Indexed OCR Text

Pages 121-140

٥١- بابُ الدُّعَاءِ فِي الوتر - حديث رقم ١٧٤٧
١٢١ ====
وقال أبو داود: هو أقدم شيخ لحمّاد. وقال أبو طالب، عن أحمد: من الثقات. وذكره
ابن حبّان في ((الثقات)). أخرج له الأربع، له عند المصنف هذا الحديث فقط .
٦- (عبد الرحمن بن الحارث بن هشام) بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم
المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، وأمه فاطمة بنت الوليد بن المغيرة، وله رؤية، وهو من
كبار ثقات التابعين [٢] .
قال العجلي: مدنيّ تابعيّ ثقة. وقال الدارقطني: مدنيّ جليل يُحتجّ به. وذكره ابن
سعد فيمن أدرك النبيّ وَله، ورآه، ولم يحفظ عنه شيئًا. قال: وكان من أشراف قريش،
وكان اسمه إبراهيم، فغيّره عمر، وسماه عبد الرحمن، قال: ومات أبوه في طاعون
عَمَوَاس، فخلف عمر بن الخطاب على امرأته فاطمة، فكان عبد الرحمن في حَجْره.
وقال ابن إسحاق، عن يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، سمع عائشة تذكر
عبد الرحمن بن الحارث، قالت: كان رجلًا سَرِيًا. وقال الزهريّ: حدثنا أنس بن مالك
أن عثمان بن عفّان أمر زيد بن ثابت، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن الزبير،
وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن يَنْسَخوا المصاحف ... الحديث. وقال البغويّ:
وُلد في عهد النبيّ رَّرَ، ولا أحسبه سمع منه. وقال الحاكم: هو صحابيّ. وقال ابن
حبان في كتابه في الصحابة: وُلد في زمن النبي ◌َِّ، ولم يسمع منه، وقال في ثقات
التابعين: مات سنة ثلاث وأربعين. روى له الجماعة، سوى مسلم، له عند المصنف
حديثان فقط، هذا، و٥٦٦٨ حديث: ((اجتنبوا الخمر ... )) الحديث.
٧- (علي بن أبي طالب) الهاشمي، أبو الحسن الخليفة الراشد ◌َظ فيه ٩١٠/٧٤ والله
تعالى أعلم .
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سباعيات المصنف، وأن رجاله رجال الصحيح، غير هشام، فمن
رجال الأربعة، وهو ثقة. وأن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) رَّهُ (أَنَّ النَّبِيِّ نَّهِ، كَانَ يَقُولُ، فِي آَخِرٍ وِتْرِهِ) أي بعد
السلام، لما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في ((زاد المعاد))، والشوكاني رحمه
الله تعالى في (تحفة الذاكرين)) ص١٢٩ أن في إحدى روايات النسائيّ(١): ((كان يقول
ذلك إذا فرغ من صلاته، وتبوأ مضجعه))، ففيه أنه كان يقول ذلك بعد السلام من
الصلاة، لا فيها .
(١)- لم أر هذه الرواية في النسائي. والله أعلم.

١٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَامِ اللَّيلِ
فعلى هذا فإدخال المصنّف له في هذا الباب فيه نظر لا يخفى .
وقال السنديّ نَّلهُ: يحتمل أنه كان يقوله في آخر القيام، فصار هو من القنوت،
كما هو مقتضى كلام المصنّف، ويحتمل أنه كان يقوله في قعود التشهد، وهو ظاهر
اللفظ انتهى .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذكره السنديّ من الاحتمالين يردّه ما نقله ابن
القيّم، والشوكاني رحمهما الله تعالى، من رواية النسائي، من أن ذلك كان بعد الفراغ
من الصلاة، إلا أنه يحتاج إلى ثبوت ما نسباه إلى النسائيّ، فإني لم أر ذلك عنده،
فليُحرّر. والله تعالى أعلم .
(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ) قال
الشوكاني رحمه الله تعالى: استعاذ بالله سبحانه وتعالى أن يُجيره برضاه من سخطه،
وكذلك استعاذ به سبحانه وتعالى أن يُجيره بمعافاته من عقوبته، والرضا والسخط ضدّان
لا يجتمعان، وكذلك المعافاة والعقوبة، فإذا حصل له أحدهما سَلِمٍ من الآخر، ولَمّا
صار إلى ما لا ضدّ له قال: ((وأعوذ بك منك))، ومعناه الاستعفاء عن التقصير فيما يجب
عليه من العبادة والشكر انتهى(١) (لَا أُخْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ) أي لا أُطيق إحصاءه، ومعناه لا
أحصي الثناء بنعمتك، وإحسانك، وإن اجتهدت في ذلك، وفي لفظ(٢): ((لا أحصي
ثناء عليك، ولو حرصت)) (أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ))) فيه الاعتراف بالعجز عن القيام
بواجب الشكر والثناء، وأنه لا يقدر عليه، وإن بلغ فيه كلّ مبلغ، بل هو سبحانه وتعالى
كما أثنى على نفسه، فكأنه قال: هذا أمر لا تقوم به القُوَى البشريّة، ولكن أنت القادر
على الثناء على نفسك بما يليق بك، فأنت كما أثنيت على نفسك(٣) وقد تقدّم شرح
الحديث مستوفّى في ((كتاب الطهارة)) رقم ١٦٩/١٢٠ فراجعه. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث علي رَاليه هذا صحيح .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-١٧٤٧/٥١- وفي ((الكبرى)) ١٤٤٤/٦٥ بالسند المذكور، وفي
((الكبرى)) عن إسحاق بن منصور، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك، عن حماد بن
سلمة به. والله تعالى أعلم .
(١)- ((تحفة الذاكرين)) ص ١٠٦ .
(٢)- وهو في الرواية التي عزاها ابن القيم إلى النسائيّ فيما سبق.
(٣)- المصدر المذكور .

٥٢- تركُ رفع الیدین فِي الدُعَاءِ فِي الوتر - حديث رقم ١٧٤٨
١٢٣
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه :
أخرجه (د) ١٤٢٧ (ت) ٣٥٦٦ (ق) ١١٧٩ (أحمد)٩٦/١ و١١٨/١ (عبد بن
حميد). ٨١ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٥٢- تَرْكُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ فِي
الْوِثْرِ
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: استدلال المصنف رحمه اللّه تعالى على ما ترجم له
بحديث أنس المذكور في الباب بعيد، لأنه لا يدلّ على ذلك، كما يأتي بيان ذلك قريبًا .
والله تعالى أعلم بالصواب.
١٧٤٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ ثَابِتٍ
الْنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ، قَالَ: كَانَ النَِّيُّ نَّهِ، لَا يَرْفَعُ يَدَنِهِ، فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ، إِلَّا فِي
الإِسْتِسْقَاءِ، قَالَ شُعْبَةُ: فَقُلْتُ لِثَابِتٍ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ أَنَسِ؟، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، قُلْتُ:
سَمِعْتَهُ؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحدیث صحیح، وقد تقدم شرحه، وتخريجه،
في ١٥١٣/٩. و((عبد الرحمن)) هو ابن مهديّ الإمام المشهور .
وقوله: ((لا يرفع يديه الخ)) المراد به أنه لا يُبَالِغُ في الرفع، لا أنه لا يرفع أصلًا، فلا
تعارض بينه وبين الأحاديث الصحيحة الدالة على أنه ◌ّلو كان يرفع يديه في الدعاء كثيرًا
-كما تقدم بيان ذلك في ((كتاب الاستسقاء))، وعلى فلا دلالة في الحديث على الترجمة.
والله تعالى أعلم .
وقوله: ((قال: سبحان اللَّه)) أي سبّح ثابت تعجبا من سؤال شعبة له عن سماعه لهذا.
الحديث من أنس بن مالك، وإنما سأل شعبة للتأكد من سماعه بدون واسطة، لإمكان
أن يسمعه من شخص لا يرضاه شعبة، فدلسه، وإنما تعجب ثابت عن ذلك لاستغرابه
اتهام شعبة له بما ذُكر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان .

=
١٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ الَّيْل
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في اختلاف أهل العلم في رفع اليدين في القنوت:
ذهبت طائفة إلى استحباب الرفع. روي عن عمر بن الخطاب دَزوَّه أنه كان يرفع
يديه في القنوت حتى يبدوضبعاه. وروي عن ابن مسعود، وابن عباس رَوّهتا أنهما كانا
يرفعان أيديهما، فأما ابن عباس، فروي عنه أنه رفع يديه حتى مدّ ضبعيه، وعن ابن
مسعود أنه كان يرفع يديه إلى صدره، أخرج ابن المنذر هذه الآثار بأسانيده .
وممن رأى أن يرفع يديه في القنوت أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه،
وأصحاب الرأي .
قال الإمام محمد بن نصر ◌َّلهُ: وسئل أحمد أيرفع يديه في القنوت؟ قال: نعم
يعجبني، قال أبو داود: رأيت أحمد يرفع يديه انتهى(١) .
وذهبت طائفة إلى أنه لا تُرفع الأيدي في القنوت، وهو قول مالك، والأوزاعيّ،
ويزيد بن أبي مريم، وقال الأوزاعي: إن شئت فأشر بإصبعك(٢).
وعن ابن شهاب: لم تكن ترفع الأيدي في الإيتار في رمضان. وكان الحسن لا يرفع
يديه في القنوت، ويمىء بأصبعه. وعن سعيد بن المسيب: ثلاثة مما أحدث الناس:
اختصار السجود، ورفع الأيدي في الدعاء، ورفع الصوت(٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن الأولى عدم رفع اليدين في دعاء قنوت
الوتر؛ لعدم ثبوته عن النبي وَله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: في اختلاف أهل العلم في تأمين المأموم خلف الإمام إذا دعا في القنوت:
أخرج الإمام محمد بن نصر ◌َّلهُ بسند صحيح عن ابن عباس رَضِّها، قال: قنت
رسول اللَّه وَلجر شهرًا متتابعا في الظهر والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح، إذا
قال: ((سمع الله لمن حمده)) من الركعة الآخرة يدعو على أحياء من بني سُليم، على
رِعْل، وذَكْوان، وعُصيّة، ويؤمّن من خلفه .
قال عكرمة: هذا مفتاح القنوت. وقيل للحسن: إنهم يَضِجّون في القنوت، فقال:
أخطأوا السنّة، كان عمر يقنت، ويؤمّن من خلفه. وقال معاذ القارىء في قنوته: اللَّهم
قحط المطر، فقالوا: آمين، فلما فرغ من صلاته، قال: قلت: اللّهمّ قحط المطر،
فقلتم: آمين، ألا تسمعون ما أقول، ثم تقولون آمين. وعن الأوزاعيّ: ليس في القنوت
رفع، ويكره رفع الأصوات في الدعاء. وعن مالك: يقنت في النصف من رمضان -
(١)- انظر ((مختصر كتاب الوتر)) ص١٣٨.
(٢)- انظر ((الأوسط)) لابن المنذر ج٥ ص٢١٢-٢١٣ .
(٣)- ((مختصر كتاب الوتر)» ص ١٣٨.

٥٢- تُ رفع الیدین فِي الدُّعَاءِ فِي الوترِ - حديث رقم ١٧٤٨
١٢٥ =
يعني الإمام- ويلعن الكفرة، ويؤمّن من خلفه. وقال أبو داود ◌َخْذَ هُ: سمعت أحمد
سئل عن القنوت؟، فقال: الذي يعجبنا أن يقنت الإمام، ويؤمّن من خلفه، قال: وكنت
أكون خلفه، فكنت أتسمع نغمته في القنوت، فلم أسمع منه شيئًا، قلت لأحمد: إذا لم
أسمع قنوت الإمام أدعو؟ قال: نعم. وقال إسحاق: يدعوا الإمام، ويؤمّن من خلفه .
قال محمد بن نصر تَخْذّلهُ: وهذا الذي أختار، أن يسكتوا حتى يفرغ الإمام من قراءة
السورتين، ثم إذا بلغ بعد ذلك مواضع الدعاء أمّنوا انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي اختاره ابن نصر ◌َقٌْثُ هو الأرجح عندي،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في مسح الوجه بيديه بعد فراغه من الدعاء:
أخرج الإمام محمد بن نصر من طريق صالح بن حسّان، عن محمد بن كعب، عن ابن
عباس ◌َّا، قال: قال رسول اللَّه وَ له: ((إذا دعوت، فادع الله ببطون كفيك، ولا تدع
بظهورهما، فإذا فرغت فامسح بهما وجهك)). وأخرج أيضًا من طريق عيسى بن ميمون،
عن محمد بن كعب القرظيّ، عن ابن عباس تَّت، عن رسول اللّه وَلّ، قال: ((إذا سألتم
فاسألوه بيطون أكفكم، ثم لا تردّوها حتى تمسحوا بها وجوهكم)). وفي رواية: «فإن اللَّهُ
جاعل فيها بركة)). وعن المعتمر: رأيت أبا كعب صاحب الحرير يدعو رافعا يديه، فإذا فرغ
من دعائه يمسح بهما وجهه، فقلت له: من رأيت يفعل هذا؟ فقال: الحسن .
قال محمد بن نصر: ورأيت إسحاق يستحسن العمل بهذه الأحاديث، وأما أحمد بن
حنبل، فحدثني أبو داود، قال: سمعت أحمد، وسئل عن الرجل يمسح وجهه بیدیه إذا
فرغ في الوتر؟ فقال: لم أسمع فيه بشيء، ورأيت أحمد لا يفعله، قال: وعيسى بن
ميمون هذا الذي روى حديث ابن عباس ليس ممن يُحتجّ بحديثه(٢)، وكذلك صالح بن
حسّان(٣). وسئل مالك عن الرجل يمسح بكفيه وجهه عند الدعاء؟ فأنكر ذلك، وقال:
ما علمت، وسئل عبد الله عن الرجل يبسط يديه، فيدعو، ثم يمسح بهما وجهه؟ فقال:
كره ذلك سفيان. انتهى (٤) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أحاديث مسح الوجه بعد الدعاء كلها ضعيفة، وإن
حاول الحافظ تَخّلُمُ في ((بلوغ المرام)) في تحسينها بمجموع الطرق، لكن الذي يظهر لي
أنها لا تصلح للاحتجاج بها لشدة ضعفها، فالأرجح عدم مشروعيّة المسح . والله تعالى
(١)- مختصر كتاب الوتر ص ١٤١ .
(٢) قال في ((ت)): ضعيف.
(٣) قال في ((ت)): متروك الحديث.
(٤)- المصدر المذكور ص ١٤٢١ - ١٤٢.

شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ اللَّيْلِ
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
: ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنيب)) .
٥٣- بَابُ قَدْرِ السَّجْدَةِ بَعْدَ الْوِتْرِ
قال الجامع عفا الله عنه: وجه استدلال المصنّف رَؤْآثمُ على ما ترجم له بحديث
عائشة تبثها المذكور في الباب، أنه حمل قوله: ((ويسجد قدر ما يقرأ أحدكم خمسين
آية)) على أنه يسجد بعد الوتر سجدة بهذا القدر .
لكن في هذا الحمل نظر لا يخفى؛ لأن معنى الحديث أن ذلك كان في سجوده في
صلاة الليل، لا أنه يسجد بعد الوتر سجدة بهذا القدر، يوضّح ذلك رواية البخاري
رَْلُهُ لحديثها، ولفظه: ((كان يصلي إحدى عشرة ركعةً، كانت تلك صلاتَهُ، يسجد
السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه .... )) الحديث،
فرواية البخاري مُفَسَّرَةٌ واضحة في المعنى الذي قلنا، فلذا ترجم البخاري على الحديث
بقوله: (باب طول السجود في قيام الليل)). وقد تقدّم البحث في هذا برقم [١٣٢٨/٧٤]
فراجعه تستفد. والله تعالى بالصواب.
١٧٤٩ - أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثُ، قَالَ:
حَدَّثَنِ عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ،
يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةٌ، فِيَمَّا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ ، بِاللَّيْلِ، سِوَى
رَكْعَتَي الْفَجْرِ، وَيَسْجُدُ، قَدْرَ مَا يَقْرَأْ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً .
قالَّ الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح تقدم شرحه، والكلام على
مسائله في - [٦٨٥/٤١] فليُراجَع هناك، وبالله تعالى التوفيق.
و((يوسف بن سعيد)»: هو المصّيصيّ الحافظ الثقة [١١]١٩٨/١٣١.
و((حجاج)): هو ابن محمد الأعور المصيصيّ الحافظ الثبت [٨]٣٢/٢٨. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أردت إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)) .

١٢٧
٥٤ - التَّسْبِيحُ بَعْدَ الفَرَاغ مِنَ الْوِتْرِ، وَذِكْرُ ... - حديث رقم ١٧٥١
٥٤- التَّسْبِيحُ بَعْدَ الْفَرَاغْ مِنَ الْوِثْرِ،
وَذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى سُفْيَانَ فِيهِ
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وجه الاختلاف الذي أشار إليه أن قاسم بن يزيد،
ومحمد بن عُبيد روياه عن سفيان الثوريّ، عن زُبيد، عن سعيد بن عبد الرحمن،
وخالفهما أبو نعيم، فرواه عن سفيان، عن زبيد، عن ذرّ، عن سعيد، وقد رجّح
المصنف رحمه الله تعالى رواية أبي نعيم، على روايتهما؛ لكونه أثبت منهما، وقد تقدّم
البحث في هذا مستوفى. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٧٥٠ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْب، قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسِمْ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ، أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِ﴿سَيِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ
اُلْأَعْلَى﴾،َ وَ﴿قُلْ يَأَيُهَا الْكَفِرُونَ﴾، وَ﴿قُلْ هُوَّ اللَّهُ أَحَدُّ﴾، وَيَقُولُ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ:
(سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ)) ثَلاثَ مَرَّاتٍ، يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، تقدّم في ١٦٩٩/٣٧ من مسند
عبد الرحمن بن أبزى عن أبي بن كعب تيها .
و ((أحمد بن حرب)): هو الموصليّ، صدوق [١٠] ١٣٥/١٠٢.
و((قاسم)): هو الْجَزْميّ، أبو يزيد الموصليّ، ثقة عابد [٩] ١٣٥/١٠٢.
و((سفيان)): هو الثوريّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٧/٣٣.
و((زُبيد)»: هو ابن الحارث الكوفيّ، ثقة ثبت عابد [٦] ١٤٢٠/٣٧.
و((سعيد بن عبد الرحمن)): هو ابن أبزى الكوفيّ ثقة [٣] ٣١٢/١٩٥. و(«أبوه): هو
عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي الصحابيّ رَظمليه ٣١٢/١٩٥ .
والحديث من مسند عبد الرحمن بن أبزى تظلّه أخرجه المصنف يَخْذَهُ هنا ٥٤/
١٧٥٠ و١٧٥١ و١٧٥٢ و١٧٥٣ و١٧٥٤ و١٧٥٥ . وفي ((الكبرى)) ١٤٤٦/٦٧ و٦٨/
١٤٤٧ و٦٩ /١٤٤٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل .
١٧٥١ - أَخْيَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَخْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَعَبْدِ
الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يُوتِرُ بِ﴿سَيِّجٍ أَسْمَ رَيْكَ الْأَعلى﴾، وَ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾، وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ
أَحَدُّ﴾، وَيَقُولُ بَعْدَ مَّا يُسَلِّمُ: ((سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ))، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ.
خَالَفَهُمَا أَبُو نُعَيْمِ، فَرَوَاهُ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ ذَرِّ، عَنْ سَعِيدٍ .

١٢٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ اللَّيْلِ
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: تقدم الكلام على هذا الحديث في الذي قبله، وساقه
هنا لبيان متابعة محمد بن عبيد القاسم بن يزيد .
و((أحمد بن يحيى)): هو الأوديّ، أبو جعفر الكوفيّ العابد، ثقة [١١] ١٢٧٤/٣٨.
و(محمد بن عبيد)): هو الطنافسيّ الكوفيّ، ثقة [٩]١٧٣٥/٤٨. و((عبد الملك بن أبي
سليمان)): هو العَرْزميّ الكوفيّ، صدوق له أوهام [٥] ٤٠٦/٧. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
وقوله: ((خالفهما)) الخ يعني خالف قاسمًا، ومحمد بن عُبيد أبو نُعيم، فزاد ذَرًا بين
زُبيد، وسعيد بن عبد الرحمن، كما بيّنه بقوله:
١٧٥٢- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ
زُبَيْدٍ، عَنْ ذَرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ
وَّه، يُوتِرُ ب﴿َسَيِّحِ اسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى﴾، وَ﴿قُلَ يَأَتُهَا الْكَفِرُونَ﴾، وَ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾،
فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ، قَالَ: ((سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ)) ثَلَاثًا، يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ .
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّخَنِ: أَبُو نُعَيْم أَثْبَتُ عِنْدَنَا، مِنْ تَحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ، وَمِنْ قَاسِمُ بْنِ يَزِيدَ، وَأَثْبَتُ
أَضْحَابِ سُفْيَانَ عِنْدَنَ - وَاللَّهُ أَعْلُمُ - يُحْتِى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطََّنُ، ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْبَارَكِ، ثُمَّ وَكِيعُ
ابْنُ الْجَرَّاحِ، ثُمَّ عَبْدُ الرَّخَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، ثُمَّ أَبُو نُعَيْمِ، ثُمَّ الْأَسْوَدُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ .
وَرَوَاهُ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ زُبَيْدٍ، فَقَالَ: يَمُدُّ صَوْتَهُ فِي الثَّالِثَةِ، وَيَرْفَعُ .
((محمد بن إسماعيل بن إبراهيم)): هو المعروف أبوه بابن علية، قاضي دمشق،
ثقة [١١]٤٨٩/٢٢. و((أبو نعيم)): هو الفضل بن دُكين الكوفيّ الثقة الثبت [٩]٥١٦/١١.
و(ذرّ)): هو ابن عبد اللَّه الْمُزهبيّ الكوفيّ، ثقة [٦]٣١٢/١٩٥.
وقوله: ((قال أبو عبد الرحمن)) الخ غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذا ترجيح رواية
أبي نعيم بزيادة ذَرّ بين زُبيد، وسعيد بن عبد الرحمن على رواية محمد بن عُبيد، وقاسم بن
يزيد بحذفه، ثم أشار إلى وجه الترجيح بأن أبا نعيم من أثبت أصحاب سفيان، بخلافهما .
ثم رتّب أصحابه بقوله: وأثبت أصحاب سفيان عندنا الخ، فقدّم يحيى بن سعيد
القطان، ثم ابن المبارك، ثم وكيعًا، ثم عبد الرحمن بن مهديّ، ثم أبا نعيم، ثم
الأسود، هكذا رتبهم .
والظاهر أنه أراد بالأسود الأسود بن عامر الملقّب بشاذان، أبا عبد الرحمن الشاميّ،
نزيل بغداد، وثقه ابن المدينيّ، وابن حبّان، وقال ابن معين: لا بأس به. وقال
أبو حاتم: صدوق صالح. توفّى سنة (٢٠٨).
وقوله: ((في هذا الحديث))، وفي نسخة ((في حديث الوتر)). ظاهره أن الجارّ

١٢٩ ===
٥٤- التّسْبیخُ بعد الفراغ مِنَ الوتر، وَفِكْرُ ... - حديث رقم ١٧٥٢
والمجرور متعلق ب))أثبت))، من قوله: ((وأثبت أصحاب سفيان الخ))، كأنه يريد ترتيب
روايات هؤلاء عن سفيان لحديث الوتر، لا في مطلق الروايات، ولعلّ المصنّف وجد
روايات هؤلاء في الوتر، وإلا فلم أر من هؤلاء من روى عن سفيان حديث الوتر إلا
بعضهم، فليُتأمل .
ويحتمل أن يتعلّق الجارّ والمجرور بـ)) أثبتُ)) من قوله: ((أبو نعيم أثبت))، ويكون جملة
قوله: ((وأثبت أصحاب سفيان الخ)) معترضة، وهذا أوضح في المعنى، وإن كان فيه بعدٌ
في الظاهر، والله تعالى أعلم .
[تنبيه]: قد نُقل عن أئمة الحديث في ترتيب أصحاب سفيان خلاف ما ذكره
المصنّف، فقد ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في شرح ((علل الترمذي)) كلام
الأئمة في ذلك، فقال:
قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين، وسئل عن أصحاب الثوريّ، أيهم
أثبت؟ قال: هم خمسة، يحيى بن سعيد، ووكيع بن الجرّاح، وعبد الله بن المبارك،
وعبد الرحمن بن مهديّ، وأبو نعيم الفضل بن دُكين، فأما الفِرْيَابِيّ، وأبو حُذيفة،
وقبيصة، وعُبيدالله، وأبو عاصم، وأبو أحمد الزبيريّ، وعبد الرزّاق، وطبقتهم، فهم
كلهم في سفيان بعضهم قريب من بعض، وهم ثقات كلهم، دون أولئك في الضبط
والمعرفة .
وقال عثمان بن سعيد: سألت يحيى بن معين عن أصحاب سفيان، قلت: يحيى
أحبّ إليك في سفيان، أو عبد الرحمن؟ قال: يحيى. قلت: فعبد الرحمن أحبّ إليك،
أو وكيع؟ قال: وكيع، قلت: فوكيع أحبّ إليك، أو أبو نعيم؟ قال: وكيع، قلت:
فالأشعجيّ؟ قال: صالح ثقة. قلت: فمعاوية بن هشام، قال: صالح، وليس بذاك.
قلت: فالزبيريّ؟ يعني أبا أحمد، قال: ليس به بأس. قلت: فأبو إسحاق الفزاريّ؟
قال: ثقة ثقة. قلت: فأبو داود الْحَفَريّ؟ قال: ثقة. قلت: فيحيى بن يمان؟ قال: أرجو
أن يكون صدوقا. قلت: فكيف هو في حديثه؟ قال: ليس بالقويّ. قلت: فعُبيد الله؟
قال: ثقة، ما أقربه من ابن اليمان. قلت: فقبيصة؟ قال: مثل عبيد اللَّه. قلت:
فالفريابيّ؟ قال: مثلهم. قلت: فعبد الرزّاق، عن سفيان؟ قال: مثلهم. قلت: فأبو
حُذيفة؟ قال: مثلهم. قلت: ما حال المؤمّل في سفيان؟ قال: هو ثقة. قلت: هو أحبّ
إليك، أو عبيد الله؟ فلم يفضّل أحدهما على الآخر. قلت: ابن المبارك أعجب إليك،
أم وكيع؟ فلم يفضّل. قلت: يحيى بن آدم ما حاله في سفيان؟ قال: ثقة .
وقال أبو حاتم الرازيّ: سألت عليّ ابن المدينيّ: من أوثق أصحاب الثوريّ؟ قال:

١٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ الَّيْلِ
يحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهديّ .
وذكر صالح بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، قال: عبد الرحمن بن مهديّ أقلّ سقطًا
من وكيع في سفيان، قد خالفه وكيع في ستين حديثًا من حديث سفيان، وكان
عبد الرحمن يجيء بها على ألفاظها، قيل له: فأبو نعيم؟ قال: أين يقع أبو نعيم من
هؤلاء؟ .
وقال عبد الله بن أحمد سمعت أبي يقول: خالف وكيع ابن مهديّ في نحو من ستين
حديثًا من حديث سفيان، ثم سمعت أبي يقول بعد ذلك هي أكثر من ستين، وأكثر من
ستين، وأكثر من ستين. قال: وكان عبد الرحمن بن مهديّ عند أبي أكثر إصابة من
وكيع، يعني في حديث سفيان خاصّة. وقال حرب عن أحمد: ليس من أصحاب سفيان
أعلى من يحيى، وقال: ما أثبت أبا نعيم وأكيسه، ولا نقدّمه على ابن مهديّ، قلت:
لأحمد أيهما أثبت، يحيى بن سعيد، أو عبد الرحمن بن مهديّ؟ قال: كانا ثبتين، ولكن
عبد الرحمن أعلم بعلم الثوريّ، قلت: أيهما أثبت: عبد الرحمن، أو أبو نعيم؟ قال: ما
منهما إلا ثبت .
وقال ابن أبي حاتم: قيل لأبي: قال يحيى بن معين: وكيع أحبّ إليّ في سفيان من
ابن مهديّ، فأيهما أحبّ إليك؟ قال: عبد الرحمن ثبت، ووكيع ثقة .
وهذا الكلام يدلّ على ترجيح عبد الرحمن عند أبي حاتم .
وقال إسحاق بن هانىء: قلت لأبي عبد اللَّه: أيما أثبت في سفيان الثوريّ، أبو
نعيم، أو وكيع؟ قال: لا يقاس بوكيع، قلت: إخاله في الصلاح لا يقاس بوكيع، فأيّما
أصح حديثا؟ فقال: أبو نعيم أصحّ حديثًا، ثم ابتدأ، فذكر الفريابيّ، فقال: ما رأيت
أكثر خطأ في الثوريّ من الفريابيّ .
وقال العجليّ: قال لي بعض البغداديين: أخطأ الفريابيّ في خمسين ومائة حديث من
حديث سفيان. وضعف ابن معين قبيصة في سفيان، وقال في محمد بن عُبيد
الطنافسيّ: هو كثير الخطأ عن سفيان الثوريّ، وأما أبو حذيفة، فضعّفه جماعة في سفيان
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: قبيصة أثبت حديثًا في سفيان من أبي حذيفة، أبو
حذيفة شبه لا شيء .
وقال الْجُوزَجانيّ: سمعت أحمد يقول: كأن سفيان الذي يحدّث عنه أبو حذيفة ليس
هو سفيان الثوريّ الذي يحدث عنه الناس .
قال العقيليّ: جاء عن سفيان بأحاديث بواطيل، لم يحدّث بها عن سفيان غيره .
وقال ابن معين: أبو داود الحَفَريّ، والفريابيّ، وقبيصة، وأبو حذيفة حديثهم، بعضه

٥٤- التَّسْبِيحُ بَعْدَ الفراغ مِنَ الوترِ، وَذِكْرُ ... - حديث رقم ١٧٥٣
١٣١
قريب من بعض في الضعف. وضعّف أحمد سماع عبد الرزاق من سفيان بمكة، دون ما
سمع منه باليمن. وقال العجليّ: الفريابيّ، ويحيى بن آدم، وأبو أحمد الزبيريّ،
وقبيصة بن عُقبة، ومعاوية بن هشام ثقات، وهم في الرواية عن سفيان قريب بعضهم من
بعض، وأبو نعيم، ووكيع، وعُبيدالله الأشجعيّ، ويحيى القطان، وابن مهديّ، وأبو
داود الحفَريّ أثبت في سفيان من الفريابيّ وأصحابه، يعني الذين سماهم معه. انتهى
كلام الحافظ ابن رجب رحمه اللَّه تعالى(١).
وقوله: ((ورواه جرير بن حازم إلخ))، أشار به إلى أن جرير بن حازم خالف سفيان في
متن الحديث، فقيد رفع الصوت بالمرّة الثالثة، وقد تابع جريرًا شعبة، عن سلمة بن
كهيل، وزُبيدٍ، كلاهما عن ذَرّ، عن سعيد به، كما تقدم في ١٧٣٢/٤٨ و١٧٣٣ وكذلك
رواه منصور بن المعتمر، عن سلمة، عن سعيد به، كما تقدم في ٤٨/ ١٧٣٥ .
فتحمل رواية سفيان المطلقة على رواية هؤلاء المقيّدة بالثالثة، فيكون استحباب رفع
الصوت في المرّة الثالثة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل .
ثمّ بين رواية جرير بقوله :
١٧٥٣ - أَخْبَرَنَا حَرَمِيُّ بْنُ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ،
قَالَ: سَمِعْتُ زُبَيْدًا، يُحَدِّثُ، عَنْ ذَرُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِهِ،
قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ يُوتِرُ بِ﴿سَيِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وَ﴿قُلْ بَأَيُهَاَ أَلْكَفِرُونَ﴾، وَ﴿قُلّ
هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾، وَإِذَا سَلَّمَ قَالَ: ((سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوس)) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَمُدُّ صَوْتَهُ فِي
الثَّالِثَةِ، ثُمَّ يَرْفَعُ .
رجال الإسناد: سبعة :
١- (حَرَميّ بن يونس بن محمد) هو إبراهيم، و((حرميّ)) - بمهملتين بلفظ النسبة-
لقبه البغداديّ، نزيل طَرَسوس، صدوق [١١].
قال النسائيّ: صدوق.، وعنه: لا بأس به. وقال ابن حبّان في ((الثقات)): يُغْرِب.
انفرد به المصنف. وذكر ابن عساكر أن أبا داود روى عنه. وله في هذا الكتاب ثمانية
أحاديث فقط . والله تعالى أعلم .
٢- (يونس بن محمد) المؤدب، أبو محمد البغداديّ، ثقة ثبت، من صغار [٩]١٥/
١٦٣٢ .
(١)- ((شرح علل الترمذي)) ج٢ ص ٧٢٢-٧٢٦. نسخة تحقيق د/ همام عبد الرحيم سعيد.

١٣٢
E
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ الدَّيْلِ
٣- (جرير) بن حازم الأزديّ، أبو النضر البصريّ، ثقة، له أوهام إذا حدّث من
حفظه، وفي حديثه عن قتادة ضعف [٦]١١٤١٠/١٧٢ والباقون تقدّموا قريبًا.
والحديث صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل .
١٧٥٤- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، كَانَ يُوتِرُ بِ﴿َسَيِّجِ أَسْمَ رَيْكَ اَلْأَعْلَى﴾َ، وَ﴿قُلْ بَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾، وَ﴿قُلْ هُوَ
اللَّهُ أَحَدُّ﴾، فَإِذَا فَرَغَ، قَالَ: ((سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوس))، أَرْسَلَهُ هِشَامٌ.
(سعيد)): هو ابن أبي عروبة البصريّ. و((عَزْرة)): هو ابن عبد الرحمن الكوفيّ،
ثقة [٦] .
وقوله: ((أرسله هشام)) يعني أن هشامًا الدستوائيّ خالف سعيد بن أبي عروبة، فرواه
عن قتادة، عن عَزْرة، عن سعيد، مرسلًا، لم يذكر عبد الرحمن بن أبزى، وقد تابع
هشامًا يحيى بن آدم، عن مالك بن مغول، عن زبيد، عن ذَرّ، عن ابن أبزی مرسلًا،
كما تقدم ٤٩ /١٧٣٨ .
قلت: لكن هذا الإرسال لا يضرّ في وصل من وصله، لأنهم أكثر، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
ثم بَيْنَ رواية هشام بقوله :
١٧٥٥- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ
قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ، كَانَ يُوتِّرُ ...
وَسَاقَ الْحَدِيثَ .
((محمد بن إسماعيل بن إبراهيم)) تقدم قبل حديثين. و((أبو عامر)): هو الْعَقَديّ،
عبد الملك بن عمرو القَيْسيّ البصريّ، ثقة [٩] ٣٢٧/٢. و((هشام)): هو الدستوائيّ
البصريّ .
والضمير في قوله: ((وساق الحديث)) لهشام. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).

١٣٣
٥٥- بَابُ إِيَاحَةُ الصَّلاَةِ بَيْنَ الْوُثْرِ، وَبَيْنَ ... - حديث رقم ١٧٥٦
٥٥- بَابُ إِيَاحَةُ الصَّلَاةِ بَيْنَ الْوِتْرِ،
وَبَيْنَ رَكْعَتَي الْفَجْرِ
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: مذهب المصنف رحمه اللّه تعالى إباحة الصلاة بين
الوتر وركعتي الفجر، وهو المذهب الراجح، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة، إن
شاء الله تعالى .
١٧٥٦- أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ
الْمُبَارَكِ الصُّورِيَّ- قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - تَعْنِيَ ابْنَ سَلَّام - عَنْ يَخْتَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ، عَنَّ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ مِنَ اللَّيْلِ،
فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةٌ، تِسْعَ رَكَعَاتٍ قَائِمًا، يُوتِرُ فِيهَا، وَرَكْعَتَيْنِ جَالِسًا،
فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ، فَرَكَعَ، وَسَجَدَ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ بَعْدَ الْوِتْرِ، فَإِذَا سَمِعَ نِدَاءَ الصُّبْحِ
قَامَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنٍ خَفِيفَتَيْنِ .
رجال هذا الإسناد: ستة:
١٠- (عُبيدالله بن فَضَالة بن إبراهيم) أبو قُدَيد النسائيّ، ثقة ثبت [١١]٨٩٨/١٧.
٢- (محمد بن المبارك الصُوريّ) نزيل دمشق، ثقة، من كبار [١٠]١٥٤١/١٧.
٣- (معاوية بن سَلّام) أبو سلّام الدمشقيّ، ثم الحمصيّ، ثقة [٧]١٤٧٩/١٣.
٤- (يحيى بن أبي كثير) أبو نصر اليماميّ، ثقة ثبت، يدلّس ويرسل [٥]٢٤/٢٣.
٥- (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٣]١/١.
٦ - (عائشة) تخيلتها ٥/٥. والله تعالى أعلم.
لطائف الإسناد :
(منها): من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأن فيه رواية تابعي، عن
تابعي، وفيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو أبو سلمة، وفيه عائشة رضي
الله تعالى عنها من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
عن يحيى بن أبي كثير أنه (قال: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ)
رَُها (عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللّهِ وَ ﴾ أي عن عددها، وكيفيتها (مِنَ اللَّيْلِ) أي في الليل،
ف((من)) بمعنى (في))، أو هي تبعيضية (قَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) أي بركعتي

: ١٣٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَامِ الَّيْلِ
الفجر (تِسْعَ رَكَعَاتٍ) بالنصب على البدلية من ((ثلاث عشرة)» (قَائِمًا، يُوتِرُ فِيهَا) أي يصلي
الوتر في جملة تلك التسع، بمعنى أنه يختمها بالوتر (وَ) يصلي (رَكْعَتَيْنِ جَالِسًا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ
يَرْكَعَ قَامَ، فَرَكَعَ، وَسَجَدَ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ بَعْدَ الْوِتْرِ، فَإِذَا سَمِعَ نِدَاءَ الصُّبْح) أي الأذان لصلاة
الصبح (قَامَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) فيه استحباب تخفيف ركعتي الفجرَ، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة رضيتها هذا متفق عليه .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا١٧٥٦/٥٥ وفي ((الكبرى)) ١٤٤٩/٧٠ بالإسناد المذكور. وفي ٦٠٪
١٧٨٠ عن محمود بن خالد، عن الوليد بن مسلم، عن أبي عمرو الأوزاعيّ، عن يحيى
ابن أبي كثير به. وفي ١٧٨١/٦٠ - عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث،
عن هشام الدستوائيّ، عن يحيى به. وفي ((الكبرى)) ٥٣/ ٤٥٠ عن إسحاق بن إبراهيم،
عن معاذ بن هشام، عن أبيه به. و٤١٣/٤٥- عن هشام بن عمار، عن يحيى بن حمزة،
عن الأوزاعيّ به. والله تعالى أعلم .
المسألة الثالثة: فیمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ١٦٠/١ (م) ١٦٠/٢ و١٦٦ (د) ١٣٤٠ و١٣٥٠ (ق) ١١٩٦
(أحمد) ٦/ ٥٢ و٨١ و١٢٨ و١٣٨ و١٨٩ و٢٤٩ و٢٧٩ (الدارمي) ١٤٨٢ (ابن
خزيمة) ١١٠٢. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في اختلاف العلماء في مشروعية الصلاة بعد الوتر:
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في الصلاة بعد الوتر،
فكان قيس بن عُبَاد يقول: أقرأ وأنا جالس أحبّ إليّ من أن أصلي بعد ما أُوتر. وكان
مالك بن أنس لا يعرف الركعتين بعد الوتر. وقال أحمد بن حنبل: أرجو إن فعله إنسان
لا يضيّق عليه، وقال أحمد: لا أفعله انتهى ببعض تصرّف.
وقال الإمام محمد بن نصر رحمه الله تعالى: كره أبو سعيد الخدري رَّه الصلاة
بعد الوتر، وسئل سعيد بن جُبير عن الصلاة بعد الوتر؟ فقال: لا، حتى ينام نومة. وعن
إبراهيم أنه كره الصلاة بعد الوتر مكانه. وعن ميمون بن مهران: إذا أوترتَ فتحوّلْ، ثم
صلّ، وفي رواية: إذا أو ترت، ثم حوّلت قدميك، فصلّ ما بدا لك. وقيل لأبي العالية
ما تقول في السجدتين بعد الوتر؟ قال: تَنقُضُ وترك، قيل: الحسنُ يأمرنا بذلك، فقال:
رحم الله الحسن، قد سمعنا العلم، وتعلمناه قبل أن يولد الحسن. وكان سعد بن أبي

١٣٥
٥٥- بَابُ إِبَاحَةُ الصَّلاَةِ بَيْنَ الْوُثْرِ، وَبَيْنَ ... - حديث رقم ١٧٥٦
وقّاص رَّهِ ، يوتر، ثم يصلي على إثر الوتر مكانه. وكان الحسن يأمر بسجدتين بعد
الوتر، فذكر ذلك لابن سيرين، فقال: أنتم تفعلون ذاك؟. وقال كثير بن مرّة، وخالد بن
معدان: لا تدعهما، وأنت تستطيع -يعني الركعتين بعد الوتر. وقال عبد الله بن
مساحق(١): كلّ وتر ليس بعده ركعتان، فهو أبتر. وقال عياض بن عبد اللَّه: رأيت أبا
سلمة بن عبد الرحمن أوتر، ثم صلى ركعتين في المسجد أيضًا. وقال الأوزاعي: لا
نعرف الركعتين بعد الوتر جالسًا، وإنما ركعهما ناس، وقد اجتمعت الأحاديث على
صلاة رسول اللّه وَليل أنه كان يُصبح على ثلاث عشرة ركعة، ليس فيها هاتان الركعتان.
وعن مكحول أنه صلى بعد الوتر في رمضان في المسجد ركعتين، وهو قائم. وقال
سعيد، عن الحسن أنه كان يركعهما، وهو جالس، وكان سعيد لا يأخذ بهذا، ولا
الأوزاعيّ، ولا مالك. قال الوليد بن مسلم: ذكرتهما لمالك، فلم يَعرفهما، وكرههما،
وعن ابن القاسم: سئل مالك عن الذي يوتر في المسجد، ثم يريد أن يتنفّل بعد ذلك؟
قال: نعم، ولكن يتلبّث شيئًا انتهى(٢).
قال الإمام ابن المنذر رحمه اللّه تعالى بعد أن ذكر الاختلاف المذكور: ما نصه:
الصلاة في كلّ وقت جائزة، إلا وقتًا نهى رسول اللّه وَ ل عن الصلاة فيه، والأوقات التي
نهى رسول اللَّه وَ ل عن الصلاة فيها وقتُ طلوع الشمس، ووقت الزوال، ووقت غروب
الشمس، والصلاة في سائر الأوقات مباح، ليس لأحد أن يمنع فيها إلا بحجة، ولا
حجّة مع من كره الصلاة بعد الوتر، فدلّ فعله ◌َّ ليّ هذا على أن قوله: ((اجعلوا آخر
صلاتكم وترًا)) على الاختيار، لا على الإيجاب، فنحن نستحبّ أن يجعل المرء آخر
صلاته وترًا، ولا نكره الصلاة بعد الوتر، وقائل هذا قائل بالخبرين جميعًا انتهى كلام ابن
المنذر رحمه الله تعالى .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر رحمه الله تعالى هو عين
التحقيق، فالزّاجح قول من قال بجواز الصلاة بعد الوتر، لصحة حديث الباب، وغيره
بذلك، وهذا القول هو الذي ذهب إليه المصنف رحمه الله تعالى، كما تقدّم أول
الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
(١)- هكذا نسخة ((مختصر كتاب الوتر)) ((ابن مساحق)) آخره قاف، ولعله ((ابن مسافع)) بفاء، ثم عين
مهملة، فليُحرّر.
(٢)- ((مختصر كتاب الوتر)) ص ١٣٤-١٣٥.

١٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ اللَّيْلِ
٥٦- الْمُحَافَظَةُ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ
الْفَجْرِ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ذَكَر المصنّف ◌َخّْتُهُ في هذا الباب حديث عائشة
رَّها: ((كان لا يدع الخ))، ومطابقته للترجمة واضحة، وحديثَها أيضًا: ((عن النبي وَّرله
قال: ركعتا الفجر خير الخ))، وهو أيضًا مطابق للترجمة، من حيث إن فيه بيان فضل
الركعتين، وهو مما يحثّ على المواظبة، وأحسن منه صنيعه في ((الكبرى)) حيث ترجم
للحديث الثاني بقوله: ((فضل ركعتي الفجر)). والله تعالى أعلم بالصواب.
١٧٥٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَر، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ِ، كَانَ لَا يَدَعُ
أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنٍ، قَبْلَ الْفَجْرِ .
خَالَفَهُ عَامَّةُ أَضْحَابٍ شُغْبَةَ، بِمِنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ، فَلَمْ يَذْكُرُوا مَسْرُوقًا .
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (محمد بن المثنى) المذكور قبل باب .
٢- (عثمان بن عمر) بن فارس العبديّ البصريّ، بخاريّ الأصل، ثقة، قيل: كان
يحيى بن سعيد لا يرضاه [٩]١١١٨/١٥١.
٣- (شعبة) بن الحجّاج الإمام الحجة المشهور، تقدّم قريبًا .
٤- (إبراهيم محمد) بن المنتشر الهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة [٥]١٢/ ٤١٧.
٥- (محمد بن المنتشر) بن الأجدع الهمدانيّ الكوفيّ، ثقة [٤]١٢/ ٤١٧.
٦- (مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقة فقيه
عابد مخضرم[٢]١١٢/٩٠ .
٧- (عائشة) رَعليها٥/٥٣. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): من سباعيات المصنف، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأن فيه ثلاثة من
التابعين يروي بعضهم عن بعض، وفيه عائشة رضي اللّه تعالى عنها من المكثرين
السبعة. والله تعالى أعلم .

٥٦- الْمُحَافَظَةُ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ قَبَلَ الفَجْرِ - حديث رقم ١٧٥٧
١٣٧
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَة) رََّا (أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ، كَانَ لَا يَدَعُ) أي لا يترك. مضارع وَدَع، يقال:
وَدَعْتُهُ أَدَعُهُ وَدْعًا: تركته، قال الفيّوميّ: وأصل المضارع الكسر، ومِنْ ثَمّ حُذفت
الواو، ثُمّ فُتح لمكان حرف الحلق، قال بعض المحققين: وزعمت النُّحَاة أن العرب
أماتت ماضي ((يَدَعُ))، ومصدَرَهُ، واسمَ الفاعل، وقد قَرَأ مجاهد، وعروة، ومقاتل،
وابن أبي عَبْلَة، ويزيد النحويّ: ((ما وَدَعَك ربّك)) بالتخفيف، وفي الحديث: (لَيَنْتَهِيَنْ
قوم عن وَذْعِهم الجمعات(١) ... )) أي عن تركهم، فقد رُويت هذه الكلمة عن أفصح
العرب، ونُقلت من طريق القرّاء، فكيف يكون إماتةً، وقد جاء الماضي في بعض
الأشعار، وما هذا سبيله، فيجوز القول بقلة الاستعمال، ولا يجوز القول بالإماتة
انتھی(٢) .
(أَزْبَعَ رَكَعَاتٍ، قَبْلَ الظُّهْرِ) قال الداوديّ ◌َخّْتُهُ: وقع في حديث ابن عمر أن قبل
الظهر ركعتين، وفي حديث عائشة أربعًا، وهو محمول على أن كلّ واحد منهما وصف
ما رأى، قال: ويحتمل أن يكون نسي ابن عمر ركعتين من الأربع. قال الحافظ تَخْذَلهُ:
هذا الاحتمال بعيد، والأولى أن يُخْمَل على حالين، فكان تارة يصلي ثنتين، وتارة
يصلي أربعًا. وقيل: هو محمول على أنه كان في المسجد يقتصر على ركعتين، وفي
بيته يصلي أربعًا، ويحتمل أن يكون يصلي إذا كان في بيته ركعتين، ثم يخرج إلى
المسجد، فيصلي ركعتين، فرأى ابن عمر ما في المسجد، دون ما في بيته، واطلعت
عائشة على الأمرين، ويقوّي الأول ما رواه أحمد، وأبو داود من حديث عائشة تعطورثتها:
((كان يصلي في بيته قبل الظهر أربعًا، ثم يخرج)). قال أبو جعفر الطحاويّ تَخْذّتُهُ :
الأربع كانت في كثير من أحواله، والركعتان في قليلها انتهى(٣).
(وَرَكْعَتَيْنٍ، قَبْلَ الْفَجْرِ) وفي رواية عُبيد بن عمير، عن عائشة تَيتها عند البخاريّ:
قالت: ((لم يكن النبيّ وَليل على شيء من النوافل أشدّ منه معاهدة على ركعتي الفجر)).
وفي رواية لمسلم: ((ما رأيته إلى شيء من الخير، أسرع منه إلى الركعتين قبل الفجر)).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان .
(١)- تقدم الحديث برقم ٢/ ١٣٧٠ .
(٢)- المصباح المنير ٦٥٣ .
(٣)- «فتح» ج٣ ص٣٧٧ .

١٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ الَّيْلِ
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
· المسألة الأولى: درجته: حديث عائشة تَّها هذا صحيح بالإسناد التالي(١)، فقد
أخرجه البخاريّ به، من طريق يحيى القطّان، عن شعبة، كما سيأتي، إن شاء الله
تعالى.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-١٧٥٧/٥٦ وفي ((الكبرى)) ٧١/ ١٤٥٠ - بالإسناد المذكور، وفي ٥٦/
: ١٧٥٨ - و((الكبرى)) ١٤٥١/٧١- بالإسناد التالي، وفيه ٤٥٧/٥٥- عن محمد بن
عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن شعبة به. و٣٣٣/١٤ عن عُبيدالله بن سعيد،
عن يحيى القطان، عن شعبة به. والله تعالى أعلم .
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٧٤/٢ (د) ١٢٥٣ (أحمد) ٦/ ٦٣ و٦ / ١٤٨ (الدارميّ). ١٤٤٦ والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
وقوله (خَالَفَهُ) أي عثمانَ بن عمر (عَامَّةُ أَصْحَابٍ شُغْبَةَ) بالرفع فاعل ((خالف)) (مِمَّنْ
رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ، فَلَمْ يَذْكُرُوا مَسْرُوقًا) أي بين محمد بن المنتشر، وعائشة رَّها، بل
جعلوه من رواية محمد عنها، كما بينه بقوله:
١٧٥٨ - أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يُحَدِّثُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ، قَالَتْ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ، لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا الصَّوَابُ عِنْدَنَا، وَحَدِيثُ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ خَّطَأْ، وَاللَّهُ تَعَالَى
أَعْلَمُ .
((أحمد بن عبد الله بن الحكم)): هو الهاشمي المعروف بابن الكُزْديّ، أبو الحسين
البصريّ، ثقة [١٠]٥٨٣/٣٩. و((محمد بن جعفر)): هو المعروف بـ))غندر)) البصري.
وقوله: ((قال أبو عبد الرحمن)): هذا الصواب عندنا الخ))، ولفظ ((الكبرى)): قال أبو
عبد الرحمن: هذا الحديث لم يتابعه أحد على قوله: ((عن مسروق))، خالفه محمد بن
جعفر، وعامّة أصحاب شعبة انتهى .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: غرض المصنّف رحمه الله تعالى بهذا أن رواية محمد
ابن جعفر، عن شعبة بإسقاط ((مسروق))، هو الصواب، وأما رواية عثمان بن عمر
(١)- أما بهذا الإسناد فسيأتي قريباً أنه خطأ.

٥٦- المُحافظةُ عَلَى الرّكْعَتَيْن قبل الفجْرِ - حديث رقم ١٧٥٩
١٣٩ ==
المتقدمة بذكره فخطأ، لمخالفة عثمان أكثر الرواة عن شعبة، فقد رواه يحيى القطان،
ووكيع، ومحمد بن أبي عديّ، وعمرو بن مرزوق، وابن المبارك، ومعاذ بن معاذ،
ووهب بن جرير، كلهم عن شعبة بسنده، وليس فيه ذكر مسروق .
بل قد وقع في رواية وكيع تصريح محمد بن المنتشر بسماعه عن عائشة، أخرجه
الإسماعيلي، وحَكَى عن شيخه أبي القاسم البغويّ أنه حدّثه به من طريق عثمان بن
عمر، عن شعبة، فأدخل بين محمد بن المنتشر، وعائشة مسروقًا، وأخبره أن حديث
وكيع وَهَم، وردّ ذلك الإسماعيليّ بأن محمد بن جعفر قد وافق وكيعًا على التصريح
بسماع محمد من عائشة، ثم ساقه بسنده إلى شعبة، عن إبراهيم بن محمد أنه سمع أباه،
أنه سمع عائشة، قال الإسماعيليّ: ولم يكن يحيى بن سعيد -يعني القطان- الذي
أخرجه البخاريّ من طريقه ليحمله مُدَلَّسًا، قال: والوَهَم عندي فيه من عثمان بن عمر
انتهى .
وبذلك جزم الدارقطنيّ في ((العلل))، وأوضح أن رواية عثمان بن عمر من المزيد في
متصل الأسانيد. لكن أخرجه الدارميّ عن عثمان بن عمر بهذا الإسناد، فلم يذكر فيه
مسروقًا، فإما أن يكون سقط عليه، أو على من بعده، أو يكون الوهم في زيادته ممن
دون عثمان بن عمر. قاله في ((الفتح))(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
١٧٥٩ - أخبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ
زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ، قَالَ: ((رَكْعَتَا الْفَجْرِ،
خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا، وَمَا فِيهَا)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (هارون بن إسحاق) بن محمد بن مالك الهَمْدانيّ، أبو القاسم الكوفيّ،
صدوق، من صغار [١٠]٣٤٦/١٣.
٢- (عبدة) بن سُليمان الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقة
ثبت، من صغار[٨]٣٣٩/٧. والباقون تقدّموا قريبًا. و((سعيد)): هو ابن أبي عروبة.
والله تعالى أعلم .
لطائف هذا الإسناد:
(منها): من سباعيات المصنف، وأن رجلهم كلهم رجال الصحيح، وأن فيه رواية
(١) - ج ٣ ص ٣٧٧ .

:
=
١٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ اللَّيْل
تابعي، عن تابعي، وفيه عائشة رضي الله تعالى عنها من المكثرين السبعة. والله تعالى
أعلم .
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) لَّهَ (عَنِ النَّبِيِّ وََّ) أنه (قَالَ: ((رَكْعَتَا الْفَجْرِ) أي سنّة الفجر، وهي
المشهورة بهذا الاسم، ويحتمل الفرض. قاله السنديّ رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الاحتمال الثاني بعيد، بل الأول هو الصواب، فقد
ثبت في رواية لمسلم، أنه قال في شأن الركعتين عند طلوع الفجر: ((لهما أحبّ إليّ من
الدنيا، وما فيها جميعًا)) (خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا، وَمَا فِيهَا))) أي أثاثها ومتاعها، يعني أن أجرهما
خير من أن يُعطَى تمام الدنيا في سبيل اللّه تعالى، أو هو على اعتقادهم أن في الدنيا
خيرًا، وإلا فذَرّة من الآخرة لا تساويها الدنيا وما فيها .
قال الطِيبِيّ ◌َقّْثهُ: إن حُمل الدنيا على أعراضها، وزَهْرتها، فالخير إما مُجْرَى على
زعم من يرى فيها خيرًا، أو يكون من باب: ﴿أَىُّ الْفَرِقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ الآية
[مريم: ٧٣]. وإن حُمل على الإنفاق في سبيل اللّه، فتكون هاتان الركعتان أكثر ثوابًا
منها انتهى .
وقال في ((حجة الله البالغة)): إنما كانتا خيرًا منها، لأن الدنيا فانية، ونعيمها لا يخلو
عن كَدَر النَّصَب والتعَب، وثوابهما باق من غير كَدَرٍ انتهى .
وقد استُدِلّ به على أن ركعتي الفجر أفضل من الوتر، وهو أحد قولي الشافعيّ
رَّتُهُ، ووجه الدلالة أنه جَعَل ركعتي الفجر خيرًا من الدنيا، وما فيها، وجعل الوتر
خيرًا من حُمْرِ النَّعَم، وحُمْرُ النعَم جزءً مما في الدنيا، وأصحّ القولين عن الشافعيّ أن
الوتر أفضل، وقد استُدلّ لذلك بما في ((صحيح مسلم)) من حديث أبي هُريرة تَّه،
مرفوعًا: ((أفضل الصلاة بعد الفريضة الصلاة في جوف الليل))، وبالاختلاف في
وجوبه، كما تقدّم(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة رَّها هذا أخرجه مسلم .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
(١) - راجع ((المرعاة)) ج٤ ص١٣٧.