Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
٦٤- الصَّلَةُ عَلَى الْمَرْجُوم - حديث رقم ١٩٥٧
الفعل إلى السبب الآمر، ولفظ مسلم: ((فأمر بها، فرُجمت))، وفي رواية لمسلم: ((ثم أمر
بها، فحُفر لها إلى صدرها، وأمر الناس، فرجموها، فيُقبِلُ خالد بن الوليد بحجر، فرمی
رأسها، فتَنَضَّح الدمُ على وجه خالد، فسبها، فسمع نبيّ اللَّه ◌ِّر سبّه إياها، فقال: مَهْلاً
يا خالد، فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبةً، لو تابها صاحب مكس لغُفر له)) (ثُمَّ
صَلَّى، عَلَيْهَا) أي صلى النبيّ وَلِّ على تلك المرأة المرجومة، وهذا محلّ الترجمة حيث
إنه يدلّ على مشروعية الصلاة على المرجوم.
قال القاضي عياض ◌َّلُ عند قوله: ((ثم أمر بها، فصلّى عليها)): هي بفتح الصاد،
واللام عند جماهير رواة ((صحيح مسلم))، قال: وعند الطبريّ بضم الصاد، قال: وكذا
هو في رواية ابن أبي شيبة، وأبي داود، قال: وفي رواية لأبي داود: ((ثم أمرهم أن
يصلّوا عليها)).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: معنى هذه الرواية: أمرهم أن يصلوا عليها معه، فلا
تنافي رواية ((ثم صلَّى عليها)). والله تعالى أعلم.
وقال النووي ◌َّلهُ: وقد اختلف العلماء في الصلاة على المرجوم، فكرهها مالك،
وأحمد للإمام، ولأهل الفضل، دون باقي الناس، ويصلي عليه غير الإمام، وأهل
الفضل، وقال الشافعيّ وآخرون: يصلي عليه الإمام، وأهل الفضل وغيرهم، والخلاف
بين الشافعيّ، ومالك إنما هو في الإمام، وأهل الفضل، وأما غيرهم فاتفقا على أنه
يصلي، وبه قال جماهير العلماء، قالوا: فَيُصَلَّى على الفُسّاق، والمقتولين في الحدود،
والمحاربة، وغيرهم. وقال الزهريّ: لا يُصلّي أحد على المرجوم، وقاتل نفسه. وقال
قتادة: لا يصلى على ولد الزنا.
واحتجّ الجمهور بهذا الحديث، وفيه دلالة للشافعيّ أن الإمام، وأهل الفضل يصلون
على المرجوم كما يصلي عليه غيرهم، وأجاب أصحاب مالك عنه بجوابين:
أحدهما: أنهم ضعفوا رواية الصلاة، لكون أكثر الرواة لم يذكروها.
والثاني: تأولوها على أنه وَلّ أمر بالصلاة، أو دعا، فسمي صلاةً على مقتضاها في
اللغة. وهذان الجوابان فاسدان :
أما الأول: فإن هذه الزيادة ثابتة في ((الصحيح))، وزيادة الثقة مقبولة. وأما الثاني:
فهذا التأويل مردود، لأن التأويل إنما يُصار إليه إذا اضطرت الأدلة الشرعية إلى ارتكابه،
وليس هنا شيء من ذلك، فوجب حمله على ظاهره، والله أعلم انتهى كلام النوويّ
رحمه الله تعالى(١) وقد تقدّم زيادة تحقيق لبيان اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة على
المرجوم ونحوه في الباب الماضي مُستوفّى، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.

٢٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
(فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَتُصَلِّي عَلَيْهَا، وَقَدْ زَنَتْ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي كيف
تصلي عليها، والحال أنها زانية، وهذا ظنّ من عمر وظّه أن فعل الفاحشة مما يمنع
الصلاة على الميت (فَقَالَ: (لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةٌ) التنوين للتعظيم والتكثير، أي توبة عظيمة
كثيرة (لَوْ قُسِمَتْ عَلَى سَبْعِينَ) وفي نسخة: ((بين سبيعين)) (مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، لَوَسِعَتْهُمْ)
أي لكفتهم (وَهَلْ وَجَدْتَ) بتاء الخطاب؛ والخطاب لعمر ◌َّهِ (تَوْبَةً، أَفْضَلَ مِنْ أَنْ
جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) من الْجُود، كأنها تصدّقت بالنفس لله، حيث أقرّت لله بما
أدّى إلى الموت، يعني أنها بذلت نفسها في مرضاة الله تعالى.
وفي قصّة خالد المتقدّمة: ((لقد تابت توبةٌ، لو تابها صاحب مَكْسٍ لغُفِر له)). قال
القرطبيّ ◌َّلهُ: صاحب المكس: هو الذي يأخذ من الناس ما لا يلزمهم شرعًا من
الوظائف المالية بالقهر والجَبْر، ولا شكّ في أنه من أعظم الذنوب، وأكبرها،
وأفحشها، فإنه غصبٌ، وظلمٌ، وعسفٌ على الناس، وإشاعة للمنكر، وعملٌ به،
ودوامٌ عليه، ومع ذلك كلّه إن تاب من ذلك، ورَدَّ المظالم إلى أربابها صحّت توبته،
وقُبلت، لكنّه بعيد أن يتخلّص من ذلك، لكثرة الحقوق، وانتشارها في الناس، وعدم
تعيين المظلومين، انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عمران بن حصين رضي اللَّه تعالى عنهما هذا
أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١٩٥٧/٦٤- وفي ((الكبرى)) ٢٠٨٤/٦٤ و٧١٨٨/١٥ و٧١٨٩ في
كتاب الرجم. وأخرجه (م)١٦٩٦ (د) ٤٤٤٠ (ت)١٤٣٥ (أحمد) ١٩٣٦٠ و١٩٤٠٢
و١٩٤٢٤ (الدارميّ) ٢٣٢٥ . والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو مشروعيّة الصلاة على المرجوم.
ومنها: أن المرأة ترجم إذا زنت، وهي محصنة، كما يُرجم الرجل، وهذا الحديث
محمول على أنها كانت محصنة، لأن الأحاديث الصحيحة، والإجماع متطابقان على أنه
(١) -(شرح مسلم)) ج١١ ص٢٠٣ ((كتاب الحدود)) رقم الحديث ٤٤٠٨.
(٢)-(المفهم)) ج ٥ ص٩٩- ١٠٠ (كتاب الحدود)).

٢٤٣
٦٤- الصَّلَةُ عَلَى الْمَرْجُوم - حديث رقم ١٩٥٧
لا يُرجم غير المحصن. ومنها: أن الحبلى لا تُرجم حتى تضع حملها، سواء كان
حملها من زنا أو غيره، وهذا مجمع عليه، لئلا يُقتَل جنينُها، وكذا لو كان حدّها الجلد،
وهي حامل لم تُجلد بالإجماع حتى تضع، وكذا من وجب عليها قصاص، وهي حامل لا
يُقتصّ منها حتى تضع، وهذا مجمع عليه أيضًا، ثم لا ترجم الحامل الزانية، ولا يقتصّ
منها بعد وضعها حتى تسقي ولدها اللّبًا (١)، ويستغني بلبن غيرها. قاله النوويّ رحمه
الله تعالى. وقال القرطبيّ ريّلهُ : فیه دليل على أن الجنين، وإن كان مِن زنی له حرمة،
وأن الحامل لا تُحدّ حتى تضع حملها، وهذا لا خلاف فيه، إلا شيء روي عن أبي حنيفة
على خلاف عنه فيه. قاله في ((المفهم)).
ومنها: أن توبة الزاني لا تُسقط عنه حدَّ الزنا، وكذا حكم السرقة، والشرب، قال
النوويّ يْدَّثُ: هذا أصحّ القولين في مذهبنا، ومذهب مالك، والثاني أنها تُسقط ذلك،
وأما توبة المحارب قبل القدرة عليه، فتسقط حدّ المحاربة بلا خلاف عندنا، وعند ابن
عباس وغيره لا تسقط انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الرأي الأول هو الحقّ، لظاهر قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ
تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَيِهِمْ فَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة المائدة: ٣٤]. والله
تعالى أعلم.
ومنها: استحباب جمع أثواب المرجومة عليها، وشدّها بحيث لا تنكشف عورتها في
تقلّبها، وتكرارِ اضطرابها. قال النوويّ ◌َخّْتُهُ: واتفق العلماء على أنه لا ترجم إلا
قاعدة، وأما الرجل فجمهورهم على أنه يُرجم قائمًا، وقال مالك: قاعدًا، وقال غيره:
يخير الإمام بينهما انتهى.
ومنها: أن في رواية ((فأمر الناسَ، فرجموها))، وكذا قوله في قصّة ماعز: ((أمرنا أن
نرجمه)) دلالة لمذهب الشافعيّ، ومالك، وموافقيهما أنه لا يلزم الإمام حضور الرجم،
وكذا لو ثبت بشهود لم يلزمه الحضور. وقال أبو حنيفة، وأحمد: يحضر الإمام مطلقًا،
وكذا الشهود، إن ثبت ببيّنة، ويبدأ الإمام بالرجم، إن ثبت بالإقرار، وإن ثبت بالشهود
بدأ الشهود.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأوّل هو الراجح، لثبوت أنه وَّ لم يحضر
الرجم، بل أمر الصحابة به.
وأما ما وقع في رواية أبي داود: أن رسول الله و لل أخذ حصاة مثل الحمّصة، فرماها
به، فقال القرطبيّ: هي رواية شاذّة مخالفة للمشهور من حديث الغامديّة انتهى. والله
(١)- اللََّأ وزان عِنَبِ: أول اللبن عند الولادة. اهـ ((المصباح)).

٢٤٤
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ
تعالى أعلم.
ومنها: أن الحدود لا يبطلها طول الزمان، وهو مذهب الجمهور، وقد شذّ بعضهم،
فقال: إذا تطاول الزمان على الحدّ بطل. قاله أبو حنيفة في الشهادة بالزنى، والسرقة
القديمين، وهو قول لا أصل له. قاله القرطبيّ.
ومنها: أنه لا يُسبّ من أقيم عليه الحدّ، ولا يؤذى بقَذِع الكلام، فإنه ◌َّ قال لخالد
ابن الوليد لما سبّ الغامديّة رَّها: ((مهلاً يا خالد، فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبةً
لو تابها صاحب مَكْس لغُفِر له)).
وقد أخرج المصنّف ◌َقّْلهُ في ((الكبرى)) بسند حسن قصّةً ماعز بن مالك تَّه ،
وفيه: فأمر رسول اللّه وَلِّ أن يُرجم، فرُجم، فسمع رجلين من أصحابه يقول أحدهما
لصاحبه: انظروا إلى هذا الذي ستر اللّه عليه، فلم تَدَعه نفسه حتى رُجِم رَجْمَ الكلب،
فسكت عنهما رسول اللّه وَ لتر، ثم سار، فمرّ بجيفة حمار شائل برجله، فقال: ((أين
فلان، وفلان؟))، فقالا: نحن ذا يا رسول الله قال لهما: ((كُلًا من جيفة هذا الحمار))،
فقالا: يا رسول اللَّه غفر الله لك مَن يأكل هذا؟ فقال رسول اللّه وَلّر: ((ما نِلتما من
عِرض هذا آنفًا لشرّ من أكل هذه الجيفة، فوالذي نفسي بيده إنه الآن في أنهار
الجنة))(١).
وبقية فوائد الحديث تقدمت في الباب الماضي، وكذا بيان المذاهب في حكم
الصلاة على المرجوم، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
(١)-انظر ((السنن الكبرى)) ج٥ ص ٢٧٧ رقم الحديث ٧١٦٥ .

٢٤٥ =
٦٥- الصَّلاةُ علی من یحیفُ فِي وَصِیتِهِ - حديث رقم ١٩٥٨
٦٥ - الصَّلَاةُ عَلَى مَنْ يَحِيفُ فِي
وَصِيَّتِهِ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذا بيان مشروعية
الصلاة على من جار في وصيته، ووجه استدلاله بحديث الباب، أنه وَّر همّ بترك
الصلاة عليه، ولم يفعل، فدلّ على أن الصلاة عليه مشروعة، لكن يدلّ همه على أن
للإمام أن يترك الصلاة عليه، زجرًا لغيره، والله تعالى أعلم.
ومعنى (يَحيف)): يجور، ويظلم، قال الفيّوميّ رحمه اللَّه تعالى: حافَ، يَحِيفُ،
حَيْفًا، من باب باعَ: جارَ، وظلم، وسواء كان حاكمًا، أو غير حاكم، فهو حائفٌ،
وجمعه حافَةٌ، وحُيَّفْ انتهى بإيضاح.
ولفظ ((الكبرى)): ((الصلاة على من جَنِفَ في وصيّته)) -بجيم، فنون- وهو بمعنى
حاف، يقال: جَنِفَ، جَنَفًا، من باب تَعِبَ: ظلم، وأجنف بالألف مثله، وقوله تعالى:
﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ﴾ الآية [المائدة٣] أي غير متمايل متعمّد. قاله في ((المصباح)). وأشار في
هامش النسخة الهندية أنه وقع في بعض النسخ: ((حيّف))، والظاهر أنها تصحيف، وفي
أخرى: ((جنف)) وهي صحيحة. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٩٥٨ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَهُوَ ابْنُ زَاذَانَ، عَنِ
الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَجُلًا، أَعْتَقَ سِتَّةً مَمْلُوكِينَ لَهُ، عِنْدَ مَوْتِهِ، وَلَمْ يَكُنَ
لَهُ مَالْ غَيْرَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيِّ نَِّ، فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: ((لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أُصَلِّيَ
عَلَيْهِ، ثُمَّ دَعَا مَمْلُوكِيهِ، فَجَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءِ، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقُّ
أَرْبَعَةً» .
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عليّ بن حُجر) المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار[٩]١٣/١٣.
٢- (هُشيم) بن بشير، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقة ثبت كثير التدليس
والإرسال الخفيّ [٧]١٠٩/٨٨.
٣- (منصور بن زاذان) الثقفيّ، أبو المغيرة الواسطيّ، ثقة ثبت عابد [٦]٤٧٥/٥.
٤- (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ الإمام الحجة الثبت الفقيه، يدلّس
ويرسل، رأس الطبقة [٣]٣٦/٣٢.
والصحابي تقدم في الذي قبله. والله تعالى أعلم.

٢٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزْ
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. ومنها: أن فيه واسطيين: هشيمٌ ومنصور، وبصريين: الحسن
وعمران، وشيخه مروزي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَجُلًا) لم أر من سمّاه، وفي
رواية لمسلم: ((أن رجلاً من الأنصار أوصى عند موته، فأعتق ستة مملوكين ... )) (أَعْتَقَ
سِتَّةً مَمْلُوكِينَ لَهُ) وفي رواية أبي داود: ((ستة أعبُد له ... )) (عِنْدَ مَوْتِهِ) قال القرطبيّ
رَخْذَلهُ: ظاهره أنه نجّز عتقهم في مرض موته، وفي الرواية الأخرى: أنه أوصى
بعتقهم، وهذا اضطرابٌ لأن القضيّة واحدةٌ، ويرتفع ذلك بأن بعض الرواة تجوّز في لفظ
((أوصى)) لما نُفْذ عتقهم بعد موت سيّدهم في ثلثه، لأنه قد تساوى في هذه الصورة
حكم تنجيز العتق، وحكم الوصيّة به؛ إذ كلاهما يُخرَج من الثلث، وإنما كان يظهر
الفرق بينهما لو لم يمت، فإنه كان يكون له الرجوع عن الوصيّة بالعتق، دون تنجيز
العتق، فإنه إذا صحّ لزمه، إما عتق جميعهم، وإما عتق ثلثهم، إذ ليس له مال غيرهم
على الخلاف الذي في ذلك لأهل العلم انتهى(١).
(وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ) بالرفع صفة لـ ((مال)) (فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ وََّ، فَغَضِبَ مِنْ
ذَلِكَ) أي من أجل عتق كل عبيده، لأنه أخرج كلّ ماله عن الورثة، ومنعهم حقوقهم
منه، ففيه دليل على أن المريض محجور عليه في ماله، وأن الْمُدَبَّرَ، والوَصَايَا إنما تخرج
من الثلث، وأن الوصيّة إذا مَنَعَ من تنفيذها على وجهها مانعٌ شرعيّ استحالت إلى
الثلث، كما يقول مالك ◌َّلهُ، قاله القرطبيّ رحمه اللَّه تعالى.
(وَقَالَ: (لَقَدْ هَمَمْتُ) أي قصدتُ، قال في ((المصباح)): هَمَمتُ بالشيء، هَمَّا، من
باب قتل: إذا اردته، ولم تفعله، وفي الحديث: ((لقد هَمَمتُ أن أنَهى عن الْغِيلَة ... ))
أي عن إتيان المرضع انتهى (أَنْ لَا أَصَلِّيَ عَلَيْهِ) وفي رواية لأبي داود: «لو شَهِدته قبل أن
يُدفن، لم يُدفن في مقابر المسلمين)).
وهذا محلّ الترجمة، حيث إن همه بَّلتر على ترك الصلاة عليه يدلّ على أن ترك
الصلاة على من حاف في الوصيّة مشروعة، زجرًا لأمثاله لئلا يرتكبوا مثل فعله.
قال النووي رحمه اللّه تعالى: وهذا محمول على أن النبيّ وَله وحده كان يترك
(١)- (المفهم)) ج٤ ص ٣٥٦ ((كتاب العتق))، ((باب فيمن أعتق عبيده عند موته)).

٦٥- الصَّلَاةُ عَلَى مَنْ يَحِيفُ فِي وَصِيِّهِ - حديث رقم ١٩٥٨
٢٤٧
الصلاة عليه تغليظًا، وزجرًا لغيره على مثل فعله، وأما أصل الصلاة عليه فلا بدّ من
وجودها من بعض الصحابة انتهى (١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: لكن قوله في رواية أبي داود المذكورة: ((لم يُدفن في
مقابر المسلمين)) تدلّ على عدم الصلاة عليه أصلاً، اللَّهمّ إلا إذا قلنا: إن عدم دفنه في
مقابر المسلمين للزجر لا ينافي أن يُصلَّ عليه بعض الناس، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ دَعَا مَمْلُوكِيهِ، فَجَزَّأَهُمْ) بتشديد الزاي، وتخفيفها لغتان مشهورتان، ذكرهما ابن
السّكّيت، وغيره، ومعناه قسمهم. قاله النوويّ رحمه اللّه تعالى (ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ) منصوب
على أنه مفعول مطلق ((جزأ))، مبيّن لعدده.
قال القرطبيّ ◌َقْذّلهُ: ظاهره أنه اعتبر عدد أشخاصهم، دون قيمتهم، وإنما فعل ذلك
لتساويهم في القيمة والعدد، فلو اختلفت قيمتهم لم يكن بدّ من تعديلهم بالقيمة، مخافة
أن يكون ثلثهم في العدد أكثر من ثلث الميت في القيمة، ولو اختلفوا في القيمة، أو في
العدد لجزّئوا بالقيمة، ولعتق منهم ما يُخرجه السهم، وإن كان أقلّ من ثلث العدد،
وكيفيّة العمل في ذلك مفصّلة في كتب أئمتنا انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيُّ ◌َخّْتُهُ من أن قيمتهم كانت
متساوية محلّ نظر، إذ ليس في الحديث ما يدلّ عليه، فتأمل. والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْتَهُمْ) يقال: أقرعتُ بينهم، إقراعًا: هَيَأْتهم للقُرْعَة على شيء. قاله في
((المصباح)).
(فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ) أي أقرّ عتق اثنين من الستة، وهما اللذان خرجت قُرْعتاهما.
وذكر الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى عن الشافعيّ رحمه الله تعالى،
أن القُرْعة أن تُكتب رِقاعْ، ثم تكتب أسماء العبيد، ثم يُبندَقَ بَنَادقُ من طين، ثم يُجعل
في كلّ بُندُقة رقعة، ويجزأ الرقيق(٣) أثلاثًا، ثم يؤمر رجل منهم، لم يحضر الرقاع،
فیخرج رقعة على كلّ جزء.
وإن لم يستووا في القيمة عدّلوا، وضُمَّ قليل الثمن إلى كثير الثمن، وجعلوه ثلاثة
أجزاء، قلّوا أو كثروا، إلا أن يكونوا عبدين، فإن وقع العتق على جزء فيه عدّة رقيق،
أقلّ من الثلث، أعيدت الرقعة بين السهمين الباقيين، فأيهم وقع عليه أعتق منه باقي
(١)-((شرح مسلم)) ج١١ ص ١٤٠ (كتاب العتق)) - ((باب جواز بيع المدبّر)).
(٢)-((المفهم)) ج٤ ص٣٥٦ ((كتاب العتق)).
(٣)- والذي في نسخة ((الاستذكار))، ((وجري الرقيق))، لكن الظاهر أن صوابه ((ويُجزّأ الرقيق الخ)).
والله أعلم.

٢٤٨
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ
الثلث انتهى (١) (وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً) أي أبقى الأربعة الباقين في رقّهم، وهم الذين لم تُصبهم
القُرعة .
قال النوويّ رحمه اللّه تعالى: وفي هذا الحديث دلالة لمذهب مالك، والشافعيّ،
وأحمد، وإسحاق، وداود، وابن جرير، والجمهور في إثبات القرعة في العتق،
ونحوه، وأنه إذا أعتق عبيدًا في مرض موته، أو أوصى بعتقهم، ولا يخرجون من الثلث
أقرع بينهم، فيعتق ثلثهم بالقرعة. وقال أبو حنيفة: القرعة باطلة، لا مدخل لها في
ذلك، بل يعتق من كلّ واحد قسطه، ويُستسعى في الباقي، لأنها خطر. وهذا مردود
بهذا الحديث الصحيح، وأحاديث كثيرة.
وقوله: ((فأعتق اثنين، وأرقّ أربعة))، صريح في الرّدّ على أبي حنيفة، وقد قال بقول
أبي حنيفة الشعبيّ، والنخعيّ، وشُريخ، والحسن، وحكي أيضًا عن ابن المسيّب
(٢)
انتھی(٢).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا نصّ في صحة اعتبار القرعة شرعًا، وهو حجة
للجمهور: مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق على أبي حنيفة حيث يقول: إنه يَعتِق
من كلّ واحد منهم ثلثه، ولا يُقرع بينهم، وهذا مخالف لنصّ الحديث، ولا حجّة له بأن
يقول: إن هذا الحديث مخالف للقياس، فلا يُعمل به، لأنا قد أوضحنا في الأصول:
أن القياس في مقابلة النصّ فاسد الوضع، ولو سلّمنا أنه ليس بفاسد الوضع لكانا
كالدليلين المتعارضين، وحينئذ يكون الأخذ بالحديث أولى، لكثرة الاحتمالات في
القياس، وقلّتها في الحديث، كما بيّنّاه في الأصول انتهى .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى من فساد
وضع القياس عند معارضته للحديث الصحيح هو الحقّ الحقيق بالقبول، وما عداه باطل
مردود مخذول .
وقال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: ردّ الكوفيّون السنّة المأثورة في
هذا الباب إما بأن لم يبلغهم، أو بأن لم تصحّ عنهم، ومن أصل أبي حنيفة، وأصحابه
عرض أخبار الآحاد على الأصول المجتمع عليها، أو المشهورة المنتشرة، والحجة
قائمة على من ذهب مذهبهم بالحديث الصحيح الجامع في هذا الباب، وليس الجهل
بالسنّة، ولا الجهل بصحتها عّة يصحّ لعاقل الاحتجاج بها، وقد أنكرها قبلهم شيخهم
(١)- ((الاستذكار)) ج٢٣ ص ١٤٢ -١٤٣. ((كتاب العتق والولاء))، ((باب من أعتق رقيقا لا يملك مالاً
غيرهم)) .
(٢)- ((شرح مسلم)) ج١١ ص ١٤٠ ((كتاب العتق)).

٦٥- الصَّلاةُ عَلَى مَن يَحِيفُ فِي وَصِیتِهِ - حديث رقم ١٩٥٨
٢٤٩
حمّاد بن أبي سليمان. انتهى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ أبو عمر رحمه اللّه تعالى: هو
الحقّ الذي أوجبه اللَّه تعالى على كلّ مكلّف أن يقبله، في آيات كثيرة، وأحاديث
صحاح مشهورة.
وكم ردّ هؤلاء الناس أحاديث كثيرة صحيحة، مما في ((الصحيحين)) وغيرهما
بدعوى أنها أخبار آحاد، عارضت القياس، فيا عجبا، كيف تُرَدُّ أحاديث رسول اللَّه
وَليه الصحيحة؟ التي أوجب الله تعالى قبولها، والانقياد لها، حيث قال: ﴿وَمَآ ءَالَنَّكُمُ
الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُواْ﴾ الآية [الحشر: ٧]، ونَفَى الإيمان عمن لم
يُحَكّمها في القليل والكثير، حيث قال: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا
شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾
[النساء: ٦٥] وتوعّد من خالفها بالفتنة، والعذاب الأليم، حيث قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ
يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِِ أَن تُصِيَهُمْ فِتْنَهُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] بالقياس
المستنبط من عقول غير المعصومين، إن هذا لهو العجب العُجَاب، ولقد أحسن من
قال، وأجاد في المقال:
تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا
غَدَتْ شُبّهُ الْقِيَاسِيِينَ صَرْعَى تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
﴿رَبَّنَا لَا تُرِعْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]،
اللَّهم أرنا الحقّ حقًا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، آمين. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عمران بن حصين رضي اللّه تعالى عنهما هذا
أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٩٥٨/٦٥- وفي ((الكبرى)) ٢٠٨٥/٦٥ . وأخرجه (م)١٦٦٨
(د)٣٩٥٨ (ت) ١٣٦٤ (ق) ٢٣٤٥ (أحمد) ١٩٣٣٢ و١٩٣٤٤ و١٩٣٦٥ و١٩٤٤٩
و١٩٤٩٩ (مالك في الموطإ) ١٥٠٦ . والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
(١)- ((الاستذكار)) ج٢٣ ص١٤٤-١٤٥. ((كتاب العتق والولاء)).

== ٢٥٠
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ
منها: ما بوّب له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم الصلاة على من يَحِيف
في وصيته، وقد تبيّن حكمه من الحديث الذي أورده في الباب، وهو أنه وَّ همّ بترك
الصلاة عليه، فدلّ على جواز ترك الإمام الصلاةَ عليه، زجرًا لغيره أن لا يفعل مثل
فعله، وأما أصل الصلاة على من ارتكب ذنبًا، فقد تقدم الكلام عليه، واختلاف مذاهب
أهل العلم فيه في ((باب ترك الصلاة على المرجوم))، فراجعها تستفد.
ومنها: تحريم الحيف في الوصيّة. ومنها: أن العتق في مرض الموت جائز، وأنه
يعتبر من الثلث.
قال الحافظ ابن عبد البرّ ◌َخّْلهُ: وفيه دليل على أن أفعال المريض كلها، من عتق،
وهبة، وعطية كالوصيّة، لا يجوز فيها أكثر من الثلث، وقد خالف في ذلك قوم، زعموا أن
أفعال المريض في رأس ماله، كأفعال الصحيح، ولم يجعلوا ذلك كالوصايا (ومنها): أن
القرعة مشروعة في الشرع، خلافا لمن نفى ذلك، وهو قول ضعيف جدًّا. كما تقدّم.
ومنها: إبطال السعاية التي زعمها أهل الكوفة، كما تقدّم. ومنها: ما قاله ابن عبد البرّ
أيضًا: فيه دليل على أن الوصيّة لغير الوالدين والأقربين جائزة، لأن عتق العبيد في
المرض وصيّة لهم، ومعلوم أنهم لم يكونوا والدين للمعتق لهم، ولا بالأقربين له، وقد
قال طائفة من التابعين: إن الوصيّة لا تجوز إلا للأقربين غير الوارثين. انتهى كلامه
بتصرّف(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٦٦- الصَّلَاةُ عَلَى مَنْ غَلَّ
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: غرضه بهذه الترجمة بيان مشروعيّة الصلاة على الغالّ،
ووجه استدلاله بحديث الباب، أنه وَالتّ قال: ((صلّوا على صاحبكم))، فإنه يدلّ على أن
الغالْ إذا مات ممن تُشرَع الصلاة عليه، وأما تركه بَّه الصلاة عليه، فمن باب الزجر
لغيره .
هذا كلّه على تقدير صحّة حديث الباب، وستعلم الكلام عليه قريبًا، والله تعالى
أعلم.
(١)-المصدر المذكور.

٦٦- الصَّلَاةُ عَلَى مَنْ غَل - حديث رقم ١٩٥٩
٢٥١ =
والغلول بالضم: هو الخيانة، يقال: غَلّ، غُلُولاً، من باب قَعَدَ، وأغلّ بالألف:
خان في المغنم، وغيره، وقال ابن السِّكْيت: لم نسمع في المغنم إلا غَلَّ، ثلاثيًّا، وهو
متعدّ في الأصل، لكن أَميت مفعوله، فلم يُنطَق به. قاله في ((المصباح)). والله تعالى
أعلم بالصواب.
١٩٥٩- أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ
سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَخْتِى بْنِ حَبَّنَ، عَنْ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ،
قَالَ: مَاتَ رَجُلٌ بِخَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، إِنَ غَلَّ فِي سَبِيلٍ
اللَّهِ))، فَفَتَشْنَا مَتَاعَهُ، فَوَجَدْنَا فِيهِ خَرَزًا، مِنْ خَرَزِ يُهُودَ، مَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (عُبيدالله بن سعيد) أبو قُدَامة السرخسيّ، نزيل نيسابور ثقة مأمون سنيّ
[١٠]١٥/١٥ .
٢- (يحيى بن سعيد) القطّان البصريّ الإمام الثبت الحجة [٩]٤/٤.
٣- (يحيى بن سعيد الأنصاريّ) المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥]٢٣/٢٢.
٤- (محمد بن يحيى بن حَبَّان) بن منقذ الأنصاريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٤]٢٣/٢٢.
٥- (أبو عمرة) مولى زيد بن خالد الجُهَنيّ، مقبول[٣].
روی عن مولاه حدیث الغلول فقط، وعنه محمد بن یحیی بن حَبّان. روی له أبو
داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنف هذا الحديث فقط.
٦- (زيد بن خالد) الجهنيّ المدنيّ، الصحابيّ المشهور رضي الله تعالى عنه، مات
بالكوفة سنة (٦٨) أو (٧٠) وله (٨٥) سنة ٧٥٦/٨. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير أبي عمرة. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن
بعض. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي عمرة) هذا هو الصواب، وقد روى هذا الحديث مالك، فاختلف الرواة
عليه، فقال القعنبيّ، وابن القاسم، ومعن بن عيسى، وأبو مصعب، وسعيد بن كثير بن
عُفير، وأكثر النسخ عن ابن بكير، كلهم قالوا: عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن
محمد بن يحيى بن حبّان، عن ابن أبي عمرة، بزيادة ((ابن))، وقال ابن وهب، ومصعبٌ

٢٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
الزبيريّ، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبّان، ((عن أبي عمرة)) (١).
وهذا هو الصواب، لأنه رواه هكذا الحفّاظ، یحیی القطّان، وحماد بن زيد، وابن جريج،
وابن عيينة، کلهم عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن محمد بن يحيى بن حبّان، ((عن أبي
عمرة))، كما رواه ابن وهب، ومصعب الزبيريّ، عن مالك. والله تعالى أعلم.
(عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) الجهنيّ رَّهُ، أنه (قَالَ: مَاتَ رَجُلٌ بِخَيْبَرَ) أي في غزوة خيبر
المشهورة، ووقع في ((الموطا)) رواية يحيى بن يحيى الليثيّ ((يوم حُنين))، وهو وَهَمْ،
كما نبّه عليه الحافظ أبو عمر رحمه اللَّه تعالى (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَهَ) وفي رواية أبي
داود: ((أن رجلا من أصحاب النبيّ وَّر، توفّي يوم خيبر، فذكروا ذلك لرسول اللّه وَالت،
فقال: (صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ) زاد في رواية أبي داود: ((فتغيّرت وجوه الناس لذلك،
فقال: إن صاحبكم غلّ في سبيل الله ... )).
(إِنّهُ غَلَّ) من باب قَعَد (فِي سَبِيلِ اللَّه) أي خان في الغنيمة التي حصلت من جهاد
الكفّار لإعلاء كلمة الله قبل القسمة، فلا أصلي عليه؛ لينزجر غيره عن ارتكاب الغلول.
قال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى: وإنما قوله وَالر: ((صلّوا على صاحبكم)) بأن ذلك
كان كالتشديد لغير الميت، من أجل أن الميت قد غَلّ لينتهي الناس عن الغلول؛ لما
رأوا من ترك رسول اللّه وَ ل الصلاة عليه بنفسه، وكانت صلاته على من صلّى عليه
رحمةٌ، فلهذا لم يُصلّ عليه، والله أعلم.
وفي قوله: ((صلّوا على صاحبكم)) دليل على أن الذنوب لا تُخرج المذنب عن
الإيمان؛ لأنه لو كفر بغلوله -كما زعمت الخوارج- لم يكن ليأمر بالصلاة عليه؛ لأن
الكافر لا يُصلي عليه المسلمون، لا أهل الفضل، ولا غيرهم.
وأما ترك رسول اللَّه وَ ل الصلاة عليه، وأمر غيره بالصلاة عليه؛ لأنه كان لا يُصلي
على من ظهرت منه كبيرة؛ ليرتدع الناس عن المعاصي، وارتكاب الكبائر، ألا ترى أنه
لم يصلّ على ماعز الأسلميّ(٢)، وأمر غيره بالصلاة عليه، ولم يصلّ على الذي قتل
نفسه، ولا على كثير ممن أقام عليه الحدُود؛ ليكون ذلك زاجرًا لمن خلفهم، ونحو
ذلك، وهذا أصل في أن لا يُصلي الإمام، وأئمّة الدين على الْمُحدِثِينَ، ولكنّهم لا
يُمنَعُونَ الصلاةَ عليهم، بل يأمر بذلك غيره، كما قال ◌َّر: (صلّوا على صاحبكم)) انتهى
كلام الحافظ ابن عبد البرّ رحمه اللَّه تعالى(٣).
(١)-راجع ((الاستذكار)) ج١٤ ص١٩٣ -١٩٤. (كتاب الجهاد)) - )باب ما جاء في الغلول)).
(٢) تقدم أن الراجح أنه ◌َّ صَلَّى على ما عز رَّ، فتنبَّه.
(٣)-((الاستذكار)) ج١٤ ص١٩٤ - ١٩٥ كتاب الجهاد - باب ما جاء في الغلول.

٢٥٣
٦٧ - الصَّلاَةُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَیْنٌ - حديث رقم ١٩٦٠
(فَفَتَشْنَا مَتَاعَهُ) يقال: فَتَشتُ الشيءَ - بالتخفيف- فَتْشًا، من باب ضرب: تصفّحتُهُ،
وفَتَشتُ عنه: سألتُ واستقصيت في الطلب، وفَتَّشتُ الثوب - بالتشديد- هو الفاشي في
الاستعمال. أفاده في ((المصباح)) (فَوَجَدْنَا) وفي نسخة: ((فوجدوا)) (فِيهِ خَرَزًا) -
بفتحتين -: ما يَنتظم من جوهر، ولؤلؤ، وغيرهما (مِنْ خَرَزِ مُهُودَ) وفي نسخة: ((اليهود))
(مَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ) يعني أنه شيء قليل القيمة بحيث لا يبلغ قيمة درهين. وقال
السنديّ ◌َّلهُ: أي قدرًا، يساوي درهمين، أو كلمة ((ما)) نافية انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: أراد بالوجه الأول أن ((ما)) موصولة، وهو غير
صحيح، لأنه تردّه رواية أبي داود بلفظ: ((لا يساوي درهمين))، بـ((لا)) بدل ((ما))،
فالصواب الوجه الثاني، وهو كون ((ما)) نافية. فتنبّه. وفيه التشديد في شأن الغلول، وأن
قليله، وكثيره سواء في كونه كبيرة، يستحقّ صاحبها العقوبة. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث زيد بن خالد الجهنيّ رضي الله تعالى عنه هذا ضعيف؛ لجهالة أبي عمرة،
فإنه لم يرو عنه غير محمد بن يحيى بن حَبَّن، ولا يُعرف إلا في هذا الحديث، ولم
يوثّقه أحد، وأما تصحيح الحاكم له في ((المستدرك)) جـ٢ ص١٢٧، وأنه على شرط
الشيخين، فمن تساهله المعروف، وكذا إقرار الذهبيّ له على ذلك. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -
١٩٥٩/٦٦ - وفي (الكبرى))٢٠٨٦/٦٦. وأخرجه (د) ٢٧١٠ (ق)٢٨٤٨ (أحمد)
٢١١٦٧ ((الموطأ)) ٩٩٥ (الحاكم) ١٢٧/٢ (البيهقي) ٢١٠١/٩. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٦٧ - الصَّلَاةُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَیْنٌ
١٩٦٠- أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَذَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ وَّهِ، أَنِيَ بِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((صَلُّوا عَلَّى صَاحِبِكُم،

٢٥٤
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ
فَإِنَّ عَلَيْهِ دَيْنَا))، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: هُوَ عَلَيَّ، قَالَ النَِّيُّ ◌َّهِ: (بِالْوَفَاءِ؟))، قَالَ: بِالْوَفَاءِ،
فَصَلَّی عَلَيْهِ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمود بن غَيلان) أبو أحمد المروزيّ، ثقة [١٠]٣٧/٣٣ .
٢- (أبو داود) الطيالسيّ، سليمان بن داود البصريّ، ثقة حافظ [٩] ٣٤٣/١٣.
٣- (شعبة) بن الحجّاج الإمام الحجة الثبت البصريّ [٧]٢٦/٢٤.
٤- (عثمان بن عبدالله بن موهَب) التيميّ مولاهم المدنيّ الأعرج، وقد ينسب إلى
جدّه، ثقة [٤]٤٦٨/٥.
٥- (عبدالله بن أبي قتادة) الأنصاريّ المدني، ثقة [٣]٢٤/٢٣.
٦- (أبو قتادة) الحارث بن رِبْعِيّ، وقيل: غيره الصحابيّ المشهور رضي الله تعالى
عنه ٢٤/٢٣ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه مروزيّ، وأبو داود، وشعبة بصريان، والباقون
مدنيّون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعيّ، والابن عن أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ) بفتح الميم، والهاء، أنه قال (سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
أَبِي قَتَادَةَ، يُحَدِّثَ عَنْ أَبِيهِ) رَّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ، أَنِيَ بِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ) لم أر من
سماه (لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَّ﴾ أي بعد أن سأل هل عليه دين، ففي حديث سلمة
بن الأكوع تَّ الآتي بعد هذا، قال: أَتي النبي وَله بجنازة، فقالوا: يا نبيّ اللّه صلّ
عليها، قال: ((هل ترك عليه دينًا؟))، قالوا: نعم، قال: ((هل ترك من شيء؟))، قالوا:
لا ، قال: صلّوا على صاحبكم)).
( ((صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُم) هذا محلّ الترجمة، لأنه يدلّ على مشروعية الصلاة على من
عليه دين، لأمر النبي وَله أصحابَه بالصلاة عليه، فلو كانت الصلاة عليه غير مشروعة،
لما أمره بها (فَإِنَّ عَلَيْهِ دَيْئًا) الفاء للتعليل، أي لأن على صاحبكم مانعا من صلاتي عليه،
وهو الدين، وهذا يدلّ على أنه بَلَّ لا يصلي على من عليه دين، وهذا فيمن لم يترك
وفاء، كما تبيّنه الروايات الآتية.
قال البيضاويّ رحمه اللّه تعالى: لعل امتناعه وَّه عن الصلاة على المديون الذي لم

٢٥٥
٦٧ - الصَّلَةُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ - حديث رقم ١٩٦٠
يترك وفاءً، تحذيرًا من الدين، وزجرًا عن المماطلة، أو كراهة أن يوقّفَ دعاؤه عن
الإجابة بسبب ما عليه، من مظلمة الخلق انتهى.
(قَالَ أَبُو قَتَادَةَ) الأنصاريّ رضي اللّه تعالى عنه (هُوَ) أي الدين الذي على هذا الميت
(عَلَيَّ) أي قضاؤه عليّ (قَالَ النَّبِيُّ وَله: بِالْوَفَاءِ؟) أي أتتكفّل بأدائه إلى صاحبه؟ (قَالَ)
أبو قتادة (بِالْوَفَاءِ) أي أتكفّل بأدائه إليه (فَصَلَّى) النبي ◌ِِّ (عَلَيْهِ) أي على ذلك الميت
الذي عليه ذلك الدین.
وفي رواية ابن ماجه: ((فقال أبو قتادة: وأنا أتكفّل به))، زاد الحاكم في حديث جابر:
((فقال: هما عليك، وفي مالِكَ، والميت منهما بريء؟ قال: نعم، فصلى عليه، فجعل
رسول اللّه وَله إذا لقي أبا قتادة يقول: ما صنَعَت الديناران؟ حتى كان آخر ذلك أن قال:
قد قضیتهما یا رسول الله، قال الآن بردت علیه جلده)).
وقد وقعت هذه القصّة مرّة أخرى، فروى الدارقطنيّ من حديث عليّ تَّ، كان
رسول اللَّه وَليل إذا أُتي بجنازة لم يسأل عن شيء من عملٍ الرجل، ويسأل عن دينه، فإن
قيل: عليه دين كَفَّ، وإن قيل: ليس عليه دين صلّى، فأتي بجنازة، فلما قام ليكبّر سأل
هل عليه دين؟، فقالوا: ديناران، فعدل عنه، فقال عليٍّ: هما عليَّ يا رسول الله، وهو
بريء منهما، فصلّى عليه، ثم قال لعليّ: ((جزاك الله خيرًا وفَكَّ اللَّه ◌ِهانك)) (١) والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٦٧/ ١٩٦٠ وفي ((البيوع)) ٤٦٩٤/١٠٢- وفي ((الكبرى)) ٦٧/ ٢٠٨٧
و ((البيوع)) ٦٢٩١/١٠٤. وأخرجه (ت) ٢٣٩٨ (أحمد)٢١٥٠٣ و ٢١٥٢٨ و ٢١٦٠٥
و٢٤٨٠ (الدارمي) ٢٤٨٠ . والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف، رحمه اللّه تعالى، وهو مشروعية الصلاة على من عليه
دين، وقد تقدّم البحث عنه مُستوفّى في - ١٩٥٧/٦٤ - باب ((الصلاة على المرجوم))،
فراجعه تستفد. ومنها: تركه ويقول الصلاة على من عليه دين، إذا لم يترك وفاءً، لئلا
يتهاون الناس بحقوق المسلمين، وكان هذا في أول الإسلام، قبل أن يفتح الله عليه
(١) - ((فتح)) ج٥ ص٢٣٢-٢٣٣ ((كتاب الحوالة)) رقم الحديث ٢٢٨٩.

٢٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
الفتوحات، فلما فتح عليه، قال: ((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن تُوفي، وعليه
دين، فعليّ قضاؤه، ومن ترك مالاً، فهو لورثته))، وسيأتي هذا في حديث أبي هريرة
رضي الله تعالى عنه الآتي. ومنها: أنه يدلّ على صعوبة أمر الدين، وأنه لا ينبغي تحمّله
إلا عند الضرورة. ومنها: فضل أبي قتادة ◌َظنّه ، حيث بادر بتخليص ذمة أخيه
المسلم، حتى يَنال فضلَ صلاة النبي ◌َّر عليه.
ومنها: جواز ضمان ما على الميت، من الديون، وإن لم يترك وفاء، وهو قول
الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة، وقد بالغ الطحاويّ في نصرة قول الجمهور. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٩٦١ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا
يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ - يَعْنِي ابْنَ الْأَكْوَعِ- قَالَ: أَتِيَ النَّبِيِّ نَّهِ بِجَنَازَةٍ،
فَقَّالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ صَلِّ عَلَيْهَا، قَالَ: ((هَلْ تَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا؟))، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: ((هَلْ تَرَّكَ
مِنْ شَيْءٍ؟))، قَالُوا: لَا: قَالَ: ((صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ))، قَالَ رَجُلٌ، مِنَ الْأَنْصَارِ، يُقَالُ
لَهُ: أَبُوَ قَتَادَةَ، صَلِّ عَلَيْهِ، وَعَلَيَّ دَيْتُهُ، فَصَلَّى عَلَّيْهِ.
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عمرو بن عليّ) الفلّاس الصيرفيّ البصريّ، ثقة حافظ [١٠]٤/٤.
٢- (محمد بن المثنى) الْعَنَزيّ البصريّ، ثقة حافظ [١٠]٨٠/٦٤.
٣- (يحيى) القطّان المذكور في الباب الماضي.
٤- (يزيد بن أبي عُبيد) الحجازيّ، أبو خالد الأسلميّ، مولى سلمة بن الأكوع،
ثقة [٤].
وثقه ابن معين، وأبو داود. وقال العجليّ: حجازيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في
((الثقات)). وقال ابن سعد: توفّ بعد خروج محمد -يعني عبدالله- بسنتين، أو ثلاث،
وكان ثقة كثير الحديث. وقال الواقديّ: مات قبل خروج محمد بن عبدالله. وقال أبو
بكر بن منجويه: مات سنة (٦) أو (١٤٧). روى له الجماعة، وله عند المصنف في هذا
الكتابستة أحاديث برقم ١٩٦١ و٢٣١٦ و٢٣٢١ و ٢٥٣٧ و٤١٦١ و٤١٨٨ .
٥- (سلمة بن الأكوع) هو: ابن عمرو بن الأكوع، نُسب لجدّه، الأسلميُّ، أبو
مسلم، أو أبو إياس، شهد بيعة الرضوان، مات تَظمثله سنة (٦٤) تقدم ١٥ / ٧٦٥. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (١١٧) من رباعيات

٢٥٧ ==
٦٧ - الصَّلَةُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ - حديث رقم ١٩٦١
الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين،
غير يزيد، وسلمة فمدنيان. (ومنها): أن شيخيه هما من مشايخ الأئمة الستة الذين رووا
عنهما بلا واسطة، وقد تقدموا غير مرّة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن يزيد بن أبي عُبيد، أنه قال (حَدَّثَنَا سَلَمَةُ - يَعْنِي ابْنَ الْأَكْوَعِ) رَّه (قَالَ: أَتِيَ
النَّبِيُّ ◌َّهُ بِجَنَازَةٍ) قال الحافظ يَخّْثُ: لم أقف على اسم صاحب هذَه الجنازة، ولا على
الذي بعده، وللحاكم من حديث جابر رَّه: («مات رجل، فغسلناه، وكفّنّاه،
ووضعناه حيث توضع الجنائز عند مقام جبريل، ثم آذّا رسولَ اللَّه ◌َلتر به)).
(فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ صَلِّ عَلَيْهَا، قَالَ: ((هَلْ تَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا؟))، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: ((هَلْ
تَرَكَ مِنْ شَيْءٍ؟))، قَالُوا: لَا) رواية المصنّف ◌َعْدَثُمُ هذه مختصرة، فإن هذه الجنازة هي
الجنازة الثالثة في حديث سلمة تظنّه ، وقد ساقه البخاريّ رَّتُهُ بتمامه، فقال:
حدثنا المكي بن إبراهيم، حدثنا يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع، تظلّه ،
قال: كنا جلوسا عند النبي وَلتر، إذ أتي بجنازة، فقالوا: صل عليها، فقال: ((هل عليه
دين؟))، قالوا: لا، قال: ((فهل ترك شيئا؟))، قالوا: لا، فصلى عليه، ثم أُتي بجنازة
أخرى، فقالوا: يا رسول الله، صل عليها، قال: ((هل عليه دين؟))، قيل: نعم، قال:
((فهل ترك شيئا؟))، قالوا: ثلاثة دنانير، فصلى عليها، ثم أتي بالثالثة، فقالوا: صل
عليها، قال: ((هل ترك شيئا؟))، قالوا: لا، قال: ((فهل عليه دين؟))، قالوا: ثلاثة
دنانير، قال: ((صلّوا على صاحبكم))، قال أبو قتادة: صل عليه، يا رسول الله، وعليّ
دينه، فصلى عليه .
قال في ((الفتح)): ذكر في هذا الحديث أحوالَ ثلاثة، وترك حال رابع: الأول لم
يترك مالاً، وليس عليه دين، والثاني: عليه دين، وله وفاء، والثالث: عليه دين، ولا
وفاء له، والرابع: من لا دين عليه، وله مال، وهذا حكمه أن يُصلَّى عليه، وكأنه لم
یُذكّر لا لكونه لم يقع، بل لکونه کان کثیرًا انتهى(١).
(قَالَ: ((صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ))) قال القرطبيّ تَّلهُ: امتناعه من الصلاة على من
مات، وعلي دين، ولم يترك وفاءً، إشعار بصعوبة أمر الدين، وأنه لا ينبغي أن يتحمّله
الإنسان، إلا من ضرورة، وأنه إذا أخذه فلا ينبغي أن يتراخى في أدائه إذا تمكّن منه،
وذلك لأن الدين شَين، وأنه هَمّ بالليل، ومَذلّة بالنهار، وإخافة للنفوس، بل وإرقاق
(١) - ((فتح)) ج٥ ص٢٣٢-٢٣٣. ((كتاب الحوالة)). رقم ٢٢٨٩.

=
٢٥٨
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ
لها، وكان هذا من النبي ◌ّلهو ليرتدع من يتساهل في أخذ الدين، حتى لا تتشوّش أوقاتهم
عند المطالبة، وكان هذا كلّه في أول الإسلام، وقد حُكي أن الحرّ كان يباع في الدين في
ذلك الوقت، كما قد رواه البزار(١) من حديث رجل، من أصحاب النبيّ وَّر يقال له:
سُرَّق، ثم نُسخ ذلك كلّه بقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾
[البقرة: ٢٨٠]. وقيل: إن النبي 18ُّ إنما كان يمتنع من الصلاة على من اذان دينًا غير
جائز، أو في سعة، والأول أظهر، لقول الراوي في الحديث: ((فلما فتح اللّه عليه
الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من تُوفّي، وعليه دين، فعليّ قضاؤه، ومن
ترك مالاً فلورثته)). فهذا يعمّ الديون كلها، ولو افترق الحال لتعيّن التنويع، أو السؤال
انتهى كلام القرطبي رحمه الله تعالى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إن قيل: أخرج البخاريّ رحمه الله تعالى، في
((صحيحه)) عن أبي هريرة تَّ، عن النبيّ وَلّر قال: ((من أخذ أموال الناس يريد أداءها
أدّى اللَّه عنه، ومن أخذ يُريد إتلافها أتلفه اللَّه)).
وأخرج ابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، من حديث ميمونة تعطثًا: ((ما من مسلم
يَدَّان دينًا يعلم الله أنه يريد أداءه، إلا أدى اللَّه عنه في الدنيا)).
وأخرج ابن ماجه، والحاكم أيضًا من طريق محمد بن عليّ، عن عبدالله بن جعفر
رَطّه أنه كان يستدين، فسُئل؟، فقال: سمعت رسول اللّه وَالله يقول: ((إن اللَّه مع
الدائن حتی یقضی دینه)).
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وإسناده حسن(٣)، لكن اختلف فيه على محمد بن
عليّ، فراوه الحاكم أيضًا من طريق القاسم بن الفضل، عن عائشة بلفظ: ((ما من عبد
كانت له نيّةٌ في وفاء دينه إلا كان له من اللَّه عون، قالت: فأنا ألتمس ذلك العون))(٤)،
وساق له شاهدًا من وجه آخر، عن القاسم، عن عائشة تطبيقها (٥).
فهذه الأحاديث تدلّ على استحسان الاستدانة، فكيف ترك النبي وَلقر الصلاة على
جميع من عليه دين، إلا إذا ترك له وفاء؟.
(١) - انظر مخصتر ((مسند البزار)) ج١ ص٥٣١ رقم الحديث ٩٢٩، وهو حديث ضعيف في سنده
عبدالرحمن بن البيلمانيّ ضعيف، ومسلم بن خالد الزنجيّ، مختلف فيه.
(٢) - ((المفهم)) ج٤ ص٥٧٤ - ٥٧٥. ((كتاب الوصايا والفرائض)).
(٣) - انظر ((صحيح الجامع الصغير)) للشيخ الألبانيّ، ولفظه: ((إن الله تعالى مع الدائن، حتى يقضي
دينه، ما لم يكن دينه فيما يكره اللَّه)). ج١ ص٣٧٤. رقم ١٨٢٥.
(٤) - صحيح أخرجه أحمد، والحاكم. انظر ((صحيح الجامع)) ج ٢ ص ١٠٠٠ رقم ٥٧٣٤ .
(٥) - راجع ((الفتح)) ج٥ ص٣٣٢ -٣٣٣. (كتاب الاستقراض)) رقم ٢٣٨٧ . ونقلته بتصرّف.

٢٥٩
٦٧ - الصَّلَةُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ - حديث رقم ١٩٦٢
أجيب بأنه لما كان لا يتبيّن من له نيّة صالحة في الوفاء، ممن لا نية له فيها، كان ترك
الصلاة على الجميع أولى، تغليظًا لحقوق المسلمين، وحسمًا لمادة التساهل في الوفاء،
لينزجر الجميع، ويبادروا في أداء الديون قبل حلول الموت. والله تعالى أعلم.
(قَالَ رَجُلٌ، مِنَ الْأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهُ: أَبُو قَتَادَةَ) رَّهِ (صَلِّ عَلَيْهِ، وَعَلَيَّ دَيْنُهُ، فَصَلَّى
عَلَيْهِ) أي صلى النبيّ وَّ على ذلك الرجل، لَمّا تكفل أبو قتادة ◌َمُه بدينه. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث سلمة بن الأكوع تظلّه هذا أخرجه البخاريّ.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٩٦١/٦٧ - وفي ((الكبرى))٢٠٨٨/٦٧ . وأخرجه (خ)٢١٢٧
و٣١٣١ (أحمد) ١٥٩١٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
١٩٦٢ - أَخْبَرَنَا نُوحُ بْنُ حَبِيبِ الْقُؤْمَسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَنًا
مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَّةَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ النَِّيُّ وَِّ، لَا يُصَلِّي عَلَى
رَجُلٍ، عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَأَتِيَ بِمَيَتٍ، فَسَأَلَ ((أَعَلَيْهِ ذِيْنٌ؟))، قَالُوا: نَعَمْ عَلَيْهِ دِينَارَانٍ، قَالَ:
((صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ))، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: هُمَا عَلَيَّ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَلَمَّا فَتَحَ
اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ بَِّ، قَالَ: ((أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، مَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ، وَمَنْ تَرَكَ
مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا السند بعينه تقدم قبل ثلاثة أبواب، وشرح
الحديث يُعلم مما قبله. والحديث صحيح، أخرجه المصنّف هنا -٦٧ / ١٩٦٢ وفي
((الكبرى))٢٠٨٩/٦٧. وأخرجه (د)٢٥٦٧ و٢٩٠٢ (ق) ٤٤ (أحمد)١٣٨١ و١٣٩٠٩
و١٤١٠٢ و١٤٤٥٥ (الدارميّ)٢٠٨.
وقوله: ((عن جابر)) هكذا انفرد معمر، فرواه، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن
جابر، كما أخرجه المصنّف هنا، وأبو داود، والترمذيّ، وقد خالفه يونس، وابن أبي
ذئبٍ، وعُقيل، وابن أخي ابن شهاب، فرووه عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي
هريرة ◌َّه، وهو الحديث التالي. أفاده في ((الفتح)) (١).
فالظاهر أن رواية معمر شاذة، لكن المتن صحيح، لا تؤثّر فيه العلّة الموجودة في
(١) - ((فتح)) ج٥ ص ٢٤٤. بتصرّف، ((كتاب الكفالة)) رقم الحديث٢٢٩٨.

1
٢٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
السند، لأنه ثابت من طرق صحيحة، كما أشرت إليه آنفًا، فلذا صححتُ الحديث،
والله تعالى أعلم.
وقوله: ((عليه ديناران))، وكذا وقع عند أبي داود، والحاكم، وكذا أخرجه الطبرانيّ
من حديث أسماء بنت يزيد، ووقع عند البخاريّ في حديث سلمة رَّه المتقدّم: ((ثلاثة
دنانير)). قال في ((الفتح)): ويُجمع بينهما بأنهما كانا دينارين وشطرًا، فمن قال: ((ثلاثة))،
جبر الكسر، ومن قال: ((دیناران)) ألغاه، أو کان أصلهما ثلاثة، فوفی قبل موته دینارًا،
وبقي عليه ديناران، فمن قال: ((ثلاثة)) فباعتبار الأصل، ومن قال: ((ديناران)» فباعتبار ما
بقي من الدين، والأول أليق، ووقع عند ابن ماجه من حديث أبي قتادة رَاشته («ثمانية
عشر درهما))، وهما دون دينارين، وفي (مختصر المزنيّ)) من حديث أبي سعيد الخدريّ
رَّه ((درهمين))، ويجمع إن ثبت بالتعدّد انتهى (١) والله سبحانه وتعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٩٦٣- أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا (٢) ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
إنَّهِ، كَانَ إِذَا تُوُفِّيَ اَلْمُؤْمِنُ (٣)، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، سَأَلَ ((هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ، مِنْ قَضَاءِ؟))، فَإِنْ
قَالُوا: نَعَمْ، صَلَّى عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالُوا: لَا، قَالَ: ((صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ))، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَزَّ
وَجَلَّ، عَلَّى رَسُولِهِ نَِّ، قَالَ: ((أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ، مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُنِّيَ، وَعَلَيْهِ
دَيْنٌ، فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالاً، فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ)) .
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (يونس بن عبدالأعلى) الصَّدَفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقة، من صغار [١٠]١/
٤٤٩ .
٢- (ابن وهب) عبدالله المصريّ الحافظ الثبت [٩]٩/٩.
٣- (يونس) بن يزيد الأيليّ، ثقة ثبت [٧]٩/٩.
٤- (ابن أبي ذئب) محمد بن عبدالرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب
القرشيّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقة فقيه فاضل [٧]٦٨٥/٤١. والله تعالى أعلم.
٥- (أبو هريرة) وطاعته ١/١.
والباقيان ذكرا في السند الماضي. والله تعالى أعلم.
(١) - ((فتح)) ج٥ ص٢٣٣ ((كتاب الحوالة)).
(٢) -وفي نسخة: ((أخبرنا))، وفي أخرى: ((أنبأنا)).
(٣) -وفي نسخة: ((المسلم)).