Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
١٠٤ - التَّغْلِيظُ فِي الَّذِ السُّرُج عَلَى القُبُورِ - حديث رقم ٢٠٤٣
٢- (عبد الوارث بن سعيد) البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٦/٦.
٣- (محمد بن جُحَادة) -بضم الجيم، وتخفيف الحاء المهملة- الكوفيّ ثقة [٥]
١٧٣٦/٤٨ .
٤ - (أبو صالح) باذام - بالذال المعجمة، ويقال: آخره نون- مولى أم هانىء بنت أبي
طالب، ضعيف، مدلّس [٣] .
قال ابن المدينيّ، عن القطان: لم أر أحدًا من أصحابنا تركه، وما سمعت أحدًا من
الناس يقول فيه شيئًا. وقال أحمد: كان ابن مهديّ ترك حديث أبي صالح. وقال ابن
أبي خيثمة، عن ابن معين: ليس به بأس، وإذا روى عنه الكلبيّ، فليس بشيء. وقال
أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وقال النسائيّ: ليس بثقة. وقال ابن عديّ:
عامّة ما يرويه تفسير، وما أقلّ ما له من المسند، وفي ذلك التفسير ما لم يُتابعه عليه أهل
التفسير، ولم أعلم أحدًا من المتقدّمین رضیه.
وقال زكريا بن أبي زائدة: كان الشعبيّ يمرّ بأبي صالح، فيأخذ بأذنه، فَيَهُزُّها،
ويقول: ويلك، تفسّر القرآن، وأنت لا تحفظ القرآن. وقال ابن المدينيّ، عن القطان،
عن الثوريّ، قال الكلبيّ: قال لي أبو صالح: كلّ ما حدثتك كذب. وقال العقيليّ: قال
مغيرة: إنما كان أبو صالح يُعلّم الصبيان، وكان يضعّف تفسيره، وقال: كتب أصابها .
ولما قال عبدالحقّ في ((الأحكام)): إن أبا صالح ضعيف جدًّا، أنكر عليه ذلك ابن
القطان في كتابه، وقد قال الجوزقانيّ: إنه متروك. ونقل ابن الجوزيّ، عن الأزديّ أنه
قال: كذّاب. وقال الجوزجانيّ: كان يقال له: دروعْ زَنْ(١)، غير محمود. وقال أبو
أحمد الحاكم: ليس بالقويّ عندهم. وقال ابن حبان: يحدث عن ابن عباس، ولم
يسمع منه. ووثقه العجليّ وحده. روى له الأربعة.
٥- (ابن عباس) عبدالله رضي الله تعالى عنهما ٣١/٢٧. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ،
عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أحد المكثرين السبعة،
وأحد العبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: ((لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّهِ زَائِرَاتٍ
(١)-كلمة فارسية تعني: كذاب انظر المعجم الذبي ص ٢٦٤، وقد اضطربت المصادر في رسم
الكلمة. اهـ من هامش ((تت)) ج١ ص٢١١.

٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
الْقُبُورِ) تقدم الكلام عليه (وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ) أي الذين يبنون المساجد على
القبور، وهذا يشمل البناء عليها، أو حولها، أو بينها، وما قاله السنديّ، مما حاصله:
أن المراد من اتخاذ المساجد عليها أن يجعلها قبلة يسجد إليها كالوثن، وأما من اتخذ
مسجدًا في جوار صالح، أو صلى في مقبرة من غير قصد التوجّه نحوه، فلا حرج فيه.
فكلام باطل، فإن اليهود، والنصارى الذين أخبر رسول اللَّه وَ لهبلعنهم بقوله: ((لعن الله
اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) ما أَتُوا في أول أمرهم إلا من هذا
الباب، فإنهم كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح، بنوا عليه مسجدًا، وصوروا صورة
ذلك الرجل، ليتذكروا عبادته، وصلاحه، ثم بعد فترة عبدوا تلك الصور.
فمن يشاهد اليوم ما وقع في العالم الإسلاميّ من تعظيم القبور، واتخاذ الأولياء أربابا
من دون الله تعالی، بالتوجّه إلیهم بالنداء، وطلب الحوائج منهم، وجلب النذور إلیھم،
لرأى العجب العجاب، مما يبكي له من له غيرة على الدين، فلا حول، ولا قوّة إلا
بالله، وأشدّ من ذلك سكوت أهل العلم عن هذا المنكر الفظيع، بل ربما استحسن
بعضهم للعوام فعلهم ذلك، وشكر سعيهم فإنا لله، وإنا إليه راجعون.
وقد تقدّم تمام البحث في ذلك في ((كتاب المساجد))، باب ((النهي عن اتخاذ القبور
مساجد)) - ٧٠٣/١٣ - فراجعه تستفد (وَالسُّرُجَ))) بضمتين: جمع سراج، كما تقدّم ضبطه
في أول الباب. وإنما لُعِن من اتخذها؛ لأنه فيه تضييعًا للمال بلا نفع، ويشبه تعظيم
القبور، كاتخاذها مساجد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما هذا ضعيف،
من أجل أبي صالح باذام، كما تقدم الكلام عليه قريبًا .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١٠٤/ ٢٠٤٣ - وفي («الكبرى»- ٢١٧٠/١٠٤. وأخرجه (د) ٣٢٣٦
(ت) ٣٢٠ (ق)١٥٧٥ (أحمد)٢٠٣١ و٢٥٩٨ و٢٩٧٧ و٣١٠٨. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .

٦٣
١٠٥ - التَّشْدِيدُ فِي الْجُلُوُسِ عَلَى الْقُبُورِ - حديث رقم ٢٠٤٤
١٠٥ - التَّشْدِيدُ فِي الْجُلُوسِ عَلَى
الْقُبُورِ
٢٠٤٤- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ وَكِيعِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سُهَيْلِ،
عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَسِهِ: ((لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى ◌ْرَةٍ،
حَتَّى تُحْرِقَ ثِيَابَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن عبدالله بن المبارك) الْمُخَرّميّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقة حافظ [١١]
٥٠/٤٣ .
٢- (وكيع) بن الجرّاح بن مَلِيح، أبو سفيان الرُّؤَاسيّ الكوفيّ الحافظ الثبت [٩]
٢٥/٢٣ .
٣- (سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام المشهور تقدم قريبًا.
٤- (سُهيل) بن أبي صالح المدنيّ، صدوق تغير بآخره [٦] ٨٢٠/٣٢.
٥- (أبو صالح) ذكوان السمّان المدني، ثقة ثبت [٣] ٤٠/٣٦.
٦- (أبو هريرة) رضي اللَّه تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى سفيان، ومن بعده مدنيون.
(ومنها): أن فيه أبا هريرة رَّهِ رَأْسَ المكثرين من الرواية. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَزِّي، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِ: ((لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ) بفتح
اللام، وهي لام الابتداء، والمصدر المؤول بعدها مبتدأ، وخبره قوله: ((خير)) (عَلَى
جَمْرَةٍ) .- بفتح، فسكون -: القطعة الملتهبة من النار، والجمع جَمْر، مثلُ تمرة وتمر
(حَتَّى تُحرِقَ) من الإحراق، يقال: أحرقتْهُ النارُ، إحراقًا، ويتعدى بالحرف، فيقال:
أحترقته بالنار، فهو مُحرَقٌ، وحَرِيق. قاله في ((المصباح))، والضمير للجمرة (ثِيَّابَهُ)
بالنصب على المفعوليّة زاد في رواية مسلم: ((فتخلُص إلى جلده)). و((تخلص)) بضم
اللام: أي تصل. قال الطيبيّ رحمه الله تعالى: جعل الجلوس على القبر، وسِرَاية

٦٤
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزْ
مضرّته إلى قلبه، وهو لا يشعُر بمنزلة سراية النار من الثوب إلى الجلد انتهى (خَيْرٌ لَهُ)
أي أحسن، وأهون عليه (مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرِ))) فيه أنه لا يجوز الجلوس على القبر
مطلقًا، وأن المراد الجلوس على حقيقته، وليس كناية عن البول والغائط، كما قيل.
وإلى التحريم ذهب الجمهور، قال النوويّ رحمه اللّه تعالى: في هذا الحديث تحريم
القعود، والمراد الجلوس عليه، هذا مذهب الشافعيّ، وجمهور العلماء رحمهم الله
تعالى، وقال أيضًا: والقعود عليه حرام، وكذا الاستناد إليه، والاتكاء عليه انتهى (١).
وأما ما رواه الطحاويّ من طريق محمد بن كعب، عن أبي هريرة تَّه ، مرفوعًا:
((من جلس على قبر، يبول عليه، أو يتغوّط، فكأنما جلس على جمر))، فإسناده ضعيف.
وما روي أنّ ابن عمر رضيها كان يجلس على القبر يحمل على أنه لم يبلغه النهي(٢).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ◌َّ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٠٤٤/١٠٥ - وفي ((الكبرى))٢١٧١/١٠٥. وأخرجه (م)٢٢٤٥
و٢٢٤٦ (د)٣٢٢٨ (ق) ١٥٦٦ (أحمد) ٨٠٤٦ و٨٨١١ و٩٤٣٩ و١٠٤٥١ . والله تعالى
أعلم.
المسألة الثالثة: في أقوال أهل العلم في حكم الجلوس على القبر:
قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ رحمه اللّه تعالى: الآثار مروية من طرق عن النبيّ
وَالي أنه نهى عن القعود على القبور، من حديث عقبة بن عامر، وجابر، وأبي هريرة،
وغيرهم، ومن الرواة من يوقف حديث عقبة، وحديث أبي هريرة، ويجعله من
حديثهما. وأما حديث جابر، فذكر عبد الرزاق، قال: حدثنا ابن جريج، قال: أخبرنا
ابن الزبير أنه سمع جابر بن عبدالله يقول: سمعت رسول اللَّه ◌َلهينهى أن يقعد الرجل
على القبر، ويُقصّص، أو یبنی علیه. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص،
عن ابن جريج، عن جابر، قال: نهى رسول اللّه وَله أن يُقعَد عليها. يعني القبور. وعن
ابن مسعود رَّ : لأن أطأ على جمرة حتى تُطفأ أحب إليّ من أقعد على قبر. وعن أبي
بكرة مثله سواءً. وعن أبي هريرة، قال: لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتُحرق رداءه،
(١)- ((شرح مسلم)) ج٧ ص٤١ ((كتاب الجنائز)).
(٢)- راجع ((المرعاة)) ج٥ ص٤٣٤ .

١٠٥- التشْدِیدُ فِي الجلوس على القُبُورِ - حديث رقم ٢٠٤٤
٦٥ =
ثم قميصه، ثم إزاره، حتى تخلُص إلى جلده أحبّ إليّ من أن يجلس على قبر.
وروى الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، أن أبا الخير حدثه أن عقبة بن عامر
قال: لأن أطأ على جمرة، أو على حدّ سيف حتى يخطف رجلي أحبّ إليّ من أن أمشي
على مسلم، وما أبالي في القبور قضيت حاجتي، أو في السوق، والناس ينظرون. وقال
مالك رحمه اللّه تعالى: وإنما نهي عن القعود على القبور، فيما نُرى للمذاهب، يريد
حاجة الإنسان. وحجته أن علي بن أبي طالب كان يتوسّد القبور، ويضطجع عليها.
وروى أبو أمامة بن سهل بن حُنيف أن زيد بن ثابت تَظ ◌ّه قال له: هلمّ يا ابن أخي إنما
نَهَى رسولُ الله ◌ِ لّهِ عن الجلوس على القبر لحدثٍ بولٍ، أو غائط. انتهى كلام أبي عمر
رحمه الله تعالى، بتصرّف، واختصار(١).
وقال النووي رحمه الله تعالى: المراد بالجلوس القعود عند الجمهور، وقال مالك:
المراد بالقعود الحدث. وهو تأويل ضعيف، أو باطل انتهى.
قال في ((الفتح)): وهو يوهم انفراد مالك بذلك، وكذا أوهمه كلام ابن الجوزيّ،
حيث قال: جمهور الفقهاء على الكراهة، خلافًا لمالك. وصرّح النوويّ في ((شرح
المهذّب)) بأن مذهب أبي حنيفة كالجمهور، وليس كذلك، بل مذهب أبي حنيفة،
وأصحابه كقول مالك، كما نقله عنهم الطحاويّ، واحتجّ له بما أخرجه من طريق بكير
ابن عبدالله بن الأشجّ، أن نافعًا حدثه: أن عبدالله بن عمر تَطفيها كان يجلس على
القبور. وأخرج عن عليّ نحوه. وعن زيد بن ثابت، مرفوعًا: ((إنما نهى النبيّ بَّ عن
الجلوس على القبور لحدث غائط، أو بول)). ورجال إسناده ثقات.
ويؤيّد قول الجمهور ما أخرجه أحمد، من حديث عمرو بن حزم الأنصاريّ،
مرفوعًا: ((لا تقعدوا على القبور))، وفي رواية له، عنه: ((رآني رسول اللّه وَلته وأنا
متكئ على قبر، فقال: ((لا تؤذ صاحب القبر)). وإسناده صحيح(٢). وهو دالّ على أن
المراد بالجلوس القعود على حقيقته. ورد ابن حزم التأويل المتقدّم بأن لفظ حديث أبي
هريرة رَظُّه: ((لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتُحرق ثيابه، فتخلُص إلى جلده ... ))،
قال: وما عهدنا أحدًا يقعد على ثيابه للغائط، فدلّ على أن المراد القعود على حقيقته.
وقال ابن بطّال: التأويل المذكور بعيد؛ لأن الحدث على القبر أقبح من أن يُكرّه، وإنما
(١)- ((الاستذكار)) ج٨ ص٣٠٦-٣٠٨.
(٢)- ليس كما قال، بل في إسناد الحديث الأول النضر بن عبدالله السلمي، وهو مجهول، وفي إسناد
الثاني عبدالله بن لهيعة، والكلام فيه معروف. لكن متن الحديث صحيح بشواهده، كما سيأتي،
إن شاء الله تعالى.

٦٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
يُكره الجلوس المتعارف انتهى ما في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور من تحريم الجلوس
على القبور هو الصواب، للأحاديث الصحاح التي تقدّمت. وأما ما احتجّ به الذين قالوا
إن المراد بالجلوس قضاء الحاجة عليها، كما نُقل عن مالك، وغيره، من الآثار التي
رويت عن عليّ، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة ، فالجواب عنها، أن
نقول: أما أثر عليّ رَّ فضعيف، لأن في سنده مولى لآل علي ◌َّه ، ولم يسمّ،
وأما أثر ابن عمر رَّتًا، وإن كان صحيحًا، فلا يعارض الثابت عن رسول اللّه وَلّل، بل
يحمل على أنه لم يبلغه النهي. وأما أثر زيد بن ثابت تَمّه، وإن كان صحيحا، فلا
يعارض الأحاديث الصحاح الصريحة بالنهي عن الجلوس، بل هو حديث آخر، سمعه
زيد عن النبي وَلله ينهى عن الجلوس لقضاء الحاجة، كما سمعه الآخرون ينهى عن
مطلق الجلوس، فهذا هو وجه العمل بالحديثين، وإن سلكنا مسلك الترجيح،
فالأحاديث الأخرى ترجّح عليه، لكونها أقوى منه، فقد أخرجها مسلم في «صحيحه))،
من حديث أبي هريرة ◌َّيه، ومن حديث أبي مَرْتَد الغنويّ رَّه ، وصح أيضا من
حديث جابر تَظّيه، وورد أيضا من حديث عمرو بن حزم تظنّه ، وهو الحديث الآتي
للمصنف بعد هذا، فهذه الأحاديث أرجح من حديث زيد بن ثابت تنظيمه ، وأقوى،
فترجّح عليه، لكن الجمع أولى، كما أسلفناه آنفًا. وأما أثر أبي هريرة رَمثله فضعيف،
لأن في سنده محمد بن أبي حميد الأنصاري الزرقي المدنيّ، لقبه حماد، ضعيف،
فالصحيح من حديث أبي هريرة تَظّه المرفوع، وهو النهي عن الجلوس.
فتبيّن بهذا أن الصواب هو ما عليه الجمهور من المنع عن الجلوس على القبور
مطلقًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل .
٢٠٤٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ،
قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ أَبِي بَكُرِ بْنِ حَزْم، عَنِ النَّضْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
السَّلَمِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْم، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِ، قَالَّ: ((لَا تَقْعُذُوا عَلَى الْقُبُورِ)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية :
١- (محمد بن عبدالله بن عبد الحكم) المصريّ الفقيه، ثقة [١١] ١٦٦/١٢٠.
٢- (شعيب) بن الليث الفَهميّ، أبو عبدالملك المصريّ، ثقة فقيه نبيل، من كبار
(١)-((فتح)) ج٣ ص٥٨٩ - ٥٩٠. ((كتاب الجنائز)).

٦٧
١٠٥ - التَّشْدِيدُ فِي الْجُلُوُسِ عَلَى الْقُبُورِ - حديث رقم ٢٠٤٥
[١٠] ١٦٦/١٢٠ .
٣- (الليث) بن سعد الفهميّ، أبو الحارث المصريّ الإمام الفقيه الثبت الحجة [٧]
٣٥/٣١ .
٤- (خالد) بن يزيد الْجُمَحيّ، أبو عبدالرحيم المصريّ، ثقة فقيه [٦] ٦٨٦/٤١.
٥- (ابن أبي هلال) هو سعيد بن أبي هلال الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ،
صدوق [٦] ٤١ / ٦٨٦ .
٦- (أبو بكر بن حزم) هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ النجّاريّ المدنيّ
القاضي، اسمه وكنيته واحد، وقيل: يكنى أبا محمد، ثقة عابد [٥] ١١٨/ ١٦٣.
٧- (النضر بن عبدالله السلميّ) المدنيّ، مجهول، ويقال: عبدالله بن النضر [٤].
روى عن ابن حزم حديث الباب فقط، وعن عمرو بن مُسَاحق المدنيّ. وعنه أبو بكر
ابن محمد بن عمرو بن حزم. قال الذهبيّ: لا يُعرف. انفرد به المصنّف.
٨- (عمرو بن حزم) بن زيد بن لَوْذَان بن حارثة بن زيد بن ثعلبة بن زيد مناة بن
حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن جُشَم بن الحارث بن الخزرج الأنصاريّ، أبو
الضخّاك، وقيل: غير ذلك في نسبه. صحابيّ شهد الخندق، وهو ابن (١٥) سنة،
واستعمله النبيّ وَّل على أهل نجران، وهو ابن (١٨) سنة. قال خليفة: مات سنة (١)
أو (٥٢) وقال سعيد بن عُفير: سنة (٥٣) وقال ابن إسحاق، وغيره: سنة (٣) وقال
الحافظ أبو نعيم: توفي في خلافة عمر بن الخطاب رَّه، ويقال: بل توفي
سنة (٥٤). روى له أبو داود في ((المراسيل))، والمصنف، وابن ماجه، وله عند
المصنف حديثان فقط، هذا، وحديث: ((كتب إلى أهل اليمن كتابًا .. )) الحديث برقم
٤٨٥٥ و٤٨٥٦ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث، ضعيف الإسناد؛ لجهالة النضر بن
عبدالله السلميّ، لكن متنه صحيح؛ لأنه يشهد له ما قبله، وغيره من الأحاديث التي
ذكرناها في شرح الحديث الماضي. وشرحه واضح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله
تعالى، أخرجه هنا - ٢٠٤٥/١٠٥- وفي («الكبرى»٢١٧٢/١٠٥. وأخرجه
(أحمد) ٢٧٩١٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)» .

٦٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
١٠٦ - التََّاذُ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ
٢٠٤٦- أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيِّ وَ ◌َّ، قَالَ: ((لَعَنَ اللَّهُ قَوْمًا،
التَّخِذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» .
رجال هذا الإسناد : ستة :
١- (عمرو بن عليّ) الفلاس الصيرفيّ، أبو حفص البصريّ الحافظ الثبت [١٠]٤/٤.
٢- (خالد بن الحارث) الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ الحافظ الثبت [٨] ٤٧/٤٢.
٣- (قتادة) بن دِعامة السدوسيّ البصريّ الحافظ الحجة [٤] ٣٤/٣٠.
والباقون تقدّموا قريبًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، إلى سعيد (ومنها): أن فيه رواية
تابعيّ، عن تابعيّ. (ومنها): شيخه هو أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بلا
واسطة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها (أَنَّ النَّبِيِّ بَِّ، قَالَ) وفي حديث عائشة، وابن
عبّاس المتقدمين في -٧٠٣/١٣- قالا: لَمّا نُزل برسول اللَّه وَلّ طَفِقِ يَطْرَح
خَمِيصة له على وجهه، فإذا اغتمّ كشفها عن وجهه، قال : -وهو كذلك -: لعنة اللَّه
على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) (لَعَنَ اللَّهُ) اللعن معناه الطرد،
والإبعاد عن الرحمة، أي أبعد اللَّه عن رحمته (قَوْمًا) هم اليهود والنصارى، كما بيّن في
الرواية المذكورة (اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)) ) جملة مستأنفة، جواب سؤال مقدّر،
فكأن سائلاً سأله عن سبب لعنهم، فأجابه بقوله: ((اتخذوا)). وزاد في ((الكبرى)) في
(«الوفاة)): ((يُحذّر ما صنعوا))، ونحوه عند الشيخين، وهو مستأنف من كلام الراوي،
كأنه سئل عن حكمة ذكره وَ لير ذلك في تلك الحالة، فأجاب بأنه لتحذير أمته؛ لئلا تقع
فيما وقعوا فيه، من تعظيم قبور الأنبياء، وإشراكهم بالله سبحانه وتعالى.
[تنبيه] : ذكر البيضاويّ أنه لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور أنبيائهم؛

=
٦٩
١٠٦ - اتَّخَذُ القُبُورِ مَسَاجِدَ - حديث رقم ٢٠٤٧
تعظيما لشأنهم، ويجعلونها قبلة، يتوجهون في الصلاة نحوها، واتخذوها أوثانًا لعنهم،
ومنع المسلمين من مثل ذلك، فأما من اتخذ مسجدًا في جوار صالح، وقصد التبرّك
بالقرب منه، لا التعظيم له، ولا التوجه نحوه، فلا يدخل في ذلك الوعيد انتهى.
ونقل هذا القول السيوطيّ، والسنديّ، وذكر في ((الفتح)) نحوه، وكلهم أقرّوه عليه،
وهذا عجيب من مثل هؤلاء الأكابر، كيف جاز لهم إقرار مثل هذا القول الشنيع، المنابذ
للسنة، والمعارض للنصوص الصريحة، وهل دخل على اليهود والنصارى هذا الضلال
إلا من هذا الباب؟، فإن أول بداية ضلالهم هذا هو التبرّك بقبور أنبيائهم، وصالحيهم،
فآل بهم الحال إلى أن عبدوهم، وقد وقع من كثير ممن يدعي الإسلام في كثير من بلدان
الإسلام اليوم ما وقع منهم حذو النعل بالنعل، فمن يرى حال كثير من الناس فيما
يفعلونه عند قبور الصالحين، من أنواع الشرك والضلالات لا يشك أنه عين ما وقع
لليهود والنصارى في قبور أنبيائهم، فإنا لله، وإنا إليه راجعون.
ومن الداهية العظمى سكوت أهل العلم عن بيان ذلك، بل بعضهم يشاركونهم فيه،
ويزيّنون لهم، قبيح فعلهم، فإلى اللّه المشتكى، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم.
وهذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم في ((كتاب المساجد)) باب ((النهي عن اتخاذ
القبور مساجد)) رقم٧٠٣/١٣ - وتقدم تمام شرحه، وبيان ما يتعلّق به من المسائل
هناك، فراجه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل.
٢٠٤٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أَبُو يَحْتِى، صَاعِقَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَّمَةَ
الْخُزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ
ابْنِ الْمُسَيِّبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ، قَالَ: ((لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى،
التَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (محمد بن عبد الرحيم) بن أبي زُهير العَدَويّ، مولى آل عمر البغداديّ البزاز،
فارسيّ الأصل، أبو يحيى، المعروف بـ((صاعقة))، ثقة حافظ [١١].
قال ابن أبي حاتم: كتب عنه أبي بمكة، وسئل عنه؟ فقال: صدوق. وقال عبدالله
ابن أحمد، والنسائيّ: ثقة. وقال أحمد بن صاعد: حدثنا أبو يحيى الثقة العدل. وقال
ابن عقدة، عن نصر بن أحمد الكنانيّ: كان من أصحاب الحديث المأمونين. وذكره ابن
حبّان في ((الثقات))، وقال: كان صاحب حديث يحفظ. وقال محمد بن محمد بن داود
الْكَرَجيّ: سمي صاعة؛ لأنه كان جيّد الحفظ. وقال الخطيب: كان متقنًا، ضابطًا،

= ٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
عالمًا، حافظًا. ووثقه القرّاب، ومسلمة. وقال الدارقطنيّ: حافظ ثبت. وقال أبو بكر
الخلال: عنده عن أبي عبدالله مسائل حسان، لم يجىء بها غيره، وقيل له: صاعقة
لجودة حفظه، وقيل: لغير ذلك. وقال محمد بن إسحاق السرّاج: محمد بن عبد
الرحيم البزاز مولى آل عمر، ثقة، قال لي: وُلِدتُ سنة (١٨٥) ومات في شعبان
سنة(٢٥٥). روى له الجماعة، سوى مسلم، وابن ماجه. وفي ((الزهرة)): روى عنه
البخاري (٣٦) حديثا، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٢ - (أبو سلمة الْخُزَاعِيّ) منصور بن سَلَمة بن عبد العزيز البغداديّ، ثقة ثبت حافظ،
من كبار [١٠] ٨٧ /١٣٤٤ .
٣- (يزيد بن الهاد) هو يزيد بن عبدالله بن أسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله
المدنيّ، ثقة مُكثر [٥] ٧٣ /٩٠.
والباقون تقدّموا قريبًا، وكذا شرح الحديث يعلم مما سبق.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه. أخرجه المصنّف هنا -
١٠٦/ ٢٠٤٧ - وفي ((الكبرى)) ٢١٧٣/١٠٦. وأخرجه (خ)٤٣٧ (م) ٥٣٠ (د)٣٢٢٧
(أحمد)٧٧٦٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٠٧ - كَرَاهِيَةُ الْمَشْي بَيْنَ الْقُبُورِ فِي
النِّعَالِ السَّبْتِيَّةِ
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: غرض المصنّف رحمه الله تعالى بهذا الجمعُ بين
حديث هذا الباب الدّالّ على النهي عن لبس النعال بين القبور، وحديث الباب التالي
الدالّ على جوازه، بحمل النهي على خصوص النعال السبتية، والجواز على غيرها،
وقد تبعه على هذا أبو محمد ابن حزم رحمه اللّه تعالى، وسيأتي أن الأرجح هو القول
بالنهي عن لبس النعال بين القبور مطلقًا، في المسألة الثالثة، إن شاء الله تعالى. والله
تعالى أعلم بالصواب.
٢٠٤٨- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ حَدْثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ
شَيْبَانَ، وَكَانَ ثِقَةً، عَنْ خَالِدِ بْنِ سُمَيْرٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَِّيكِ، أَنَّ بَشِيرَ ابْنَ الْخَصَاصِيَّةِ،

٧١
١٠٧- كَرَّهِيَةُ الْمَنْي بَيْنَ القُبُورِ فِي ... - حديث رقم ٢٠٤٨
قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ، فَمَرَّ عَلَى قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: ((لَقَدْ سَبَقَ
هَؤُلَاءِ شَرًّا كَثِيرًا))، ثُمَّ مَرَّ عَلَى قُبُورِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: ((لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا كَثِيرًا))،
فَحَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ، فَرَأَى رَجُلًا، يَمْشِي بَيْنَ الْقُبُورِ، فِي نَعْلَيْهِ، فَقَالَ: ((يَا صَاحِبَ
السُّبْتِيَتَيْنِ، أَلْقِهِمَا)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (الأسود بن شيبان) السدوسيّ، أبو شَيبان البصريّ، ثقة عابد [٦].
قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال الأثرم، عن أحمد:
ثقة. ووثقه النسائيّ في ((التمييز)). وقال العجليّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)) في
الطبقة الرابعة. وقال محمد بن عوف: كان من عباد الله الصالحين، كان يحجّ على ناقة
له، ولا يتزوّد شيئًا، يشرب من لبنها حتى يرجع، ويرسلها ترعى. وقال ابن أبي خيثمة،
عن ابن معين: مات سنة (١٦٥). روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والباقون،
سوى الترمذيّ، له في هذا الكتاب ثلاية أحاديث فقط: هذا، و٢٤٣٢ حديث: ((صم
يومًا من الشهر .. ))، وأعاده برقم ٢٤٣٣ و٥٥٥ حديث: ((كلّ مسكر حرام .. )).
[تنبيه] : قوله هنا: ((وكان ثقة)) يحتمل أن يكون من كلام وكيع، وهو الظاهر،
ويحتمل أن يكون ممن دونه. والله تعالى أعلم.
٢- (خالد بن سُمير) - بالسين المهملة(١)، مصغّرًا- السدوسيّ البصريّ، صدوق تِهِم
قليلاً [٣].
روى عن ابن عمر، وأنس، وعبدالله بن رباح الأنصاريّ، وبَشِير بن نَهِيك،
ومضارب بن حَزْن. وعنه الأسود بن شيبان. قال النسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: بصريّ
ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وذكر له ابن جرير الطبريّ، وابن عبدالبرّ، والبيهقيّ
حديثًا واحدًا أخطأ في لفظة منه، وهي قوله في الحديث: كنا في جيش الأمراء - يعني
مؤتة- والنبيّ ◌َّي لم يحضرها. روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، وأبو داود،
والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٣- (بشير بن نَهيك)- بفتح أول الاسمين، وكسر ثانيهما -السدوسيّ، أبو الشعثاء
البصريّ، ثقة [٣] ١٤١ / ١١٠٧.
٤- (بَشير ابن الخصاصية) هو بشير بن مَعْبَد، وقيل: ابن زيد بن معبد بن ضَبَارَی بن
سبع بن سدوس، وقيل: ابن شراحيل بن سبع السدوسيّ، المعروف بـ((ابن
الْخَصَاصيّة))، وكان اسمه زَحْمًا، فسماه النبيّ وَّر بشيرًا، نزل البصرة.
(١)- فما وقع في بعض الكتب ((شمير)) بالشين المعجمة، فتصحيف، فتنبه.
٠

٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزْ
وفرّق أبو حاتم بين ابن الخصاصية السدوسيّ، وبين بشير بن معبد الأسلميّ، وقال
في الأسلميّ: روى عنه ابنه بشر، وجعلهما غيره واحدًا. وكذا فرق بينهما البخاريّ،
وابن حبان، وابن أبي خيثمة، وابن سعد، ويعقوب بن سفيان، وغيرهم.
وجزم ابن عبد البرّ، وغيره أن الخصاصية أمه، وليس كذلك، بل هي إحدى جدّاته،
وهي والدة جده الأعلى ضَبَارى بن سدوس، واسمها كبشة، ويقال: مارية بنت إلاءة بن
عمرو بن كعب ابن الحارث بن الغطريف الأزديّ، حرر من أمره الرُّشاطيّ، وبرهن على
ذلك.
روى له البخاري في «الأدب المفرد»، وأبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وله في
هذا الكتاب هذا الحديث فقط. وأما الباقيان فتقدّما قبل باب. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أنه مسلسل
بالبصریین من الأسود بن شيبان، وشيخه بغداديّ، وو کیع کوفيّ. (ومنها): أن فيه رواية
تابعيّ، عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَيكٍ) بفتح الباء الموحّدة، وكسر الشين المعجمة، وبفتح النون،
وكسر الهاء (أَنَّ بَشِيرَ ابْنَ الْخَصَاصِيّةِ) هو ابن معبد، وتقدم قريبًا الخلاف، هل
الخصاصية أمه، أم جدته؟.
وفي ((سنن أبي داود)): عن بشير، مولى رسول اللّه وَلِ﴾(١)، وكان اسمه في الجاهليّة
زَحْمَ بن معبد، فهاجر إلى رسول اللَّه وَ لتر، فقال: ((ما اسمك؟))، فقال: زحم، فقال:
((بل أنت بشير ... )).
(قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّ) وفي رواية أبي داود: ((بينما أنا أُماشي رسولَ
وقد ساق الإمام أحمد رحمه اللّه تعالى الحديث مطوّلا، فقال في ((المسند)):
٢٠٢٦٣ - حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا أسود بن شيبان، عن خالد بن سُمَيرٍ، عن
بَشِير بن نهيك، عن بشير ابن الخصاصية، بشير رسول اللّه وَالتّر، قال: كنت أُماشي
رسول اللَّه وَ له، آخذا بيده، فقال ني: ((يا ابن الخصاصية، ما أصبحت تَنْقِم على الله
تبارك وتعالى، أصبحتَ تماشيٍ رسوله))، قال: أحسبه قال: ((آخذا بيده))، قال: قلت:
(١)- قوله: ((مولى رسول الله (١)» لم يُذكر في كتب الرجال أنه مولاه، فالله أعلم.

١٠٧- كَرَاهِيَةُ الْمَشْي بَيْنَ القُبُورِ فِي ... - حديث رقم ٢٠٤٨
=
٧٣
ما أصبحت أنقم على الله شيئا، قد أعطاني اللَّه تبارك وتعالى، كل خير، قال: فأتينا
على قبور المشركين، فقال: ((لقد سبق هؤلاء خيرا كثيرا))، ثلاث مرات)) ثم أتينا على
قبور المسلمين، فقال: ((لقد أدرك هؤلاء خيرا كثيرا))، ثلاث مرات، يقولها، قال:
فَبَصَرَ برجل يمشي بين المقابر في نعليه، فقال: ((ويحك، يا صاحب السبتيتين، ألق
سبتيتيك))، مرتين، أو ثلاثا، فنظر الرجل، فلما رأى رسول اللّه وَلّ، خلع نعليه.
حدثنا عبد الصمد، حدثنا الأسود، حدثنا خالد بن سمير، حدثنا بشير بن نهيك،
قال: حدثني بشيرُ رسول اللّه وَلّ -وكان اسمه في الجاهلية زَحْمَ بن معبد- فهاجر إلى
رسول اللَّهِ وَّر، فسأله، فقال: ((ما اسمك؟ قال: زَحْمٌ قال: لا بل أنت بشير، فكان
اسمَهُ، قال: بينا أنا أماشي رسول اللَّه ◌َ له، إذ قال: يا ابن الخصاصية، ((ما أصبحت
تنقم، على الله تبارك وتعالى، أصبحت تماشي رسول اللَّه وَّلت))، قال أبو شيبان -وهو
الأسود بن شيبان -: أحسبه قال)) ((آخذا بيده))، فقلت: يا رسول اللَّه، بأبي وأمي، ما
أنقم على الله عز وجل شيئا ... )) فذكر الحديث، وقال: ((يا صاحب السبتيتين، ألق
سبتیتیك ... )).
(فَمَرَّ عَلَى قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: ((لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلَاءِ شَرًّا كَثِيرًا) أي تقدموا شرّا کثیرًا،
وحادوا عنه، حتى جعلوه خلف ظهورهم، وفي رواية أبي داود: ((لقد أدرك هؤلاء خيرًا
كثيرًا)» (ثُمَّ مَرَّ عَلَى قُبُورِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: (لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا كَثِيرًا))) أي تقدّموا
على الخير، وجعلوه خلف ظهورهم. زاد في رواية أبي داود: ((ثلاثًا))، أي كرر الكلام
ثلاث مرات (فَحَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ) أي قرُبت منه التفاتة. وفي رواية أبي داود: ((ثم حانت
من رسول اللّه ◌َله نظرةٌ)) (فَرَأَى رَجُلًا) هو بشير الراوي، كما بُيِّنَ في رواية ابن حزم في
((المحلى)) من طريق سليمان بن حرب، عن الأسود بن شيبان، قال: بينما أنا أمشي بين
المقابر، وعليّ نعلان، إذ ناداني رسول اللَّه ◌َلهله يا صاحب السبتيتين، يا صاحب
السبتيتين، إذا كنت في مثل هذا المكان، فاخلع نعليك، قال: فخلعتهما)).
فتبيّن بهذه الرواية أن الرجل المبهم في رواية المصنّف هو بشير بن الخصاصية تَدوله
نفسه. والله تعالى أعلم.
(يَمْشِي بَيْنَ الْقُبُورِ، فِي نَعْلَيْهِ) أي وهما سبتيتان (فَقَالَ: ((يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَتَيْنِ) وفي
رواية أبي داود: ((فقال: ((يا صاحب السبتيّتين، ويحك ألق سبتيتيك)).
قال ابن منظور رحمه اللَّه تعالى: السِّبْتُ بالكسر: كلّ جلد مدبوغ. وقيل: هو
المدبوغ بالقَرَظ خاصّة؛ وخصّ بعضهم به جلود البقر، مدبوغة كانت، أم غير مدبوغة.
ونعالٌ سِبْتِيّةٌ: لا شعر عليها. وقال الجوهريّ: السِّبْت بالكسر: جلود البقر المدبوغة

٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِز
بالقرظ، تُحذَى منه النعال السبتيّة. وقال الأصمعيّ: السِّبتُ الجلد المدبوغ، قال: فإن
كان عليه شَعَرٌ، أو صوفٌ، أو وَبَرَ، فهو مُضْحَبٌ. وقال أبو عمرو: النعال السبتيّة: هي
المدبوغة بالقَرَظ. وقال الأزهريّ: وحديث النبيّ وَِّ يدلّ على أن السِّبْت ما لا شعر
عليه، وفي الحديث: ((أن عُبيد ابن جُريج قال لابن عمر: رأيتك تَلبسُ النعال السبتيّة،
فقال: رأيت النبيّ وَّل يلبس النعال التي ليس عليها شعر، ويتوضأ فيها، فأنا أُحبّ أن
ألبسها)). قال: إنما اعترض عليه؛ لأنها نعال أهل النعمة والسَّعَة، قال الأزهريّ: كأنها
سمّيت سبتيّة؛ لأن شعرها قد سُبِتَ عنها، أي حُلق، وأزيل بعلاج من الدباغ، معلوم
عند دبّاغها. وقال ابن الأعرابيّ: سميت النعال المدبوغة سِبْتِيّةً(١)؛ لأنها انسبتتّ
بالدباغ، أي لانت. وفي تسمية النعل المتخذة من السِّبْت سِبْتًا اتساعٌ، مثل قولهم: فلانٌ
يلبس الصوف، والقطن، والإبرَيْسَمَ، أي الثياب المتخذة منها، ويروى سبتيتين، على
النسب. انتهى كلام ابن منظور رحمه الله تعالى ببعض تصرف(٢).
وقال في ((الفتح)): ((السبتيّة)): بكسر السين المهملة، وسكون الموحّدة: هي التي لا
شعر فيها، مشتقّة من السَّبْت، وهي الحلق. قاله في ((التهذيب)). وقيل: السبت جلد
البقر المدبوغ بالقَرَظ. وقيل: بالسُّبْت -بضم أوله- وهو نبت يُدبغ به. قاله صاحب
((المنتهى)). وقال الهَرَويّ: قيل لها: سبتيّة لأنها انسبتت بالدباغ: أي لانت به، يقال:
رطبة منسبتة: أي ليّنة انتهى (٣).
(أَلْقِهِمًا) أي ارم سبتيتيك، زافي رواية أبي داود: ((فنظر الرجل، فلما عرف رسول
اللَّه وَ ﴿ل خلعهما، فرمى بهما)). وإنما أمر بَّهر بخلعهما، احتراما للمقابر، ولذا قال
الإمام أحمد، وصاحب الحاوي، من الشافعيّة: يكره المشي في المقابر بالنعل، مطلقًا،
ويسنّ خلعه، إذا دخلها، إلا لضرورة، كخوف نجاسة، أو شوك، أو حرارة أرض.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث بشير ابن الخصاصية رضي اللّه تعالى عنه هذا
(٤)
صحیح (٤).
(١)- لعل الصواب ((سِبْتًا)) كما يدلّ عليه كلامه الآتي. والله أعلم.
(٢)- (لسان العرب)) في مادة سبت.
(٣)-((فتح)) ج١ ص٣٦١ ((كتاب الوضوء)) رقم الحديث ١٦٦.
(٤)- وأما تحسين بعضهم له فمن أجل خالد بن سُمير، حيث قال في: ((ت)) عنه: صدوق يهم قليلا.
والصواب أنه صحيح، فقد وثقه النسائيّ، وغيره، ممن يتشدّد في التوثيق، وأما وهمه فقد بينه في
(تت)) بأنه أخطأ في لفظة واحدة، فتنبه.

٧٥
١٠٧ - كَرَاهِيَّةُ الْمَشْي بَيْنَ القُبُورِ فِي ... - حديث رقم ٢٠٤٨
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢٠٤٨/١٠٧ - وفي ((الكبرى))٢١٧٥/١٠٧. وأخرجه (د)٣٢٣٠
(ق)١٥٦٨ (أحمد) ٢١٤٤٦ و٢٠٢٦٠ و٢٠٢٦٣ .
المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في حكم المشي بين القبور بالنعال:
قال ابن قدامة رحمه اللّه تعالى في ((المغني)): قال أحمد: إسناد حديث بشير ابن
الخصاصية جيّد، أذهب إليه؛ إلا من علة. وتقدم أن صاحب الحاوي من الشافعية قال
بمثله. وذهب المصنّف رحمه اللّه تعالى إلى أن النهي عن المشي بين القبور بالنعال
خاصّ بالسبتيتين، فقط، جمعا بين حديث الباب، وحديث الباب التالي، وبنحو قوله
هذا قال أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى، فقال في كتابه ((المحلّى)): لا يحلّ لأحد
أن يمشي بين القبور بنعلين سبتيتين، وساق حديث الباب، من طريق المصنّف بلفظه،
وساقه أيضًا من طريق سليمان بن حرب، عن الأسود بن شيبان، كما تقدم قال: ((إذا
كنت في مثل هذا المكان، فاخلع نعليك ... )).
قال: فإن قيل: هلّا منعتم من كل نعل؟ لعموم قوله: ((فاخلع نعليك)). قلنا: منع
من ذلك وجهان :
((أحدهما)): أنهمالسَّلامُ إنما دعا صاحب السبتيّتين بنصّ كلامه، ثم أمره بخلع نعليه.
((والثاني)): ما حدثناه عبدالله بن ربيع، ثم ساق بسنده حديث الباب التالي، من
طريق المصنف، قال: فهذا إخبار منهنّ ليَّلُ بما يكون بعده، وأن الناس من المسلمين،
سيلبسون النعال في مدافن الموتى إلى يوم القيامة، ولم ينه عنه، والأخبار لا تُنسخ
أصلا، فصحّ إباحة لباس النعال في المقابر، ووجب استثناء السبتية منها لنصهفىالسَّلامُ
(١)
عليها انتهى(١).
وذهب الجمهور إلى عدم كراهة لبس النعال مطلقًا، محتجّين بحدث أنس رَظّه
الآتي في الباب التالي، وأجابوا عن حديث الباب بأنه إنما أمره بالخلع لاحتمال أن
يكون بهما قَذَر، أو لاختياله بهما؛ لأن النعال السبتية إنما يلبسها أهل الترفه، والتنعم،
فأحبّ وَلّ أن يكون دخول المقابر على زيّ التواضع.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي أن لا يُمشَى بين القبور بالنعال مطلقا،
لعموم النصّ، وأما ما ذهب إليه المصنف، وابن حزم من تخصيص السبتية، تعلّقًا بلفظ
(يا صاحب السبتيتين))، فجعلا علة النهي كونهما سبتيتين، ففيه نظر لا يخفى؛ لأن
(١)-انظر ((المحلى)) ج٥ ص١٣٦ -١٣٧ .

٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزْ
الظاهر أن العلة كونهما نعلين، لا سبتيتين؛ لأنه وَلي علق الأمر به، حيث قال: «فاخلع
نعليك))، فهو أقرب علة مذكورة مع الحكم، فالعدول عنها إلى التعليل بالسبتية عدول
إلى خلاف الظاهر، وما ذكره ابن حزم من الوجهين للمنع عن التعليل به، ففيه بُعدٌ.
فتبصّر .
وأما ما أوّل به الجمهور، من أن أمره وَّ لته بالخلع لاحتمال أنه كان بهما قَذَر، فبعيد؛
لأنه ثبت عنه وَّليّ أمره من رأى القذر في نعليه أن يمسح نعليه، ويصلي بهما، ولا
يخلعهما، فكيف يأمره هنا بالخلع لذلك. وكذا قولهم: إنما أمره بذلك لاختياله، لأن
النعال السبتية إنما يلبسها أهل الترفّه والتنعم غير صحيح؛ لأنه وَلو كان يلبس النعال
السبتية، كما ثبت في ((الصحيح)) من حديث ابن عمر تَظ ◌ُها.
وأما استدلالهم على جواز المشي بالنعال بين القبور مطلقًا بحديث أنس ◌َّه الآتي
في الباب التالي: ((إنه ليسمع قرع نعالهم))، ففيه نظر لا يخفى أيضًا، إذ يبعده قوله:
((وتولَّى عنه أصحابه))، إذ نصّ الحديث: ((إذا وُضع الميت في قبره، وتولى عنه
أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم))، فظاهره كون لبسهم النعال عند توليهم عن دفنه، لا
بين القبور، فلا يصلح الاستدلال به على الجواز.
والحاصل أن الأرجح أن لا تُلبَس النعال مطلقًا بين القبور، إلا للضرورة، فأما إذا
دعت ضرورة إلى ذلك، بأن كانت الأرض ذات شوك، أو حرارة، أو نحهما فلا ينهى
عنه، لقول الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ الآية
[الأنعام: ١١٩]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٠٨ - التَّسْهِيلُ فِي غَيْرِ السِّبْتِيَّةِ
٢٠٤٩- أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ الْوَرَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَنِعِ، عَنْ
سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ، أَنَّ النَّبِيِّ ◌َِّ، قَالَ: ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى
عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنّهُ لَيَسْمَعُ قُرْعَ نِعَالِهِمْ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (أحمد بن أبي عبيدالله) بشر السَّلِيميّ -بفتح المهملة، وكسر اللام- الأزديّ

٧٧
١٠٨- التَّسْهِيلُ فِي غَيْرِ السِّيئية - حديث رقم ٢٠٤٩
الورّاق، أبو عبدالله البصريّ، ثقة [١٠].
قال النسائيّ: ثقة. وقال في موضع آخر: لا بأس به. مات بعد (٢٤). روى عنه
الترمذيّ، والمصنف هذا الحديث فقط، وأعاده بعد باب.
٢- (يزيد بن زُريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/٥.
٣- (سعيد) بن أبي عروبة مهران، أبو النضر البصريّ، ثقة ثبت، يدلس، واختلط
بآخره [٦] ٣٨/٣٤.
٤- (قتادة) بن دعامة المذكور قبل باب.
٥- (أنس) بن مالك رَّ ٦/٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها):
أن فيه أنسًا رَّ أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات بالبصرة من الصحابة
٤ .
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسِ) رَّ (أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ، قَالَ) هذا الحديث اختصره المصنّف رحمه الله
تعالى، وسيأتي له في الباب التالي، والذي بعده بأتمّ من هذا، وقد ساقه مطوّلاً الإمام
أحمد، وأبو داود، واللفظ له، فقال في ((كتاب السنّة)) من ((سننه)):
٤٧٥١- حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء الخَفَّاف،
أبو نصر، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: إن نبي اللَّه ◌َّر، دخل نخلا
لبني النجار، فسمع صوتا، ففزع، فقال: ((مَن أصحاب هذه القبور؟))، قالوا: يا رسول
الله، ناس ماتوا في الجاهلية، فقال: ((تعوذوا بالله، من عذاب النار، ومن فتنة
الدجال))، قالوا: ومم ذاك يا رسول الله؟ قال: ((إن المؤمن إذا وضع في قبره، أتاه
ملك، فيقول له: ((ما كنت تعبد؟ فإنِ اللَّهُ هداه، قال: كنت أعبد اللَّه، فيقال له: ما
كنت تقول في هذا الرجل؟، فيقول: هو عبدالله ورسوله، فما يسأل عن شيء غيرها،
فيُنطلَق به إلى بيت، كان له في النار، فيقال له: هذا بيتك، كان لك في النار، ولكن اللَّه
عصمك، ورحمك، فأبدلك به بيتا في الجنة، فيقول: دعوني، حتى أذهب، فأبشر
أهلي، فيقال له: اسكن، وإن الكافر، إذا وضع في قبره، أتاه ملك، فينتهره، فيقول
له: ما كنت تعبد؟، فيقول: لا أدري، فيقال له: لا دريت، ولا تليت، فيقال له: فما

٧٨
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزْ
كنت تقول في هذا الرجل؟، فيقول: كنت أقول: ما يقول الناس، فيضربه بمطراق، من
حديد بين أذنيه، فيصيح صيحة، يسمعها الخلق، غير الثقلين)).
حدثنا محمد بن سليمان حدثنا عبد الوهاب بمثل هذا الإسناد نحوه قال: ((إن العبد
إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم، فيأتيه ملكان، فيقولان
له ... ))، فذكر قريبا من حديث الأول، قال فيه: ((وأما الكافر، والمنافق، فيقولان له))،
زاد المنافق، وقال: ((يسمعها من وليه، غير الثقلين ... )).
(إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ) بالبناء للمفعول (فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ) أي القوم الذين
يتولّون دفنه (إِنَةً لَيَسْمَعُ) ظاهره أن هذه الجملة خبر ((إن)) الأولى، وجواب «إذا» دلّ عليه
السابق واللاحق، لكن الذي تدل عليه الرواية الآتية، أن جواب ((إذا)) محذوف، أي ((أتاه
ملكان))، وموضع ((إنه ليسمع الخ)) نصب على الحال.
وفي رواية البخاريّ: ((حتى إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان))، وفي رواية له: ((وإنه
ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان)) (قَرْعَ نِعَالِهِمْ))) أي تصويتها، وفي حديث البراء وَلَّه
عند أحمد، وأبي داود، في أثناء حديث طويل: ((وإنه ليسمع خَفْق نعالهم))، وخَفْقُ
النعال: تصويتها، فهو بمعنى قرع النعال.
وهذا محل استدلال المصنّف على ترجمته، لكن في استدلاله به نظر؛ لأنه لا يستلزم
أن يكون قرع النعال على القبور، بل الظاهر أنه بعد توليهم عنه، وأصرح منه ما أخرجه
البزّار، وابن حبان في ((صحيحه)) من حديث أبي هريرة ◌َّه، عن النبي ◌َّ: ((إن
الميت ليسمع خفق نعالهم، إذا ولّوا مدبرين))، وقد تقدم تمام البحث في الحديث
الماضي. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث سيأتي بأتمّ مما هنا في الباب التالي،
والذي بعده، وسيأتي ذكر مسائله هناك، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٠٩ - الْمَسْأَلَةُ فِي الْقَبْرِ
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أراد به مسألة المسلم، بدليل الترجمة التالية، وقد
صرّح به في ((الكبرى))، فقال: ((مسألة المسلم في القبر)). والله تعالى أعلم بالصواب.

٧٩
١٠٩- الْمَسْأَلَةُ فِي القَبْرِ - حديث رقم ٢٠٥٠
٢٠٥٠- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ،
قَالَا: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنْبَأْنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، قَالَ: قَالَ نَبِيُّ
اللّهِ وَّهِ: ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنَةً لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ)) -
قَالَ -: فَيَأْتِيهِ مَلَكَانٍ، فَيَقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ، مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟، فَأَمَّا
الْمُؤْمِنُ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ
أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ، مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ))، قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا)».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن عبدالله بن المبارك) المخرِّميّ المذكور قبل باب.
٢- (إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق) الْجُوزَجَانيّ، نزيل دمشق، ثقة حافظ، رُمي
بالنصب [١١] ١٧٤/١٢٢ .
٣- (يونس بن محمد) بن مسلم المؤدب، أبو محمد البغداديّ، ثقة ثبت، من صغار
[٩] ١٥/ ١٦٣٢ .
٤- (شيبان بن عبدالرحمن) التميميّ مولاهم، أبو معاوية النحويّ البصريّ، نزيل
الكوفة، ثقة صاحب كتاب [٧] ١٣/ ٣٤٧.
والباقيان تقدما في الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعَامة السدوسيّ البصريّ، أنه قال (أَنْبَأَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) رَِّ (قَالَ:
قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنَةً لَيَسْمَعُ) وفي
رواية للبخاريّ: ((وإنه ليسمع قرع نعالهم)) بالواو. زاد في رواية مسلم: ((إذا انصرفوا))
(قَرْعَ نِعَالِهِمْ)) - قَالَ -: فَيَأْتِيهِ مَلَكَانٍ) وفي الرواية التالية: ((أتاه ملكان))، زاد ابن حبان،
والترمذيّ، من طريق سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة رَظافيه: ((أسودان، أزرقان، يقال
لأحدهما المنكر، وللآخر النكير))، وفي رواية ابن حبّان: ((يقال لهما: منكر ونكير))،
زاد الطبراني في ((الأوسط)) من طريق أخرى، عن أبي هريرة: ((أعينهما مثل قِدْر
النحاس، وأنيابهما مثل صياصي البقر(١)، وأصواتهما مثل الرعد))، ونحوه لعبد الرزاق،
(١)- جمع صِيصة بالكسر: قرن البقر، والظباء. ((ق)).

شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
من مرسل عمرو بن دينار، وزاد: ((يحفران بأنيابهما، ويطآن في أشعارهما، معهما
مِرْزبة، لو اجتمع عليها أهل منى لم يُقلّوها)). وأرود ابن الجوزيّ في ((الموضوعات))
حديثا، فيه ((أن فيهم رومان، وهو كبيرهم)).
وذكر بعض الفقهاء أن اسم اللذَينِ يسألان المذنب منكر ونكير، وأن اسم اللذينِ
يسألان المطيع مبشّر وبشير(١) (فَيُقْعِدَانِهِ) بضم الياء، من الإقعاد، زاد في حديث البراء،
فتعاد روحه في جسده))، وزاد ابن حبّان من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة تط:
((فإذا كان مؤمنًا، كانت الصلاة عند رأسه، والزكاة عن يمينه، والصوم عن شماله،
وفعل المعروف من قبل رجليه، فيقال له: اجلس، فيجلس، وقد مثّلت له الشمس عند
الغروب))، زاد ابن ماجه، من حديث البراء: ((فيجلس، فيمسح عينيه، ويقول: دعوني
أصلي)).
(فَيَقُولَانِ لَهُ، مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟) أي في الرجل المشهور بين أظهركم،
ولا يلزم منه الحضور، وتركهما ما يشعر بالتعظيم؛ لئلا يصير تلقينا، وهو لا يناسب
موضع الاختبار. قاله السنديّ. زاد في الرواية التالية: ((محمد رَّت))، وزاد أبو داود في
أوله: «ما كنت تعبد؟، فإن هداه الله، قال: كنت أعبد الله، فيقال له: ما كنت تقول في
هذا الرجل؟))، ولأحمد من حديث عائشة تحديثها: ((ما هذا الرجل الذي كان فيكم)).
(فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ،) ولأحمد من حديث أبي سعيد
رَّم: «فإن كان مؤمنا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقال
له: صدقت)). زاد أبو داود: ((فلا يسألانه عن شيء غيرهما))، وفي حديث أسماء بنت
أبي بكر عند البخاري: ((فأما المؤمن، أو الموقن، فيقول: محمد رسول الله، جاءنا
بالبينات والهدى، فأجبنا، وآمنًا، واتبعنا، فيقال له: نَمْ صالحا)). وفي حديث أبي
سعيد، عند سعيد بن منصور: ((فيقال له: نَمْ نَوْمة العروس، فيكون في أحلى نومة نامها
أحد، حتى يُبعث)). وللترمذيّ في حديث أبي هريرة: ((ويقال له: نم نومة العروس
الذي لا يوقظه إلا أحبّ أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك)). ولابن حبّان،
وابن ماجه، من حديث أبي هريرة، وأحمد من حديث عائشة: ((ويقال له: على اليقين
كنت، وعليه متّ، وعليه تبعث إن شاء الله)).
(فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ، مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ)) وفي رواية
أبي داود: فيقال له: هذا بيتك كان في النار، ولكن اللَّه عزّ وجلّ عصمك، ورحمك،
فأبدلك به بيتًا في الجنّة، فيقول: دعوني حتى أذهب، فأبشّر أهلي، فيقال له:
(١)-راجع ((الفتح)) ج٣ ص٦٠٦. ((كتاب الجنائز)).