Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
٣٩- كَفَنُ النَّبِيِّ بَلـ - حديث رقم ١٨٩٧
وفي رواية أصحاب ((السنن)) الأربعة: ((كفن رسول اللّه وسليل في ثلاثة أثواب بيض
يمانية، كُرْسُف، ليس فيها قميص، ولا عمامة))، فذُكِر لعائشة قولهم: في ثوبين، وبرد
حبرة؟ فقالت: قد أتي بالبرد، ولكنهم رَدُّوه، ولم يكفنوه فيه. وقال الترمذيّ: حسن
صحيح، وفي رواية للبيهقيّ: ((في ثلاثة أثواب سحولية جُدُد)».
وأخرج أبو داود في ((سننه)) عنها: ((أُدرج رسول اللّه وَ ل في ثوب واحد، حِبَرة، ثم
أخرج عنه)). وهو حديث صحيح .
وفيه أيضا عن ابن عباس رضيها: «في ثلاثة أثواب نجرانيّة، الحلّة ثوبان، وقميصه
الذي مات فيه)). قال عثمان -يعني ابن أبي شيبة -: ((في ثلاثة أثواب، حلة حمراء،
وقميصه الذي مات فيه)). قال الحافظ يّْلهُ: تفرد به يزيد بن أبي زياد، وقد تغير،
وهذا من ضعيف حديثه .
وفي رواية لابن ماجه عن ابن عمر رَّا، قال: ((كُفْنَ رسولُ اللّه وَّرِ فِي ثلاثة
رياط(١)، بيض، سحولية)). وهو حديث حسن .
وفي رواية عن ابن عباس، قال: ((كُفْنَ رسولُ اللَّه وَلِّ في ثلاثة أثواب: قميصه الذي
مات فیه، وحلّة نجرانیة)). وهو حديث ضعيف، فیه یزید بن أبي زياد، وقد تقدم الكلام
عليه قريبًا .
وفي ((مسند أحمد)) عن عائشة تخليتها: ((أن رسول اللَّه وَ ل كفّن في ثلاث رياط بيض
يمانية)). وفيه أيضًا، عن ابن عباس: ((كُفن رسول اللَّه ◌َل في ثوبين أبيض، وبرد
أحمر)). وانفرد أحمد بالحديثين .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما الأول، فرجاله ثقات، وأما الثاني ففيه محمد بن
عبد الرحمن بن أبي ليلى، سيئ الحفظ، وأيضًا لم يسمع الحكم عن مقسم إلا خمسة
أحاديث، كما في ترجمته من ((تهذيب التهذيب))، وليس هذا منها، فهو ضعيف .
وعند أبي سعيد بن الأعرابي، عن أبي هريرة تَّيه، قال: ((كُفن رسول اللّه وَلَّ فِي
ريطتين، وبرد نجرانيّ)). وعند ابن عساكر: ((كفّن رسول اللَّه ◌َلل في ثلاثة أثواب، ليس
فيها قميص، ولا قباء، ولا عمامة).
وروى ابن أبي شيبة، وأحمد، والبزار عن علي: رَّ ((أن النبيِنَّ كَفّن في
سبعة أثواب))
قال الحافظ ◌َخْذَهُ: وهو من رواية عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن ابن الحنفية،
(١)-جمع ريطة، وهي الملاءة، إذا كانت قطعة واحدة، ولم تكن لفقتين، وقيل: كل ثوب رقيق ليّن.
اهـ سندي.

٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
عن علي، وابنُ عَقِيل سيئ الحفظ، يصلح حديثه للمتابعات، فأما إذا انفرد، فیحسّن،
وأما إذا خالف، فلا يقبل، وقد خالف هو رواية نفسه، فرَوَى عن جابر أنه بَل كفّن في
ثوب نمرة .
وعند ابن سعد، عن الشعبيّ: ((كفّن في ثلاثة أثواب، برد، يمانية غلاظ إزار،
ورداء، ولفافة)). وعن مرّة بن شُرَحبيل، عن ابن مسعود رَّ: ((أن رسول اللَّهِ وَل لما
ثقل، قلنا: فيم نكفّنك؟ قال: ((في ثيابي هذه إن شئتم، أو في يمانية، أو ثياب مصر)).
وعن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة تَظمي: ((أن رسول اللّه وَلِّ زُرّ عليه قميصه الذي
كفن فيه»، قال ابن سيرين: أنا زررت على أبي هريرة. وعند أبي بشر الدّولابيّ، عن
سالم، عن أبيه: ((أن رسول اللّه وَ ليل كفّن في ثلاثة أثواب: ثوبين صُحَارين(١)، وثوب
حبرة)). وعند ابن عديّ، عن ابن عباس رَّتًا، قال: (كفن النبي ◌َّ في ثوبين أبيضين
سحولتين)) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد وردت روايات مختلفة، كما ذكرنا بعضها في كفن
النبي وَل، وأصحها -كما قال الترمذيّ، والحاكم، وغيرهما- حديث عائشة رَّتها
المذكور في الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان عدد كفن النبي ◌َّر. ومنها:
استحباب كون الكفن ثلاثة اقتداء بالنبي وَّر. ومنها: استحباب كونها بِيضًا، لأن الأبيض
أنظف، وأطيب، وهو إجماع، وقد تقدم أمر النبي ◌َّر بذلك، لكن التكفين في غيرها من
الألوان جائز، غير أنه لا يجوز أن يكفّن الرجل في الحرير، كما سيأتي. ومنها: عدم
مشروعية القميص، والعمامة في الأكفان، لقولها في الرواية التالية: ((ليس فيها قميص،
ولا عمامة)). ومنها: استحباب كون الأكفان من القطن، لقولها في الرواية الآتية أيضًا:
((من كُرسف))، وهو القطن. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في عدد الكفن:
قال الإمام ابن المنذر رحمه اللّه تعالى: قد اختلف أهل العلم في عدد ما يكفّن فيه
الميت :
روينا عن ابن عمر أنه قال: كفّن عمر في ثلاث أثواب، ثوبين سحوليين، وثوبا كان
يلبسه. وقالت عائشة: لا يكفّن الميت في أقلّ من ثلاثة أثواب لمن قدر. وكان طاوس
(١)-في ((النهاية)): صُحَار، أي بالضمّ: قرية باليمن، نسب إليها الثوب، وقيل: هي حمرة خفية
كالغُبْرة. اهـ. ج٣ ص١٢ .

٢٣
٣٩- كَفَنُ النَّبِيِّ ◌َ﴾ - حديث رقم ١٨٩٧
يكفّن الرجل من أهله في ثلاثة أثواب، ليس فيهنّ عمامة. وممن رأى أن الميت يكفّن
في ثلاثة أثواب: مالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وقد
روينا عن سُويد بن غفلة، قال: كفّن أبو بكر في معقدين .
قال: والذي رويناه عن عائشة أنه قال: ((اغسلوا ثوبي هذا، واجعلوا معه ثوبين)).
أصخ. وقال الأوزاعيّ: يجزئ ثوبان. وقال مالك: يكفي في ثوبين، إذا لم يوجد
غيرهما. وكان ابن عمر يكفّن أهله في خمسة أثواب، عمامة، وقميص، وثلاث
لفائف. وقال النعمان: يكفّن الرجل في ثوبين .
قال ابن المنذر تَخّْثهُ: أحبّ الأكفان إليّ ما قدر اللّه جَلَّ ذكرُهُ لنبيه وَّر أن كفّن فيه،
ثلاثة أثواب بيض، يُذْرج فيها الميت إدراجًا، لا يكون فيما يكفّن فيه الميت قميص،
ولا عمامة، فإن كفّن الميتُ في ثوب، أو في ثوبين لم أكره ذلك انتهى كلام ابن المنذر
رحمه الله تعالى باختصار(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر ◌َْذَتُهُ حسنٌ جداً. والله
تعالى أعلم. وقال الحافظ وليّ الدين رحمه اللّه تعالى: السنّة للرجل في الكفن ثلاثة
أثواب، وبه قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، وأبو حنيفة، والجمهور .
قال الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى: روي في كفن النبي ◌َل# روايات مختلفة،
وحديث عائشة أصحّ الروايات التي رويت في كفن النبي بَّر، والعمل على حديث
عائشة ريها، عند أكثر أهل العلم، من أصحاب النبي وَّل، وغيرهم انتهى(٢).
وقال البيهقي في ((الخلافيات)): قال أبو عبد الله -يعني الحاكم -: تواترت الأخبار
عن علي بن أبي طالب، وابن عباس، وعائشة، وابن عمر، وعبد الله بن مغفّل في
تكفين النبي وَليل في ثلاثة أثواب، بيض، ليس فيها قميص، ولا عمامة.
وروى ابن أبي شيبة في ((مصنّفه)) التكفين في ثلاثة أثواب، عن أبي بكر، وعمر،
وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وإبراهيم النخعيّ، وعن ابن عباس، أنه قال: ثوب،
أو ثلاثة، أو خمسة. وعن حذيفة أنه قال: كفنوني في ثوبيّ هذين. وعن ابن عمر أنه
كفّن ابنه واقدًا في خمسة أثواب: قميص، وعمامة، وثلاث لفائف. وعن سُوَيد بن
غَفَلَةَ: قال: الرجل والمرأة يكفنان في ثوبين، وكُفِّن أبو بكر في ثوبين. وعن غنيم بن
قيس: كنا نكفّن في الثوبين، والثلاثة، والأربعة. وعن هشام بن عوف: أن غير واحد
من أصحاب رسول وَّر كُفّن في ثوب واحد. وعن الحسن البصريّ: أن عثمان بن أبي
(١)-((الأوسط)) ج٥ ص ٣٥٤-٣٥٦.
(٢)- ((جامع الترمذي)) ج٤ ص٧٦ . بشرح المباركفوريّ.

٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
العاص كُفّن في خمسة أثواب.(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد قدّمت أن الأرجح ما قاله ابن المنذر رحمه الله
تعالى، وحاصله أن الأفضل ما اختار اللَّه تعالى لنبيه وَّل، وهو التكفين في ثلاثة
أثواب، بِيضٍ، هذا إذا تيسّر، وإلا فما وُجد فهو الكفن، كما يأتي في قصة مُصعب بن
عُمير رَّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
المسألة السادسة: في اختلاف أهل العلم في عدد كفن المرأة:
قال الإمام ابن المنذر رحمه اللّه تعالى: اختلفوا في عدد كفن المرأة، فقال كثيرون:
تكفّن المرأة في خمسة أثواب، كذلك قال النخعيّ، والشعبيّ، ومحمد بن سيرين، وبه
قال الأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. قال:
وكذلك نقول، يكون درع، وخمار، ولفافتان، وثوب لطيف، يشدّ على وسطها،
يجمع ثيابها .
وكان عطاء يقول: تكفّن في ثلاثة أثواب: درع، وثوب تحت الدرع تلف به، وثوب
تلفّ فيه. وقال سليمان بن موسى: درع، وخمار، ولفافة تُدرَج فيها. انتهى (٢).
وقال الحافظ ولي الدين ◌َّلهُ: قال الفقهاء من الشافعية، والحنفية، والحنابلة،
وغيرهم: يستحب تكفين المرأة في خمسة أثواب، ففرّقوا بينها وبين الرجال، لأنها تزيد
في حياتها على الرجال في الستر، لزيادة عورتها، فكذلك بعد الموت. وفي ((سنن أبي
داود)) ما يدلّ على ذلك في تكفين أم كلثوم بنت النبي وَليَ(٣)، لكن قال الشافعيّة: ليست
الخمسة في حقّ المرأة كالثلاثة في حقّ الرجل حتى نقول يخيّر الورثة، كما يخيّرون
(١)-((طرح التثريب)) ج٣ ص ٢٧٢ .
(٢)-((الأوسط)) ج٥ ص٣٥٦-٣٥٧.
(٣)- ونصّ أبي داود في («سننه» : -٣١٥٧ حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا
أبي، عن ابن إسحق، حدثني نوح بن حكيم الثقفي، وكان قارئا للقرآن، عن رجل من بني عروة
ابن مسعود، يقال له: داود قد ولدته أم حبيبة، بنت أبي سفيان، زوج النبي وَّ، أن ليلى بنت
قانف الثقفية ، قالت: كنت فيمن غسل أم كلثوم، بنت رسول اللّه ◌َلير، عند وفاتها، فكان أول ما
أعطانا رسول اللَّه وَ لله الحقاء، ثم الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد في الثوب
الآخر ، قالت: ورسول اللَّه وَلجر جالس، عند الباب، معه كفنها ، يناولناها ثوبا ثوبا.
ورجاله ثقات، غير نوح بن حكيم، قال ابن القطان: مجهول، ووثقه ابن حبان. وفي ((ت)):
مجهول من السادسة. وفيه داود، فإن كان داود بن عاصم بن عروة بن مسعود، فهو ثقة، وقد
جزم بذلك ابن حبان، وإن كان غيره، فيُنظر فيه.
والحاصل أن الحديث لا يصح. والله تعالى أعلم.

٢٥
٣٩- كَفَنُ النَّبِيِّ وَّ - حديث رقم ١٨٩٧
على الثلاثة. وقال المالكية: الزيادة على الثلاثة إلى الخمسة مستحبّة للرجال والنساء،
وهي في حقّهنّ آكد .
وقال أحمد بن حنبل في الجارية إذا لم تبلغ: تكفّن في لفافتين، وقميص، لا خمار
فيه، وظاهر هذا أنها لا تصير كالمرأة في الكفن إلا بعد البلوغ، ورَوَى عنه أكثر أصحابه
أنها إذا كانت بنت تسع سنين يُصنع بها ما يصنع بالمرأة .
واختلف العلماء في الأثواب الخمسة التي تكفّن بها المرأة، فحُكي عن الشافعي في
الجديد أنها إزار، وخمار، وثلاث لفائف، وعن القديم: إزار، وخمار، وقميص،
ولفافتان. وذكر الرافعيّ أن هذه المسألة مما يُفتى فيه على القديم، وأنه الأظهر عند
الأكثرين. وحكى النوويّ عن الشيخ أبي حامد، والمحامليّ أن المعروف للشافعي في
عامة كتبه أن يكون قميص، وأن القول الآخر لا يُعرف إلا عن المزنيّ، قال: فعلى هذا
لا يكون إثبات القميص مختصًا بالقديم، وهذا مذهب مالك، وحكاه ابن قُدامة الحنبليّ
عن أكثر أصحابه، وغيرهم، وصححه، ورواه ابن أبي شيبة عن الحسن البصريّ، وقال
الخِرَقِيّ منهم: قميص، وإزار، ومقنعة، ولفافة، وخامسة يُشدّ بها فخذاها، فجعل بدل
اللفافة الأخرى خرقة تشد بها فخذاها، وأشار إليه أحمد، وكذا قال الحنفية: إن الأثواب
الخمسة قميص، وإزار، وخمار، ولفافة، لكنهم قالوا في الخامسة خرقة تُربط فوق
ثدييها، وهو غير هذه الرواية التي عند الحنابلة أن الخامسة خرقة تشدّ بها فخذاها، إلا
أنه قريب منه .
وروى ابن أبي شيبة عن الشعبيّ: تكفّن المرأة في درع، وخمار، ولفافة، ومِنطقة،
وخرقة، تكون على بطنها. وعن إبراهيم النخعيّ مثله، إلا أنه قال: والخرقة التي تشد
عليها، وفي رواية عنه بدل المنطقة الإزار، وهو بمعناه. وعن ابن سيرين قال: تكفن
المرأة في خمسة أثواب، في الدرع، والخمار، والرداء، والإزار، والخرقة. وعن ابن
سيرين أيضًا توضع الخرقة على بطنها، ويُعصب بها فخذاها، وعنه أيضًا يُلفّ بها
الفخذان تحت الدرع. وعن إبراهيم النخعيّ: تشد الخرقة فوق الثياب(١).
وذكر ابن المنذر في تفسير الأثواب الخمسة أنها درع، وخمار، ولفافتان، وثوب
لطيف يُشدّ على وسطها، يجمع ثيابها. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور، من استحباب كون كفن
المرأة خمسة أثواب، هو الراجح، تؤيّده الزيادة التي في حديث أم عطية تَطَّها ، فيما
(١)-((مصنف ابن أبي شيبة)) ج٣ ص٢٦٢ -٢٦٣.
(٢)- ((طرح التثريب)) ج٣ ص٢٧٣ -٢٧٥ .

٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
راه الجوزقيّ من طريق إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، عن هشام بن حسان، عن حفصة،
عن أم عطيّة، أنها قالت: ((وكفّاها في خمسة أثواب، وخمرناها كما نخمّر الحيّ)). قال
الحافظ في ((الفتح)): وهذه الزيادة صحيحة الإسناد انتهى(١). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
المسألة السابعة: في اختلاف أهل العلم في كفن الصبيّ:
قال الإمام ابن المنذر رحمه اللّه تعالى: واختلفوا في عدد كفن الصبيّ، فكان سعيد
ابن المسيب يقول: يكفن في ثوب. وقال أحمد: في خرقة، وإن كفنوه في ثلاثة، فلا
بأس، وكذلك قال إسحاق. وقال أصحاب الرأي: يكفن في خرقتين، ويجزي إزار
واحد. وقال الثوريّ: يجزيه ثوب واحد. وروي عن الحسن أنه قال: يكفّن في ثوبين.
قال ابن المنذر رحمه اللّه تعالى: يكفّن في ثلاثة أثواب، أو خرق على قدر الكفاية،
(٢)
ويجزي ثوب انتهى (٢) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الأرجح ما قاله ابن المنذر رحمه اللّه تعالى،
فالصبيّ في الكفن كالكبير، إذ ليس لنا دليل يخص الصبيّ بعدد من الكفن، مخالفٍ
للكبير. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الو کیل .
١٨٩٨ - أَخْبَرَنَا قُتَنِيَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: ((أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ كُفْنَ فِي ثَلَاثَةٍ أَثْوَابٍ، بِيضَ، سُحُولِيَّةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ، وَلَا
عِمَامَةٌ».
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (قتيبة) بن سعيد الثقة الثبت [١٠]١/١.
٢- (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الثبت الحجة [٧]٧/ ٧.
٣- (هشام بن عروة) بن الزبير المدنيّ الفقيه الثبت [٥]٦١/٤٩.
والباقيان تقدما في الذي قبله، والحديث متّفق عليه، وقد مضى شرحه، وما يتعلق به
من المسائل، وبالله تعالى التوفيق .
وقولها: ((ليس فيها قميص، ولا عمامة)): فيه دليل على أن القميص الذي غُسل فيه
النبي وَّ نُزع عنه عند تكفينه. قال النوويّ في ((شرح مسلم)): وهذا هو الصواب الذي
(١)- ((فتح)) ج٣ ص ٤٧٤ .
(٢)- (الأوسط)) ج ٥ص٣٥٧.

٢٧
٣٩- كَفَنُ النَّيِّ ◌َلِّ - حديث رقم ١٨٩٨
لا يتجه غيره، لأنه لو أبقي مع رطوبته لأفسد الأكفان، قال: وأما الحديث الذي في
(سنن أبي داود)) عن ابن عباس رَ ◌ّهَا: ((أن النبي وَلَ كُفْن في ثلاثة أثواب: الحلة ثوبان،
وقميصه الذي توفي فيه)). فحديث ضعيف، لا يصحّ الاحتجاج به، لأن يزيد بن أبي
زياد أحد رواته مجمع على ضعفه، لا سيما، وقد خالف بروايته الثقات انتهى (١).
[تنبيه]: اختلف العلماء في معنى قولها: ((ليس فيها قميص، ولا عمامة)): فحمله
الشافعيّ، والجمهور على أنه ليس في الكفن موجودًا، فلا يستحبّ ذلك. وحمله
مالك، وأبو حنيفة على أنه ليس معدودًا، بل يحتمل أن يكون ثلاثة أثواب، زيادة على
القميص والعمامة، ومثله قوله تعالى: ﴿رَفَعَ اُلتَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ الآية [الرعد: ٢]
فإنه يدلّ على أنّ ثَمَّ عَمّدًا، إلا أنها غير مرئيّة، والتقدير بغير عمد مرئية لكم، ويحتمل
أن يتناول الصفة والموصوف جميعًا .
قال العلامة ابن الملقْن ◌َخّْلهُ: وهو حمل ضعيف، لعدم ثبوته في الحديث، بل
يتضمّن أن القميص الذي غُسل فيه النبي وَلّر نزع عنه عند تكفينه، ولا يتجه غير ذلك،
لأنه لو كفّن فيه مع رطوبته لأفسد الأكفان انتهى (٢).
وقال الحافظ ولي الدين ◌ّْثُ: الصحيح أن معناه ليس في الكفن قميص، ولا
عمامة أصلًا. وقيل: معناه أنه كفّن في ثلاثة أثواب خارجة عن القميص والعمامة. قال
الشيخ تقيّ الدين تَخّْلهُ: والأول أظهر في المراد .
وذكر النووي في ((شرح مسلم)) أن الأول تفسير الشافعيّ، وجمهور العلماء، قال:
وهو الصواب الذي يقتضيه ظاهر الحديث، وقال: إن الثاني ضعيف، فلم يثبت أنه وَلفقر
كُفّن في قميص وعمامة انتهى .
وترتّب على هذا اختلافُهم في أنه هل يستحبّ أن يكون في الكفن قميص وعمامة،
أم لا؟ فقال مالك، والشافعيّ، وأحمد: يستحبّ أن يكون الثلاثة لفائف، ليس فيها
قميص، ولا عمامة، واختلفوا في زيادة القميص والعمامة، أو غيرهما على اللفائف
الثلاثة، لتصير خمسة، فذكر الحنابلة أنه مكروه، وقالت الشافعية: إنه جائز غير
مستحبّ، وقالت المالكية: إنه مستحبّ للرجال والنساء، وهو في حقّ النساء آكد،
قالوا: والزيادة إلى السبعة غير مكروهة، وما زاد عليها سرف. وقالت الحنفية: إن
الأثواب الثلاثة إزار، وقميص، ولفافة. ورواه ابن أبي شيبة في ((مصنَّفه)) عن عبد الله بن
عمرو، وإبراهيم النخعيّ، وذكر الحنابلة أنه لو كفّن في إزار، وقميص، ولفافة لم
(١)- (شرح مسلم)) ج٧ ص١٢ .
(٢)-((الإعلام)) ج٤ ص٤١٦- ٤١٧ .

ــــ ٢٨
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ
يكره، ولكن الأفضل الأول، وهذا جائز بلا كراهة. وقال بعض متأخري المالكيّة:
يجزئ على قول مالك قميص وعمامة ولفافة، والمشهور عندهم أن الثلاثة لفائف، كما
تقدّم، وهو رواية ابن القاسم. وقال سفيان الثوريّ: إن شئت في قميص ولفافتين، وإن
شئت في ثلاث لفائف .
وقد ظهر بذلك أن من قال: إن من الثلاثة قميصًا، فهو مخالف لهذا الحديث على
الاحتمالين المتقدمين معًا، وكأنه تمسّك في استحباب القميص بإلباسه وَ ل﴿ عبد الله بن
أُبَيّ قميصًا، وسيأتي ذكره .
وذكر الحنفية في توجيهه أنه الذي يعتاد لبسه في الحياة، فكذا بعد الموت، ويقتضي
اختلافه باختلاف عادة ذلك الميت فيما كان يلبسه في حياته، لكن قد يقال: حمل الأمر
على الأكثر الأغلب .
وقال النوويّ في ((شرح مسلم)): قال مالك، وأبو حنيفة: يستحبّ قميص وعمامة،
وتأولوا الحديث على أن معناه: ليس القميص والعمامة من جملة الثلاثة، وإنما هما
زائدان عليها، ثم ضعفه كما تقدّم، وقد عرفت أن الحنفية يجعلون القميص من جملة
الثلاثة .
وروى ابن أبي شيبة في ((مصنّفه)) كون الميت لا يُعمّم عن الشعبيّ، وأبي الشعثاء
جابر بن زيد. وحكاه ابن بطّال وغيره عن جابر بن عبد الله، وعطاء، ورَوَى ابن أبي
شيبة عن ابن سيرين أنه يُعَمّم، كما يُعَمَّمُ الحيَّ. وعن الحسن توضع العمامة وسط
رأسه، ثم يُخَالَف بين طرفيها، هكذا على جسده. وقال مالك في ((المدوّنة)): من شأن
الميت أن يعمّم عندنا. ورَوَى البيهقيّ في ((الخلافيات)) عن مالك أنه قال: ليس على
هذا العمل عندنا. يعني تقميص الميت انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي قول من قال: إن السنة أن تكون
الأثواب الثلاثةُ خالية عن القميص، والعمامة؛ لأنّ ظاهر هذا الحديث يدلّ على ذلك.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
١٨٩٩ - أَخْبَرَنَا قُتَنِيَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:
((كُفْنَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ، فِي ثَلَاثَةٍ أَثْوَابٍ، بِيضٍ، يَمَانِيَةٍ، تَكُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ، وَلَا
عِمَامَةٌ))، فَذُكِرَ لِعَائِشَةَ قَوْلُهُمْ: فِي ثُوْبَيْنٍ، وَبُرْدٍ، مِنْ حِبَرَةٍ، فَقَالَتْ: قَدْ أُتِيَ بِالْبُرْدِ،
وَلَكِنَّهُمْ رَدُّوهُ، وَلَمْ يُكَفِّنُوهُ فِيهِ .
(١)-راجع ((طرح التثريب)) ج٣ ص ٢٧٥ - ٢٧٧.

٢٩
٣٩- كَفَنُ النَّبِيِّ ◌َّ - حديث رقم ١٨٩٩
رجال هذا الإسناد: خمسة، كلهم ذكروا في الحديث الذي قبله، إلا:
١- (حفص) بن غياث بن طلق النخعي القاضي الكوفي، ثقة فقيه، تغير في الآخر
قليلا [٨]١٠٥/٨٦.
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق شرحه، والكلام على مسائله، وأذكر هنا ما لم
پتقدّم شرحه:
فقولها: ((يمانية)) بتخفيف الياء على اللغة الفصيحة المشهورة، والأصل يمنيّة بتشديد
الياء، لكنهم عوّضوا عن الياء الألفَ، فلا يجتمعان، وحكى سيبويه، والجوهريّ لغة
في تشديدها. قاله ابن الملقّن رحمه اللّه تعالى(١).
وقال الفيومي ◌َخْلُهُ: ((الْيَمَنُ)) إقليم معروف، سمي بذلك لأنه عن يمين الشمس
عند طلوعها، وقيل: لأنه عن يمين الكعبة، والنسبة إليه يَمَنيّ على القياس، ويَمَانٍ
بالألف على غير قياس، وعلى هذا ففي الياء مذهبان:
أحدهما: وهو الأشهر تخفيفها، واقتصر عليه كثيرون، وبعضهم ينكر التثقيل،
ووجهه أن الألف دخلت قبل الياء، لتكون عوضًا عن التثقيل، فلا يُثْقّل، لئلا يُجمّع بين
العوض والمعوّض عنه .
والثاني: التثقيل، لأن الألف زيدت بعد النسبة، فيبقى التثقيل الدّالّ على النسبة تنبيهًا
على جواز حذفها انتهى(٢).
وقولها: ((كُرْسُف)): بالجرّ عطف بيان ((ثياب))، أو بدل منه، ولفظ مسلم: ((من
كرسف)) بزيادة ((من)). وهو بضم الكاف، وسكون الراء، وضم المهملة، بعدها فاء:
القطن .
وقوله: ((فذكر لعائشة قولهم)): ببناء الفعل للمفعول، أي ذَكَرَ بعضُهُم لعائشة رَبُّها
أن الناس يقولون: إن النبي ونَ﴿ كُفّن في ثوبين، وبُردِ حِبَرَة، فقالت عائشة: قد أُتي
بالبُرد ليكفّن فيه، ولكنهم ردّه، ولم يكفّنوه فيه .
ولفظ مسلم من طريق أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة،
قالت: ((كفن رسول اللّه وَله، في ثلاثة أثواب، بيض سحولية، من كرسف، ليس فيها
قميص، ولا عمامة، أما الْحُلّة فإنما شبه على الناس فيها، أنها اشتريت له، ليكفن فيها،
فتُرِكّت الحلة، وكفن في ثلاثة أثواب، بيض سحولية، فأخذها عبد الله بن أبي بكر،
(١)- ((الإعلام)) ج٤ ص ٤١٥ .
(٢)-((المصباح المنير)) في مادة يمن.

٣٠
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ
فقال: لأحبسنها، حتى أُكَفِّن فيها نفسي، ثم قال: لو رضيها اللَّه عز وجل لنبيه، لكفنه
فيها، فباعها، وتصدق بثمنها)) .
ومعنى («شُبّه عليهم)): أي اشتبه عليهم .
وقوله: (بُرْد)) - بضم الوحّدة، وسكون الراء -: نوع من الثياب معروف، والجمع
أَبْرادٌ، وبُرُودٌ، و((الْبُرْدة)): الشَّمْلَة المخطّطةُ، وقيل: كساء أسود مُربّعٌ، فيه صورٌ، تلبسه
الأعراب، وجمعها بُرَد -بضم، ففتح -. أفاده في ((النهاية))(١).
وفي ((اللسان)): قال ابن سِيدَهُ: البُرْدُ ثوبٌ فيه خُطُوطٌ، وخصّ بعضهم به الْوَشْيَ،
والجمع أبرادٌ، وأَبْرُدٌ، وبُرُودٌ. والْبُرْدةُ: كساء يُلتحف به؛ وقيل: إذا جعل الصوف
شُقّةً، وله هُذْبٌ، فهي بُرْدَة، وجمعها بُرَدٌ انتهى باختصار (٢).
وقوله: ((من حبرة)) -بكسر الحاء المهملة، وفتح الموحّدة- هكذا نسخ ((المجتبى))
بزيادة ((من))، فيكون الجازّ والمجرور صفة ((برد)).
وفي ((الكبرى)): ((برد حبرة)) بدون لفظة ((من)): قال العراقيّ رحمه اللّه تعالى: روي
بالإضافة، والقطع، حكاهما صاحب ((النهاية))، والأول هو المشهور. انتهى .
وقال في ((المصباح)): (الْحِبّرَة)) وِزَانُ عِنَبَة: ثوب يمانيّ، من قُطن، أو كتّان،
مخطّطْ، يقال: بُرْدٌ حِبَرَةٌ، على الوصف، وبُرْدُ حَبَرَة، على الإضافة، والجمعُ حِبَرٌ،
وحِبَرَاتٌ، مثلُ عِنَبِ، وعِنَبَات. قال الأزهريّ: ليس حِبَرَةٌ موضعًا، أو شيئًا معلومًا،
إنما هو وَشْيّ معلوم، أُضيف الثوبُ إليه، كما قيل: ثوبُ قِرْمِزِ، بالإضافة، والْقِرْمِزُ
صِبْغُهُ، فَأَضيف الثوبُ إلى الوَشْيٍ، والصِّبْغِ للتوضيح انتهى (٣). والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: يستفاد من قوله: ((كرَسف)) استحباب كون الكفن من القطن، قاله النوويّ
في شرح مسلم. وفي ((مصنف ابن أبي شيبة)): عن الحسن البصريّ، ومحمد بن سيرين
أنه كان يُعجبهما أن يكون الكفن كَتّانًا. وقال أصحاب الشافعيّ: جنسه في كلّ ميت ما
يجوز له لبسه في الحياة، فيجوز تكفين المرأة في الحرير، لكن يكره، ويحرم تكفين
الرجل به، فأما المزعفر، والمعصفر، فلا يحرم تكفينها فيه، ولكن يكره على
المذهب، وكذا قال الحنفيّة: ما جاز للإنسان لبسه في حياته جاز تكفينه به. وقال أحمد
بن حنبل: لا يعجبني أن يكفّن في شيء من الحرير، وكره ذلك الحسن، وابن المبارك،
وإسحاق، قال ابن المنذر: ولا أحفظ عن غيرهم خلافه. وذكر ابن قُدامة في جواز
(١) - ((النهاية)) ج١ ص١١٦.
(٢)- ((لسان)) في مادة برد.
(٣)-راجع ((المصباح)) في مادة حبر.

٣١
٤٠- القمِیصُ فِي الکفن - حديث رقم ١٩٠٠
تكفين المرأة بالحرير احتمالين، وقال: أَقْيَسُهُما الجواز، لكن يكره، وكذلك يكره
تكفينها بالمعصفر، ونحوه. وقال الأوزاعيّ: لا يكفّن الميت في الثياب المصبغة، إلا
ما كان من الْعَصْب. يعني ما صُبغ بالعَصْب، وهو نبت ينبت باليمن .
وعند المالكية في التكفين بالحرير أقوال: (الجواز مطلقًا) لسقوط المنع بالموت،
لكن يكره. (والمنع مطلقًا) إلا لضرورة، وهما محكيان عن مالك. (والثالث) قاله ابن
حبيب: يجوز للنساء دون الرجال. وقال القاضي عياض، والنوويّ في ((شرح مسلم)):
كره مالك، وعامة العلماء التكفين في الحرير مطلقًا انتهى (١). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٤٠- الْقَمِيصُ فِي الْكَفَنِ
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الظاهر أن المصنف رحمه الله تعالى أراد بما أورده
في الباب، من الأحاديث على جواز استعمال القميص في الكفن، وتركه، فاستدلّ
بقصة عبد الله بن أبيّ على جواز استعماله، واستدلّ بقصة مصعب بن عمير على جواز
تركه، ومثله أحاديث الباب الماضي .
قال الحافظ ولي الدين العراقيّ رحمه الله تعالى: استدلّ الحنفية بقصة عبد الله بن
أُبيّ على استحباب التكفين في قميص، والمخالفون لهم يقولون: هذه واقعة، لم ندر
كيف اتفق الحال فيها، يحتمل أن يكون هذا القميص أحد الأكفان الثلاثة، ويحتمل أنه
زائد عليها، فإن كان أحَدَهَا، فنحن لا نقول بتحريمه، ولا كراهته، وغايته أن الأفضل
خلافه، فبيّن النبيّ وَ لل بهذا جوازه، ولم يكن فعله وَ لّ مفضولًا، بل هو فاضل، لأنه بيّن
به الجواز، ولأمر يختصّ بهذه القضية، وهو شيئان:
أحدهما: مكافأته إياه عن كسوته للعباس رَظنّه قميصًا، فجازاه من جنسه.
ثانيهما: إكرامه وَلهر ولده بذلك، فإنه لم يفعل ذلك إلا بسؤاله، واقتراحه، طلب منه
أن يُلبسه القميص الذي يلي جلده، كما في ((صحيح البخاريّ))(٢)، ففعل ذلك النبي( وَلقل
(١)- ((طرح التثريب)) ج٣ ص٢٧٥.
(٢)- ففي ((صحيح البخاريّ): وكان على رسول اللّه وَ له قميصان، فقال له ابنه عبد الله: يا رسول
اللَّه، ألبس أبي قميصك الذي يلي جلدك ... )).

٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
مكافأة له، وإكراما لابنه، وبيانا للجواز، وكان الأفضل ما اختاره الله تعالى لنبيه وَله،
وهو ثلاثة أثواب خالية عن قميص .
وإن كان هذا القميص زائدًا على الأكفان، فالحنابلة القائلون بكراهته في هذه
الصورة، يجيبون بمثل ما أجبنا فيما إذا كان أحدَهَا، والشافعية لا يرون کراهيته، بل
يقتصرون فيه على الإباحة، والمالكية يستحبّونه في هذه الحالة، وهي ما إذا كان زائدًا
على الثلاثة. والله أعلم انتهى(١) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: تقدم أن الأرجح أن تكون الأكفان ثلاثة أثواب خالية
من القميص والعمامة، كما جاءت الأحاديث الصحيحة في كفن النبي وَّ بذلك.
فتبصر. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٩٠٠- أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِيِّ، جَاءَ ابْتُهُ إِلَىِ النَّبِيِّ
وَلِّ، فَقَّالَ: أَعْطِنِي قَمِيصَكَ، حَتَّى أُكَفْنَهُ فِيهِ، وَصَلّ عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُ، فَأَعْطَاهُ
قَمِيصَهُ، ثُمَّ قَالَ: ((إِذَا فَرَغْتُمْ فَآَذِنُونِي، أُصَلِّي عَلَيْهِ))، فَجَذَبَهُ عُمَرُ، وَقَالَ: قَدْ نَّاكَ اللَّهُ،
أَنْ تُصَلَِّ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، فَقَالَ: (أَنَا بَيْنَ خِيرَتَيْنٍ، قَالَ: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا نَسْتَغْفِرْ
لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُصَلّ عَلَّ أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا وَلَا
نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١- (عبيدالله) بن عمر العمريّ المدنيّ، ثقة ثبت [٥]١٥/١٥.
٢- (نافع) العدويّ، مولى ابن عمر المدني الفقيه، ثقة ثبت [٣]١٢/١٢.
٣- (عبد الله بن عمر) بن الخطاب رح لتنا ١٢ / ١٢.
والباقيان تقدما قبل باب. والله تعالى أعلم .
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمديين، غير عمرو، ويحيى، فبصريان.
(ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة. (ومنها): أن
فيه رواية تابعي، عن تابعي. ومنها: أن صحابيه أحد العبادلة الأربعة، وأحد المشهورين
بالفتوى، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. والله تعالى أعلم .
(١)-((طرح التثريب)) ج٣ ص٢٧٨ -٢٧٩.

٣٣
٤٠- القَمِيصُ فِي الكَفَن - حديث رقم ١٩٠٠
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) تَبِّهَا، أنه (قَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبَيِّ) ذكر الواقديّ، ثم
الحاكم في ((الإكليل)) أنه مات بعد منصرفهم من تبوك، وذلك في ذي القعدة سنة تسع،
وكانت مدة مرضه عشرين يومًا، ابتداؤها من ليال بقيت من شوّال، قالوا: وكان قد
تخلّف هو، ومن تبعه عن غزوة تبوك، وفيهم نزلت: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُمْ مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا
خَبَالًا﴾ [التوبة: ٤٧].
قال الحافظ: وهذا يدفع قولَ ابن التين: إن القصة كانت في أول الإسلام، قبل تقرير
الأحكام انتهى(١) (جَاءَ ابْتُهُ) وقع في رواية الطبريّ، من طريقِ الشعبيّ: لما احتُضر
عبد الله، جاء ابنه عبد الله إلى النبي بََّ، فقال: يا نبيّ اللَّه، إن أَبِي قد احتُضر، فأحبّ
أن تشهده، وتصلي عليه، قال: ((ما اسمك؟)) قال: الْحُبّاب -يعني بضم المهملة،
وموحدتين مخففًا- قال: ((بل أنت عبد اللَّه، الحُبَاب اسم الشيطان .
وكان عبد الله بن عبد الله بن أبيّ هذا من فضلاء الصحابة، وشهد بدرًا، وما بعدها،
واستُشهد يوم اليمامة، في خلافة أبي بكر الصدّيق. ومن مناقبه أنه بلغه بعض مقالات
أبيه، فجاء إلى النبي وَله، يستأذنه في قتله، قال: ((بل أَخْسِنْ صحبته)). أخرجه ابن
منده، من حديث أبي هريرة ◌َزيه بإسناد حسن. وفي الطبرانيّ من طريق عروة بن
الزبير، عن عبد الله بن عبد الله بن أبيّ أنه استأذن، نحوه، وهذا منقطع، لأن عروة لم
يدركه. وكأنه كان يحمل أمر أبيه على ظاهر الإسلام، فلذلك التمس من النبي ◌َّ- أن
يحضر عنده، ويصلي عليه، ولا سيّما، وقد ورد ما يدلّ على أنه فعل ذلك بعهد من
أبيه، ويؤيد ذلك ما أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، والطبريُّ من طريق سعيد، كلاهما
عن قتادة، قال: أرسل عبد الله بن أَبّيّ إلى النبي وَّ، فلما دخل عليه، قال: ((أهلكك
حبّ يهود)»، فقال: يا رسول اللَّه، إنما أرسلت إليك لتستغفر لي، ولم أرسل إليك
لتوبّخني، ثم سأله أن يعطيه قميصه يكفّن فيه، فأجابه))، وهذا مرسل، مع ثقة رجاله،
ويعضده ما أخرجه الطبرانيّ، من طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس،
قال: ((لما مَرِضَ عبد الله بن أَبِيّ، جاءه النبيّ وََّ، فكلّمه، فقال: قد فَهِمْتُ ما تقول،
فامنن عليّ، فكفّنّي في قميصك، وصلّ عليّ، ففعل)). وكأن عبد الله بن أُبيّ أراد بذلك
دفع العار عن ولده، وعشيرته، بعد موته، فأظهر الرغبة في صلاة النبي بَّ عليه،
(١)- ((فتح)) ج٩ ص٢٣٢-٢٣٣ . نسخة مؤسسة الرسالة.

٣٤
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ
ووقعت إجابته إلى سؤاله بحسب ما ظهر من حاله، إلى أن كشف اللَّه الغطاء عن ذلك.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهذا من أحسن الأجوبة فيما يتعلّق بهذه القصّة انتهى.
(إِلَى النَّبِيِّ ◌َِ) متعلق ب))جاء)» (فَقَالَ: أَعْطِنِي قَمِيصَكَ، حَتَّى أُكَفْنَهُ) وفي نسخة:
((حتى أكفّن)) بدون ضمير النصب (فِيهِ) أي في ذلك القميص، رجاء بركة ما مسّ جسده
وَلَّه (وَصَلٌّ عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُ) أي اطلب من اللَّه تعالى أن يغفر له (فَأَعْطَاهُ) وَلِّ (قَمِيصَهُ)
هذا يدلّ على أن النبي وَلو أعطى قميصه لعبد الله بن أبيّ بسبب طلب ولده له، وسيأتي
في حديث جابر رَّه الآتي بعد حديث ما يدلّ على أنه إنما أعطاه مكافأة على إعطائه
قميصه لعم النبي ◌َّر، عباس بن عبد المطلب، لكن لا تنافي بين السببين، إذ يمكن أن
يعطيه لهما، والله تعالى أعلم .
(ثُمَّ قَالَ) وَ (إِذَا) وفي نسخة: ((فإذا)) بزيادة الفاء (فَرَغْتُمْ) أي من غسله، وتكفينه
(فَآَذِنُونِي) بمدّ الهمزة، من الإيذان، وهو الإعلام، أي أعلموني بفراغكم (أُصَلِّي عَلَيْهِ)
بإثبات الياء، على الاستئناف، وليس جوابًا للأمر، وإلا لكان ((أصلّ)) بحذف الياء للجزم
بالطلب، قال السنديّ: إلا أن يقال: الياء للإشباع، أو لمعاملة المعلّ معاملة الصحيح،
وهو تكلف، بلا حاجة انتهى(١) (فَجَذَبَهُ عُمَرُ) وفي رواية للبخاري من هذا الوجه: ((فقام
رسول اللّه وَلّر ليصلي عليه، فقام عمر، فأخذ بثوب رسول اللَّه ◌َل﴾)). وفي رواية له،
وهي الرواية الآتية للمصنف برقم (١٩٦٦)، وهي في ((الكبرى)) في ((كتاب التفسير))،
من طريق ابن عباس، عن عمر : ((قال: لما مات عبد الله بن أبيّ ابن سَلُولَ، دُعي
له رسول اللَّه وَ له ليصلي عليه، فلما قام رسول اللّه وَّهِ وَثَبْتُ إليه، فقلتُ: يا رسول الله
أتصلي على ابن أبيّ، وقد قال يوم كذا كذا وكذا؟، قال: أُعدّد عليه
قوله .... الحديث. يشيرٍ عمر رضيه بذلك إلى مثل قوله: ﴿لَا نُفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ
رَسُولٍ اَللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّواْ﴾ [المنافقون: ٧]، وإلى مثل قوله: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا
اٌلْأَذَلَ﴾ [المنافقون: ٨]. قاله في ((الفتح)).
(وَقَالَ: قَدْ نَّاكَ اللَّهُ، أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ) وفي رواية البخاريّ: ((وقد نهاك ربك
أن تصلي عليه)). قال في ((الفتح)): كذا في هذه الرواية إطلاق النهي عن الصلاة، وقد
استُشكل جداً، حتى أقدم بعضهم، فقال: هذا وَهَمّ من بعض رواته، وعاكسه غيره،
فزعم أن عمر اطلع على نهي خاصّ في ذلك. وقال القرطبيّ: لعلّ ذلك وقع في خاطر
عمر، فيكون من قبيل الإلهام، ويحتمل أن يكون فهم ذلك من قوله تعالى: ﴿مَا كَنَ
(١)-(شرح السندي)) ج٣ ص٣٧ .
-

٣٥
٤٠- القَمِیصُ فِي الكَفَن - حديث رقم ١٩٠٠
لِلنَِّّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣].
قال الحافظ: قلت: الثاني -يعني ما قاله القرطبيّ- أقرب من الأول، لأنه لم يتقدّم
النهي عن الصلاة على المنافقين، بدليل أنه قال في آخر هذا الحديث: ((قال: فأنزل
الله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىَ أَحَدٍ مِّنْهُم﴾ [التوبة: ٨٤]. والذي يظهر أن في رواية الباب تجوّزًا،
بَيْنَتْهُ رواية عبيد الله بن عمر، بلفظ: ((فقال: تصلي عليه، وقد نهاك اللَّه أن تستغفر
لهم)).
وروى عبد بن حميد، والطبريّ، من طريق الشعبيّ، عن ابن عمر، عن عمر، قال:
لما أراد رسول اللَّه وَسهو أن يصلي على عبد الله بن أبيّ، فأخذتُ بثوبه، فقلت: والله ما
أمر اللَّه بهذا، لقد قال: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اَللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] ووقع
عند ابن مردويه، من طريق سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: فقال عمر: أتصلي عليه،
وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟، قال: ((أين؟)) قال: ﴿أُسْتَغْفِرْ لَّمْ﴾ الآية. وهذا مثل
رواية الباب .
فكأن عمر رَّه قد فهم من الآية المذكورة ما هو الأكثر الأغلب من لسان العرب،
من أن ((أو)) ليست للتخيير، بل للتسوية في عدم الوصف المذكور، أي إن الاستغفار
لهم، وعدم الاستغفار سواء، وهو كقوله تعالى: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ
تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]، لكن الثانية أصرح، ولهذا ورد أنها نزلت بعد هذه
القصّة، كما سيأتي .
وفهم عمر أيضًا من قوله: ﴿سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ أنها للمبالغة، وأن العدد المعيّن لا مفهوم
له، بل المراد نفي المغفرة لهم، ولو كثر الاستغفار، فيحصل من ذلك النهي عن
الاستغفار، فأطلقه .
وفهم أيضا أن المقصود من الصلاة على الميت طلب المغفرة للميت، والشفاعة له،
فلذلك استلزم عنده النهيُ عن الاستغفار تركَ الصلاة، فلذلك جاء عنه في هذه الرواية
إطلاق النهي عن الصلاة، ولهذه الأمور استنكر إرادة الصلاة على عبد الله بن أبيّ .
وقال الحافظ تَخّْتُهُ في موضع آخر من ((الفتح)): وقد وقفت لأبي نعيم الحافظ،
صاحب ((حِلْية الأولياء)) على جزء جمع فيه طرق هذا الحديث، وتكلم على معانيه،
فلخصته: فمن ذلك أنه قال: وقع في رواية أبي أسامة وغيره، عن عبيدالله العمري في
قول عمر: ((أتصلي عليه، وقد نهاك اللَّه عن الصلاة على المنافقين))، ولم يُبيّن محلّ
النهي، فوقع بيانه في رواية أبي ضَمْرة، عن العُمَريّ، وهو أن مراده بالصلاة عليهم
الاستغفار لهم، ولفظه: ((وقد نهاك اللَّه أن تستغفر لهم))، قال: وفي قول ابن عمر:

٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِز
((فصلى رسول اللّه وَله، وصلينا عليه) أن عمر ترك رأي نفسه، وتابع النبي وَّ، ونبّه
على أن ابن عمر حمل هذه القصّة عن النبي وَ الر بغير واسطة، بخلاف ابن عباس، فإنه
إنما حملها عن عمر، إذ لم يشهدها إلى آخر ما سيأتي في المسألة الثالثة، عند ذكر فوائد
الحديث، إن شاء الله تعالى .
قال: هذا تقرير ما صدر عن عمر، مع ما عُرف من شدة صلابته في الدين، وكثرة
بغضه للكفّار والمنافقين، وهو القائل في حقّ حاطب بن أبي بَلْتَعَة، مع ما كان له من
الفضل، كشهوده بدرًا، وغير ذلك، لكونه كاتب قريشًا قبل الفتح: دعني يا رسول الله،
أضرب عنقه، فقد نافق. فلذلك أقدم على كلامه للنبي وَّ بما قال، ولم يلتفت إلى
احتمال إجراء الكلام على ظاهره، لما غلب عليه من الصلابة المذكورة .
وقال الزين ابن المنيّر ◌َّلهُ: وإنما قال ذلك عمر تَّه، حرصًا على النبي ◌َّه
ومشورةً، لا إلزامًا، وله عوائد بذلك، ولا يبعد أن يكون النبي ◌ّ و كان أذن له في مثل
ذلك، فلا يستلزم ما وقع من عمر أنه اجتهد مع وجود النصّ، كما تمسّك به قوم في
جواز ذلك، وإنما أشار بالذي ظهر له فقط، ولهذا احتمل منه النبي وَلّ أخذه بثوبه،
ومخاطبته له في مثل ذلك المقام، حتى التفت إليه، متبسمًا، كما في حديث ابن عباس
بذلك انتهى (١) .
(فَقَالَ) وَِّ (أَنَا بَيْنَ خِيرَتَيْنِ) بكسر الخاء، وفتح الياء، أو سكونها: أي بين
اختيارين. قال الفيّوميّ ◌َقّْلهُ: ((الْخِيرةُ)): اسم من الاختيار، مثلُ الفِذْيَة، من الافتداء،
والْخِيَرَة - بفتح الياء- بمعنى الخِيَار، والْخِيّار هو الاختيار، ومنه يقال: له خيار الرؤية،
ويقال: هي اسم من تخيّرت الشيءَ، مثلُ الطَّيَّرَة، اسم من تَطَيَّر، وقيل: هما لغتان
بمعنى واحد، ويؤيّده قول الأصمعيّ: الْخِيَّرَةُ بالفتح، والإسكانُ ليس بمختارِ، وفي
التنزيل: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾. وفي ((البارع)): خِرْتُ الرجلَ على صاحبه، أَخِرُهُ،
من باب باع، خِيَّرًا، وِزانُ عِنَبٍ، وخِيْرَةً، وخِيَّرَةٍ: إذا فضّلته عليه. وخَيَّرتُهُ بين
الشيئين: فوَضتُ إليه الاختيار، فاختار أحدهما، وتَخَيَّره، واستخرتُ اللّهَ: طلبت منه
الْخِيَرَةَ، وهذه خَيْرَتي -بالفتح، والسكون -: أي ما أخذته انتهى(٢).
(قَالَ) أي اللَّه تعالى ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمّ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ هذا بيان، وتفسير
للخِيرَتين، أي إن الله تعالى خيّرني، بين الاستغفار، وعدمه، فاخترت الاستغفار.
ولفظ البخاريّ من هذا الوجه: إنما خيّرني اللَّه، فقال: ﴿أُسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَمْ
(١)- ((فتح)) ج٩ ص ٢٣٣- ٢٣٤.
(٢)- ((المصباح)) في مادة خير.

=
٣٧
٤٠- القَمِيصُ فِي الكَفَن - حديث رقم ١٩٠٠
إِن تَسْتَغْفِرْ لَمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ وسأزيد على السبعين)). ولفظه من طريق ابن عباس، عن
عمر: فتبسم رسول اللَّه ◌ِّر، وقال: ((أَخّز عني يا عمر))، فلما أكثرت عليه قال: ((إني
خُيّرت، فاخترت، لو أعلم أني إن زدت على السبعين يُغفر له، لزدت عليها)).
وعند عبد بن حميد، من طريق قتادة، قال: لما نزلت ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ
لَمْ﴾ قال النبي وَّر: ((قد خيّرني ربي، فوالله لأزيدنْ على السبعين))، وأخرجه الطبريّ،
من طزيق مجاهد مثلَّهُ، والطبريّ أيضا، وابن أبي حاتم، من طريق هشام بن عروة، عن
أبيه مثله .
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهذه طرق، وإن كانت مراسيل، فإن بعضها يعضد
بعضًا .
ودلّ ذلك على أنه وَ ر أطال في حال الصلاة عليه، من الاستغفار له، وقد ورد ما
يدلّ على ذلك، فذكر الواقديّ، أن مُجَمِّعَ بن جارية، قال: ما رأيت رسول اللَّه ◌ِهل
أطال على جنازة قطّ ما أطال على جنازة عبد الله بن أبيّ من الوقوف. وروى الطبريّ من
طريق مغيرة، عن الشعبيّ، قال: قال النبي وَله: ((قال الله تعالى: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ
مَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، فأنا أستغفر لهم سبعين، وسبعين، وسبعين)). (١) (فَصَلَّى عَلَيْهِ)
أي صلى النبي وَّ على عبد الله بن أَبيّ، مخالفا لعمر وَّه.
وإنما لم يأخذ النبيّ وَ لَّ بقول عمر، وصلّى عليه، إجراء له على ظاهر حكم
الإسلام، واستصحابا لظاهر الحكم، ولما فيه من إكرام ولده الذي تحقّقت صلاحیته،
ومصلحة الاستئلاف لقومه، ودفع المفسدة، وكان النبي ◌ّير في أول الأمر يصبر على
أذى المشركين، ويعفو، ويصفح، ثم أمر بقتال المشركين، فاستمرّ صفحه، وعفوه
عمن يظهر الإسلام، ولو كان باطنه على خلاف ذلك، لمصلحة الاستئلاف، وعدم
التنفير عنه، ولذلك قال: ((لا يتحدّث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه))، فلما حصل
الفتح، ودخل المشركون في الإسلام، وقلّ أهل الكفر، وذَلُّوا، أمر بمجاهرة
المنافقين، وحملهم على حكم مُرّ الحقّ، ولا سيما، وقد كان ذلك قبل نزول النهي
الصريح عن الصلاة على المنافقين، وغير ذلك، مما أمر فيه بمجاهرتهم .
قال الحافظ: وبهذا يندفع الإشكال عما وقع في هذه القصّة بحمد الله تعالى .
وقال الخطابي ◌َّلهُ: إنما فعل النبي ◌َّ مع عبد الله بن أبيّ ما فعل لكمال شفقته
على من تعلّق بطرف من الدين، ولتطييب قلب ولده عبد اللَّه الرجل الصالح، ولتأليف
(١)- ((فتح)) ج٩ ص٢٣٤- ٢٣٥.

٣٨
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ
قومه من الخزرج لرياسته فيهم، فلو لم يُجب سؤال ابنه، وترك الصلاة عليه قبل ورود
النهي الصريح، لكان سُبّةً على ابنه، وعارًا على قومه، فاستعمل أحسن الأمرين في
السياسة إلى أن نهي عنه، فانتهى .
وتبعه ابن بطّال، وعبّر بقوله: رجا أن يكون معتقدًا لبعض ما كان يظهره من
الإسلام. وتعقّبه ابن المنيّر بأن الإيمان لا يتبغض، وهو كما قال، لكن مراد ابن بطال
أن إيمانه كان ضعيفًا .
قال الحافظ: وقد مال بعض أهل الحديث إلى تصحيح إسلام عبد الله بن أُبيّ لكون
النبي ◌َّ صلى عليه، وذَهِلَ عن الوارد من الآيات، والأحاديث المصرّحة في حقّه بما
ينافي ذلك، ولم يقف على جواب شاف في ذلك، فأقدم على الدعوى المذكورة، وهو
محجوج بإجماع من قبله على نقيض ما قال، وإطباقهم على ترك ذكره في كتب
الصحابة، مع شهرته، وذكر من هو دونه في الشرف، والشهرة بأضعاف مضاعفة .
وقد أخرج الطبريّ من طريق سعيد، عن قتادة في هذه القصّة، قال: فأنزل الله
تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهْءٍ﴾، قال: فذُكر لنا أن نبيّ اللّه وَلهول
قال: ((وما يغني عنه قميصي من اللَّه، وإني لأرجو أن يسلم بذلك ألف من قومه)).
انتهى. (فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُصَلّ عَ أَحَدٍ مِنْهُم﴾) متعلق بصفة (أحد))، أو بحال من
الضمير في قوله (مَاتَ) أي مات متصفا بصفة النفاق، كقولهم: أنت مني، يعني على
طريقتي، وجملةُ ((مات)) صفة ((أحد)) أيضا، أو حال منه، لوصفه بالجارّ والمجرور، إذ
القاعدة أن الجملة وشبهها بعد النكرات صفات، وبعد المعارف أحوال (أَبَدًا) ظرف لـ((لا
تصلّ)) (وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ) يعني لا تقف عليه، ولا تتولّ دفنه، من قولهم: قام فلان بأمر
فلان: إذا كفاه أمره، وناب عنه فيه(١) .
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): ظاهر الآية يدلّ على أنها نزلت في جميع المنافقين، لكن
ورد ما يدلّ على أنها نزلت في عدد معيّن منهم، قال الواقديّ: أنبأنا معمر، عن
الزهريّ، قال: حذيفة: قال لي رسول اللَّه وَلقوله: ((إني مسرّ إليك سراً، فلا تذكره لأحد،
إني نُهيت أن أصلي على فلان وفلان، رهط، ذوي عدد، من المنافقين؛ قال: فلذلك
كان عمر إذا أراد أن يصلي على أحد استتبع حذيفة، فإن مشى مشى معه، وإلا لم يصل
عليه))، ومن طريق أخرى، عن جبير بن مطعم، أنهم اثنا عشر رجلًا. قال الحافظ :
ولعل الحكمة في اختصاص المذكورين بذلك أن اللَّه علم أنهم يموتون على الكفر،
(١)- انظر ((تفسير الخازن)) ج٣ ص ١٣٢ .

٣٩ =
٤٠- القَمِيصُ فِي الْكَفَن - حديث رقم ١٩٠٠
بخلاف من سواهم، فإنهم تابوا. انتهى (١).
(فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ) وفي حديث ابن عباس، عن عمر: ((فصلى عليه، ثم انصرف،
فلم يمكث إلا يسيرًا حتى نزلت)). زاد ابن إسحاق في ((المغازي))، قال: حدثني الزهريّ
بسنده، قال: ((فما صلى رسول اللَّه وَ لَ على منافق بعده حتى قبضه الله)). وزاد في
رواية لابن إسحاق: ((ولا قام على قبره)). ورَوَى عبد الرزّاق، عن معمر، عن قتادة،
قال: ((لما نزلت ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ
لَمُمْ﴾، قال النبي ◌َّر: ((لأزيدنّ على السبعين، فأنزل الله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ
أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَّ تَسْتَغْفِرْ لَمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمَّ﴾، ورجاله ثقات، مع إرساله، ويحتمل
أن تكون الآيتان نزلتا معًا في ذلك. وزاد في رواية ابن عباس، عن عمر، قال: ((فعجبت
بعدُ من جُزْأَتي على رسول اللّه وَلَّ، والله ورسوله أعلم)).
وقوله: ((والله ورسوله أعلم)) ظاهره أنه قول عمر، ويحتمل أن يكون قول ابن
عباس، وقد روى الطبريّ من طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس في
نحو هذه القصّة: قال ابن عباس: ((فالله أعلم، أيَّ صلاة كانت، وما خادع محمد أحدًا
قطّ)). ذكره في ((الفتح))(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الله بن عمر تطفئ هذا متفق عليه .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٤٠ / ١٩٠٠ وسيأتي مطوّلًا من حديث ابن عباس، عن عمر رَّه في ٦٩/
١٩٦٦، إن شاء الله تعالى - وفي ((الكبرى)) ٢٠٢٧/٤٠- وفي ((التفسير)) ١٧٢ /١١٢٢٤.
وأخرجه (خ) ١٢٦٩ و٤٦٧٠ و٤٦٧٢ و٥٧٩٦ (م) ٢٤٠٠ و٢٧٧٤ (ت) ٣٠٩٨
(ق) ١٥٢٣ (أحمد) ٤٦٦٦. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز التكفين في القميص،
وقد تقدم أقوال أهل العلم في أول الباب. ومنها: بيان مكارم أخلاق النبي بَّر، فقد
عَلِم ما كان من هذا المنافق، من الإيذاء له، وقابله بالحسنى، وألبسه قميصه كفنا،
(١)- ((فتح)) ج٩ ص٢٣٧ .
(٢)- ((فتح)) ج٣ ص٢٣٥-٢٣٧ .

٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
وصلى عليه، واستغفر له، فهو كما وصفه الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿وإنك لعلى خلق
عظيم﴾. ومنها: أنه قد تمسك بهذه القصّة من جعل مفهوم العدد حجةً، وكذا مفهوم
الصفة من باب أولى، ووجه الدلالة أنه وَلّر فهم أن ما زاد على السبعين بخلاف
السبعين، قال: ((سأزيده على السبعين)). وأجاب من أنكر القول بالمفهوم بما وقع في
بقية القصّة، وليس ذلك بدافع للحجّة، لأنه لو لم يقم الدليل على أن المقصود بالسبعين
المبالغة لكان الاستدلال بالمفهوم باقيًا (١). ومنها: النهي عن الصلاة على الكافر إذا
مات على كفره. ومنها (٢): أن فيه جواز الشهادة على المرء بما كان عليه حيّا وميتًا،
لقول عمر: ((إن عبد الله منافق))، ولم ينكر النبي وَّل عليه قوله. ومنها: أنه يؤخذ منه أن
المنهيّ عن سبّ الأموات ما قُصد به الشتم، لا التعريف. ومنها: أن المنافق تجرى عليه
أحكام الإسلام الظاهرة. ومنها: أن الإعلام بوفاة الميت مجرّدًا لا يدخل في النعي
المنهيّ عنه. ومنها: جواز سؤال الموسر من المال من تُرجى بركته(٣) شيئًا من ماله
لضرورة دينية. ومنها: رعاية الحيّ المطيع بالإحسان إلى الميت العاصي. ومنها: جواز
التكفين بالمخيط. ومنها: جواز تأخير البيان عن وقت النزول إلى وقت الحاجة.
ومنها: العمل بالظاهر إذا كان النصّ محتملًا. ومنها: تنبيه المفضول للفاضل على ما
يظنّ أنه سها فيه. ومنها: تنبيه الفاضل المفضول على ما يشكل عليه. ومنها: استفسار
السائل المسؤول، وعكسه عما يحتمل ما دار بينهما. ومنها: جواز التبسّم في حضور
الجنازة(٤) عند وجود ما يقتضيه، وقد استحبّ أهل العلم عدم التبسّم من أجل تمام
الخشوع، فيستثنى منه ما تدعو إليه الحاجة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب .
المسألة الرابعة:
استُشكِلَ فهمُ التخيير من قوله تعالى: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَمْ﴾ الآية حتى
أقدم جماعة من الأكابر على الطعن في صحة هذا الحديث، مع كثرة طرقه، واتفاق
الشيخين، وسائر الذين خرّجوا الصحيح على تصحيحه، وذلك ينادي على منكري
(١)- ((فتح)) ج٩ ص٢٣٥ .
(٢)- ما بعد هذا من الفوائد هو تَتِمّة ما نقل عن أبي نعيم صاحب ((الحلية)) في كلامه على هذا
الحديث، كما سبقت الإشارة إليه، فتنبه .
(٣)- لكن هذا لم يعمل به السلف مع غير النبي وَ لير، فلم يفعلوه مع أبي بكر، ولا مع عمر، ولا مع
غيرهما، فمن أتانا بشيء مما صح عنهم في ذلك، فعلى الرأس والعين. والله تعالى أعلم
(٤)- هكذا قيل، وفي استنباط هذه الفائدة من هذا الحديث نظر لا يخفى، إذ يمكن أن تبسمه (پ# كان
قبل أن يأتي إلى الجنازة، بل هذا هو الظاهر، من مراجعة عمر رضي الله عنه له وَ له. فليتأمّل.