Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
١٠٢ - النَّهْيُ عَنِ الاسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ - حديث رقم ٢٠٣٥
جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَزْغَبُ) أي تُعرض (عَنْ مِلَّةٍ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ،
فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ) وفي رواية للبخاريّ: ((فلم يزل رسول اللَّه وَّرْ يَغْرِضها عليه،
ويعيدانه بتلك المقالة ... ))، وفي رواية لمسلم: ((فلم يزل رسول اللَّه ◌َل يَعرضها
عليه، ويعيدان له بتلك المقالة))، والمراد قول أبي جهل، ورفيقه له: ((أترغب عن ملة
عبد المطّلب)) (حَتَّى كَانَ آخِرُ شَيْءٍ، كَلَّمَهُمْ بِهِ) أي كلّم به الحاضرين لديه (عَلَى مِلَّةٍ
عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) خبر لمحذوف، أي هو على ملة عبد المطلب، وفي رواية للبخاريّ: ((هو
على ملة عبد المطّلب))، وأراد بذلك نفسه، ويحتمل أن يكون قال: ((أنا))، فغيّرها
الراوي أَنَفَةً أن يحكي كلام أبي طالب، استقباحًا للفظ المذكور؛ وهي من التصرّفات
الحسنة. ووقع في رواية مجاهد، قال: ((يا ابن أخي ملة الأشياخ))، ووقع في حديث
أبي حازم، عن أبي هريرة عند مسلم، والترمذيّ، والطبريّ: ((قال: لولا أن تعيّرني
قريش، يقولون: ما حمله عليه إلا جزع الموت لأقررت بها عينك))، وفي رواية الشعبيّ
عند الطبريّ: ((قال: لو لا أن يكون عليك عار، لم أبال أن أفعل)).
زاد في رواية البخاريّ: ((وأبى أن يقول: لا إله إلا الله))، وهو تأكيد من الراوي في
نفي وقوع ذلك من أبي طالب، وكأنه استند في ذلك إلى عدم سماعه ذلك منه في تلك
الحال، وهذا القدر هو الذي يمكن اطلاعه عليه، ويحتمل أن يكون أطلعه النبي والر
على ذلك.
قال النوويّ: وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة بقليل. قال ابن فارس: مات
أبو طالب، ولرسول اللّه ◌َ لل تسع وأربعون سنة، وثمانية أشهر، وأحد عشر يومًا،
وتوفيت خديجة، أم المؤمنين رتيتها بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام انتهى.
(فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َ: ((لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، مَا لَمْ أَنْهَ عَنْكَ) بصيغة المتكلم المبنيّ
للمفعول، من النهي، أي مدة عدم نهي اللّه تعالى إياي عن الاستغفار لك.
قال الزين ابن الْمُنَيِّر رحمه الله تعالى: ليس المراد طلب المغفرة العامّة، والمسامحة
بذنب الشرك، وإنما المراد تخفيف العذاب عنه، كما جاء مبيّنًا في حديث آخر.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهذه غلفة شديدة منه، فإن الشفاعة لأبي طالب في
تخفيف العذاب لم تُردّ، وطلبُها لم يُتْهَ عنه، وإنما وقع النهي عن طلب المغفرة العامّة، وإنما
ساغ ذلك للنبيّ ێ، اقتداء بإبراهيم في ذلك، ثم ورد نسخ ذلك، كما سيأتي واضحًا
انتهى(١). (فَنَزَّلَتْ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]) أي
(١) - (فتح)) ٩/ ٤٥٨ (كتاب التفسير)).

٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
ما ينبغي لهم ذلك، وهو خبر بمعنى النهي، هكذا وقع في هذه الرواية، وروى الطبري، من
طريق شِبْل، عن عمرو بن دينار، قال: قال النبيّ وَّر: ((استغفر إبراهيم لأبيه، وهو مشرك،
فلا أزال أستغفر لأبي طالب حتى ينهاني ربي))، فقال أصحابه: لنستغفرنّ لآبائنا، كما استغفر
نبينا لعمه، فنزلت.
وهذا فيه إشكال؛ لأن وفاة أبي طالب كانت بمكة قبل الهجرة، اتفاقًا، وقد ثبت أن
النبيّ وَّلل أتى قبر أمه لما اعتمر، فاستأذن ربّه أن يستغفر لها، فنزلت هذه الآية، والأصل
عدم تكرّر النزول.
وقد أخرج الحاكم، وابن أبي حاتم، من طريق أيوب بن هانئ، عن مسروق، عن
ابن مسعود تَظّه، قال: خرج رسول اللّه وَ لله يوما إلى المقابر، فاتبعناه، فجاء حتى
جلس إلى قبر منها، فناجاه طويلاً، ثم بكى، فبكينا لبكائه، فقال: ((إن القبر الذي
جلست عنده قبر أمي، واستأذنت ربي في الدعاء لها، فلم يأذن لي، فأنزل عليّ: ﴿مَا
كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ .
وأخرج أحمد من حديث ابن بريدة، عن أبيه نحوه، وفيه : «نزل بنا، ونحن معه،
قريب من ألف راكب))، ولم يذكر نزول الآية. وفي رواية الطبريّ من هذا الوجه: ((لما
قدم مكة أتى رسم قبر)، ومن طريق فضيل بن مرزوق، عن عطيّة: ((لما قدم مكة وقف
على قبر أمه، حتى سخنت عليه الشمس، رجاء أن يؤذن له، فيستغفر لها، فنزلت)).
وللطبرانيّ من طريق عبدالله بن كيسان، عن عكرمة، عن ابن عباس نحو حديث ابن
مسعود، وفيه: ((لما هبط من ثنيّة عسفان))، وفيه نزول الآية في ذلك.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: فهذه طرق يعضد بعضها بعضًا، وفيها دلالة على
تأخير نزل الآية عن وفاة أبي طالب، ويؤيده أيضًا أنه وَلّ قال يوم أحد بعد أن شجّ
وجهه: ((رب اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون))، لكن يحتمل في هذا أن يكون الاستغفار
خاصًا بالأحياء، وليس البحث فيه، ويحتمل أن يكون نزول الآية تأخر، وإن كان سببها
تقدّم، ويكون لنزولها سببان، متقدّم، وهو أمر أبي طالب، ومتأخر، وهو أمر آمنة،
ويؤيد تأخير النزول ما تقدم في تفسير براءة من استغفاره ويّير للمنافقين، حتى نزل النهي
عن ذلك، فإن ذلك يقتضي تأخير النزول، وإن تقدّم السبب، ويشير إلى ذلك أيضًا قوله
في حديث الباب: ((وأنزل اللَّه في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبْتَ﴾))؛ لأنه يشعر
بأن الآية الأولى نزلت في أبي طالب، وفي غيره، والثانية نزلت فيه وحده. ويؤيّد تعدد
السبب ما أخرج أحمد من طريق أبي إسحاق، عن أبي الخليل، عن عليّ ◌َّه ، قال:
سمعت رجلاً يستغفر لوالديه، وهما مشركان، فذكرت ذلك للنبيّ وَ لقول، فأنزل الله: ﴿مَا

٤٣
١٠٢- النّھئُ عن الاسْتِغفارِ لِلمُشرکِینَ - حديث رقم ٢٠٣٥
كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الآية. وروى الطبريّ من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: وقال
المؤمنون: ألا نستغفر لآبائنا، كما استغفر إبراهيم لأبيه؟، فنزلت. ومن طريق قتادة،
قال: ذكرنا له أن رجالاً، فذكر نحوه انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى(١).
(وَنَزَّلَتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحَْبَتَ﴾) [القصص: ٥٦] قال النووي رحمه الله
تعالى: أجمع المفسّرون على أنها نزلت في أبي طالب، وكذا نقل إجماعهم على هذا
الزجاج وغيره، وهي عامّة، فإنه لا يَهَدي، ولا يُضلّ إلا اللّه تعالى.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى﴾ الخ أي لا تقدر على توفيق
من أراد الله خذلانه، وكشف ذلك بأن الهداية الحقيقية هي خلق القدرة على الطاعة،
وقبولها، وليس ذلك إلا لله تعالى، والهداية التي تصحّ نسبتها لغير الله تعالى بوجهٍ مّا
هي الإرشاد والدلالة، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[الشورى: ٥٢] أي ترشد، وتبيّن، كما قال تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّ الْبَلَغُ﴾
[الشورى: ٤٨] وقال: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
قال: وما ذكرناه هو مذهب أهل السنة والجماعة، وهو الذي تدلّ عليه البراهين
القاطعة انتهى. (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث المسيب بن حَزْن رضي اللَّه تعالى عنهما هذا
متفق عليه .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢٠٣٥/١٠٢- وفي ((الكبرى)) ٢١٦٢/١٠٢ - وفي ((التفسير ) ١١٢٣٠
(سورة التوبة)) و١١٣٨٣ ((سورة القصص)). وأخرجه (خ) ١٣٦٠ و٣٨٨٤ و٤٦٧٥
و٤٧٧٢ (م)١٣١ (أحمد) ١٣٢ و١١٦٢. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده :
منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو النهي عن الاستغفار للمشركين.
ومنها: جواز زيارة قبر المشرك. ومنها: جواز البكاء عند القبر. ومنها: أن من لم يعمل
خيرا قط، إذا ختم عمره بشهادة أن لا إله إلا اللّه حكم بإسلامه، وأجريت عليه أحكام
(١)-((فتح)) ج٩ ص ٤٥٨- ٤٥٩ ((كتاب التفسير)) آخر ((سورة القصص)).
(٢)-((المفهم)) ج١ ص١٩٦. ((كتاب الإيمان)).

E
٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
المسلمين، فإن قارن نطق لسانه عقد قلبه نفعه ذلك عند اللَّه تعالى، بشرط أن لا يكون
وصل إلى حدّ انقطاع الأمل من الحياة، وعجز عن فهم الخطاب، وردّ الجواب، وهو
وقت المعاينة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ الثَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ
حٌَّ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِّ تُبْتُ الْتَنَ﴾ الآية [النساء: ١٨] (١). ومنها: أن
الذي ينفع الإنسان عمله، لا نسبه، فإذا كان غير متبع للإسلام، فلا تنفعه شفاعة
الشافعين. ومنها: جواز الحلف من غير استحلاف، حيث قال النبي وَلجر: ((لأستغفرنّ
لك»، وفي رواية مسلم: ((أما والله لأستغفرنّ لك))، قال النوويّ: وكأن الحلف هنا
لتوكيد العزم على الاستغفار، وتطييبًا لنفس أبي طالب انتهى. ومنها: أن الهداية بمعنى
التوفيق للخيرات، وكذا الضلال من اللَّه تعالى، ولا يقدر على ذلك أحد من الخلق، لا
نبيّ مرسل، ولا ملك مقرّب، فهو الذي يهدي من يشاء، ويُضلّ من يشاء، ولقد أحسن
من قال، وأجاد في المقال:
أَضَلَّ مَنْ شَاءَ وَمَنْ شَاءَ هَدَى مَا بِيَدِ الْعَبْدِ ضَلَالٌ وَهُدَى
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٣٦ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي
إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلاً،َ يَسْتَغْفِرُ لِأَبَوَنِهِ، وَهُمَّا
مُشْرِكَانٍ، فَقُلْتُ: أَتَسْتَغْفِرَ لَهُمَا، وَهُمَّا مُشْرِكَانٍ، فَقَالَ: أَوَ لَمْ يَسْتَغْفِرْ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ؟
فَأَتَيْتُ النَّبِيِّ نَّهِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَّهُ، فَتَزَلَتْ: ﴿وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِبْرَهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ
قَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤]).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (إسحاق بن منصور) الكَوْسَج المروزي، ثقة ثبت [١١] ٨٨/٧٢.
٢- (عبدالرحمن) بن مهديّ الحافظ الثبت الناقد البصريّ [٩] ٤٩/٤٢.
٣- (سفيان بن سعيد) الثوريّ الكوفيّ الإمام الثبت الحجة [٧] ٣٧/٣٣ .
٤- (أبو إسحاق) عمرو بن عبدالله السبيعيّ الكوفيّ العابد الثبت يدلس، واختلط
بآخره [٣] ٤٢/٣٨.
٥- (أبو الخليل) عبدالله بن الخليل، ويقال: ابن أبي الخليل، ويقال: عبدالله بن
الخليل بن أبي الخليل الحضرميّ الكوفيّ، مقبول [٢] .
روى عن عمر، وعليّ، وابن عباس، وزيد بن أرقم. وعنه أبو إسحاق السبيعيّ،
(١)-راجع ((الفتح)) ج٩ ص٤٥٩ ((كتاب التفسير سورة القصص)).

٤٥
١٠٢- النّھيُ عن الاستغفارِ لِلمُشرکِینَ - حديث رقم ٢٠٣٦
والشعبيّ، والأعمش، وإسماعيل بن رجاء. ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وفرق بين
عبدالله بن الخليل الحضرميّ، روى عن زيد بن أرقم، وعنه الشعبيّ، وبين عبدالله بن
أبي الخليل، سمع عليا قوله، روى عنه أبو إسحاق، وكذا فرق بينهما البخاريّ، فقال
في الراوي عن زيد بن أرقم: لا يُتابع علیه، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. روى
له الأربعة، وله عند المصنف برقم ٢٠٣٦ و٣٤٨٨ و٣٤٩٠ .
٦- (علي) بن أبي طالب رَّ ٧٤/ ٩١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير أبي الخليل. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه
رواية تابعيّ، عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَلِيٌّ) ◌َثُ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا، يَسْتَغْفِرُ لِأَبَوَيْهِ، وَهُمَا مُشْرِكَانٍ) جملة
في محل نصب، أي والحال أنهما ماتا مشركين (فَقُلْتُ: أَتَسْتَغْفِرُ لَهُمَا، وَهُمَّا مُشْرِكَانٍ؟)
أي والشرك ينافي حصول المغفرة (فَقَالَ: أَوَ لَمْ يَسْتَغْفِرْ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ؟) أي وهو مشرك
(فَأَتَيْتُ النَّبِيِّ ◌ََّ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَّهُ، فَتَزَلَتْ: ﴿وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِبْرَهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا
عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا﴾ [التوبة: ١١٤]) أي مع الآية السابقة، وفي رواية أحمد من طريق
وكيع، عن سفيان: ((فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِنَّبِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ إلى
آخر الآيتين)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان .
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث علي رَّ هذا حسن.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٠٣٦/١٠٢ - وفي ((الكبرى)) ٢١٦٣/١٠٢. وأخرجه (ت)٣١٠١
(أحمد)٧٧٣ و١٠٨٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب)).

٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
١٠٣- الأَمْرُ بِالاسْتِغْفَارِ لِلْمُؤْمِنِينَ
٢٠٣٧ - أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ(١): حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسٍ بْنِ مَخْرَمَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ
عَائِشَةَ تُحدِّثُ، قَالَتْ: أَلَّا أَحَدِّثُكُمْ عَنِّي، وَعَنِ النَِّيِّ نََّ،َ قُلْنَا: بَلَى، قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ
لَيْلَتِي، الَّتِي هُوَ عِنْدِي - تَعْنِي النَّبِيِّ نَّهِـِ انْقَلَبَ، فَوَضَعَ نَعْلَيْهِ، عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ
إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ، إِلَّا رَيْثَمَا ظَنَّ أَنِّي قَدْ رَقَدْتُ، ثُمَّ انْتَعَلَ رُوَيِدًا، وَأَخَذَ رِدَاءَهُ
رُوَيِدًا، ثُمَّ فَتَحَ الْبَابَ رُوَيِدًا، وَخَرَجَ رُوَيْدًا، وَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي، وَاخْتَمِرْتُ،
وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي، وَانْطَلَقْتُ فِي إِثْرِهِ، حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ، فَرَفَعَ بَدَّيْهِ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَأَطَالَ،
ثُمَّ انْحَرَفَ، فَانْحَرَفْتُ، فَأَسْرَعَ، فَأَسْرَعْتُ، فَهَزْوَلَ، فَهَزْوَلْتُ، فَأَخْضَرَ، فَأَحْضَرْتُ،
وَسَبَقْتُهُ، فَدَخَلْتُ، فَلَيْسَ إِلَّا أَنِ اضْطَجَعْتُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ: ((مَا لَكِ يَا عَائِشَةُ، حَشْيَا،
رَابِيَةً؟))، قَالَتْ: لَا، قَالَ: ((لَتُخْبِرِ نِّي، أَوْ لَيُخِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ))، قُلْتُ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ، قَالَ: ((فَأَنَّتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُ أَمَامِي؟))، قَالَتْ:
نَعَمْ، فَلَهَزَنِي فِي صَدْرِي لَهْزَةَ، أَوْجَعَتْنِي، ثُمَّ قَالَ: ؟ أَظَتَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْكِ،
وَرَسُولُهُ؟))، قُلْتُ، مَهْمَا يَكْتُمُ النَّاسُ، فَقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ، قَالَ: ((فَإِنَّ جِبْرِيلَ، أَتَانِي حِينَ
رَأَيْتِ، وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيَّ، وَقَذَّ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ، فَنَادَانِ، فَأَخْفَى مِنْكِ، فَأَجَبْتُهُ، فَأَخْفَيْتُ
مِنْكِ، فَظَتَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَّدْتِ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي، فَأَمَرَنِي أَنْ
آنِيَ الْبَقِيحَ، فَأَسْتَغْفِرَ لَهُمْ)) .
قُلْتُ : كَيْفَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: ((قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُسْلِمِينَ، يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا، وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ)) .
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (عبدالله بن أبي مليكة) هو عبدالله بن عبيدالله بن أبي مليكة زهير بن عبدالله،
نسب لجدّه المكيّ، ثقة فقيه [٣] ١٣٢/١٠١.
٢- (محمد بن قيس بن مَخْرَمة) بن المطّلب بن عبد مناف المطلبيّ، يقال: له رؤية،
ثقة [٢] .
قال أبو داود: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وذكر العسكريّ أنه أدرك النبيّ
(١) -سقطت لفظة ((قال)) من النسخة الهنديّة.

٤٧
١٠٣ - الأمَّرُ بالاستغفارِ لِلمُؤْمِنِینَ - حديث رقم ٢٠٣٧
وَّل، وهو صغير. روى له مسلم، وأبو داود في ((المراسيل))، والترمذيّ، والمصنّف،
له عنده هذا الحديث فقط، كرّره ثلاث مرّات برقم ٢٠٣٧ و ٣٩٦٣ و ٣٩٦٤ .
والباقون تقدموا قريبًا، وحجاج: هو ابن محمد الأعور. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن
تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ اِبْنِ جُرَيْجِ) أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو منسوب إلى جدّه، كما
مرّ آنفًا (أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةً يقول: سَمِعْتُ عَائِشَةَ) تَّها. وفي رواية
مسلم: ((أنه قال يومًا: ألا أحدثكم عنّي، وعن أمّي؟ ، قال: فظننا أنه يريد أمه التي
ولدته، قال: قالت عائشة .... )) (تُحدِّثُ، قَالَتْ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي، وَعَنِ النَّبِيِّ نََّ) أي
عن قصتي التي جرت لي معه نَّهِ (قُلْنَا: بَلَى، قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي) وفي نسخة:
((لما كان ليلتي)). و((كان)) هنا تامّة، فلا تحتاج إلى خبر، أي لما جاءت، وحضرت ليلتي
(الَّتِي هُوَ عِنْدِي) ولفظ مسلم: (التي كان النبيّ وَّر فيها عندي)) (-تَعْنِي النَّبِيَّ وَلِيٍ -
انْقَلَبَ) أي تحوّل عن فراشه الذي اضطجع عليه. وقال السنديّ: أي رجع من صلاة
العشاء (فَوَضَعَ نَعْلَيْهِ، عِنْدَ رِجْلَيْهِ) أي ليمكنه الانتعال عند قيامه للخروج (وَبَسَطَ طَرَفَ
إِزَارِهِ عَلَى فِراشِهِ) زاد في رواية مسلم: ((فاضطجع» (فَلَمْ يَلْبَثْ) أي لم يتأخر في مكانه
(إِلَّ رَيْثَمًا) بفتح الراء، وإسكان الياء، وبعدها ثاء مثلثة: أي قدر ما (ظَنَّ أَنِّي قَدْ رَقَدْتُ)
أي نِمْت (ثُمَّ انْتَعَلَ رُوَيْدًا،) أي مترفقًا متمهّلاً؛ لئلا ينَبّهها، وهو مصدر في موضع
الحال. قاله القرطبيّ (وَأَخَذَ رِدَاءهُ رُوَيْدًا، ثُمَّ فَتَحَ الْبَابَ رُوَيِدًا، وَخَرَجَ رُوَيْدًا) زاد في
روايته في ((عشرة النساء))، وهو في مسلم أيضًا: ((ثم أجافه رويدًا))، أي أغلق الباب
بلطف؛ لئلا تعلم بخروجه، وبقائها في الليل وحدها، فتستوحش، وتُذْعَر (وَجَعَلْتُ)
وفي رواية مسلم: ((فجعلت)) بالفاء (دِرْعِي) أي قميصي (فِي رَأْسِي، وَاخْتَمَرْتُ) أي
لبست الخمار، وهو بكسر الخاء المعجمة: ثوب تُغطي به المرأة رأسها، والجمع
خُمُرٌ، مثل كتاب، وكُتُب، قاله في ((المصباح)) (وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي) أي جعلت إزاري
قِنَاعًا، والظاهر أنها تلففت به فوق خمارها.
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قولها: ((وتقنّعت إزاري))، هكذا هو في الأصول

٤٨
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ
((إزاري)) بغير باء في أوله، وكأنه بمعنى لبست إزاري، فلهذا عُدّي بنفسه انتهى.
(وَانْطَلَقْتُ فِي إِثْرِهِ) أي بعده، يقال: تبعتُهُ في أَثَرِهِ - بفتحتين- وإِثْرِه - بكسر الهمزة،
وسكون المثلثة -: أي تبعته عن قرب. أفاده في ((المصباح)). والذي حملها على
خروجها خلفه، ومتابعتها لما صنعه الغيرة، ظنّت أنه خرج إلى بعض أزواجه (حَتَّى جَاءَ
الْبَقِيعَ) بفتح الموحّدة، كسر القاف، هو في الأصل المكان المتّسع، ويقال: الموضع
الذي فيه شجر، والمراد هنا البقيع المعروف بالمدينة النبوية، وهو مقبرة أهلها، ويقال
له: بقيع الغرقد، والغَرْقد: هو شجر الْعَوْسَج، كان فيه ذلك الشجر، وزال، فبقي
الاسم (فَرَفَعَ يَدَيْهِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أي دعا ثلاث مرّات، رافعا يديه (فَأَطَالَ، ثُمَّ انْحَرَفَ)
أي مال، راجعا إلى بيته (فَانْحَرَفْتُ، فَأَسْرَعَ، فَأَسْرَغْتُ، فَهَزْوَلَ) يقال: هَزْوَلَ هَرْولةً:
أسرع في مشيه، دون الْخَبَب، ولهذا يقال: هو بين المشي والْعَذْو، وجعل جماعة الواو
أصلاً. قاله في (المصباح)). وهو أشدّ من الإسراع (فَهَزْوَلْتُ، فَأَخْضَرَ، فَأَخضَرْتُ)
بالحاء المهملة، والضاد المعجمة، من الإحضار، وهو العَدْوُ، ومثله الْحُضْر بالضمّ،
أي عدا، فعدوت، يقال: عدا في مشيه عَدْوًا، من باب قال: قارب الهرولة، وهو دون
الْجَزْي. قاله في ((المصباح)). أي زاد في الإسراع أشدّ من الذي قبله، فازددت أنا فيه
(وَسَبَقَتُهُ، فَدَخَلْتُ، فَلَيْسَ إِلَّ أَنِ اضْطَجَعْتُ) أي ليس شيء بعد دخول البيت إلا
اضطجاعي، وقال السنديّ: أي فليس بعد الدخول منّي إلا الاضطجاع، فالمذكور اسم
((ليس))، وخبرها محذوف انتهى (فَدَخَلَ، فَقَالَ: ((مَا لَكِ يَا عَائِشَةُ) وفي روايته في
((عشرة النساء))، وهو في مسلم: ((يا عائش)) بالترخيم، ويجوز فيه فتح الشين، يسمى
لغة من ينتظر الحرف، وضمها، ويسمى لغة من لا ينتظر الحرف، وهما وجهان جاريان
في كل المرخمات، كما قال في ((الخلاصة)):
فَالْبَاقِيّ اسْتَعْمِلْ بِمَا فِيهِ أُلِفْ
وَإِنْ نَوَيْتَ بَعْدَ حَذْفِ مَا حُذِفْ
لَو كَانَ بِالآخِرِ وَضْعًا تُمْمَا
وَاجْعَلْهُ إِنْ لَمْ تَنْوِ مَحْذُونًا كَمَا
فَقُلْ عَلَى الأَوَّلِ فِي ثَمُودَ بَا ثَمُو وَيَا ثَمِي عَلَى الثَّانِي بِيَا
(خَشْيَا) منصوب على الحال، وهو بفتح الحاء المهملة، وإسكان الشين المعجمة،
مقصورًا: أي مرتفعة النَّفَس، متواترته، كما يحصل للمسرع في المشي. وقال النوويّ:
معناه: وقد وقع عليكِ الْحَشًا، وهو الربو، والتهيج، الذي يَعرِض للمسرع في مشیه،
والْمُختَدِّ في كلامه، من ارتفاع النفس، وتواتره، يقال: امرأةٌ حَشْيا، وحَشْيَةٌ، ورجل
حَشْيَان، وحَشِ، قيل: أصله من أصاب الربو حشاه انتهى. (رَابِيَةٌ))) أي مرتفعة البطن
(قَالَتْ: لَا) ولَمسلم: ((قلت: لا شيء)) (قَالَ: (لَتُخْبِرِنِّي) بفتح اللام وهي اللام الموطئة

٤٩
١٠٣- الأمرُ بالاستغفارِ لِلمُؤمِنِینَ - حديث رقم ٢٠٣٧
للقسم، أي واللّه لتُخبرني بما صنعت، وقال السنديّ: بفتح لام، ونون ثقيلة، مضارع
للواحدة المخاطبة، من الإخبار، فتكسر الراء هنا، وتفتح في الثاني انتهى (أَوْ لَيُخْبِرَنِي
اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ))) أي يوحي إليّ بذلك (قُلْتُ) وفي نسخة: ((قالت)) (يَا رَسُولَ اللهِ، بِأبِي
أَنْتَ وَأَمْي) متعلق بمحذوف، أي أفديك بأبي وأمي، فلما حذف الفعل انفصل الضمير،
أو ((أنت)) مبتدأ، والجار والمجرور متعلّق بالخبر المقدّر، أي مَفْديٍّ بأبي وأمي (فَأَخبَرْتُهُ
الْخَبَرَ، قَالَ: ((فَأَنْتِ السَّوَادُ) أي الشخص (الَّذِي) وفي نسخة: ((التي)) (رَأَيْتُ أَمَامِي؟»،
قَالَتْ: نَعَمْ، فَلَهَزَنِي فِي صَدْرِي لَهْزَةً) بفتح الهاء، والزاي المعجمة، وفي رواية
لمسلم: ((فلهدني)) بالدال المهملة، وهما متقاربان، قال النوويّ: قال أهل اللغة: لَهَدَه،
ولَهَّدَه - بتخفيف الهاء، وتشديدها: أي دفعه. ولَهَزَه: إذا ضربه بجُمْع كفهِ في صدره.
ويقرب منهما لَّكَزَه، وَوَكَزَه انتهى(١) وهذا كان تأديبا لها من سوء الظنّ (أَوْجَعَتْنِي، ثُمَّ
قَالَ: أَظَتَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْكِ، وَرَسُولُهُ؟) وَ ل ـ أي أن يظلماك، يقال: حاف يَحيف،
خَيْفًا: جار، وظلم، فهو حائف، وجمعه حَافَةٌ، وحُيَّفٌ. أفاده في ((المصباح)).
وقال السنديّ: أي بأن يَدخُل الرسول في نوبتك على غيرك، وذكر ((اللَّه)) لتعظيم
الرسول، والدلالةِ على أن الرسول لا يمكن أن يفعل بدون إذن من اللّه تعالى، فلو كان
منه جور لكان بإذن الله تعالى له فيه، وهذا غير ممكن. وفيه دلالة على أن القَسْم عليه
واجب، إذ لا يكون تركه جورًا إلا إذا كان واجبًا انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحق أن القسم ليس واجبًا عليه، وسيأتي تحقيقه في
محله إن شاء الله تعالى.
(قُلْتُ) وفي نسخة: ((قالت)) (مَهْمَا يَكْتُم النَّاسُ) ((مهما)) شرطية، ولذا جزم الفعل
بعدها، وجوابها قوله (فَقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ) ولمَسلم)) مهما يكتم الناس يعلمه اللَّه)). قال
النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا هو في جميع الأصول، وهو صحيح، وكأنها لما قالت:
مهما يكتم الناس، يعلمه اللَّه)) صدّقت نفسها، فقالت: نعم (قَالَ: ((فَإِنَّ جِبْرِيلَ)فِالَّلِمُ
(أَتَانِي حِينَ رَأَيْتِ) مفعوله محذوف، أي ما صنعته من وضع ردائي، فما بعده (وَلَمْ
يَدْخُلْ عَلَيَّ، وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ) بكسر التاء لخطابِ المرأة، والجملة في محل نصب
على الحالِ من الفاعل، والرابط الواو (فَتَادَانِي، فَأَخْفَى مِنْكِ) أي لئلا تفزع، وتنزعج
(فَأَجَبْتُهُ، فَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ، فَظَتَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتِ) أي إنما فعلت كذلك لظني نومك
(وَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي) مِن عطف العلة على المعلول، أي إنما
کرهت إيقاظك، خشيةً من استيحاشك (فَأُمَرَنِي أَنْ آتِي الْبَقیعَ) على حذف مضاف، كما
يدلّ عليه ما بعده، أي أهل البقيع (فَأَسْتَغْفِرَ لَّهُمْ) وفي رواية مسلم: ((فقال: إن ربك
يأمرك أن تأتي أهل البقيع، فتستغفر لهم)).
(١) -((شرح مسلم)) ج٧ص ٤٧ .

٥٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
قال القرطبيّ: يدلّ على أنه دعا لأهل البقيع، واستغفر، وأن هذا هو الذي عبّر عنه
في الرواية الأخرى: ((يصلي))، وقد قيل: إنه صلى عليهم صلاته على الجنازة، ويؤيّد
هذا القول أنه قد جاء في حديث مالك: ((فأصلي عليهم)). ثم الذي يقول بهذا يرى أن
ذلك خاصّ بالنبيّ وَّر، والأول أظهر، وهذا محتمل انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الاحتمال الثاني بعيد جداً، ومما يبعده قولها: ((ثم
رفع يديه ثلاث مرار))، فالصواب أنه استغفر، ودعا لهم. والله تعالى أعلم.
(قُلْتُ: كَيْفَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) ولمسلم: ((كيف أقول لهم))، والمراد أهل القبور
مطلقًا، لا خصوص أهل البقيع، أي كيف أقول من الذكر والدعاء عند زيارة القبور؟
(قَالَ: ((قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ) أي القبور، تشبيهًا للقبر بالدار في كونه مسكنًا
(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا يدلّ على أن السلام على
الموتى كالسلام على الأحياء؛ خلافا لمن قال: إن تحية الميت: عليك السلام، بتقديم
عليك، تمسكًا بما رُوي أن النبيّ وَّ سلم رجل عليه، فقال: عليك السلام يا رسول
اللَّه، فقال: ((لا تقل: عليك السلام؛ فإن عليك السلام تحيّة الموتى))(٢)، وهذا لا حجة
فيه؛ لأنه وعليه إنما كره منه أن يبدأ بعليك السلام؛ لأنه كذلك كانت تحية الجاهلية
للموتی، كما قال شاعرهم:
عَلَيْكَ سَلَامُ اللَّهِ قَيْسَ بْنَ عَاصِم وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَخَّمَا
ومقصوده ولو أن سلام المؤمنين على الأحياء والموتى مخالف لما كانت الجاهليّة
تفعله، وتقوله، والله أعلم انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث الذي أشار إليه أخرجه أحمد، وأبو داود في
(سننه)) والترمذيّ، وصححه، والنسائيّ، وصححه الحاكم، عن أبي تميمة الْهُجَيميّ،
عن أبي جُرَيّ -بالجيم، والراء، مصغرًا- قال: أتيت رسول اللَّه وَله، فقلت: عليك
السلام يا رسول الله، قال: ((لا تقل: عليك السلام، فإن عليك السلام تحيّة الموتى)).
وقد اعترض الحافظ رحمه الله تعالى، كون البيت المذكور من شعر أهل الجاهلية،
فإن قيس بن عاصم صحابيّ مشهور، عاش بعد النبيّ وَّر، والمرئية المذكورة لمسلم
معروف، قالها لما مات قيس، ومثله ما أخرج ابن سعد وغيره أن الجنّ رثوا عمر بن
الخطاب بأبيات، منها:
(١)- ((المفهم)) بتصرف ج٢ ص ٦٣٥ - ٦٣٦ .
(٢)- رواه أحمد٥/ ٦٣ وأبوداود رقم ٤٠٨٤ والترمذيّ ٢٧٢١ وابن حبان ٥٢٢ .
(٣)-المصدر المذكور.

=
=
٥١
١٠٣- الأمرُ بالاستغفار للمُؤمِنِینَ - حدیث رقم ٢٠٣٧
عَلَيْكَ سَّلَامٌ مِنْ أَمِيرٍ وَبَارَكَتْ يَدُ اللَّهِ فِي ذَاكَ الأَدِيمِ الْمُمَزَّقِ
وقال ابن العربيّ في السلام على أهل البقيع: لا يعارض النهي في حديث أبي جُرَيّ؛
لاحتمال أن يكون اللَّه أحياهم لنبيّه وَلّر، فسلم عليهم سلام الأحياء، كذا قال. قال
الحافظ: ويردّه حديث عائشة المذكور(١).
وقال النوويّ: فيه ترجيح لقول من قال في قوله: ((سلام عليكم دار قوم مؤمنين)):
إن معناه أهل دار قوم مؤمنين، وفيه أن المسلم والمؤمن قد يكونان بمعنى واحد،
وعطف أحدهما على الآخر؛ لاختلاف اللفظ، وهو بمعنى قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَحْنَا مَنْ
كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥-٣٦] ولا يجوز أن
يكون المراد بالمسلم في هذا الحديث غير المؤمن؛ لأن المؤمن إن كان منافقًا لا يجوز
السلام عليه، والترحّم انتهى (٢).
(يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّ) أي المتقدّمين إلى الآخرة، فالسين والتاء فيه، وفي
((المستأخرين ليستا للطلب، بل زائدتان للتوكيد (وَالْمُسْتَأْخِرِينَ) أي المتأخرين في
الدنيا، وهم الأحياء، ففيه الدعاء بالرحمة للأحياء والأموات (وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ
لَاحِقُونَ))) اختُلف في إتيانه بالاستثناء مع أن الموت لا شكّ فيه على أقوال:
((أحدها))، وهو أظهرها: أنه ليس للشكّ، وإنما هو للتبرّك، وامتثال أمر اللَّه له بقوله:
﴿وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدَأْ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ الآية [الكهف: ٢٣-٢٤].
قال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى: الاستثناء قد يكون في الواجب، لا شكًا،
كقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اَللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧]، ولا يُضاف الشك
إلى الله تعالى. ((والثاني)): أنه عادة المتكلّم، يُحسّن به كلامَهُ. ((والثالث)): أنه عائد إلى
اللحوق في هذا المكان، والموتِ بالمدينة. ((والرابع)): أن ((إن)) بمعنى ((إذ)).
((والخامس)): أنه راجع إلى استصحاب الإيمان لمن معه. ((والسادس)): أنه كان معه من
يظنّ بهم النفاق، فعاد الاستثناء إليهم.
وحكى الحافظ أبو عمر أنه عائد إلى معنى ((مؤمنين))، أي لاحقون في حال إيمان؛
لأن الفتنة لا يأمنها أحد، ألا ترى قول إبراهيم فعّالَّلهُ: ﴿وَأَجْتُبْنِ وَبَنِىَّ أَنْ تَعْبُدَ
اُلْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] وقول يوسفعَلَّلهُ: ﴿تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّلِينَ﴾
[يوسف: ١٠١]، ولأن نبينا وال * كان يقول:
(١)- يعني قولها: كيف أقول؟ قال: ((قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين)).
(٢)-((شرح مسلم)) ج٧ص ٤٧ -٤٨. ((كتاب الجنائز)).

٥٢
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزْ
((اللَّهم اقبضني إليك غير مفتون)). واستبعد الأبّيّ الثالث بقوله ولو للأنصار: ((المحيا
محياكم، والممات مماتكم)). قال: إلا أن يكون قال ذلك قبلُ. انتهى.
وقال النووي رحمه الله تعالى بعد ذكر الأقوال الأربعة الأُوَل: ما نصّه: وقيل: أقوال
أُخَر ضعيفة جدًّا، تركتها لضعفها، وعدم الحاجة إليها، منها قول من قال: الاستثناء
منقطع، راجع إلى استصحاب الإيمان. وقول من قال: كان معه وَلّ مؤمنون حقيقة،
وآخرون يظنّ بهم النفاق، فعاد الاستثناء إليهم، وهذان القولان، وإن كانا مشهورین،
فهما خطأ ظاهر انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الراجح عندي هو الأول، فالاستثناء للتبرّك،
وقد ذكرتُ هذه الأقوال في ((كتاب الوضوء))١١٠/ ١٥٠ - باب ((حلية المؤمن»، ولكن
أعدتها هنا، تذكيرًا؛ لطول العهد بها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢٠٣٧/١٠٣ و٢٠٣٩ وفي ((الكبرى) ٢١٦٤/١٠٣ وفي باب ((الغيرة))
من ((عشرة النساء)) ٨٩١١ و٨٩١٢ .
أخرجه هناك أوّلا عن سليمان بن داود، عن ابن وهب، عن ابن جريج، عن عبدالله
ابن كثير، عن محمد بن قيس، وساقه، ثم قال: خالفه حجاج، فقال: عن ابن جريج،
عن ابن أبي مليكة، عن محمد بن قيس، فساقه بسند الباب، ولفظِهِ، ثم قال: قال
أبو عبد الرحمن: رواية عاصم(١)، عن عبدالله بن عامر بن ربيعة، عن عائشة على غير
هذا اللفظ، قالت: فقدته من الليل، فتبعته، فإذا هو بالبقيع، قال: ((سلام عليكم دار
قوم مؤمنين، أنتم لنا فرط، وإنا لاحقون، اللَّهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم)).
قالت: ثم التفت إليّ، فقال: ((ويحها، لو تستطيع ما فعلت)) انتهى (٢).
وأخرجه (م)٢٢٥٣ (ت)٧٣٩ (ق) ١٣٨٩ (أحمد) ٢٤٢٨٠ و٢٤٩٤٣ و٢٥٣٢٧
و٢٥٤٨٧. والله تعالى أعلم.
(١)-وطريق عاصم أخرجها أحمد رقم ٢٣٩٠٤ وابن ماجه رقم ١٥٤٦ وهي رواية ضعيفة، لأن في
سندها عاصم، وهو ابن عبيدالله بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو ضعيف.
(٢)- راجع ((السنن الكبرى)) ج٥ ص٢٨٨ -٢٩٠. ((كتاب عشرة النساء)).

=
٥٣
١٠٣- الأمرُ بالاستغفار لِلمُؤمِنِینَ - حديث رقم ٢٠٣٨
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف رحمه اللَّه تعالى، وهو الأمر بالاستغفار للمؤمنين.
ومنها: مشروعية القَسْم بين الزوجات في المبيت، وغيره. ومنها: ما جُبلت عليه
النساء، من الغيرة. ومنها: حسن أخلاق النبيّ وَليزر، ورأفته بأهل بيته، حيث إنه لم يفعل
ما يُدخل على عائشة الوحشة، بل تلطّف في الخروج. ومنها: كون الملائكة لا تدخل
بيتا، فيه امرأة وضعت ثيابها. ومنها: رأفة اللّه تعالى، ورحمته بأهل البقيع حيث أمر نبيه
وَ لفر أن يستغفر لهم. ومنها: جواز ترخيم الاسم، إذا لم يكن فيه إيذاء للمرخّم. ومنها:
مشروعية تأديب الزوج زوجته بالضرب باليد ونحوه، ولو أوجعها ذلك. ومنها: أن
رسول اللَّه وَليل لا يظلم أحدًا، لأن الله سبحانه وتعالى يكرمه بالوحي، ويرشده إلى ما
هو الصواب، فلا يقع في الحيف والظلم. ومنها: استحباب إطالة الدعاء، وتكريره،
ورفع اليدين فيه. ومنها: أن دعاء القائم أكمل من دعاء الجالس في القبور. ومنها:
جواز زيارة القبور للنساء، وقد تقدم تمام البحث في ذلك قريبًا. ومنها: استدلّ بعضهم
بقوله: ((أن يحيف الله عليك، ورسوله)) على أن القَسْم واجب على النبيّ بَّر، لكن
الراجح من أقوال أهل العلم في ذلك عدم وجوب القسم عليه وَّة، لقوله تعالى: ﴿تُرْجِى
مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾ الآية [الأحزاب: ٥١]، ولكنه وَّلو كان يَقسِم لكريم
أخلاقه، وحسن عشرته وَ لـ ومنها: استحباب هذا الدعاء في زيارة القبور. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٣٨ - أَخْبَرَنِي(١) مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ
- وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَلْقَمَةً بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمّهِ،
أَّا سَمِعَتْ عَائِشَةَ، تَقُولُ:" قَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَرَ، ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَلَبِسَ ثِيَابَهُ، ثُمَّ خَرَجَ،
قَالَتْ: فَأَمَرْتُ(٢) جَارِيَتِي، بَرِيرَةَ، تَتْبَعُهُ، فَتَبِعَتْهُ، حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ، فَوَقَفَ فِي أَدْنَاهُ، مَا
شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقِفَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَسَبَقَتْهُ بَرِيرَةُ، فَأَخْبَرَتْنِي، فَلَمْ أَذْكُرْ لَهُ شَيْئًا، حَتَّى
أَصْبَحْتُ، ثُمَّ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: ((إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أَهْلِ الْبَقِيعِ، لِأَصَلِّيَ عَلَيْهِمْ)) .
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (محمد بن سلمة) المراديّ المصريّ، ثقة ثبت [١١] ٢٠/١٩.
٢- (الحارث بن مسكين) القاضي المصريّ، ثقة فقيه [١٠] ٩/٩.
(١)- وفي نسخة: ((أخبرنا)).
(٢)-وفي نسخة: ((وأمرت» بالواو.

٥٤
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزْ
٣- (ابن القاسم) عبدالرحمن الْعُتَقيّ المصريّ، ثقة فقيه، من كبار [١٠] ٢٠/١٩.
٤- (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الفقيه الثبت الحجة [٧] ٧/ ٧ .
٥- (علقمة بن أبي علقمة) بلال المدنيّ، مولى عائشة، وهو علقمة بن أم علقمة،
واسمها مرجانة، ثقة علّامة [٥].
قال ابن معين، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، لا بأس
به. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال: مات في آخر خلافة أبي جعفر، وقد روى
عن أنس أحرفًا، فلا أدري أدلّسها، أو سمعها منه. وقال ابن سعد: مات في خلافة
المنصور، وله أحاديث صالحة، وكان له كُتَّب يُعلّم النحو، والعربيّة، والعروض.
وقال ابن عبدالبرّ: كان ثقة مأمونًا، واسم أمه مَرْجانة. روى له الجماعة، وله عند
المصنف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث.
٦- (أم علقمة) اسمها مَرْجانة، مقبولة [٣].
روت عن معاوية، وعائشة. وعنها ابنها علقمة. قال العجليّ: مدنيّة، تابعية، ثقة.
وذكرها ابن حبّان في ((الثقات)). علّق لها البخاريّ في ((الصحيح))، وأخرج لها في
((الأدب المفرد))، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنف، ولها عنده في هذا الكتاب حديثان
فقط: هذا، و٢٩١٢ حديث: ((إذا أردت دخول البيت فصلي ههنا .. )).
٧- (عائشة) أم المؤمنين تحديثها٥/٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رواته كلهم رواة
الصحيح، غير شيخه الحارث، وأم علقمة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنين، من مالك.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ) اسم أبيه بلال (عَنْ أُمِّهِ) مَزْجانة، وتكنى بابنها، تابعية
ثقة، وهي مولاة عائشة بلا خلاف(١) (أَنَّا سَمِعَتْ عَائِشَةَ، تَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ لِ لّه
ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَلَبِسَ ثِيَّابَهُ، ثُمَّ خَرَجَ، قَالَتْ: فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي، بَرِيرَةً) - بموحدة مفتوحة،
وراءين، بينهما تحتانيّة ساكنة، ثم هاء- صحابية مشهورة، عاشت إلى زمن يزيد بن
معاوية (تَتْبَعُهُ) يحتمل أن تكون عائشة رضيها فعلت ذلك مراعاة لأحواله وَالر، ويحتمل
(١) -((شرح الزرقاني)) ج٢ ص٩١.

٥٥ =
١٠٣ - الأمرُ بالاستغفار لِلمُؤمِنِینَ - حديث رقم ٢٠٣٨
أن يكون مخافة أن يأتي بعض حُجَر نسائه، والأول أظهر، لأنه لم يعنفها هنا، كما
عنفها فيما تقدم. والله تعالى أعلم
(فَتَبِعَتْهُ، حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ، فَوَقَفَ فِي أَذْنَاهُ) أي أقرب جهاته إلى بيته (مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ
يَقِفَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَسَبَقَتْهُ بَرِيرَةُ، فَأَخْبَرَتْنِي) أي بما فعل في البقيع، من الدعاء
والاستغفار لهم (فَلَمْ أَذْكُرْ لَهُ شَيْئًا، حَتَّى أَضْبَحْتُ، ثُمَّ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَّهُ، فَقَالَ: ((إِنّي
بُعِثْتُ إِلَى أَهْلِ الْبَقِيعِ، لِأَصَلِّيَ عَلَيْهِمْ)) ) أي لأدعو، وأستغفر لهم. هذا محل استدلال
المصنّف رحمه الله تعالى لترجمته، ((الأمر بالاستغفار للمؤمنين))، ووجهه أن المراد
بالصلاة هو الاستغفار، وهذا هو المعنى الظاهر الذي يؤيده حديث عائشة السابق
رَّها، وغيره، والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى: يحتمل أن تكون الصلاة ههنا الدعاء، فإن
كان ذلك، ففيه دليل على أن زيارة القبور، والدعاء لأهلها عندها أفضل، وأرجى لقبول
الدعاء، فكأنه أُمر أن يستغفر لهم، ويدعو بالرحمة، كما قيل له: ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ
وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [سورة محمد: ١٩]. ويحتمل أن تكون الصلاة ههنا الصلاة على
الموتى، فإن كان ذلك فهو خصوص لهم، فإجماع المسلمين على أنه لا يصلّي أحد على
قبر مرتين، ولا يصلي أحد على قبر مَن لم يُصلَّ عليه إلا أن يكون بحِذْثَان ذلك، وأكثر
ما قالوا في ذلك ستة أشهر.
ويحتمل أن يكون هذا ليعلمهم بالصلاة منه عليهم؛ لأنه ربما دُفن من لم يصلّ عليه؛
كالمسكينة ومثلها؛ ليكون مساويا بينهم في الصلاة عليهم، ولا يؤثر بعضهم بذلك ليتمّ
عدله فيهم؛ لأن صلاته على من صلى عليه رحمة، وبركة، ورفعة.
ومن هذا المعنى قسم صلاة الخوف بالطائفتين، ولم يقدّم أحدًا من أصحابه، يصلي
بالطائفة الأخرى؛ ليشملهم عدله، ولا يؤثر بعضهم لنفسه.
وقد قيل: إن خروجه للبقيع للصلاة على أهله كان كالمودّع الأحياء والأموات.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن الاحتمال الأول هو الظاهر، كما هو رأي
المصنف رحمه الله تعالى، كما ذكرته قريبًا، فإنه يؤيّده حديث عائشة تعطّها الذي قبل
هذا، فالمراد بالصلاة هنا هو الدعاء، والاستغفار لهم. والله تعالى أعلم.
قال: وقوله: ((إني بعثت إلى أهل البقيع لأصلي عليهم))، فهو عندي كلام خرج
مخرج العموم، ومعناه الخصوص، كأنه قال: بُعثت إلى البقيع لأصلي على من لم
أصل عليه من أصحابي ليعمّهم بذلك.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله أبو عمر رحمه الله تعالى، فيه نظر،

٥٦
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزْ
بل الظاهر أن الصلاة هنا هي الاستغفار، وأنها للجميع. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة تَّها هذا صحيح.
فإن قلت: في سنده أم علقمة، ولم تسمّ، فكيف يصح؟
قلت: أم علقمة اسمها مرجانة، مولاة عائشة جثتها ، تابعيّة، ثقة، وقد تقدم ذكر من
وثقها، فلا يضرّ عدم تسميتها هنا، والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٠٣٧/١٠٣ - وفي («الكبرى»٢١٦٥/١٠٣. وأخرجه مالك في
((الموطإ)) ٥٧٣ . والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو الأمر بالاستغفار للمؤمنين.
ومنها: أن فيه بيان فضيلة بريرة رَديثها، حيث كانت تخدم رسول اللّه بَلَّ، وهي مولاة
لعائشة رضيثتها. ومنها: جواز الاستخدام بعد العتق، وأنه لا يمنع من الاستخدام، لكن
برضا المعتق. ومنها: جواز الاستخدام بالليل، وذلك فيما هو خفيف، أو فيه طاعة لله
سبحانه وتعالى. ومنها: ما كانوا عليه من مراعاة أحوال رسول اللَّه وَالهول ليلاً ونهارًا.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٣٩ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ -وَهُوَ ابْنُ
أَبِي نَمِرٍ - عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةً، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، كُلَّمَا كَانَتْ لَيْلَتُهَا، مِنْ
رَسُولِ اللّهِ وَهِ يَخْرُجُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، إِلَى الْبَقِيعِ، فَيَقُولُ: ((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، دَارَ قَوْم
مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا وَإِيَّاكُمْ، مُتَوَاعِدُونَ غَدًا، أَوْ مُؤَاكِلُونَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ،
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ).
رجال هذا الإسناد : خمسة :
١- (عليّ بن حُجْر) المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/١٣.
٢- (إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبت [٨] ١٦/ ١٧.
٣- (شريك بن عبدالله بن أبي نمر) أبو عبدالله المدنيّ، صدوق يخطئ [٥] ٥٢٪
١٢٩٠ .
٤- (عطاء) بن يسار الهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقة فاضل،
صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٣] ٨٠/٦٤.

٥٧
١٠٣ - الأمّرُ بالاستغفارِ لِلمُؤْمِنِينَ - حديث رقم ٢٠٣٩
٥- (عائشة) رَبثتها ٥/٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): ان فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه عائشة رضي الله تعالى
عنها من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) تَهَا، أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وِ، كُلَّمَا كَانَتْ لَيْلَتُهَا) الظاهر أنه
يخرج كلّ ليلة من ليالي عائشة تعطيثها، وقال السنديّ: أي في آخر عمره بعد حجة
الوداع انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: لم يذكر السنديّ مستنده في تحديد الوقت بكونه بعد
حجة الوداع، فالله تعالى أعلم (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ له) الجارّ والمجرور متعلق بصفة
((لیلتها))، أو بحال منه.
قال الطيبيّ ((كلما)) ظرف فيه معنى الشرط، والعموم، وجوابه قوله (يَخْرُجُ) وهو
العامل فيه، وهذا حكاية معنى قول عائشة، لا لفظها، أي كان من عادته ◌َ القول أنه إذا بات
عندها أن يخرج (فِي آخِرِ اللَّيْلِ، إِلَى الْبَقِيع) أي بقيع الغرقد، وفيه فضلية الدعاء آخر
الليل، وفضيلة زيارة قبور البقيع. (فَيَقُولُ: ((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، دَارَ قَوْم مُؤْمِنِينَ) (دار))
منصوب على النداء، والتقدير يا أهل دار قوم، فحذف المضاف، وأقّام المضاف إليه
مقامه، وقيل: منصوب على الاختصاص. قال صاحب ((المطالع)): ويجوز جرّه على
البدل من الضمير في ((عليكم)). وقيل: الدار مقحم. وقال الخطابيّ: وفيه أن اسم الدار
يقع على المقابر، قال: وهو صحيح، فإن الدار في اللغة يقع على الرَّبْع المسكون،
وعلى الخراب غير المأهول انتهى (وَإِنَّا وَإِيَّاكُمْ، مُتَوَاعِدُونَ غَدًا) أي كلّ منا ومنكم وعد
صاحبه حضور غد، أي يوم القيامة. قاله السنديّ (أَوْ مُؤَاكِلُونَ) وفي نسخة:
((ومتواكلون))، أي متكل بعضنا على بعض في الشفاعة والشهادة. والله تعالى أعلم.
قاله السنديّ أيضًا. ولفظ ((الكبرى)): ((وإنا أو إياكم مُواعَدون غدًا، ومؤجلون)). ولفظ
مسلم: ((وأتاكم ما توعدون غدًا، مؤجلون)) (وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ) تقدم فائدة
تقييده بالمشيئة قريبًا (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ))) وهو موضع بظاهر المدينة، فيه
قبور أهلها، قال في ((النهاية)): هو المكان المتسع، ولا يسمّى بقيعًا إلا وفيه شجر، أو
أصولها، والغرقد شجر، والآن بقيت الإضافة، دون الشجر. وقال النوويّ: سمي بقيع

٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزْ
الغرقد، لغرقد كان فيه، وهو ما عظم من العَوْسج(١) وفيه إطلاق الأهل على ساكن
المكان، من حيّ وميت انتهى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٠٣٩/١٠٣- وفي ((الكبرى))٢١٦٦/١٠٣. وأخرجه (م) ٢٢٥٢ .
وفوائد الحديث تقدّمت قريبًا، فلتراجَع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٤٠- أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ عَلْقَمَّةَ بْنِ مَرْقَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيِهِ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلِهِ، كَانَ إِذَا
أَتَى عَلَى الْمَقَابِرِ، فَقَالَ: ((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَهْلَ الدِّيَارِ، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا
إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ، وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعْ، أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ، لَنَا وَلَكُمْ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (عبيدالله بن سعيد) أبو قُدَامة السرخسيّ، ثقة مأمون سنيّ [١٠] ١٥/١٥.
٢- (حرميّ بن عُمارة) بن أبي حفصة نابت بنون، وموحّدة، ثم مثناة، وقيل: ثابت
كالجادّة، العَتّكيّ مولاهم، أبو رَوْح البصريّ، صدوق يهم [٩] ١٢٢ / ١٧٧ .
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور.
٤- (علقمة بن مرثد) -بفتح الميم، وسكون الراء، بعدها مثلّثة- الحضرميّ، أبو
الحارث الكوفيّ، ثقة [٦] ١٣٣/١٠١.
٥- (سليمان بن بُريدة) بن الحصيب الأسلميّ المروزيّ قاضيها، ثقة [٣] ١٠١/
١٣٣ .
٦- (أبوه) بُرَيدة بن الحصيب ◌َّه تقدم قريبًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم.
(١)- العوسج شجر الغرقد العظيم، وهو كثير الشوك، عديم الثمر.
(٢) - ((شرح مسلم)) ج٧ ص ٤٥.

=
٥٩
١٠٣ - الأمرُ بالاستغفارِ لِلمُؤْمِنِینَ - حديث رقم ٢٠٤١
شرح الحديث
(عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بريدة بن الحصيب رَّه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، كَانَ
إِذَا أَتَى عَلَى الْمَقَابِرِ) ولفظ مسلم، من طريق سفيان الثوريّ، عن علقمة بن مرثد: ((كان
رسول اللّه وَ لَه يعلّمهم إذا خرجوا إلى المقابر ... )) (فَقَالَ: ((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَهْلَ
الدِّيَارِ، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، أَنْتُمْ لَنَا فَرَطْ)
بفتحتين: أي متقدّمون علينا إلى الدار الآخرة، وأصل الفرط هو المتقدّم في طلب
الماء، يََّيء الدِّلَاءِ، والأَزْشاء، يقال: فَرَطَ القومَ فُرُوطًا، من باب قَعَد: إذا تقدم
لذلك، يستوي فيه الواحد، والجمع، يقال: رجلٌ فَرَطْ، وقومٌ فَرَطْ. أفاده في
(المصباح)). (وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعْ) أي متبعون لكم، وآتون إلى الآخرة بعدكم، فـ((التبع))
بفتحتين يستوي فيه الواحد، وغيره، يقال: تَبع زيد عمرًا، من باب تَعِبَ: مشى خلفه،
أو مَرَّ به، فمضى معه، والمصلي تبع لإمامه، والناس تبعّ له، ويكون واحدًا، وجمعًا،
ويجوز جمعه على أتباع، مثلُ سبب وأسباب. قاله في ((المصباح)) (أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ) أي
محوَ الذنوب عنا، يقال: عفا اللَّه عنك: أي محا ذنوبَك، وعفوتُ عن الحقّ: أسقطتُهُ،
كأنك محوتَهُ عن الذي هو عليه، وعافاه اللَّه: محا عنه الأسقام. و((العافية)): اسم منه،
وهي مصدر جاءت على فاعلة، ومثله ناشئةُ الليل، بمعنى نُشُوء الليل، والخاتمةُ: بمعنى
الختم، والعاقبة: بمعنى الْعُقُب، و﴿لَسَ لِوَقْعَنِهَا كَاِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]. قاله الفيّوميّ (لَنَا
وَلَكُمْ))) متعلّق بـ((أسأل))، أو بالعافية، أو بمحذوف صفة (العافية))، أو حال منه. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث بريدة بن الحصيب ◌َّ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٠٤٠/١٠٣ - وفي ((الكبرى)) ٢١٦٧/١٠٣. وأخرجه (م) ٢٢٥٤
(ق)١٥٤٧ (أحمد) ٢٢٤٧٦ و٢٢٥٣٠. وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت قريبًا، فلا
حاجة إلى إعادتها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل.
٢٠٤١- أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ، قَالَ النَِّيُّ ◌َِّهُ: ((اسْتَغْفِرُوا لَهُ)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم للمصنّف رحمه

٦٠
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِز
اللّه تعالى، في باب ((الصفوف على الجنازة)) - ١٩٧١/٧٢ - رواه هناك عن سويد بن
نصر، عن ابن المبارك، عن مالك، عن ابن شهاب به، وتقدّم الكلام عليه هناك، أورده
هنا استدلالاً على الأمر بالاستغفار للمؤمنين، واستدلاله به واضح، و((سفيان)): هو ابن
عيينة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٤٢- أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، وَابْنُ الْمُسَيْبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةً أُخْبَرَهُمَا، أَنَّ رَسُولَّ
اللّهِ وَِّهَ نَعَى لَهُمُ النَّجَاشِيَّ، صَاحِبَ الْحَبَشَةِ، فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ:
(اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ)).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد مرّ بيانه في الذي قبله.
و ((أبو داود)): هو سليمان بن سيف الحرانيّ الثقة الحافظ [١١] ١٣٦/١٠٣ و((يعقوب بن
إبراهيم)): هو الزهريّ المدنيّ، ثم البغداديّ، ثقة فاضل [٩]٣١٤/١٩٦. و(«أبوه)): هو:
إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف المدني، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨]
٣١٤/١٩٦. و((صالح)): هو ابن كيسان المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٤] ٣١٤/١٩٦.
[تنبيه]: وقع في نسخ ((المجتبى)) ((عن أبي صالح))، وهو غلط فاحشٌ، والصواب
((عن صالح))، وهو ابن كيسان، كما ذكرنا، وعلى الصواب وقع في ((الكبرى)). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٠٤ - التَّغْلِيظُ فِي التَّاذِ السُّرْجِ عَلَى
الْقَبُورِ
((السرُج)) بضمتين: جمع سراج، وهو المصباح. قاله الفيوميّ.
٢٠٤٣- أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ جُحَادَةَ، عَنْ
أَبِ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ((لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ، وَالْمُتَّخِذِينَ
عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ، وَالسُّرُجَ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (قتيبة) بن سعید المذکور قریبًا.