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ. (ومنها): أن فيه رواية
الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة تَّه رأس المكثرين من الرواية. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَّهِ، أنه (قَالَ) كذا عند المصنف موقوفًا، وكذا أورده البخاريّ
في ((الجنائز)) عن محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق، موقوفا، وكذا في ((أحاديث
الأنبياء))، ثم قال: وعن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبيّ ◌ُآل نحوه،
وقد ساقه مسلم من طريق معمر بالسندين كذلك. قاله في ((الفتح))(١).
وقال في موضع آخر أورده موقوفًا من طريق طاوس، عنه، ثم عقّبه برواية همام عنه
مرفوعًا، وهذا هو المشهور عن عبد الرزاق، وقد رفع محمد بن يحيى عنه رواية
طاووس أيضًا، أخرجه الإسماعيليّ انتهى(٢).
فثبت بهذا أن الحديث صح عن أبي هريرة رَنثه موقوفًا، ومرفوعا، إلا أن الموقوف
في مثل هذا له حكم المرفوع، لأنه لا مجال للرأي فيه. والله تعالى أعلم.
(أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ) قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: لم يصرّح باسم ملك
الموت في القرآن، ولا في الأحاديث الصحاح انتهى(٣). وقال السيوطيّ رحمه الله
تعالی: لم يرد تسمیتُهُ في حديث مرفوع، وورد عن وهب منبه أن اسمه عزرائيل. رواه
أبو الشيخ في ((العظمة)) انتهى(٤) (إِلَى مُوسَى ◌ْلِّلَهُ، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ) أي ضربه على
عينه. وفي رواية همّام، عن أبي هريرة، عند أحمد، ومسلم: ((جاء ملك الموت إلى
موسى، فقال: أجب ربّك، فلطم موسى عين ملك الموت، ففقأها)). وفي رواية عمّار
ابن أبي عمّار، عن أبي هريرة، عند أحمد، والطبريّ: ((كان ملك الموت يأتي الناس
عيانا، فأتى موسى، فلطمه، ففقأ عينه)) (فَفَقَاً عَيْنَهُ) بالهمز: أي شقّها (فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ،
فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ، لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ) زاد في رواية همام: وقد فقأ عيني، فردّ اللَّه
عليه عينه)). وفي رواية عمّار: ((فقال: يا ربّ، عبدك موسى، فقأ عيني، ولولا كرامته
(١)-((فتح)) ج٣ ص٥٦٨ .
(٢)-(فتح)) ج٧ ص١٠٣ ((كتاب أحاديث الأنبياء))- ((باب وفاة موسى)) وذكره بعدُ.
(٣)- ((البداية والنهاية)) ج١ ص٤٢ .
(٤) - (زهر الربى)) ج٤ ص١١٨.

٢٠٢
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزْ
عليك، لشققت عليه))، وسيأتي الجواب عن استشكال من استشكل بأنه كيف جاز
لموسى أن يفقأ عين ملك الموت في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى.
(فَرَدَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِ، فَقُلْ لَهُ: يَضَعُ يَدَهُ) وفي رواية: ((فقل
له: الحياةَ تريد؟ فإن كنت تريد الحياة، فضع يدك)) (عَلَى مَثْنِ ثَوْرٍ) ((المتن)): بفتح
الميم، وسكون المثناة: هو الظهر. وقيل: مكتنف الصّلْب بين العَصَب واللحم، وفي
رواية: ((على جلد ثور)). و((الثور)): بفتح المثلثة، وسكون الواو: الذكر من البقر،
والأنثى ثورة، والجمع ثِيرَان، وأثوارٌ، وثِيَرَةٌ، مثالُ عِنَبَة. قاله في ((المصباح)) (فَلَهُ بِكُلِّ
مَا خَطَّتْ يَدُهُ، بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ) الجارّ والمجرور بدل من الجار والمجرور الأول (قَالَ:
أَني رَبِّ) ((أَيْ)) بفتح الهمزة، وسكون الياء: حرف نداء (ثُمَّ مَة) ((ثمّ)) بضم المثلثة،
وتشديد الميم: حرف عطف، و((مه)): هي ((ما)) الاستفهامية، لَمّا وُقف عليها زادوا
عليها هاء السكت، أي ثُمّ ما ذا يكون، أحياة، أم موت؟ (قَالَ) اللَّه تعالى (الْمَوْتُ) وفي
رواية البخاريّ: ((ثم الموت)) (قَالَ) موسىغْلَِّ (فَالْآنَ) أي أريده الآن، و((الآن)) ظرف
زمان، للوقت الحاضر الذي أنت فيه، ولزم دخول الألف واللام، وليس ذلك
للتعريف؛ لأن التعريف تمييز للمشتركات، وليس لهذا ما يَشرَكه في معناه. قال ابن
السرّاج: ليس هو آنَ وآنَ حتى يدخل عليه الألف واللام للتعريف، بل وُضع مع الألف
واللام للوقت الحاضر، مثلُ ((الثُّرَيّا))، و((الذي))، ونحو ذلك.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وهذا يدلّ على أن موسىّالتَّلامُ لما خيّره اللَّه بين
الحياة والموت، اختار الموت شوقًا للقاء الله عز وجل، واستعجالاً لما له عند الله، من
الثواب والخير، واستراحة من الدنيا المكدرة، وهذا كما خُيّر نبيّنا وَّلِ عند موته، فقال:
((اللَّهم الرفيقَ الأعلى)). انتهى(١).
(فَسَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، أَنْ يُذْنِيَهُ) أي يقرّبه (مِنَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ) هي بيت المقدس
(رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ) وفي نسخة: ((رمية الحجر))، وهو منصوب أنه ظرف مكان: أي مقدار
رَمْية بحجر.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وإنما سأل موسىَلَله ذلك تبرّكا بالكون في تلك
البقعة، وليدفن مع من فيها من الأنبياء، والأولياء؛ ولأنها أرض المحشر، على ما قيل
انتھی .
وقال بعض العلماء: وإنما سأل الإدناء، ولم يسأل نفس بيت المقدس؛ لأنه خاف
(١)- ((المفهم)) ج٦ ص٢٢٢. (كتاب النبوّات)) - ((باب في وفاة موسى ظلَّلامُ)).

٢٠٣ =
١٢١ - نَوْعٌ آخَرُ - حديث رقم ٢٠٨٩
أن يكون قبره مشهورًا عندهم، فيفتتن به الناس انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((رمية بحجر)): أي قدر رمية حجر، أي أدنني من مكان إلى
الأرض المقدّسة هذا القَدْرَ، أو أدنني إليها حتى يكون بيني وبينها هذا القدر. قال في
(الفتح)): وهذا الثاني أظهر، وعليه شرح ابن بطّال وغيره، وأما الأول، وإن رجحه
بعضهم، فليس بجيّد، إذ لو كان كذلك لطلب الدنوّ أكثر من ذلك.
ويحتمل أن يكون سرّ ذلك أن اللَّه لما منع بني إسرائيل من دخول بيت المقدس،
وتركهم في التيه أربعين سنة، إلى أن أفناهم الموت، فلم يدخل الأرض المقدّسة مع
يوشع إلا أولادهم، ولم يدخلها معه أحد، ممن امتنع أوّلا أن يدخلها، ومات هارون،
ثم موسى عليهما السلام قبل فتح الأرض المقدّسة على الصحيح، فكان موسى لما لم
يتهيّأ له دخولها لغلبة الجبارين عليها، ولا يمكن نبشه بعد ذلك ليُنقَل إليها، طلب
القرب منها؛ لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه.
وقيل: إنما طلب موسى الدنوّ؛ لأن النبيّ يُدفن حيث يموت، ولا يُنقل. وفيه نظر؛
لأن موسى قد نَقَلَ يوسف عليهما السلام معه، لما خرج من مصر. وهذا كله على
الاحتمال الثاني. والله أعلم انتهى(٢).
(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَالَ: ((فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ) بفتح المثلّثة: اسم إشارة يُشار به إلى المكان
البعيد: أي هنالك (لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ، إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ) وفي رواية للبخاريّ: ((من جانب
الطريق)) (تَحتَ الْكَثِيبِ الأَخْمَرِ))) وفي رواية للبخاريّ: ((عند الكثيب الأحمر)).
و(الكَثِيب)) بفتح الكاف، وبالمثلّثة، آخره موحدة، بوزن عَظيم: الرمل المجتمع.
وقيل: الكثيب)) قطعة من الرمل مستطيلة، محدودية، سمي بذلك؛ لأنه انصب في
مکان، فاجتمع فيه.
وزعم ابن حبّان أن قبر موسىَّالَّلُ بمدين، بين المدينة وبيت المقدس. وتعقّبه
الضياء بأن أرض مدين ليست قريبة من المدينة، ولا من بيت المقدس.
وزاد في رواية عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة وظفيه عند أحمد(٣): ((فشمه شمة،
فقبض روحه، وكان يأتي الناس خُفْيَة)). يعني بعد ذلك. ويقال: إنه أتاه بتُفّاحة من
الجنّة، فشمها، فمات. وذكر الشُّدّيّ في ((تفسيره)) أن موسى لما دنت وفاته مشى هو
ويوشع بن نون، فجاءت ريح سوداء، فظنّ يوشع أنها الساعة، فالتزم موسى، فانسل
(١)-((شرح مسلم)) النووي رحمه اللّه تعالى ج١٥ ص١٢٧. ((كتاب الفضائل)).
(٢)- ((فتح)) ج٧ ص٥٦٨ . ((كتاب أحاديث الأنبياء)).
(٣)-انظر ((المسند)) رقم ١٠٥٢١.

٢٠٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
موسى من تحت القيمص، فأقبل يوشع بالقميص. وعن وهب بن منبه: أن الملائكة
تولوا دفنه، والصلاة عليه، وأنه عاش مائة وعشرين سنة. ذكره في ((الفتح))(١). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٠٨٩/١٢١. وأخرجه (خ) ١٣٣٩ و٣٤٠٧ (م) ٢٣٧٢
(أحمد) ٧٥٩٠ و٢٧٣٨٩ و٨٤٠٢ و١٠٥٢١. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف رحمه اللَّه تعالى على الوجه الذي قرّرته أولَ الباب، وهو
استحباب الدفن بالأرض المقدسة، وكما بوّب له الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى، في
((صحيحه))، فقال: ((باب من أحبّ الدفن في الأرض المقدّسة، أو نحوها)).
قال الزين ابن المنير: المراد بقوله: ((أو نحوها)) بقيّة ما تشدّ إليه الرحال، من
الحرمين. وكذلك ما يمكن من مدافن الأنبياء، وقبور الشهداء، والأولياء؛ تيمنا
بالجوار، وتعرّضًا للرحمة النازلة عليهم؛ اقتداء بموسى ◌َلَّلهُ انتهى.
قال: وهذا بناء على أن المطلوب القرب من الأنبياء الذين دُفنوا ببيت المقدس، وهو
الذي رجحه عياض. وقال المهلّب: إنما طلب ذلك؛ ليقرب عليه المشي إلى المحشر،
وتسقط عنه المشقّة الحاصلة لمن بعد عنه انتهى (٢).
ومنها: أن الملك يتمثّل بصورة الإنسان، وقد جاء ذلك في عدّة أحاديث.
ومنها: أنه استُدِلَّ بقوله: ((فله بكل شعرة سنة)) على أن الذي بقي من الدنيا كثير
جدّا؛ لأن عدد الشعر الذي تغطيه اليد قدر المدة التي بين موسى، وبعثة نبيّنا وَل
مرتين، أو أكثر .
ومنها: أن قبر موسىَالَّلُ غير معروف، قال بعضهم: وليس في قبور الأنبياء ما هو
محقق سوى قبر نبينا وَالر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: قال الإمام ابن خزيمة رحمه اللّه تعالى: أنكر بعض المبتدعة هذا
الحديث، وقالوا: إن كان موسى عرفه -يعني ملك الموت- فقد استخفّ به، وإن لم
(١)-((فتح)) ج٧ ص١٠٤ .
(٢) - ((فتح)) ج٣ ص ٥٦٧ -٥٦٨. ((كتاب الجنائز)).
?

٢٠٥ ==
١٢١ - نَوْعٌ آخَرُ - حديث رقم ٢٠٨٩
يعرفه، فكيف لم يقتصّ له من فقء عينه؟.
والجواب أن اللَّه لم يبعث ملك الموت لموسى، وهو يريد قبض روحه حينئذ، وإنما
بعثه إليه اختبارا، وإنما لطم موسى ملك الموت؛ لأنه رآه آدمیًا، دخل داره بغير إذنه،
ولم يعلم أنه ملك الموت، وقد أباح الشارع فقء عين الناظر في دار المسلم بغير إذنه.
وقد جاءت الملائكة إلى إبراهيم، وإلى لوط في صورة آدميين، فلم يعرفاهم ابتداء، ولو
عرفهم إبراهيم، لما قدّم لهم المأكول، ولو عرفهم لوط لما خاف عليهم من قومه.
وعلى تقدير أن يكون عرفه، فمن أين لهذا المبتدع مشروعية القصاص بين الملائكة
والبشر؟ ثم من أين له أن ملك الموت طلب القصاص من موسى، فلم يقتصّ له؟.
ولخّص الخطّابيّ كلام ابن خزيمة، وزاد فيه أن موسى دفعه عن نفسه؛ لما رُكْبَ فيه
من الحدّة، وأن اللَّه ردّ عين الملك؛ ليعلم موسى أنه جاءه من عند اللَّه؛ فلهذا استسلم
حينئذ .
وقال النوويّ: لا يمتنع أن يأذن لموسى في هذه اللطمة امتحانًا للملطوم.
وقال غيره: إنما لطمه؛ لأنه جاء لقبض روحه من قبل أن يخبره؛ لما ثبت أنه لم
يُقبض نبيّ حتى يُخيّر؛ فلهذا لما أخبره في المرّة الثانية أذعن.
قيل: وهذا أولى الأقوال بالصواب. وفيه نظر؛ لأنه يعود أصل السؤال، فيقال: لم
أقدم ملك الموت على قبض نبيّ اللَّه، وأخلّ بالشرط؟ فيعود الجواب أن ذلك وقع
امتحانًا .
وزعم بعضهم أن معنى ((فَقَّأَ عينه)) أي أبطل حجته. وهو مردود بقوله في نفس
الحديث ((فردّ اللَّه عينه)»، وبقوله: «لطمه لطمة»، وغير ذلك من قرائن السياق.
وقال ابن قتيبة: إنما فقأ موسى العين التي هي تخييل، وتمثيل، وليست عينا حقيقة،
ومعنى ((ردّ اللَّه عينه): أي أعاده إلى خلقته الحقيقية. وقيل: على ظاهره، ورد اللّه إلى
ملك الموت عينه البشرية؛ ليرجع إلى موسى على كمال الصورة، فيكون ذلك أقوى في
اعتباره. وهذا هو المعتمد.
وجوّز ابن عقيل أن يكون موسى أذن له أن يفعل ذلك بملك الموت، وأمر ملك
الموت بالصبر على ذلك، كما أمر موسى بالصبر على ما يصنع الخضر انتهى (١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: أرجح التأويلات عندي ما قاله الإمام ابن خزيمة،
ونقل عن غيره من المتقدمين، رحمهم الله تعالى:
(١)- ((فتح)) ج٧ ص ١٠٤ - ١٠٥ . ((كتاب أحاديث الأنبياء)» - وفاة موسى. رقم ٣٤٠٧.

٢٠٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
وحاصله: أن موسى ◌َّ لَّلر لم يعلم أنه ملك الموت، بل ظنه آدميا قصد نفسه،
فدافعه عنها، فأدت المدافعة إلى فقء عينه، لا أنه قصدها بالفقء، وهذا الجواب اختاره
المازريّ، والقاضي عياض، رحمهم الله تعالى كما ذكره النووي في ((شرح مسلم))،
قالوا: وليس في الحديث تصريح بأنه فقء عينه.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قولهم: ليس في الحديث الخ فيه نظر، فقد صُرّح
في رواية المصنّف بقوله: ((ففقأ عينه)). فتبصّر.
قال: فإن قيل: فقد اعترف موسى حين جاءه ثانيًا بأنه ملك الموت، فالجواب أنه أتاه
في المرة الثانية بعلامة، علم بها أنه ملك الموت، فاستسلم، بخلاف المرّة الأولى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: وأما ما ذكره القرطبيّ من الاعتراض على هذا القول،
بأن موسى لو لم يعرف ملك الموت لما صدق قول الملك: ((يا رب أرسلتني إلى عبد لا
یرید الموت)).
فالجواب عنه: أن الملك قال ذلك ظنًا منه أن موسىَّالَّلهُ عرفه، ثم لم يستجب
له، لا أنه عرفه حقيقة، ثم صكّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: أنه استُدِلّ بهذا الحديث على جواز الزيادة في العمر، وهذا
الاستدلال واضح، وهو الصواب من القولين في المسألة.
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى: وأما نقص العمر وزيادته، فمن الناس
من يقول: إنه لا يجوز بحال، ويَحمِل ما ورد على زيادة البركة. والصواب أن يحصل
نقص وزيادة عما كُتب في صحف الملائكة، وأما علم اللَّه تعالى القديم فلا يتغيّر، وأما
اللوح المحفوظ، فهل يُغيّر ما فيه؟ على قولين، وعلى هذا يتفق ما ورد في هذا الباب
من النصوص انتهى كلامه رحمه الله تعالى، وهو كلام نفيس جدًّا(٢).
وقد حقق المسألة العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى، وكتب فيه رسالة مفيدة جدا،
ورجح القول بأن العمر يزيد، وينقص حقيقةً، أحببت إيرادها هنا تتميما للفائدة ونشرًا
للفائدة: قال رحمه الله تعالى:
اعلم: أنه قد طال الكلام من أهل العلم على ما يظهر في بادئ الرأي من التعارض
بين هذه الآيات الشريفة، وهي قوله عز وجل: ﴿وَلَنْ يُؤَخِرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَأَ﴾
[المنافقون: ١١]، وقوله: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَشْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل:
٦١] وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥] . فقد قيل:
(١)-انظر ((شرح مسلم للنوويّ)) ج١٥ ص١٢٨.
(٢)- ((مجموع الفتاوى)) ج٢٤ ص٣٨١.

٢٠٧
١٢١ - نَوْعٌ آخَرُ - حديث رقم ٢٠٨٩
إنها معارضة لقوله عز وجل: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتٌ وَعِندَهُ أُمُ الْكِتَبِ﴾
[الرعد: ٣٩]، وقوله عز وجل: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلَا وَأَجَلٌ مُسَمَّى عِندَهُ﴾ [الأنعام: ٢].
فذهب الجمهور إلى أن العمر لا يزيد، ولا ينقص؛ استدلالاً بالآيات المتقدّمة،
والأحاديث الصحيحة، كحديث ابن مسعود تَّه، عن النبي وَّر، قال: ((إن أحدكم
يُجمع خلقه في أربعين يومًا، ثم يكون عَلَقَة مثل ذلك، ثم يكون مُضْغَة مثل ذلك، ثم
يبعث الله ملكا، ويؤمر بأربع كلمات، ويقال له، اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقيّ،
أو سعيد)). وهو في (الصحيحين)) وغيرهما، وما ورد في معناه من الأحاديث
الصحيحة .
وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتٌ﴾ [الرعد: ٣٩]. إن المعنى
يمحو ما يشاء، من الشرائع، والفرائض بنسخه، ويبدله، ويثبت ما يشاء، فلا ینسخه،
وجملة الناسخ والمنسوخ عنده في أم الكتاب.
ولا يخفى أن هذا تخصيص لعموم الآية لغير مخصّص، وأيضا: يقال لهم: إن القلم
قد جرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، كما في الأحاديث الصحيحة، ومن جملة ذلك
الشرائع، والفرائض، فهي مثل العمر، إذا جاز فيها المحو والإثبات جاز في العمر
المحو والإثبات.
وقيل: المراد محو ما في ديوان الحفظة مما ليس بحسنة، ولا سيئة؛ لأنه مأمورون
بكتب كل ما ينطق به الإنسان. ويجاب عنه بمثل الجواب الأول.
وقيل: يغفر الله ما يشاء من ذنوب عباده، ويترك ما يشاء، فلا يغفره. ويجاب عنه
بمثل الجواب السابق.
وقيل: يمحو ما يشاء من القرون، كقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوَأْ كُمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ﴾
[يس: ٣١]، وكقوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنَا ءَاخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٣١]، فيمحو قرنا،
ويثبت قرنا. ويجاب عنه بمثل ما تقدّم.
وقيل: هو الذي يعمل بطاعة الله ما يعمل، ثم يعمل بمعصيته، فيموت على
ضلالة، فهذا الذي يمحو الله، والذي يكتبه الرجل يعمل بمعصية الله، ثم يتوب،
فيمحو اللَّه من ديوان السيآت، ويثبته في ديوان الحسنات.
وقيل: يمحو ما يشاء يعني الدنيا، ويثبت الآخرة. وقيل: غير ذلك.
وكل هذه الأقوال دعاوي مجرّدة، ولا شكّ أن آية المحو والإثبات عامّة لكلّ ما
يشاؤه سبحانه، فلا يجوز تخصيصها إلا لمخصص، وإلا كان من التقوّل على الله بما لم
يقل، وقد توعّد الله سبحانه على ذلك، وقرنه بالشرك، فقال: ﴿قُلّ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبَِّ اٌلْفَوَحِشَ

٢٠٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزْ
مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُواْ بِلَّهِ مَا لَ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى
اَللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].
وأجابوا على قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِ كِنَبٍ﴾
[فاطر: ١١]. بأن المراد بالمعمّر طويل العمر، والمراد بالناقص قصير العمر.
وفي هذا نظر؛ لأن الضمير في قوله: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِةٍ﴾ يعود إلى قوله ﴿مِن
مُعَمَّرٍ﴾. والمعنى على هذا: وما يعمر من معمر، ولا ينقص من عمر ذلك المعمر إلا
في كتاب. هذا ظاهر معنى النظم القرآنيّ، وأما التأويل المذكور، فإنما يتمّ على إرجاع
الضمير المذكور إلى غير ما هو المرجع في الآية، وذلك لا وجود له في النظم.
وقيل: إن معنى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ﴾ ما يستقبله من عمر، ومعنى ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ
عُمُرِوٍ﴾ ما قد مضى. وهذا أيضًا خلاف الظاهر، وأن هذا ليس نقصا من نفس العمر،
والنقص يقابل الزيادة، وههنا جعله مقابلا للبقيّة من العمر، وليس ذلك بصحيح.
وقيل: المعنى ﴿وَمَا يُعَنَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ﴾ من بلغ من الهرم، ﴿وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ=﴾ من عمر
آخر غير الذي بلغ من الهرم. ويجاب عنه بما تقدّم. وقيل: المعمر من بلغ عمره ستين
سنة، والمنقوص من عمره من يموت قبل الستين. وقيل: غير ذلك، من التأويلات التي
يردّها اللفظ، ويدفعها.
وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَلَ أَجَلَّاً وَأَجَلٌ مُسَنَّى عِندٌَّ﴾ بأن المراد بالأجل الأول
الهرم، والثاني الوفاة. وقيل: الأول ما قد نقص من عمر كلّ أحد. والثاني ما بقي من
عمر كلّ أحد. وقيل: الأول أجل الموت، والثاني أجل الحياة في الآخرة. وقيل:
المراد بالأول ما بين خلق الإنسان إلى موته، والثاني ما بين موته إلى بعثه. وقيل: غير
ذلك، مما فيه مخالفة للنظم القرآنيّ.
وذهب جمع من أهل العلم إلى أن العمر يزيد، وينقص، واستدلوا بالآيات المتقدّمة،
فإن المحو والإثبات عامان، يتناولان العمر، والرزق، أو السعادة، والشقاوة، وغير
ذلك. وقد ثبت عن جماعة من السلف، من الصحابة ومن بعدهم أنهم كانوا يقولون في
أدعيتهم: اللَّهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة، فأثبتني فيهم، وإن كنت كتبتني في
أهل الشقاوة فامحني، وأثبتني في أهل السعادة. ولم يأت القائلون بمنع زيادة العمر
ونقصانه، ونحو ذلك بما يخصص هذا العموم، وهكذا تدلّ على هذا المعنى الآية
الثانية، فإن معناها أنه لا يطول عمر إنسان، ولا ينقص إلا وهو في كتابٍ، أي لوح
المحفوظ، وهكذا يدلّ قوله عز وجل: ﴿ثُمَّ قَضَوَ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمَّى عِندَمْ﴾ أن للإنسان
أجلين، يقضي الله عز وجل له بما يشاء منهما، من زيادة، أو نقص، ويدلّ على هذا

٢٠٩ =
١٢١ - نَوْعٌ آخرُ - حديث رقم ٢٠٨٩
أيضًا ما في (الصحيحين))، وغيرهما، عن جماعة من الصحابة، عن النبي وَلقر أن صلة
الرحم تزيد في العمر. وفي لفظ في ((الصحيحين)): ((من أحبّ أن يبسط له في رزقه،
وأن يُنسأ له في أثره، فليصل رحمه)). وفي لفظ: ((من أحبّ أن يمدّ اللَّه في عمره
وأجله، ويبسط له في رزقه، فليتق الله، وليصل رحمه)). وفي لفظ: ((صلة الرحم،
وحسن الخلق يعمّران الديار، ويزيدان من الأعمار)).
ومن أعظم الأدلة ما ورد في الكتاب العزيز من الأمر بالدعاء؛ لقوله عز وجل:
﴿أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾
[غافر: ٦٠]، وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوَءَ﴾ [النمل: ٦٢]
وقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾
[البقرة: ١٨٦]، وقوله: ﴿وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِةٍ﴾ [النساء: ٣٢]. والأحاديث
المشتملة على الأمر بالدعاء متواترة، وفيها: إن الدعاء يدفع البلاء، ويردّ القضاء،
وفيها: أن الدعاء هو العبادة، وفيها: الاستعاذة من سوء القضاء، كما ثبت عنه وَّ في
((الصحيح)) أنه قال: ((اللَّهم إني أعوذ بك من سوء القضاء))، كما ثبت عنه وَلّ أنه قال:
((وقني شرّ ما قضيت)).
فإذا كان الدعاء لا يفيد شيئًا، وأنه ليس للإنسان إلا ما قد سبق في القضاء الأزليّ،
لكان أمره عز وجل بالدعاء لغوًا، لا فائدة فيه، وكذلك وعده بالإجابة للعباد الداعين،
وهكذا تكون استعاذة النبيّ وَ ل ◌ّ لغوًا لا فائدة فيها، وهكذا يكون ما ثبت في الأحاديث
المتواترة المشتملة على الأمر بالدعاء، وأنه عبادة لغوًا، لا فائدة فيها، وهكذا يكون
قوله ◌َ الخير: ((وقني شرّ ما قضيت)) لغوًا، لا فائدة فيه، وهكذا يكون أمره وَالتّر بالتداوي،
وأن اللَّه عز وجل ما أنزل من داء، إلا وله دواء لغوًا لا فائدة فيه، مع ثبوت الأمر
بالتداوي في ((الصحيح)) عنه ێ .
فإن قلت: فعلى ما يحمل ما تقدّم من الآيات القاضية بأن الأجل لا يتقدم، ولا
يتأخّر، ومن ذلك قوله عز وجل: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَشْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾؟.
قلت: قد أجاب عن ذلك بعض السلف، وتبعه الخلف، بأن هذه الآية مختصّة
بالأجل إذا حضر، فإنه لا يتقدّم، ولا يتأخّر عند حضوره.
ويؤيد هذا أنها مقيدة بذلك، فإنه قال: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ﴾، ومثل هذا التقييد المذكور
في هذه الآية قوله عز وجل: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا﴾، وقوله عز وجل:
﴿إن أجل اللَّه إذا جاء لا يؤخر﴾، فقد أمكن الجمع بحمل هذه الآيات على هذا
المعنى، فإذا حضر الأجل لم يتقدّم، ولم يتأخّر، وفي غير هذه الحالة يجوز أن يؤخّره

٢١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزْ
الله بالدعاء، أو بصلة الرحم، أو بفعل الخير. ويجوز أن يقدم لمن عمل شرّا، أو قطع
ما أمر الله به أن يوصل، وانتهك محارم الله عز وجل.
فإن قلت: فعلى ما يحمل قوله تعالى: ﴿مَّ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِىَّ أَنْفُسِكُمْ
إِلَّا فِي كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَن تَّبْرَأَهَاً﴾ [الحديد: ٢٢]، وقوله: (قل لن يصيبنا إلا ما كتب
اللَّه لنا ( [التوبة: ٥١]، وكذلك معنى ما ورد في هذا المعنى؟
قلت: هذه أوّلاً معارضة بمثلها، مثل قوله عز وجل: ﴿وَمَا أَصَبَكُم مِّن قُصِيبَةٍ
فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، ومثل ذلك ما ثبت في الحديث
الصحيح القدسيّ: (يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن
وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومنّ إلا نفسه)).
وثانيًا: بإمكان الجمع بحمل مثل قوله: ﴿إِلَّا فِ كِتَبٍ مِن قَبْلِ أَنْ نَّبْرَأَهَاً﴾، وقوله
عز وجل: ﴿قُل لَّنْ يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ على عدم التسبب من العبد بأسباب
الخير من الدعاء، وسائر أفعال الخير، وحمل ما ورد فيما يخالف ذلك على وقوع
التسبب بأسباب الشرّ المقضية لأمان المكروه(١)، ووقوعه على العبد.
وهكذا يكون الجمع بين الأحاديث الواردة لسبق القضاء، وأنه فرغ من تقدير الأجل،
والرزق، والسعادة، والشقاة، وبين الأحاديث الواردة في صلة الرحم بأنها تزيد في
العمر، وكذلك سائر أعمال الخير، وكذلك الدعاء.
فتحمل أحاديث الفراغ من القضاء على عدم تسبب العبد بأسباب الخير والشرّ،
وتحمل الأحاديث الأخرى على أنه قد وقع من العبد التسبب بأسباب الخير، من الدعاء،
والعمل الصالح، وصلة الرحم، أو التسبب بأسباب الشرّ.
فإن قلت: قد تقرر بالأدلة من الكتاب بأن علمه عز وجل أزليّ، وأنه قد سبق في كلّ
شيء، ولا يصحّ أن يقدّر وقوع غير ما قد علمه، وإلا انقلب العلم جهلاً، وذلك لا
يجوز إجماعًا.
قلت: علمه عز وجل سابق أزليّ، وقد علم ما يكون قبل أن يكون، ولا خلاف بين
أهل الحقّ من هذه الحيثية، ولكنه غلا قوم، فأبطلوا فائدة ما ثبت في الكتاب والسنة من
الإرشاد إلى الدعاء، وأنه يردّ القضاء، وما ورد في الاستعاذة منه وقليل من سوء القضاء،
وما ورد من أنه يصاب العبد بذنبه، وبما كسبت يده، ونحو ذلك، مما جاءت به الأدلة
الصحيحة، وجعلوه مخالفا لسبق العلم، ورتبوا عليه أنه يلزم انقلاب العلم جهلاً،
(١)- هكذا العبارة ((لأسباب الشرّ المقضية الخ وفيها ركاكة، فليحرر.

٢١١ =
١٢١ - نَوْعٌ آخَرُ - حديث رقم ٢٠٨٩
والأمر أوسع من هذا، والذي جاءنا بسبق العلم، وأزليته هو الذي جاءنا بالأمر بالدعاء،
والأمر بالدواء، وعرَّفَنا بأن صلة الرحم، تزيد في العمر، وأن الأعمال الصالحة تزيد
أيضًا، وأن أعمال الشّ تمحقه، وأن العبد يصاب بذنبه، كما يصل إلى الخير، ويندفع
عنه الشرّ بكسب الخير، والتلبّس بأسبابه، فإعمال بعض ما ورد في الكتاب والسنّة،
وإهمال البعض الآخر، ليس كما ينبغي، فإن الكلّ ثابت عن الله عز وجل، وعن رسول
اللَّهِ وَله، والكلّ شريعة واضحة، وطريق مستقيمة، والجمع ممكن بما لا إهمال فيه
لشيء من الأدلّة.
وبيانه أن اللَّه تعالى كما علم أن العبد يكون له في العمر كذا، ومن الرزق كذا، وهو
من أهل السعادة، أو الشقاوة، قد علم أنه إذا وصل رحمه زاد له في الأجل كذا، وبسط
له من الرزق كذا، وصار في أهل السعادة بعد أن كان في أهل الشقاوة، أو صار في أهل
الشقاوة بعد أن كان في أهل السعادة، وهكذا قد علم ما ينقصه للعبد، كما علم أنه إذا
دعاه، واستغاث به، والتجأ إليه عنه الشرّ (١)، ودفع عنه المكروه، وليس في ذلك
خلف، ولا مخالفة لسبق العلم، بل فيه تقييد المسببات بأسبابها، كما قدّر الشبع والرّيّ
بالأكل والشرب، وقدّر الولد بالوطء، وقدر حصول الزرع بالبذر، فهل يقول عاقل بأن
ربط المسببات بأسبابها يقتضي خلاف العلم السابق، أو يُنافيه بوجه من الوجوه.
ولو قال قائل: أنا لا آكل، ولا أشرب، بل أنتظر القضاء، فإن قدر اللَّه ذلك كان،
وإن لم يقدّره لم يكن، أو قال: أنا لا أجامع زوجتي، أو أَمَتِي ليحصل منهما الذرية، بل
إن قدر اللَّه ذلك كان، وإن لم يقدره لم يكن، لكان هذا مخالفا لما عليه رسل الله، وما
جاءت به كتبه، وما كان عليه صلحاء الأمة، وعلماؤها، بل يكون مخالفًا لما عليه هذا
النوع الإنسانيّ، من أبينا آدم إلى الآن، بل يكون مخالفا لما عليه جميع الحيوانات في البرّ
والبحر، فكيف ينكر وصول العبد بدعائه، أو بعمله الصالح، فإن هذا من الأسباب التي
ربط اللَّه مسبباتها، وعلمها قبل أن تكون، فعلمه على كل تقدير أزليّ في المسببات على
حصول أسبابها. ولم يعد العاد(٢) من أمثال هذه الآيات القرآنية، وما ورد موردها من
الأحاديث النبوة.
وهل ينكر هؤلاء الغلاة مثل هذا، أو يجعلونه مخالفا لسبق العلم، مباينا لأزليته؟.
فإن قالوا: نعم، فقد أنكروا ما في كتاب الله عز وجل من فاتحته إلى خاتمته، وما في
السنة المطهرة من أولها إلى آخرها، بل أنكروا أحكام الدنيا والآخرة جميعًا؛ لأنها كلها
(١) هكذا النسخة، ولعله سقط منه شيء، والأصل (دفع عنه الشر إلخ)) والله تعالى أعلم.
(٢)- في العبارة ركاكة، فلیحرر.

٢١٢
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزْ
مسببات مترتبة على أسبابها، وجزاآت معلقة بشروطها، ومن بلغ إلى هذا في الغباوة،
وعدم تعقّل الحجة لم يستحقّ المناظرة، ولا ينبغي معه الكلام فيما يتعلّق بالدين، بل
ينبغي إلزامه بإهمال أسباب ما فيه صلاح معاشه، وأمر دنياه حتى يغشى عن غلفته،
ويستيقظ من نومته، ويرجع عن ضلالته وجهالته.
ثم يقال لهم: هذه الأدعية الثابتة عن رسول اللّه ◌َلير في دواوين الإسلام، وما يلحق
بها من كتب السنة المطهرة، قد علم كلّ من له علم أنها كثيرة جدًا، بحيث لا يحيط
بأكثرها إلا مؤلف بسيط، ومصنّف حافل، وفيها تارة استجلاب الخير، وفي أخرى
استدفاع الشرّ، وتارة متعلّقة بأمور الدنيا، وتارة بأمور الآخرة، ومن ذلك تعليمه وَل
لأمته ما يدعون به في صلاتهم، وعقب صلواتهم، وفي صباحهم، ومسائهم، وفي
ليلهم، ونهارهم، وعند نزول الشدائد، وعند حصول نعم اللَّه إليهم، هل كان هذا منه
وَل لفائدة عائدة عليه، وعلى أمته بالخير، جالبة لما فيه مصلحة، دافعة لما فيه مفسدة.
فإن قالوا: نعم، قلنا: فحينئذ لا خلاف بيننا وبينكم، فإن هذا الاعتراف يدفع عنا،
وعنكم مَعَرَّة الاختلاف، ويُريحنا من التطويل في الكلام على ما أوردتموه.
وإن قالوا: ليس ذلك لفائدة عائدة عليه، وعلى أمته بالخير، جالبة لما فيه مصلحة،
دافعة لما فيه مفسدة، فهم أجهل من دوائهم(١)، وليس للمحاجة لهم فائدة، ولا في
المناظرة معهم نفع.
يا عجباه كلّ العجب، أَمَا بلغهم ما كان عليه أمر رسول اللَّه وَ لِّ، وهو يعمل من أول
نبوّته إلى أن قبضه اللَّه إليه من الدعاء لربه، والإلحاح عليه، ورفع يديه عند الدعاء حتى
يبدو بياض إبطيه، وحتى يسقط رداؤه، كما وقع منه في يوم بدر، فهل يقول عاقل،
فضلا عن عالم: إن هذا الدعاء منه (٢) فعله رسول اللَّه وَلير، وهو يعلم أنه لا فائدة فيه،
ولا انتفاع به، ومعلوم أنه ◌َالقر أعلم بربه، وبقضائه وقدره، وبأزليته، وسبق علمه بما
يكون في بريته، فلو كان الدعاء منه، ومن أمته لا يفيد شيئًا، ولا ينفع نفعًا لم يفعله،
ولا أرشد الناس إليه، ولا أمرهم به، فإن ذلك نوع من العبث الذي ینزّه کل عاقل،
فضلاً عن خير البشر، وسيد ولد آدم عنه، لِمَ لَمْ يقل لهم: إذا كان القضاء واقعًا لا
محالة، فإنه لا يدفعه شيء من الدعاء، والالتجاء، والإلحاح، والاستغاثة؟ فكيف لم
يتأدب رسول اللَّه ◌َ ليل مع ربّه؟، فإنه قد صحّ عنه أنه استعاذ بالله عز وجل من سوء
القضاء، كما عرّفناك، وقال: ((وقني شرّ ما قضيت))، فكيف يقول هؤلاء الغلاة في
(١)- هكذا النسخة، ولعله ((من دوابهم)). فليحرّر.
(٢)- هكذا النسخة، ولعل الصواب إسقاط لفظة ((منه)).

٢١٣ =
١٢١ - نَوْعٌ آخَرُ - حديث رقم ٢٠٨٩
الجواب عن هذا؟ أو على أيّ محمل يحملونه.
ثم ليت شعري علا م يحملون أمره عز وجل لعباده بدعائه، بقوله: ﴿ادعوني
أستجب لكم﴾ ثم عقّب ذلك بقوله: ﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم
داخرين﴾ أي من دعائي، كما صرّح بذلك أكثر أئمة التفسير. فكيف أمر عباده أولاً، ثم
يجعل تركه استكبارًا منهم، ثم يُرغّبهم في الدعاء، ويخبرهم أنه قريب من الداعي،
مجيب لدعوته بقوله: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا
دعان﴾، ثم يقول معنونا لكلمه الكريم بحرف يدلّ على الاستفهام الإنكاريّ، والتقريع
والتوبيخ: ﴿أمن يجيب المضطرّ إذا دعاه ويكشف السوء﴾، ثم يأمرهم بسؤاله من فضله
بقوله: ﴿واسألوا الله من فضله﴾.
فإن قالوا: إن هذا الدعاء الذي أمرنا الله به، وأرشدنا إليه، وجعل تركه استكبارًا،
وتوعّد عليه بدخول النار مع الذّلّ، ورغّب عباده إلى دعائه، وعرّفهم أنه قريب، وأنه
يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وأنكر عليهم أن يعتقدوا أن غيره يجيب المضطرّ إذا دعاه،
ويكشف ما تنزل به من السوء، وأمرهم أن يسألوه وصله، ويطلبوا ما عنده من
الخيرات، كلّ ذلك لا فائدة فيه للعبد، وأنه لا ينال إلا ما قد جرى به القضاء، وسبق به
العلم، فقد نسبوا إلى الربّ عز وجل ما لا يجوز عليه،، ولا يحلّ نسبته إليه، فإنه لا
يأمر العبد إلا بما فيه فائدة يُعتدّ بها، ولا يرغبه بما لا يحصل به الخير، ولا يرهّبه إلا
عما يكون به عليه الضير، ولا يَعِده إلا ما هو حقّ يترتب عليه فائدة، فهو صادق الوعد،
ولا يُخلف الميعاد، ولا يأمرهم بسؤاله فضله، إلا وهناك فائدة تحصل بالدعاء، ويكون
لسببه الفضل عليهم، ورفع ما هم فيه من الضرّ، وكشف ما حلّ بهم من السوء، هذا
معلوم لا يشكّ فيه إلا من لم يعقل حُجَج اللَّه، ولا يفهم كلامه، ولا يدري بخير ولا
شرّ، ولا نفع ولا ضرّ، ومن بلغ به الجهل إلى هذه الغاية، فهو حقيق بأن لا يُخاطب،
وقَمِين بأن لا يناظَر، فإن هذا المسكين المتخبّط في جهله، المتقلب في ضلالته قد وقع
فيما هو أعظم خطرا من هذا، وأكثر ضررا منه.
وهكذا ما شرعه الله لعباده من الشرائع على لسان أنبيائه، وأنزل بها كتبه، يقال فيه
مثل هذا، فإنه إذا كان ما قد حصل في سابق علمه عز وجل كائنًا، سواء بعث اللَّه إلى
عباده رسله، وأنزل إليهم کتبه، أو لم يفعل، كان ذلك عبثًا يتعالى الربّ عز وجل عنه،
ويُنزّه عن أن ينسب إليه.
فإن قالوا: إن الله عز وجل قد سبق علمه بكلّ ذلك، ولكنه قيّده بقيود، وشرطه
بشروط، وعلّقه بأسباب، فعلم مثلاً أن الكافر يُسلم، ويدخل في الدين بعد دعائه إلى

٢١٤
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِز
الإسلام، أو مقاتلته على ذلك، وأن العباد يعمل منهم من يعمل بما يَعِدهم الله به بعد
بعثه رسله، وإنزال كتبه عليهم.
قلنا لهم: فعليكم أن تقولوا هكذا في الدعاء، وفي أعمال الخير، وفي صلة الرحم،
ولا نطلب منكم إلا هذا، ولا نريد غيره، وحينئذ قد دخلتم إلى الوفاق من طريق قريبة،
فعلام هذا الجدال الطويل العريض، واللجاج الكبير الكثير، فإنا نقول : إن الله عز
وجل قد علم في سابق علمه أن فلانًا يطول عمره إذا وصل رحمه، وأن فلانا يحصل له
من الخير كذا، أو يقع عنه من الشرّ كذا، إذا دعا ربّه، وأن هذه المسببات مترتبة على
حصول أسبابها، وهذه المشروطات مقيّدة بحصول شروطها، وحينئذ فارجعوا إلى ما
قدمنا ذكره من الجمع بين ما تقدم من الأدلّة، واستريحوا من التعب، فإنه لم يبق بيننا
وبينكم خلاف من هذه الحيثية.
وقد كان الصحابة، مثل عمر بن الخطاب، وعبدالله بن مسعود، وأبي وائل،
وعبدالله بن عمر الذين كانوا يدعون الله عز وجل بأن يجعلهم في أهل السعادة، إن
كانوا قد كتبوا من أهل الشقاوة كما قدمنا، وهم أعلم بالله عز وجل، وما يجب له،
ويجوز عليه. وقال كعب الأحبار حين طُعن عمر، وحضرته الوفاة: والله لو دعا عمر
أن يؤخّر أجله، لأخره، فقيل له: إن اللَّه عز وجل يقول: ﴿فَإِذَا جَّةَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخُرُونَ
سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ فقال: هذا إذا حضر الأجل، فأما قبل ذلك، فيجوز أن يزداد، وأن
ینقص.
ومن شكّ في شيء من هذا، فليطالع الكتب الصحيحة في أخبار الصالحين، كـ(احلية
أبي نعيم))، و((صفوة الصفوة)) لابن الجوزيّ، و((رسالة القشيريّ))، فإنه يجد من هذا
القبيل ما ينشرح له صدره، ويثلج(١) به قلبه.
بل كل إنسان إذا حقّق حال نفسه، ونظر في دعائه لربه عند عروض الشدائد، وإجابته
له، وتفريجه عنه يجد ما يغنيه عن البحث عن حال غيره، إذا كان من المعتبرين
المفكّرين، وهذا نبيّ اللّه عيسى ابن مريم عليهما السلام كان يحيي الموتى بإذن الله،
ويشفي المرضى بدعائه، وهذا معلوم حسبما أخبرنا اللَّه سبحانه في كتابه الكريم، وفي
الإنجيل من القصص المتضمنة لإحياء الموتى، وشفي المرضى بدعائه، ما يعرفه من
اطلع عليه .
وبالجملة فهؤلاء الغلاة الذين قالوا: إنه لا يقع من اللَّه إلا ما قد سبق به العلم، وإن
(١)-يقال: ثلجت النفس ثُلُوجًا، وثَلَجًا، من بابي قعد، وتَعِبَ: اطمأنّت. اهـ ((المصباح)).

٢١٥ ===
١٢١ - نَوْعٌ آخَرُ - حديث رقم ٢٠٨٩
ذلك لا يتحوّل، ولا يتبدل، ولا يؤثّر فيه دعاء، ولا عمل صالح، فقد خالفوا ما قدمنا
من آيات كتاب الله العزيز، ومن الأحاديث النبوية الصحيحة، من غير ملجيء إلى
ذلك، فقد أمكن الجمع على ما قدمناه، وهو متعيّن، وتقديم الجمع على الترجيح متفق
عليه، وهو الحقّ.
وقالوا: إن اللَّه لا يعلم بالجزئيات، إلا عند وقوعها تعالى عن ذلك، وهذا قول
باطل، يخالف كتاب الله، وسنة رسول اللَّه وَ له، وإجماع المسلمين، وقد تبرّأ من مقالة
معبد هذه، وأصحابه من أدركهم من الصحابة، منهم ابن عمر، كما ثبت ذلك في
((الصحيح))(١).
وقد غلط من نسب مقالتهم إلى المعتزلة، فإنه لم يقل بها أحد منهم قط، وكتبهم
مصرّحة بهذا، ناطقة به، ولا حاجة لنا إلى نقل مقالات الرجال، فقد قدمنا من أدلة
الكتاب والسنن، والجمع بينهما ما يكفي المنصف، ويُريحه من الأبحاث الطويلة
العريضة الواقعة في هذه المسائل، ومن الإلزامات التي ألزم بها بعض القائلين البعض
الآخر، ودين اللَّه سبحانه بين المفرّط والغالي، وفي هذا القدر كفاية لمن له هداية،
والله وليّ التوفيق. تمّت. انتهى الرسالة.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي حققه الإمام الشوكانيّ رحمه الله تعالى،
من أن الصواب قول من قال: إن العمر يزيد، وينقص، وتقدم عن شيخ الإسلام ابن
تيميّة رحمه الله تعالى قوله: إنه الصواب، هو الحقّ عندي؛ لموافقته لظواهر الكتاب
والسنن الصحيحة، كما سبق تقريره في كلام الشوكانيّ رحمه الله تعالى.
خاتمة: مما يدلّ على زيادة العمر ونقصه، ويؤيّد القول الراجح الذي ذكرناه: ما
أخرجه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في «جامعه»، وصححه - وهو كما قال- فقال:
٣٠٧٦- حدثنا عبد بن حميد، حدثنا أبو نعيم، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن
أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه وَلتر: ((لما خلق الله آدم،
مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة، هو خالقها من ذريته، إلى يوم القيامة، وجعل
بين عيني كل إنسان منهم وَبِيصا من نور، ثم عرضهم على آدم، فقال: أي رب من
هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلا منهم، فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: أي
رب من هذا؟ فقال: هذا رجل من آخر الأمم، من ذريتك، يقال له: داود، فقال: رب
كم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة، قال: أي رب، زده من عمري أربعين سنة، فلما
(١)-أي ((صحيح مسلم)) في ((كتاب الإيمان)) ٣٦/١-٣٧.
-

٢١٦
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
قضي عمر آدم، جاءه ملك الموت، فقال: أولم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أولم
تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد آدم، فجحدت ذريته، ونسي آدم، فنسيت ذريته، وخَطِئ
آدم، فخطئت ذریته)).
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقد روي من غير وجه، عن أبي هريرة،
عن النبي ◌َلتر.
وقال أيضًا:
٣٣٦٨- حدثنا محمد بن بشار، حدثنا صفوان بن عيسى، حدثنا الحارث بن عبد
الرحمن بن أبي ذباب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال
رسول اللَّه وَّله: ((لما خلق الله آدم، ونفخ فيه الروح عطس، فقال: الحمد لله، فحمد
الله بإذنه، فقال له ربه: يرحمك الله يا آدم، اذهب إلى أولئك الملائكة، إلى ملأ منهم،
جُلُوس، فقل: السلام عليكم، قالوا: وعليك السلام ورحمة الله، ثم رجع إلى ربه،
فقال: إن هذه تحيتك، وتحية بَنِيك بينهم، فقال الله له، ويداه مقبوضتان: اختر أيهما
شئت، قال: اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة، ثم بسطها، فإذا فيها آدم
وذريته، فقال: أي رب ما هؤلاء؟ فقال: هؤلاء ذريتك، فإذا كل إنسان، مكتوب عمره
بين عينيه، فإذا فيهم، رجل أضوؤهم))، أو ((من أضوئهم، قال: يا رب من هذا؟ قال:
هذا ابنك داود، قد كتبت له عمر أربعين سنة، قال: يا رب زده في عمره، قال: ذاك
الذي كتبت له، قال: أي رب، فإني قد جعلت له من عمري ستين سنة، قال: أنت
وذاك، قال: ثم أسكن الجنة ما شاء اللّه، ثم أهبط منها، فكان آدم يعد لنفسه، قال:
فأتاه ملك الموت، فقال له آدم: قد عجلت، قد كُتب لي ألفُ سنة، قال: بلى، ولكنك
جعلت لابنك داود ستين سنة، فجحد، فجحدت ذريته، ونسي فنسيت ذريته، قال:
فمن يومئذ أمر بالكتاب والشهود)).
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، غریب من هذا الوجه، وقد روي من غير وجه،
عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ، من رواية زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة،
عن النبي وَّه. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)» .

٢١٧
٢٢ - (كِتَابُ الصِّيَام)
٢٢- (كِتَابُ الصِّيَامِ(١) )
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قدم المصنف رحمه تعالى ((كتاب الصيام)) على
الزكاة؛ نظرًا لكونه عبادة بدنيّة، فناسب أن يتلو ((كتاب الصلاة))، ولأنه في حديث طلحة
ابن عبيداللّه تَّ المذكور في الباب ذُكِر بعد الصلاة، وقبل الزكاة، ثم أتبعه ((كتاب
الزكاة))، لكونها عبادة مالية محضة، ثم ختمه ((بكتاب الحجّ)) لكونه مركبا منهما.
وخالف هذا الترتيب في ((الكبرى)) فذكر الزكاة بعد الصلاة، ثم الصوم، ثم
المناسك، لكنه أدخل بين الصوم والمناسك ((كتاب المحاربين)). والله تعالى أعلم.
وقال السندي رحمه الله تعالى في ((شرحه)): ما نصّه: المشهور بينهم تقديم الزكاة على
الصوم، وذكرها في جنب الصلاة، والواقع في كثير من نسخ النسائيّ تقديم الصوم، فمن
قدّم، فقد راعى قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الضََّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةٌ﴾ [البقرة: ١١٠] ، ومن قدّم
الصوم فلعله راعى أول حديث في الباب، ففيه تقديم الصوم على الزكاة، وذكره في جنب
الصوم، ومع ذلك لا يخلو عن مناسبة معنويّة، من حيث إن كلّا من الصلاة والصوم عبادة
بدنيّة؛ بخلاف الزكاة، فإنها عبادة مالية. والله تعالى أعلم انتهى (٢).
و((الصيام)) مصدر ((صام))، كـ((الصوم))، يقال: صام يصُوم صَوْمًا، وصِيامًا. قيل: هو
مطلق الإمساك في اللغة، ثم استُعمل في الشرع في إمساك مخصوص. وقال أبو عبيدة:
كل مُمسِك عن طعام، أو كلام، أو سير، فهو صائم، قال النابغة الذُّنْيانيّ [من البسيط]:
خَبْلْ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ تَحْتَ الْعَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا (٣)
يعني بالصائمة الممسكة عن السير. قاله ابن فارس. وقيل: الممسكة عن
الاعتلاف، أي القائمة على غير عَلَف، وقيل: الممسكة عن الصَّهِيل. ورجل صائم،
وصَوَّامٌ -بالفتح - مبالغة، وقوم صُوَّامٌ، وصُيَّمٌ، وَصَوْمٌ على لفظ الواحد، وصِيَامٍ.
انتهى من ((المصباح)) بزيادة من غيره.
وقال في ((التهذيب)): الصوم في اللغة: الإمساك عن الشيء، والترك له، وقيل
للصائم: صائم؛ لإمساكه عن الْمَطعَم، والْمَشْرَب، والْمَنكَح. وقيل: للصامت صائم؛
الإمساكه عن الكلام، وقيل للفرس: صائم؛ لإمساكه عن العَلَف مع قيامه.
(١) -وفي نسخة: ((الصوم)).
(٢) - ((شرح السنديّ)) ج٤ ص ١٢٠- ١٢١ .
(٣) (تَعلُكُ)) كتنصُرُ: أي تأكل. و((اللُّجُمَا)) جمع لجام.

٢١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
وقال في ((الفتح)»: والصوم، والصيام في اللغة: الإمساك، وفي الشرع: إمساك
مخصوص، في زمن مخصوص، عن شيء مخصوص، بشرائط مخصوصة. انتهى. وقال
النووي: إمساك مخصوص، في زمن مخصوص، من شخص مخصوص بشرطه انتهى.
وقال الراغب الأصفهاني: الصوم في الأصل: الإمساك عن الفعل، مَطعمًا كان، أو
كلامًا، أو مشيًا؛ ولذلك قيل للفرس الممسك عن السير، أو العلف: صائم. وقيل
للريح الراكدة: صوم، ولاستواء النهار: صوم؛ تصوّرًا لوقوف الشمس في كبد السماء،
ولذلك قيل: قام قائم الظهيرة، ومَصَامُ الفرس، ومَصَامَتُهُ: موقفه. والصوم في الشرع:
إمساك المكلّف بالنيّة من الخيط الأبيض، إلى الخيط الأسود عن تناول الأطيبين،
والاستمناء، والاستقاء انتهى (١).
قال الطيبيّ: فهو وصف سلبيّ، وإطلاق العمل عليه تجوّز. وقيل: هو إمساك عن
المفطرات حقيقةً، أو حكمًا، في وقت مخصوص، من شخص مخصوص مع النيّة.
وقال الأمير الصنعانيّ: الصوم في الشرع إمساك مخصوص، وهو الإمساك عن الأكل
والشرب، والجماع، وغيرهما، مما ورد به الشرع، في النهار، على الوجه المشروع،
ويتبع ذلك الإمساك عن اللغو، والرفث، وغيرهما، من الكلام المحرّم، والمكروه؛
لورود الأحاديث بالنهي عنها في الصوم، زيادة على غيره، في وقت مخصوص،
بشروط مخصوصة، تفضّلها الأحاديث انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذه التعاريف كلها متقاربة المعنى، وأخصرها، أنه
إمساك مخصوص، من شخص مخصوص، في زمن مخصوص، عن شيء مخصوص
بشرائطه. والله تعالى أعلم بالصواب.
١- (بَابُ وُجُوبِ الصِّيَام )
أي هذا باب في ذكر الأحاديث الدّالّة على فرضية الصوم، فالوجوب هنا معناه:
الفرض، والحنفية، وإن خالفوا الجمهور، ففرقوا بينهما في بعض المواضع، فقالوا:
الفرض ما ثبت بدليل قطعيّ، والواجب ما ثبت بدليل ظنّيّ، إلا أنهم لا يخالفون هنا، فتنبه.
[تنبيهات] :
(الأول): قال أبو محمد ابن قدامة رحمه الله تعال: وجوب صوم رمضان بالكتاب،
والسنة، والإجماع؛ أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ
(١) - ((مفردات ألفاظ القرآن)) ص ٥٠٠ .

٢١٩
١- (بَابُ وُجُوب الصِّيام ) - حديث رقم ٢٠٩٠
كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمَّةٌ﴾ [البقرة:
١٨٣ - ١٨٥]. وأما السنة فقول النبي وَلقر: ((بني الإسلام على خمس ... )) الحديث،
وذكر منها صوم رمضان. متفق عليه. وعن طلحة بن عبيدالله أن أعرابيّا جاء إلى النبي
وَّ ثائر الرأس، فقال: يا رسول الله أخبرني ماذا فرض الله علي من الصيام؟ قال:
(شهر رمضان))، قال: هل علي غيره؟ قال: ((لا إلا أن تطوع شيئًا ... )) الحديث متفق
عليه. وأجمع المسلمون على وجوب صيام شهر رمضان. انتهى كلام ابن قدامة باختصار
((المغني)) جـ٤ ص٣٢٣ - ٣٢٤.
(الثاني): فُرِضَ صوم رمضان في السنة الثانية من الهجرة، يوم الاثنين، لليلتين خلتا
من شعبان(١)، وهو ثابت بالكتاب والسنة، والإجماع، فمن جحد فرضيته، فقد كفر.
(الثالث): حكمة مشروعية الصوم كونه موجبًا لسكون النفس، وكسر سَوْرتها في
الفضول المتعلّقة بجميع الجوارح، من العين، واللسان، والأذن، والفرج، فبالصوم
تضعف حركتها في محسوساتها، وكونه موجبًا للرحمة والعطف على المساكين، فإن
الإنسان إذا ذاق ألم الجوع في وقت، تذكّر حال المساكين في سائر الأوقات، فيسارع
إلى الإحسان إليهم لدفع ألم الجوع عنهم، فينال بذلك حسن الجزاء من اللَّه تعالى.
قال الزرقاني رحمه الله تعالى: شُرع الصيام لفوائد، أعظمها كسر النفس، وقهر
الشيطان، فالشبع نهر في النفس يرده الشيطان، والجوع نهر في الروح ترده الملائكة.
ومنها: أن الغنيّ يعرف قدر نعمة اللّه عليه بإقداره على ما منع منه كثيرًا من الفقراء، من
فضول الطعام، والشراب، والنكاح، فإنه بامتناعه من ذلك في وقت مخصوص، وحصول
المشقّة له بذلك يتذكر به من مُنِع ذلك على الإطلاق، فيوجب ذلك شكر نعمة الله عليه
بالغنى، ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج، ومواساته بما يمكن من ذلك انتهى (٢).
(الرابع): نُقِل عن بعض الصوفيّة أن آدم لما تاب من أكل الشجرة تأخر قبول توبته لما بقي
في جسده من تلك الأكلة ثلاثين يومًا، فلما صفا جسده منها تيب عليه، ففرض على ذرّيّته
(١) -نظم الأجهوريّ رحمه الله تعالى الاختلاف في أشهر الصوم التامّة والناقصة في حياته وَّ، فقال:
وَفُرِضَ الصِّيَامُ ثَانِي الْهِجْرَةِ فَصَامَ تِسْعَةً نَبِيُّ الرَّحْمَةِ
زَادَ عَلَى ذَا بِالْكَمَالِ اتَّسَمًا
فَأَرْبَعْا تِسْعًا وِعِشْرِينَ وَمَا
مَا صَامَ كَامِلاً سِوَى شَهْرِ اعْلَمِ
كَذَا لِيَغْضِهِمْ وَقَالَ الْهَيْتَمِي
وَنَاقِصٌ سِوَاهُ خَذْ بَيَانِي
وِلِلدَّمِيرِي أَنَّهُ شَهْرَانِ
ذكره الطحطاويّ في حاشية ((مراقي الفلاح)) من كتب الحنفية ص ٤٣٠ .
(٢) - ((شرح الزرقاني على الموطإ)) ج٢ ص ١٥٢ - ١٥٣.

٢٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
صيام ثلاثين يومًا. انتهى. وهذا مما لا دليل عليه، فقد قال الحافظ رحمه الله تعالى رحمه
الله تعالى بعد ذكره: هذا يحتاج إلى ثبوت السند فيه إلى من يُقبل قوله في ذلك، وهيهات
وجدان ذلك انتهى. (١) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
٢٠٩٠ - أَخْبَرَنَا (٢) عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرِ - قَالَ: حَدَّثَنَا
أَبُو سُهَيْلِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا، جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَِ، ثَائِرَ
الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ؟ قَالَ: ((الصَّلَوَاتُ
الْخَمَسُ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا، قَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَّامِ؟ قَالَ: صِيَامُ شَهْرٍ
رَمَضَانَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا)»، قَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولٌ
اللَّهِوَلَّ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ، لَا أَتَطَّوَّعُ شَيْئًا، ولَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ
عَلَيَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ: ((أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ))، أَوْ ((دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ)) ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عليّ بن حُجْر) السعديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/١٣.
٢- (إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارىء المدني،
ثقة ثبت [٨] ١٦ / ١٧ .
٣- (أبو سُهيل) نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ التيميّ، أبو سُهيل المدنّ، ثقة
[٤] ٤/ ٤٥٨ .
[تنبيه]: وقع في نسخة ((أبو سهل)) مكبّرًا، وهو تصحيف فاحش، فتنبّه.
٤- (أبوه) مالك بن أبي عامر الأصبحيّ -وهو جدّ الإمام مالك بن أنس- ثقة [٢]
٤٥٨/٤ .
٥- (طلحة بن عبيدالله) بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة التيميّ،
أبو محمد المدني، أحد العشرة الصحابيّ المشهور، استشهد يوم الجمل سنة (٣٦) وهو
ابن (٦٣) وتقدّم في ٤٥٨/٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أنه مسلسل بالمدنیین،
غير شيخه، فمروزيّ، (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن حَلِيفه، فإن مالك بن
أبي عامر حليف لطلحة بن عبيدالله، كما بينه الحافظ في ((الفتح)) (٣). ومنها: أن طلحة
(١) - انظر المصدر السابق ج٢ ص ١٥٣ .
(٢) - وفي نسخة (حدثنا)).
(٣) - ((فتح)) ج١ ص ١٤٧ .