Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
٤٢- المِسْكُ - حديث رقم ١٩٠٥
٣- (شَبَابة) بن سَوَّار المدائنيّ، ثقة حافظ رمي بالإرجاء [٩]١٧٤٣/٥٠.
٤ - (شعبة) بن الحجّاج الإمام الثبت الحجة [٧]٢٦/٢٤.
٥- (خُلَيد بن جعفر) بن طَريف الحنفيّ، أبو سليمان البصريّ، صدوق [٦].
قال شعبة: حدثني خُليد بن جعفر، وكان من أصدق الناس، وأشدّهم اتقاءً. وقال
يحيى بن سعيد: لم أره، ولكن بلغني أنه لا بأس به. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن
معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال أحمد:
أحاديثه حسان. ووثقه النسائيّ في ((الكنى))، وحكى عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه أنه
وثّقه. وكذا وثّقه الدولابيّ، وغيره. وقال الساجي: قال ابن معين: هو إلى الضعف
أقرب. هكذا في ((تت)). وقال في ((ت)): لم يثبت أن ابن معين ضعفه انتهى .
روى له مسلم، وله في الترمذيّ، والنسائيّ حديث الباب فقط .
٦- (أبو نضرة) العبديّ المنذر بن مالك بن قُطَعَة البصريّ، ثقة [٣]٥٣٨/٢١.
٧- (أبو سعيد) الخدريّ سعد بن مالك بن سِنَان الأنصاريّ رَضِفَ ٢٦٢٠/١٦٩ والله
تعالى أعلم .
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنهم ما بين مروزيّ، وهو محمود، ومدائنيٍّ، وهو شبابة،
ومدنيّ، وهو الصحابيّ، وبصريينَ، وهم الباقون. وفيه الإخبار، والتحديث،
والسماع، والعنعنة. والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ رَّهِ، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((أَطْيَبُ الطَّيبِ
الْمِسْكُ))(١)) مبتدأ مؤخر، وخبر مقدم، ويجوز العكس، والأول أولى، لكون ((المسك))
هو المحدّث عنه. والكلام بتقدير ((من)): أي أنه من أطيب الطيب، ويدلّ على هذا قوله
في الرواية التالية: ((من خير طيبكم المسك)).
وهذا الحديث أورد المصنف هنا مختصرًا، وسيأتي بتمامه في ((كتاب الزينة))، ولفظه
في ٥٢٦٤ - من طريق عبد الرحمن بن غَزْوان عن شعبة عن خُليد بن جعفر والْمُسْتَمِرّ،
عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: ((ذَكَر النبي ◌َّ امرأة حَشَتْ خاتمها بالْمِسْكِ، وهو
(١)- أشار في هامش النسخة الهندية إلى أنه يوجد في بعض النسخ: ((من خير طيبكم المسك)) بدل:
((أطيب الطيب المسك)). وليُحرَّر. والله تعالى أعلم.

٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِز
أطيب الطيب)).
وأتم منه لفظ مسلم من طريق أبي أسامة، عن شعبة، حدثني خُلَيد بن جعفر، عن
أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي وَّ، قال: ((كانت امرأة من بني إسرائيل،
قصيرة، تمشي مع امرأتين، طويلتين، فاتخذت رجلين، من خشب، وخاتما من ذهب،
مُغلَق، مُطَبَّق، ثم حشته مسكا، وهو أطيب الطيب، فمرت بين المرأتين، فلم
يعرفوها، فقالت بيدها هكذا، ونفض شعبة يده)). انتهى .
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى:
١٠٩٧١- حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا المستمر بن الرَّيَّان، حدثنا أبو نضرة، عن
أبي سعيد، أن رسول اللَّه وَله قال ((كان في بني إسرائيل امرأة قصيرة، فصنعت
رجلين، من خشب، فكانت تسير بين امرأتين، قصيرتين، واتخذت خاتما، من ذهب،
وحَشَت تحت فصه أطيبَ الطيب المسكَ، فكانت إذا مرت بالمجلس حركته، فنفخ
ريحه)) .
وقد بيّن في رواية أخرى سبب القصّة، وهو تحذير أمته من فتنة النساء، فقال:
١١٠٣٤ - حدثنا عبد الصمد، حدثنا المستمر بن الريان الإيادي، حدثنا أبو نضرة
العبدي، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول اللَّه ود ليل ذكر الدنيا، فقال: ((إن الدنيا خَضِرَة
حُلْوَةٍ، فاتقوها، واتقوا النساء))، ثم ذكر نسوةً ثلاثا من بني إسرائيل، امرأتين طويلتين،
تُعرَفان، وامرأة قصيرة، لا تعرف، فاتخذت رجلين من خشب، وصاغت خاتما، فحشته
من أطيب الطيب المسكِ، وجعلت له غَلَقًا، فإذا مرت بالملإٍ، أو بالمجلس، قالت به،
ففتحته، ففاح ريحه))، قال المستمر، بخنصره اليسرى، فأشخصها، دون أصابعه
الثلاث شيئا، وقبض الثلاثة)).
وقد تقدم في أول الباب وجه إيراد المصنّف لهذا الحديث هنا. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي سعيد رَّ هذا أخرجه مسلم .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٩٠٥/٤٢ و١٩٠٦ و ٥١١٩/٣٣ و٥٢٦٤٠/٧٥ وفي ((الكبرى))٤٢/
٢٠٣٢ و٢٠٣٣ و٩٤١٢/٤١. وأخرجه (م) ٢٢٥٢ (د) ٣١٥٨ (ت) ٩٩١
(أحمد)١٠٩١٨ و١٠٩٧١ و١١٠٣٤ و١١١٩٦ و١١٢٥٢٠ والله تعالى أعلم .
المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في استعمال المسك للميت:

٦٣
٤٢- المِسْكُ - حديث رقم ١٩٠٦
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: واختلفوا في استعمال المسك في حنوط
الميت، فكان ابن عمر رَوّت، يطيب الميت بالمسك، وجُعِل في حَنُوط أنس ◌َّه
صُرَّةٌ من مسك، وروينا عن عليّ رَظّي أنه أوصى أن يجعل في حنوطه مسك، وقال:
هو فضل(١) حنوط النبيّ وَ له. قال: وممن رأى أن الميت يُطيّب بالمسك محمدُ بن
سيرين، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. وكذلك نقول، وفي أمر النبي ◌َّ-
المرأة أن تأخذ عند اغتسالها من المحيض فِرْصَة ممسّكة دليل على طهارة المسك، مع
ما روينا عنه أنه قال: ((أطيب الطيب المسك))، ثم أخرج بسنده حديث الباب .
قال: وقد روينا عن عطاء، والحسن، ومجاهد، أنهم كرهوا ذلك .
قال: وكلّ من نحفظ عنه من أهل العلم يستحبّون إجمار ثياب الميت. قال: واستحبّ
كثير منهم أن يكون ذلك وترًا، والذي يُكَفِّن الميت، ويُحَنِّطه يجعل في حنوطه ما شاء من
الطيب، إلا الزعفران، فإن النبي وَلّ نهى أن يتزعفر الرجل، وأحبّ ما استُعمِل في حنوطه
الكافورُ، للثابت عن النبي ◌َليل أنه قال: للنسوة اللواتي غسلن ابنته: ((اجعلن كافورًا، أو
شيئًا من كافوار)) انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى باختصار(٢)، وهو نفيسٌ بحثٌ
جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
١٩٠٦ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسِيْنِ الدِّرْهَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ الْمُسْتَمِرٌ
بْنِ الرَّيَّانِ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مِنْ خَيْرِ طِكُمُ
الْمِسْكُ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عليّ بن الحسين الدِّزهميّ) البصريّ، صدوق [١١]١٧/ ١٥٤٧.
٢- (أُميّة بن خالد) بن الأسود بن هُذْبة، وقيل: ابن خالد بن هُذْبة بن عُتْبَة الأزديّ
القيسيّ، أبو عبد الله البصريّ، أخو هُذبة، وكان أكبر منه، صدوق [٩].
قال أبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذيّ: ثقة. وقال العجليّ: ثقة. وذكره ابن حبّان
في ((الثقات)). وقال الدارقطنيّ: ما علمت إلا خيرًا. وروى العقيليّ في ((الضعفاء)) عن
الأثرم، قال: سمعت أبا عبد اللَّه يُسأل عن أميّة بن خالد، فلم أره يحمده في الحديث،
قال: إنما كان يُحدّث من حفظه، لا يُخرج كتابًا، وما أبدى العقيليّ فيه غير حديث
واحد وصله، وأرسله غيره. وذكره أبو العرب في ((الضعفاء))، فلم يصنع شيئا .
مات سنة (٢٠٠) وقيل: سنة (٢٠١). روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وابن
(١)- هكذا نسخة ((الأوسط))، ولعل الصواب ((أفضل الخ)).
(٢)- ((الأوسط)) ج٥ ص٣٦٧ -٣٧٠ .

٦٤
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِز
ماجه، وله عند المصنف في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط.
٣- (المُسْتَمِرّ بن الرَّيَّان) - بالتحتانيّة- الإياديّ الزهرانيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة
عابد(١)[٥].
قال علي بن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد: ثقة. وكذا قال عبد الله بن أحمد، عن
أبيه، وزاد ((شيخ))، وإسحاق بن منصور، عن ابن معين. وقال أبو داود الطيالسيّ: كان
صدوقًا ثقة. وقال النسائيّ: ثقة، وكان من الأبدال. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)).
وقال الحاكم: ثقة. وقال البزار: مشهور. روى له الجماعة، سوى البخاري، وابن
ماجه، وله عند المصنف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده برقم ٥٢٦٦ .
والباقيان، تقدما في الذي قبله. والحديث صحيح، وقد تقدم شرحه، وبيان المسائل
المتعلّقة به في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٤٣- الإِذْنُ بِالْجَنَازَةِ
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: غرض المصنّف بهذه الترجمة الاستدلال على
مشروعية إعلام الناس بكون الجنازة مهيَّأَةً للصلاة عليها، ودفنها، حتى يصلوا عليها،
ويدفنوها، فَأَطْلَقَ الإذن، وأراد الإيذان، فإن ((الإذن): بالكسر: معناه العلم، يقال:
أَذِن بالشيء، كسَمِعَ، إِذْنًا، بالكسر، ويُحرَّك، وأَذَانًا: عَلِمَ به. قاله في ((ق)) .
فيكون مجازًا مرسلًا، من إطلاق المسبب، وإرادة السبب، فإن العلم بكون الجنازة
مهيّأة للصلاة عليها يتسبب من الإعلام بذلك .
لكن كان الأولى له أن يذكر هذا الباب عقب باب النعي المتقدّم كما فعل الإمام
البخاريّ رحمه الله تعالى، لأن هذا - كما قال ابن المنيّر- مرتب على السابق، لأن
النعي هو إعلام من لم يتقدّم له علم بالميت، والإذن إعلام من عَلِمَ بتهيئة أمره، وتمام
تجهيزه، لأجل أن يصلي عليه .
[تنبيه]: قال ابن رُشيد: ((الإذن)»: ضبطناه بكسر الهمزة، وسكون المعجمة، وضبطه
(١)-جعله في (ت)) من الطبقة السادسة، والصواب أنه من الخامسة، لأنه رأى أنسا رضي الله عنه،
كما في ترجمته من ((تت) ج٣ ص٥٦ .

٦٥
٤٣- الإذنُ بالجنازة - حديث رقم ١٩٠٧
ابن المرابط بمدّ الهمزة، وكسر الذال، على وزن الفاعل. قال الحافظ: والأول أوجه،
والمعنى الإعلام بالجنازة، إذا انتهى أمرها، ليُصَلَّى عليها انتهى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: تفسير الإذن بالإعلام فيه نظر، وإنما هو العلم، لأن
أَذِن بالشيء معناه عَلِمَ به، كما قدّمنه قريبًا، فتنبه. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٩٠٧- أَخْبَرَنَا قُتَنِيَةُ، فِي حَدِيثِهِ عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أَمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ
ابْنِ حُنَيْفٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّ مِسْكِينَةً، مَرِضَتْ، فَأَخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ بِمَرَضِهَا، وَكَانَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ، يَعُودُ الْمَسَاكِينَ، وَيَسْأَلُ عَنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِ: ((إِذَا مَاتَتْ
فَاذِئُونِي))، فَأُخْرِجَ بِجَنَازَتَها لَيْلًا، وَكَرِهُوا، أَنْ يُوقِظُوا رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ
اللَّهِ وَلِّ، أُخْبِرَ بِالَّذِي كَانَ مِنْهَا، فَقَالَ: ((أَمْ آمُرْكُمْ أَنْ تُؤْذِنُونِي بِهَا؟))، قَالُوا: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، كَرِهْنَا أَنْ تُوقِظَكَ لَيْلًا، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ حَتَّى صَفَّ بِالنَّاسِ، عَلَى قَبْرِهَا،
وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ .
رجال هذا الإسناد: أربعة :
١- (قتيبة) بن سعيد الثقة الثبت [١٠]١/١.
٢- (مالك) بن أنس الإمام المدني الحجة المشهور [٧]٧/ ٧ .
٣- (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري الإمام الحجة الشهير [٤]١/١.
٤- (أبو أمامة بن سهل بن حُنيف) واسمه أسعد الأنصاريّ المدني، له رؤية، لا
سماع، مات سنة (١٠٠) عن (٩٢) سنة. روى له الجماعة ٥٠٩٠/٨ والله تعالى أعلم .
[تنبيه]: هذا الإسناد ليس من رباعيات المصنف؛ لأنه مرسلٌ، فهو من خماسياته،
فتنبه. والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي أَمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ) - بضم همزة ((أمامة))، و((سهل)) بفتح، فسكون،
و((حُنيف)) بضم المهملة، وفتح النون، وسكون التحتية، وبالفاء- وأبو أمامة هذا سماه
النبي وَلّ لما وُلد قبل موته بسنتين باسم جدّه، أسعد بن زُرَارة، وكناه، فهو صحابي،
من حيث الرؤية، تابعيّ، من حيث الرواية، وأبوه صحابي شهير بدريّ رَّ (أنَّهُ
أَخْبَرَهُ) أي أخبر أبو أمامة ابنَ شهاب (أَنَّ مِسْكِينَةً) لا يُعرف اسمها، ويحتمل أن تكون
هي المرأة التي كانت تكنُس المسجد النبويّ، فقد ثبت في حديث أبي هريرة ◌َمثله في
(١)- ((فتح)) ج٣ ص ٤٥٤ .

٦٦
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ
((الصحيحين))، وغيرهما أن امرأة سوداء، كانت تقُمُّ المسجد -بقاف مضمومة، وميم
مشددة- أي تجمع القُمامة، وهي الكناسة. وفي لفظ: ((كانت تُنَفي المسجد من الأذى))،
ولابن خزيمة: ((كانت تلتقط الْخِرَق من المسجد))، وللبيهقيّ بإسناد حسن، عن بُريدة:
أن أم مِحْجَن كانت مولعة بلقط القَذَى من المسجد)» -بقاف، ومعجمة مقصور - جمع
قذاة، وهي ما يسقط في العين والشراب، ثم استعمل في كلّ شيء يقع في البيت
وغيره، إذا كان يسيرًا وفي ((الإصابة)): محجنة، وقيل: أم محجن، امرأة سوداء، كانت
تقمّ المسجد، ذُكرت في ((الصحيح)) بلا تسمية انتهى.
(مَرِضَتْ) وفي الرواية - ١٩٦٩/٧١ - ((اشتكت امرأةٌ بالعوالي مسكينةٌ ... ))، وفي -
٧٦/ ١٩٨١ -: ((مَرِضَت امرأة من أهل العوالي ... )) (فَأَخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ بِمَرَضِهَا،
وَكَانَ) وفي نسخة: (فكان)) (رَسُولُ اللَّهِ وَآلِهِ، يَعُودُ الْمَسَاكِينَ) أي يزورهم (وَيَسْأَلُ
عَنْهُمْ) وفي الروية ١٩٦٩/٧١ -: ((فكان النبي ◌ََّ، يسألهم عنها)) (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
(وَلَ﴿: إِذَا مَاتَتْ فَآَذِنُونِي))) بمد الهمزة، من الإيذان، وهو الإعلام، أي أعلموني بموتها،
وفي الرواية المذكور: ((إن ماتت فلا تدفنوها حتى أصلي عليها)).
وهذا هو محلّ الترجمة، فإنه وَلّ أمر بإعلامه بموتها حتى يصلي عليها، فدلّ على
مشروعية الإعلام بالجنازة. والله تعالى أعلم .
(فَأُخْرِجَ بِجَنَازَتَها لَيْلًا) وفي الرواية المذكورة: ((فجاؤا بها إلى المدينة بعد العَتّمَة،
فوجدوا رسول اللَّه ◌َ له قد نام ... )) (وَكَرِهُوا، أَنْ يُوقِظُوا رَسُولَ اللَّهِ وَّر) زاد في الرواية
المذكورة: ((فَصَلَّوا عليها، ودفنوها ببقيع الغَرْقَد ... )) (فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِه
أُخْبِرَ بِالَّذِي كَانَ مِنْهَا) وفي الرواية المذكورة: «فلما أصبح رسول اللَّه ◌َالتز جاءوا،
فسألهم عنها، فقالوا: قد دفنت يا رسول الله ... )) (فَقَالَ: ((أَلَمْ آمُرْكُمْ أَنْ تُؤْذِنُونِي
بِهَا؟») أي بموتها، لأصلي عليها (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ لَيْلًا) أي
إجلالا له، وتعظيمًا، لأنه لا يُدرَى ما يحدث له في نومه، من الوحي، أو غيره (فَخَّرَجَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ ﴿) أي إلى البقيع. وفي الرواية المذكورة: ((قال: فانطَلِقوا، فانطلق يمشي،
ومشوا معه، حتى أروه قبرها، فقام رسول اللَّه وَلَّ، وصفّوا وراءه، فصلى عليها، وكبر
أربعا)) (حَتَّى صَفَّ بِالنَّاسِ) لعلّ الباء على تضمين ((صَفَّ)) معنى أَمَرَ، لأن صفّ يتعدى
بنفسه، لا بالباء، فكأن المعنى أمر بالناس أن يصفّوا وراءه (عَلَى قَبْرِهَا، وَكَبَّرَ أَرْبَعَ
تَكْبِيرَاتٍ) هذا معطوف على محذوف، كما بينته الرواية المذكورة آنفًا، أي فصلى
عليها، وكبر أربع تكبيرات. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.

٦٧
٤٣- الإذنُ بالجنازة - حديث رقم ١٩٠٧
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي أمامة بن سهل تَّ هذا صحيح .
فإن قلت: كيف يصحّ، وهو مرسل، لأن أبا أمامة، وإن كان له شرف الرؤية، إلا أنه
تابعي من حيث الرواية؟ .
قلت: له شواهد كثيرة، يصحّ بها، وقد استوفى الكلام عليه الحافظ أبو عمر ابن عبد
البرّ رحمه الله تعالى في كتابه «التمهيد))، ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: رُويت الصلاة
على القبر عن النبي ◌َّل، من ستة وجوه حسانٍ كلَّهَا، ثم قال أبو عمر: هي حديثُ سهل
بن حُنيف، وحديثُ سعد بن عبادة، وحديث أبي هريرة، روي من طرق، وحديث
عامر بن ربيعة، وحديث أنس، وحديث ابن عباس *** ، ثم خرّج أحاديث هؤلاء،
فأجاد، وأفاد رحمه اللّه تعالى. والحاصل أن حديث أبي أمامة، وإن كان مرسلًا، فهو
صحيح، لما له من الشواهد المذكورة. والله تعالى أعلم .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٣ /١٩٠٧ - و١٩٦٩/٧١ و١٩٨١/٧٦ وفي ((الكبرى))٢٠٣٤/٤٣
و٢٠٩٦/٧١ و٢١٠٧/٧٦. وأخرجه (مالك في ((الموطا))) ٥٣١.
المسألة الثالثة: في فوائده :
منها: ما بوّب له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو مشروعية الإذن بالجنازة، لقوله وَل :
((إذا ماتت، فآذنوني)). ومنها: مشروعية عيادة المريض. ومنها: مشروعية عيادة الرجال
النساء. ومنها: ما كان عليه النبي ◌َّلّ من التواضع في عيادة الفقراء والمساكين. ومنها: أنه
ينبغي للأشراف عيادة الفقراء، أسوة بهدي النبي وَّر. ومنها: ما كان عليه النبي وَّل من
الخلق الجميل في العفو، وأنه أمر أصحابه، فلم يفعلوا ما أمرهم به، فلم يعاتبهم. ومنها:
أن عصيان الإنسان لأميره، سلطانا كان، أو غيره إذا أراد بعصيانه بِرَّه، وتعظيمه، وإكرامه،
أن ذلك لا يُعدّ عليه ذنبًا. ومنها: أنه وَ ل ◌َ كان لا ينتقم ممن يَعصيه، إلا أن تُنتهك حرمة من
حرمات الله سبحانه وتعالى، فينتقم لله بها، كما ثبت ذلك عن عائشة وحديثها. ومنها: أن
رسول اللَّه وَالَّ لا يَعلَم الغيب عنه، إلا أن يُطلِعِه الله تعالى عليه. ومنها: جواز الدفن
بالليل، وسيأتي له بحثٌ خاصّ في - ٢٠١٣/٨٩ و٢٠١٤ - إن شاء الله تعالى. ومنها:
الصلاة على القبر، وسيأتي له باب خاصّ به أيضًا في - ٩٤/ ٢٠٢٢ - ويأتي ذكر اختلاف
العلماء هناك، إن شاء الله تعالى. ومنها: أن التكبير على الجنائز أربع تكبيرات، وسيأتي له
باب خاصّ أيضًا في ٧٦/ ١٩٨٠ و١٩٨١ و١٩٨٢ -. ومنها: أن سنة الصلاة على القبر

٦٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
كالصلاة على الجنازة. والله تعالى أعلم. ومنها: أن فيه ردا على من قال من السلف: لا
تُشعِرُوا بموتي أحدًا، فقد نُقِلَ عن ابن مسعود تَيّ ، أنه قال: لا تؤذنوا بموتي أحدًا،
حسبي من يحملني إلى حفرتي، ونُقِل أيضا كراهته عن إبراهيم، وعلقمة النخعيين .
وأجازه الجمهور، وهو الحقّ، قال ابن عبد البرّ ◌َخْذّلهُ: شهود الجنائز أجر،
وتقوى، وبرّ، والإذن بها تعاون على البرّ والتقوى، وإدخال الأجر على الشاهد، وعلى
المتوفَّى، ألا ترى إلى قوله وَ له: ((ما من مسلم يموت، فيصلي عليه أمة من المسلمين،
يبلغون أن يكونوا مائة، يستغفرون له، إلا شُفِعُوا فيه)) . -رواه أحمد، ومسلم،
وغيرهما- ومعلوم أن هذا العدد لا يجتمعون لشهود جنازة، إلا أن يُؤذّنُوا لها انتهى (١).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)) .
٤٤- السُّرْعَةُ بِالْجَنَازَةِ
١٩٠٨ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا(٢) عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ
سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ
وَلَّهِ، يَقُولُ: ((إِذَا وُضِعَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ عَلَى سَرِيرِهِ، قَالَ: قَدِّمُونِ، قَدِّمُونِ، وَإِذَا وُضِعَ
الرَّجُلُ يَعْنِي السُّوءَ عَلَى سَرِيرِهِ، قَالَ: يَا وَئِلِي، أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِي)).
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (سُؤَيد بن نصر) المروزيّ، ثقة [١٠]٥٥/٤٥ .
٢- (عبد الله) بن المبارك الإمام الحافظ الحجة [٨]٣٦/٣٢.
٣- (ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث القرشي العامريّ،
أبو الحارث المدنيّ، ثقة فقيه فاضل [٤١٤٧/ ٦٨٥.
٤- (سعيد المقبريّ) ابن أبي سعيد كَيْسَان المدني، ثقة تغير آخرًا [٣]١١٧/٩٥.
٥- (عبد الرحمن بن مِهْرَان) أبو محمد المدنيّ، مولى الأزد، ويقال: مولى مُزَينة،
ويقال: مولى أبي هُريرة، مقبول [٣].
(١)- ((التمهيد)) ج٦ ص ٢٥٧ -٢٥٨.
(١)- وفي نسخة ((حدثنا))، وفي أخرى: ((أنبأنا)).

٦٩
٤٤- السُّزعة بالجنازة - حديث رقم ١٩٠٨
قال أبو حاتم: صالح. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال أبو الفتح الأزديّ: مجهول.
وقال البَرْقَانيّ، عن الدار قطنيّ: شخ مدنيّ يُعتبر به. انفرد به مسلم، والمصنف، وله عند
مسلم حديث: ((أحبّ البلاد إلى الله مساجدها)). وعند المصنّف حديث الباب فقط .
[تنبيه]: أشار في هامش الهندية إلى أنه وقع في بعض نسخ ((المجتبى)): ((وعبد
الرحمن ابن مهران)» بالواو بدل ((عن)»، وهو غلط فاحش، فتنبّه. قال الحافظ ولي الدين
رحمه الله تعالى: ووقع في أصل سماعنا من ((سنن النسائيّ الصغرى)) رواية ابن السُّنّيّ:
((عن سعيد المقبريّ، وعبد الرحمن بن مهران))، وهو وَهَمِ، وفي ((الكبرى)) رواية ابن
الأحمر على الصواب انتهى (١) .
٦ - (أبو هريرة) رَنَّه ١/١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أنه مسلسل
بالمدنيين، من ابن أبي ذئب، وشيخه، وعبد الله مروزيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ
عن تابعيّ، وهو من رواية الأقران. والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحمَنِ بْنِ مِهْرَانَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) رَّه.
[تنبيه]: قال الإمام ابن حبّان رحمه الله تعالى في ((صحيحه)): رَوَى هذا الخبر سعيد
المقبريّ، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدريّ، وعن عبد الرحمن بن مِهْرَان، عن أبي
هريرة، فالطريقان جميعًا محفوظان، ومتن خبر أبي سعيد رَّه -يعني الذي يأتي بعد
هذا- أتمّ من خبر أبي هريرة ◌َظُليه انتهى(٢).
(قَالَ) وفي رواية أحمد، عن يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب: ((أن أبا هريرة قال
حين حضره الموت: لا تضربوا عليّ فُسطاطًا، ولا تُتَبِعُوني بمجمر، وأسرعوا بي، فإني
سمعت رسول اللَّه وَله يقول: ((إذا وُضع الرجل الصالح على سريره، قال: قدموني،
قدّموني، وإذا وضع الرجل السوء على سريره، قال: يا ويله، أين يذهبون بي)). وفي
رواية عن محمد بن عبد الله بن الزبير، عن ابن أبي ذئب: ((إن المؤمن إذا وُضع على
سريره، قال: أسرعوا بي، وإذا وُضع الكافر على سريره، قال: يا ويلاه أين يذهبون
بي)) (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَه يَقُولُ: ((إِذَا وُضِعَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ) ولفظ ابن حبّان في
(١)- ((طرح التثريب)) ج٣ ص٢٨٩ .
(٢)- ((صحيح ابن حبان) ج٨ ص٣٧٩ .

٧٠
=
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِز
الموضعين: ((إن العبد إذا وُضع ... ))، وقال في آخره: يريد المسلم والكافر)) انتهى(١)
(عَلَى سَرِيرٍهٍ) هو ما يوضع عليه الميت، وجمعه: أَسِرَّةٌ، وسُرُرٌ - بضمتين- وفتحُ الثاني
للتخفيف لغةٌ. أفاده في ((المصباح)) (قَالَ) الضمير للرجل الصالح. قال في ((الفتح)):
ظاهره أن قائل ذلك هو الجسد المحمول على الأعناق. وقال ابن بطال: إنما يقول ذلك
الروحُ. وردّه ابن المنيّر بأنه لا مانع أن يردّ اللّه الروح إلى الجسد في تلك الحال،
ليكون ذلك زيادة في بُشرى المؤمن، وبؤس الكافر. وكذا قال غيره، وزاد: ويكون
ذلك مجازًا باعتبار ما يؤول إليه الحال بعد إدخال القبر، وسؤال الملكين .
قال الحافظ: وهو بعيد، ولا حاجة إلى دعوى إعادة الروح إلى الجسد قبل الدفن،
لأنه يحتاج إلى دليل، فمن الجائز أن يُحدث اللَّه النطق في الميت إذا شاء، وكلام ابن
بطّال فيما يظهر لي أصوب. وقال ابن بزيزة: قوله في آخر الحديث - يعني في الرواية
الآتية -: يسمع صوتها كلّ شيءٍ)) دالٌ على أن ذلك بلسان المقال، لا بلسان الحال
(٢)
انتھی(٢) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الحافظ فيه تناقض، لأن أول كلامه يفهم منه
أن الكلام للجسد، وآخره أنه للروح، حيث صوّب كلام ابن بطال، والصواب عندي أن
الكلام للجسد، فلا حاجة للعدول عن ظاهر النصّ، فإن قوله: ((إذا وُضع الرجل الخ)»،
يدلّ على أن هذا الكلام للجسد، لأن الموضوع على السرير هو الجسد، فهو الذي
يتكلّم، بلسان المقال بصوت مسموع لكل أحد، إلا الإنسان. والله تعالى أعلم .
(قَدْمُوني) أي للقاء ثواب العمل الصالح الذي كنت أعمله في حياتي. قال السنديّ
رَّثُ : كأنه يعتقد أنهم يسمعون قوله، فيقول لهم ذلك، أو أنه تعالى يُجري على لسانه
ذلك ليُخبر عنه رسول اللّه وَير للناس، فتحصل الفائدة بواسطة ذلك الإخبار. والله
تعالى أعلم انتهى(٣).
(قَدْمُونِي) كرّره للتأكيد (وَإِذَا وُضِعَ الرَّجُلُ يَعْنِي السُّوءَ) هكذا نسخ ((المجتبى)) بزيادة
لفظة ((يعني))، وفي ((الكبرى)): ((وإذا وُضع الرجل السوء ... )) بدون ((يعني))، وهو الذي
في روايات أحمد، في المواضع الثلاثة -٢٩٢/٢ و٤٧٤/٢ و٥٠٠/٢ - ولم يتبيّن لي
معرفة من هو قائل: ((يعني)) في رواية المصنّف هنا؟ والله تعالى أعلم (عَلَى سَرِيرِهِ،
قَالَ: يَا وَيْلِي) أي ياهلاكي احضُرْ، فهذا أوانك، وفي نسخة: ((يا ويلتي)) (أَيْنَ تَذْهَبُونَ
(١)-راجع صحيح ابن حبان ج٨ ص٣٧٨ رقم الحديث ٣١١١.
(٢)- (فتح) ج٣ ص ٥٤٠ .
(٣)-((شرح السندي)) ج٣ ص٤١ .

٧١
٤٤- السُّرْعَةُ بِالْجَنَازَةِ - حديث رقم ١٩٠٩
بي))) إنما قاله لأنه علم أنه لم يقدّم خيرًا، وأنه سيَقدَم على ما يسوءه، فيَكرَه القدوم.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسألتان تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة تَّ هذا صحيح .
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١٩٨/٤٤ - وفي ((الكبرى)) ٢٠٣٥/٤٤. وأخرجه (أحمد) ٧٨٥٤
و ٩٧٨٧ و١٠١١ .
وفوائد الحديث تأتي قريبًا، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
١٩٠٩- أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنٍ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ
سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُذْرِيَّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِذَا وُضِعَتِ الْجَنَازَةُ، فَاحْتَمَلَهَا
الرِّجَالُ، عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً، قَالَتْ: قَدْمُونِ، قَدْمُونِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ
صَالِحَةٍ، قَالَتْ: يَا وَئِلَّهَا(١)، إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِهَا، يَسْمَعُ صَوْتَّا كُلُّ شَيْءٍ، إِلَّا الْإِنْسَانَ،
وَلَوْ سَمِعَهَا الْإِنْسَانُ لَصَعِقَ)) .
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (الليث) بن سعد الإمام الفقيه الثبت الحجة المصريّ [٧]٣٥/٣١ .
٢- (أبو سعيد) هو: كيسان المقبريّ المدنيّ، ثقة [٣]٦٣ / ٨٧٢.
والباقون تقدموا قريبا. والله تعالى أعلم .
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه فبغلانيّ، والليث
فمصريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي، والابن عن أبيه. (ومنها): أن فيه
أبا سعيد رضي من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدِ الْخُذْرِيَّ) رَِّ (يَقُولُ: قَالَ
١ -وفي نسخة: ((يا ويلتا)).

٧٢
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ
رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((إِذَا وُضِعَتِ الْجَنَازَةُ) يحتمل أن يراد بالجنازة نفس الميت، وبوضعه
جعله في السرير، ويحتمل أن يريد السرير، والمراد وضعها على الكتف، والأول
أولى، لقوله بعد ذلك: ((فإن كانت صالحة، قالت ... ))، فإن المراد به الميت، ويؤيده
ما في الرواية المتقدّمة: ((إذا وضع الرجل الصالح على سريره، قال: قدّموني ... )).
كذا قال في ((الفتح)) .
وقال السنديّ ◌َخّْلهُ: بل الوجه الأول هو المتعيّن، إذ على الثاني يكون قوله:
((فاحتملها الرجال على أعناقهم)) تكرارًا، ولا يمكن جعله تأكيدًا، إذ لا يناسبها الفاء،
فليُتأمل، نعم ضمير ((احتملها)) بالسرير أنسب، إذ هو المحمول أصالة، والميت تبعًا،
لكن يكفي في صحة إرادة الميت كونه محمولًا تبعًا، ويحتمل أن يكون المراد بالضمير
السرير بالاستخدام انتهى.(١)
وقد تقدم الخلاف، هل المتكلّم جسد الميت -كما هو الراجح - أو روحه، في
الحديث الذي قبله. وبالله تعالى التوفيق .
(فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ، عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً، قَالَتْ: قَدِّمُونِي، قَدِّمُونِي، وَإِنْ
كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ، قَالَتْ: يَا وَئِلَهَا) أي ياويل الجنازة، أي هلاكها احضر، فهذا أوانك .
ولفظ البخاريّ: ((قالت لأهلها)). قال الطيبيّ: أي لأجل أهلها، إظهارًا لوقوعه في
الهَلَكَة، وكلّ من وقع في هلكة دعا بالويل .
وإنما أضاف الويل إلى ضمير الغائب، وإن كان القياس أن يقول: يا ويلي، حملا
على المعنى، كراهة أن يضيف الويل إلى نفسه، أو كأنه لما أبصر نفسه غير صالحة نَفّر
عنها، وجعلها كأنها غيره، ويؤيّد ذلك ما تقدّم في الرواية السابقة، بلفظ: ((يا ويلي، أين
يذهبون بي))، فدلّ على أن ذلك من تصرّف الرواة، انتهى. (٢) (إِلَى أَيْنَ تَدُهَبُونَ بِهَا)
قالته لأنها تعلم أنها لم تقدّم خيرًا، وإنها تَقدَم على ما يسوؤها، فتكره القدوم عليه. وفي
نسخة: ((أين يذهبون بي)) (يَسْمَعُ صَوْتًا) وفي نسخة: ((صوته)): أي الميت (كُلُّ شَيْءٍ)
أي حتى الجمادات، وقيل: الحيوانات (إِلَّ الإِنْسَانَ) بالنصب على الاستثناء، لأن
الكلام تام موجب، كما قال في ((الخلاصة)):
مَا اسْتَثْنَتِ الَّ مَعْ تَمَامِ يَتْتَصِبْ وَبَعْدَ نَفْيٍ أَوَ كَتَفْي انْتُخِبْ
وَعَنْ تَمِيمٍ فِيهِ إِنْدَالٌ وَقَغْ
إِنْبَاعُ مَا اتَّصَلَ وَانْصِبْ مَا انْقَطَّعْ
(١)-(شرح السنديّ)) ج٣ ص٤١ .
(٢)- ((فتح) ج٣ ص ٥٤٠ .

٧٣
٤٤- السُّرْعَةُ بِالْجَنَازَة - حديث رقم ١٩٠٩
(وَلَوْ سَمِعَهَا) الضمير للجنازة على حذف مضاف، أي لو سمع صوتها المُزْعِجَ بالويل
(الْإِنْسَانُ لَصَعِقَ))) بكسر العين المهملة، من باب تَعِبَ: أي لمات، أو غُشي عليه، من شدّة
هول ذلك الصوت. قال ابن بزيزة رَحْذّلهُ: هو مختصّ بالميت الذي هو غير صالح، وأما
الصالح، فمن شأنه اللطف، والرفق في كلامه، فلا يناسب الصعق من سماع كلامه انتهى.
ويحتمل أن يحصل الصعق من سماع كلام الصالح أيضًا لكونه غير مألوف. وقد
روى أبو القاسم ابن منده هذا الحديث في ((كتاب الأهوال)) بلفظ: ((لو سمعه الإنسان
لصعق من المحسن والمسيءٍ))، فإن كان المراد به المفعول دلّ على وجود الصعق عند
سماع كلام الصالح أيضًا .
وقد استشكل هذا مع ما ورد في حديث السؤال في القبر: ((فيضربه ضربةً، فيصعق
صعقةً (١)، يسمعه كلّ شيء، إلا الثقلين)). والجامع بينهما الميت والصعق، والأول
استُثني فيه الإنس فقط، والثاني استثني فيه الجنّ والإنس .
والجواب أن كلام الميت بما ذُكر لا يقتضي وجود الصعق -وهو الفزع- إلا من
الآدميّ، لكونه لم يألف سماع كلام الميت، بخلاف الجنّ في ذلك. وأما الصيحة التي
يصيحها المضروب، فإنها غير مألوفة للإنس والجنّ جميعًا، لكون سببها عذاب الله، ولا
شيء أشدّ منه على كلّ مكلّف، فاشترك فيه الجنّ والإنس. والله تعالى أعلم.
واستُدلّ به على أن كلام الميت يسمعه كلّ حيوان ناطق، وغير ناطق، لكن قال ابن
بطّال: هو عامّ أريد به الخصوص، وأن المعنى يسمعه من له عقل، كالملائكة،
والجنّ، والإنس، لأن المتكلّم روح، وإنما يسمع الروحَ من له روح مثله .
وتُعُقّب بمنع الملازمة، إذ لا ضرورة إلى التخصيص، بل يستثنى إلا الإنسان، كما
هو ظاهر الخبر، وإنما اختصّ الإنسان بذلك إبقاء عليه، وبأنه لا مانع من إنطاق الله
الجسد بغير روح، كما تقدّم. انتهى (٢).
والحاصل الصواب أن جسد الميت يتكلّم، وأنه يسمعه كل شيء، إلا المستثنى،
وهو الإنسان، كما هو ظاهر النصّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث :
المسألة الأولى: في درجته:
(١)-الصعَقُ محرّكة: شدة الصوت، أي صاح صيحة شديدة.
(٢)- قال السنديّ نَّثُ: وهذا مبنيّ على أن المراد لو سمعه أحياناً، وإلا فلو سمعه على الدوام لما
بقي غير مألوف، والله أعلم انتهى ((شرح السنديّ)) ج ٣ص٤١ ..

٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
حديث أبي سعيد الخدريّ رَفي هذا أخرجه البخاريّ .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٩٠٩/٤٤- وفي («الكبرى» ٢٠٣٦/٤٤. وأخرجه (خ) ١٣١٤
و١٣٨٠ (أحمد)١٠٩٧٩ و١١١٥٨ (ابن حبان)٣٠٣٨ و٣٠٣٩. والله تعالى أعلم .
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو السرعة بالجنازة، ووجه ذلك أن
هذا الحديث في معنى الحديث الذي بعده، حيث إن فيه تقسيم الجنائز إلى قسمين،
صالحة تقول: قدموني، قدموا، وغير صالحة، تقول: أين يذبون بها؟، فيطلب الإسراع
بهما، لأن الصالح يستريح بلقاء ما قدّمه من أعماله الصالحة، وغير الصالح يستريح منه
الرجال الذين يحملونه بوضعه عن رقابهم. ومنها: مشروعية حمل الجنازة للرجال،
دون النساء. ومنها: إثبات كلام الميت، وهو على الجنازة. ومنها: أن كلامه يسمعه کل
شيء، غير الإنسان. ومنها: لطف اللَّه تعالى بالإنسان، حيث لم يُسمعه كلام الموتى،
إذ لو أسمعه، لمات، أو غشي عليه، ولو قُدِّر أنه يعيش لتعطلت مصالحه، فلا يُحسِن
القيام بمعيشته الدنيويّة. ومنها: أن ما بعد الموت، من جملة أمور الآخرة التي لا يُوصَل
إلى معرفتها إلا عن طريق الوحي، فلا مدخل للعقل فيها، فلا يقاس بعض أمورها على
بعض، بل يُقتصر فيها على ما ورد عن الشارع الحكيم. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب .
المسألة الرابعة :
استدلّ الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى بقوله: ((فاحتملها الرجال)» على منع النساء
من حمل الجنازة، وإن كان الميت امرأةً، فقد بوّب على هذا الحديث بقوله: ((باب
حمل الرجال الجنازة، دون النساء)). قال ابن رُشيد: ليست الحجة من حديث الباب
ظاهرةً في منع النساء، لأنه من الحكم المعلّق على شرط، وليس فيه أن لا يكون الواقع
إلا ذلك، ولو سُلّم فهو من مفهوم اللقب. ثم أجاب بأن كلام الشارع مهما أمكن حمله
على التشريع، لا يُحمل على مجرّد الإخبار عن الواقع، ويؤيده العدول عن المشاكلة
في الكلام، حيث قال: ((إذا وُضعت، فاحتملها الرجال))، ولم يقل: فاحْتُمِلت، فلما
قُطِعَ احتُملت عن مشاكلة وُضِعَت دلّ على قصد تخصيص الرجال بذلك، وأيضًا،
فجواز ذلك للنساء، وإن كان يؤخذ بالبراءة الأصليّة، لكنه معارض بأن في الحمل على
الأعناق، والأمر بالإسراع مظنّة للانكشاف غالبًا، وهو مباين للمطلوب منهنّ من التستّر
مع ضعف نفوسهنّ عن مشاهدة الموتى غالبًا، فكيف بالحمل، مع ما يتوقّع من

=
٧٥
٤٤ - السُّرْعَةُ بِالْجَنَازَة - حديث رقم ١٩١٠
صراخهنّ عند حمله، ووضعه، وغير ذلك، من وجوه المفاسد انتهى ملخّصًا .
قال الحافظ رَّتُهُ: وقد ورد ما هو أصرح من هذا في منعهنّ، ولكنه على غير شرط
البخاريّ، ولعله أشار إليه، وهو ما أخرجه أبو یعلی من حديث أنس رضيٹ قال: خرجنا
مع رسول اللَّه وَلَفي جنازة، فرأى نسوة، فقال: ((أتحملنه؟))، قلن: لا، قال:
((أتدفِتّه؟)) قلن: لا، قال: فارجعن مأزورات، غير مأجورات)).
وقد نقل النوويّ في ((شرح المهذّب)) أنه لا خلاف في هذه المسألة بين العلماء،
والسبب فيه ما تقدّم، ولأن الجنازة لا بدّ أن يشيّعها الرجال، فلو حملها النساء، لكان
ذلك ذريعةً إلى اختلاطهنّ بالرجال، فيفضي إلى الفتنة انتهى (١). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
١٩١٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً،
يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ◌ََّ، قَالَ: ((أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةٌ، فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَّا إِلَيْهِ، وَإِنْ
تَكُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَشَرِّ تَضَعُونَهُ، عَنْ رِقَائِكُمْ)) .
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة المشهور المكيّ [٨]١/١.
٢- (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحافظ المشهور الحجة المدنيّ [٤]١/١.
٣- (سعيد) بن المسيّب الإمام الفقيه العابد الحجة المشهور المدنيّ [٢]٩/٩.
والباقيان تقدّما في الذي قبله. والله تعالى أعلم .
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وسفيان،
فمكيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة رَّهِ رَأْسُ المكثرين
من الرواية، وفيه سعيد بن المسيب أحد الفقهاء السبعة. والله تعالى أعلم .
شرح الحدیث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) لَّهِ (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ وَِّي) أي يرفع هذا الحديث، فيوصله إلى النبي
وَي*، والجملة في محل نصب على الحال، وهذه العبارة من صيغ الرفع حكمًا، وإنما
لم يصرّح الراوي بصيغة، من الصيغ المستعملة للرفع، كـ((سمعت)) و((حدثني))،
(١)- ((فتح) ج٣ ص ٥٣٦-٥٣٧ .

= ٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
ونحوهما، احتياطا، حيث شك فيها، هل هي ((سمعت النبي وَّ))، أو ((قال النبي ◌َّ،
أو ((عن النبي ◌َّ))، أو نحو ذلك، فأتى بصيغة تشمل جميع ذلك. والله تعالى أعلم.
قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: ما حاصله: أخرج هذا الحديث الأئمة
الستة من هذا الوجه، من رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي
هريرة، وفي روايتهم التصريح برفعه إلى النبي ◌َّ، إلا أن في رواية أبي داود،
والترمذيّ، والنسائيّ: ((يبلغ به النبي وَ ل9))، كما هو اللفظ الأخير هنا (١) وقوله في اللفظ
الأول هنا: ((روايةً)) كناية عن الرفع إلى النبي ◌َّ بلا خلاف أعلمه انتهى (٢).
(قَالَ: ((أَسْرِعُوا) أمر من الإسراع، والمرد به الإسراع المتوسط بين شدة السعي،
وبين المشي المعتاد، بدليل حديث أبي بكرة تَظّه الآتي: ((وإنا لنكاد نَزْمُلُ بالجنازة
رملًا)»، إذ مقاربة الرمل ليس بالسعي الشديد، كما قاله الحافظ العراقي رحمه الله
تعالى، وسيأتي أقوال أهل العلم في الإسراع بالمشي في المسألة الرابعة، إن شاء الله
تعالى .
(بِالْجَنَازَةِ) أي بحملها، متعلق ب)) أسرعوا)).
قال العلامة ابن الملقّن ◌َخّْلهُ: من قال: الجنازة بالفتح للميت، وبالكسر للنعش،
كما قدّمنا أول الباب يتعيّن عنده هنا قراءة قوله: ((أسرعوا بالجنازة)) بالفتح، لأن
المقصود الإسراع بالميت، لا النعش، ويدلّ على ذلك آخر الحديث انتهى .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن المناسب هنا الكسر، لأن الجِنَازة بالكسر
اسم للنعش، وعليه الميت، كما هو القول الراجح من أقوال أهل اللغة، والمقصود هنا
الإسراع بالنعش، وعليه الميت، إذ لا معنى للإسراع بحمل الميت إلا مع النعش،
فليُتنبّه، والله تعالى أعلم .
قال: المراد بالإسراع هنا الإسراع بالميت، كما قلناه، فيتضمّن الأمر بحمله إلى
قبره، وهو فرض كفاية. وقيل: المراد به الإسراع بتجهيزه بعد موته، لئلا يتغيّر،
والأول أظهر، وعليه الجمهور .
قال النوويّ: والثاني باطل، مردود بقوله وَل: ((فشرّ تضعونه عن رقابكم)).
وقال القرطبيّ: لا يبعد أن يكون كلّ واحد منهما مطلوبا، إذ مقتضاه مطلق الإسراع،
فإنه ◌َّ لم يقيّده بقيد .
(١)- يعني اللفظ الواقع في متن ((تقريب الأسانيد)» لوالده الحافظ العراقي الذي شرح هو بعضه، وبعضه
لوالده في شرح سماه ((طرح التثريب)).
(٢) - ((طرح)) ج٣ ص٢٨٨ .

٧٧
٤٤- السُّرْعَةُ بالجَنازة - حديث رقم ١٩١٠
وقال الفاكهيّ: ما ردّه النوويّ جمود على ظاهر لفظ الحديث، وإلا فيحتمل حمله
على المعنى، فإنه قد يُعبّر بالحمل على الظهر، أو العنق عن المعاني، دون الذوات،
فيقال: حمل فلان على ظهره، أو على عنقه ذنبًا، أو نحو ذلك، ليكون المعنى في قوله
وَالر: ((فشرّ تضعونه عن رقابكم))، إنكم تستريحون من نظر من لا خير فيه، أو من
مجالسته، ونحو ذلك، فلا يكون في الحديث دليل على ردّ قول هذا القائل، ويقوّي
هذا الاحتمال أن كلّ حاضري الميت لا يحملونه، إنما يحمله القليل منهم، لا سيّما
اليوم، فإنما يحمله في الغالب مَن لا تعلّق له به. انتهى(١).
قال الحافظ ◌َخْذَلهُ: ويؤيّده -يعني كلام الفاكهيّ- حديث ابن عمر رَضِوُها، قال:
سمعت رسول اللّه وَالله يقول: ((إذا مات أحدكم، فلا تحبسوه، وأسرعوا به إلى قبره)).
أخرجه الطبرانيّ بإسناد حسن، ولأبي داود من حديث حصين بن وحوح، مرفوعًا: ((لا
ينبغي لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهراني أهله ... )) الحديث. انتهى(٢). وقال ابن قدامة
رَّثُ: هذا الأمر بالإسراع للاستحباب، بلا خلاف بين العلماء، وشذّ ابن حزم، فقال
بوجوبه انتهى .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أنه لا وجه للردّ على ابن حزم رحمه الله
تعالى، لأن ظاهر النصّ معه، إذ هو أمر، والأمر للوجوب، إلا لدليل، ولا دليل ذكروه
هنا، إلا دعوى الإجماع الذي أشار إليه، فإن صحّ فذاك، وإلا فما قاله ابن حزم هو
الحقّ، فتنبّه. والله تعالى أعلم .
(فَإِنْ تَكُ) هو في الموضعين بحذف النون، والأصل ((تكون)»، فدخل الجازم،
فأسكن النون، فاجتمع ساكنان، الواو والنون، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، ثم
حذفت النون تخفيفًا لكثرة الاستعمال، وإلى هذا أشار ابن مالك في ((الخلاصة)) بقوله:
وَمِنْ مُضَارِعٍ لِكَانَ مُتْجَزِمْ تُحُذَفُ نُونٌ وَهْوَ حَذْفٌ مَا الْتُزِمْ
واسم ((كان)) المستترة يعود إلى الجنازة بمعنى الجثّة المحمولة، قال الطيبيّ: جُعلت
الجنازة عين الميت، وجُعلت الجنازة التي هي مكان الميت مقدّمة إلى الخير الذي كُني
به عن عمله الصالح انتهى (صَالِحَةً) خبر ((كان)) (فَخَيْرٌ) الظاهر أن التنوين فيه، وفي
(شرّ)) للتعظيم، أي خير عظيم، وشرّ عظيم .
قال العلامة ابن الملقّن رحمه الله تعالى: ((خير))، و((شرّ)) فيه إعرابان:
(١)- ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ج ٤ ص٤٦٩ - ٤٧٠.
(٢) - ((فتح) ج٣ ص٥٣٩ .

٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
الأول: أن يكونا مبتدأين، والخبر محذوف، أي فلها خير، ولها شرّ، وساغ الابتداء
بالنكرة، لكون فاء الجزاء وليتهما، فهما من باب قولهم: إن مضى عَيْرٌ، فعَيْرٌ في الرباط .
الثاني: أن يكونا خبرين محذوفي المبتدإ، والتقدير: فهي، وهي، أي ذات خير،
وذات شرّ .
(١)
وأما الجملتان اللتان بعدهما، وهما ((تقدمونها))، و((تضعونها))، فصفة لهما انتهى
.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((فخير)) خبر مبتدإ محذوف، أي فهو خير، أو مبتدأ خبره
محذوف، أي فلها خير، أو فهناك خير، ويؤيده رواية مسلم(٢) بلفظ: ((قرّبتموها إلى
الخير))، ويأتي في قوله بعدُ ((فشرّ)) نظير ذلك انتهى (٣).
وقال السنديّ : الظاهر أن التقدير: فهي خير، أي الجنازة بمعنى الميت، لمقابلته بقوله:
((فشرّ))، فحينئذ لا بدّ من اعتبار الاستخدام في ضمير ((إليه)) الراجع إلى الخير، ويمكن أن
يقدّر: فلها خير، أو فهناك خير، لكن لا يُساعده المقابلة، والله تعالى أعلم انتهى (٤).
(تُقَدِّمُونَها) بتشديد الدال، والجملة في محلّ رفع صفة لـ» خير)» (إِلَيْهِ) أي إلى الخير
الذي أعدّه اللَّه لها من النعيم المقيم. وقال في ((الفتح)): الضمير راجع إلى الخير،
باعتبار الثواب، قال ابن مالك: روي: ((تقدّمونه إليها)) فأنث الضمير على تأويل الخير
بالرحمة، أو الحسنى انتهى .
وقال القاري رحمه الله تعالى: أي فإن كان حال ذلك الميت حسنًا طيًّا، فأسرعوا به
حتى يصل إلى تلك الحالة الطيّبة عن قريب انتهى (وَإِنْ تَكُ) أي الجنازة (غَيْرَ ذَلِكَ) أي
غير صالحة (فَشَرّ) إعرابه كإعراب نظيره، وهو قوله: ((فخير)) (تَضَعُونَهُ، عَنْ رِقَابِكُمْ)))
أي فلا مصلحة لكم في مصاحبتها، وملابستها، لأنها بعيدة عن رحمة الله تعالى.
[تنبيه]: في هذا الحديث تعليل الأمر بالإسراع بتقديم الصالحة إلى الخير، والتعجيل
بوضع غير الصالحة عن الرقاب، وقد أشير في حديث آخر إلى تعليل بعلة أخرى، وهي
مخالفة أهل الكتاب، أو اليهود خاصّة:
ففي ((مسند أحمد(٥)) عن أبي هريرة ◌َّه، قال: كان رسول اللّه وَلّ إذا تبع
(١)- ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ج٤ ص ٤٧١ .
(٢)- وهي الرواية الآتية للمصنف بلفظ: ((قدّمتموها إليه)).
(٣)- ((فتح) ج٣ ص٥٣٩ .
(٤)- ((شرح السندي)) ج٣ ص ٤٢ - ٤٣.
(٥)-لكن الحديث لا يصحّ، لأن في سنده عبد الحكيم قائد سعيد بن أبي عروبة، قال الدارقطني:
يُترك انتهى. انظر ((ميزان الاعتدال)) ج٢ ص٥٣٧ و((لسان الميزان)) ج٣ ص٣٩٤. وتصحّف في
((المسند)) إلى عبد الحَكِمَ. فليُتنبه.

٧٩
٤٤- السُّرْعَةُ بِالْجَنازة - حديث رقم ١٩١٠
جنازة، قال: ((ابسطوا بها، ولا تدِبُّوا دَبيب اليهود بجنائزها)). وفي ((مصنّ ابن أبي
شيبة))، عن عمران بن حُصين، أنه أوصى: إذا أنا مت، فأسرعوا، ولا تُوّدوا(١)،
كما تُوّد اليهود والنصارى)). وعن ابن عمر تَظّ، أنه سمع رجلا يقول: ارفقوا
بها رحمكم الله، فقال: هوّدوا(٢)، لتسرعوا بها، أو لأرجعنّ. وعن إبراهيم
النخعيّ: كان يقال: ابسطوا بجنائزكم، ولا تدبّوا بها دبّ اليهود. وعن علقمة: لا
تدبّوا بالجنازة دبيب النصارى(٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ◌َّ هذا متفق عليه .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١٩١٠/٤٤ و١٩١١ وفي ((الكبرى)) ٢٠٣٧/٤٤ و٢٠٣٨٠ وأخرجه
(خ)١٣١٥ (م)٩٤٤ (د)٣١٨١ (ت)١٠١٥ (ق) ١٤٧٧ (أحمد) ٢٧٣٠ و٧٢٢٩ و٩٩٥٩
(مالك في الموطأ) ٥٧٤ . والله تعالى أعلم .
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف ◌َخَّلهُ، وهو الإسراع بالجنازة، والمراد به الإسراع
المتوسط الذي لا يُخشى معه سقوط الميت، ونحوه، لكن إن خُشي على الميت من
التأخير تغيّر، أو انفجار، أو انتفاخ زيد في الإسراع، وعكسه، إن خشي من الإسراع أن
يحدث انفجار مثلًا فلا يُسرع، قال الشافعي رحمه الله تعالى: فإن كان بالميت علّة،
يُخاف أن يتنجّس منه شيء، أحببت أن يُرفق بالمشي انتهى (٤) .
قال ابن الملقّن تَخّْلهُ: وكره بعضهم الإسراع، وهو محمول على الإسراع
المحذور. قال: ولا تُؤخّر لزيادة مصلّين، ولا لانتظار أحد غير الوليّ، فيُنتظر لأجله،
إن لم يُخَف تغيّرها انتهى .
ومنها: أنه يستدلّ به على أن حمل الجنازة يختصّ بالرجال، للإتيان فيه بضمير
المذكّر، ولا يخفى ما فيه. قاله في ((الفتح)) (٥). وقال ابن الملقّن ◌َخْذّلهُ: الخطاب
(١)- من معاني التهويد على ما ذكره في ((ق)): الإبطاء في السير.
(٢) - قوله: ((هوّدوا)) هكذا نسخة (الطرح))، ولعل الصواب ((لا تهودوا))، فليحرّر.
(٣)- انظر ((المصنف)) ج٣ ص٢٨١- ٢٨٢. و((طرح التثريب)) ج٣ ص٢٩٢.
(٤)- نقله في ((الطرح)) ج٣ ص ٢٩٢.
(٥)- ((فتح)) ج٣ ص٥٣٩ .

شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ
بالإسراع للرجال، فإن النساء يضعفن عن الحمل، وربّما انكشف بعض أبدانهنّ
(١)
انتھی .
ومنها: استحباب المبادرة إلى دفن الميت، لكن بعد أن يُتَحَقّق أنه مات، أما مثل
المطعون، والمفلوج، والمسبوت(٢)، فينبغي أن لا يُسرع بدفنهم حتى يمضي يوم
وليلة، ليُتَحقّق موتهم، نبّه على ذلك ابن بزيزة. (٣) ومنها: أن فيه إكرام أهل الخير
والصلاح، إذا ماتوا بالمبادرة إلى الوصول إلى جزاء ما قدّموه، من الأعمال الصالحة،
وجزؤها من فضل الله تعالى ورحمته. ومنها: أن فيه تقليل مصاحبة أهل الشرّ، إلا فيما
شُرع عند موتهم، كتجهيزهم، ودفنهم، وذلك لبعدهم عن رحمة الله تعالى، فلا
مصلحة في مصاحبتهم، وكذا ينبغي اجتناب مصاحبة أهل البَطّالة، وغير الصالحين.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في مشروعية الإسراع بالجنازة، وفي حدّه:
قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: حكى البيهقيّ في ((المعرفة)) عن الشافعيّ:
أن الإسراع بالجنازة هو فوق سجيّة المشي، وحكى عنه ابن المنذر، وابن بطّال أنه
سجيّة المشي، والأول أثبت، ويوافقه قول أصحابنا، وهذه عبارة الرافعيّ والنوويّ:
المراد بالإسراع فوق المشي المعتاد، دون الخَبَب، وكذا قال الحنفيّة، وهذه عبارة
صاحب ((الهداية)): ويمشون به مسرعين، دون الخبب. وحكى ابن قُدامة، عن
القاضي، من الحنابلة أن المستحبّ إسراع، لا يخرج عن المشي المعتاد، قال: وهو
قول الشافعيّ، قال: وقال أصحاب الرأي: يَخُبّ، ويرمُلُ .
وقال ابن المنذر بعد ذكره هذا الحديث: وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وعمران
ابن حُصين، وأبي هريرة، قال: وقال الشافعيّ: يسرع بالجنازة إسراع السجيّة، مشي
الماشي، قال: وقال أصحاب الرأي: العجلة أحبّ إلينا من الإبطاء بها. وروى ابن أبي
شيبة الوصيّةً به عن عمر، وعمران بن حُصين، وأبي هريرة، وعلقمة، وأبي وائل،
(١)- ((الإعلام)) ج ٤ ص ٤٧٠ .
(٢)- المطعون)) هو المصاب بالطاعون، وهو داء معروف. و((المفلوج)): هو المصاب بالفالج.
و ((المسبوت)): هو المصاب بالغشية، يقال: سُبت المريض: إذا غُشي عليه.
وقد اعترض بعض المحققين على تحديد تحقق موت مثل هؤلاء باليوم والليلة، وقال: الأولى عدم
التحديد، بل يُرجَع إلى العلامات الدالة على الموت، فمتى وُجد منها ما يدلّ على يقين الموت
اکتفي بذلك، وإن لم يمض يوم وليلة انتهى.
قال الجامع: هو وجيه حسنٌ . والله تعالى أعلم.
(٣)-راجع ((الفتح)) ج٣ ص ٥٣٩-٥٤٠.