Indexed OCR Text

Pages 241-260

٣٣- ضَرْبُ اللُّفِ یمَ العِید - حديث رقم ١٥٩٣
٢٤١ ===
والجارية في النساء كالغلام في الرجال، يقعان على من دون البلوغ فيهما (تَضْرِبَانِ
بِدُفَّيْنِ) تثنية دفّ - بضم الدال، وفتحها -: الذي يَضرب به النساء، وفي ((المُحكّم)):
الذي يُضرَبُ به، والجمع دُفُوف. ذكره في ((اللسان)). وقال السنديّ: وهو الذي لا
جلاجل فيه، فإن كانت فيه فهو الْمِزهَر(١)، والمراد تضربان بدفّين مع الغناء انتهى
(فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ) أي منعهما أبو بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه؛ لعدم اطلاعه على
تقرير النبي ◌َّ إيّاهما على ذلك (فَقَالَ النَِّيُّ ◌َّهِ: دَعْهُنَّ) أي اتركهنّ، وَجَمَعَ الضميرَ مع
أن المرجع اثنتان، إشارة إلى أن هذا الحكم لا يخصّ هاتين الجاريتن، فكأنه یقول له:
دع النساء يضربن بالدفوف في هذا اليوم، لأنه يوم فرح وسرور. والله تعالى أعلم (فَإِنَّ
لِكُلِ قَوْمٍ عِيدًا) زاد في رواية البخاريّ: ((وهذا عيدنا)).
وفيه تعليل لإباحة ذلك لهنّ، أي لأن كل قوم لهم عيد يلعبون فيه، وهذا اليوم
عيدنا، فيباح لهن اللعب فيه . . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها هذا متّفق عليه .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا-١٥٩٣/٣٣- وفي («الكبرى»١٧٩٥/٢٩ - بالسند المذكور، وفي ٣٦/
١٥٩٧- عن أحمد بن حفص بن عبد اللَّه، عن أبيه، عن إبراهيم بن طَهْمَان، عن مالك
ابن أنس، عن الزهريّ به. وفي ((الكبرى))١٧٩٦/٣٠ - عن محمد بن عبد الله بن عمّار،
عن المعافَى، عن الأوزاعيّ، عن الزهري به. وفيه ١٧٩٧/٣٠ - عن إسحاق بن
إبراهيم، عن عيسى بن يونس، عن الأوزاعي به. والله تعالى أعلم .
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٢/ ٢١ و٢٩/٢ و٤/ و٨٦/٥ (م) ٢١/٣ و(ق) ١٨٩٨ (أحمد)٣٣/٦
و٨٤ و٩٩ و١٢٧ و١٣٤ والله تعالى أعلم.
وفوائد الحديث، وبيان مذاهب العلماء في ضرب الدفّ يوم العيد ستأتي بعد بابين،
إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
(١)- ((المزهر)) كمنبر: العود يُضرّب به. اهـ ((ق)).
١

٢٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَیْنِ
٣٤- (اللَّعِبُ بَيْنَ يَدَي الإِمَامِ يَوْمَ
الْعِيدِ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((اللَّعِب)) -بفتح اللام، وكسر العين المهملة- ويجوز
تخفيفه بكسر اللام، وسكون العين، قال ابن قتيبة: ولم يُسمع في التخفيف فتح اللام مع
السكون. قاله في ((المصباح)) .
قلت: ما ادعاه ابن قتيبة من عدم سماع فتح اللام مع السكون، أثبته غيره، كالمجد
في ((القاموس))، بل قال بعضهم: إن هذا مطّرد في كلّ ثلاثيّ مكسور الوسط، حلقيّه،
اسمًا كان، أو فعلًا، كنعم، وبئس. راجع ((تاج العروس في شرح القاموس)) ٤٧٠/١.
والحاصل أنه يجوز في نحو اللعب فتح أوله، وكسر ثانيه، وهو الأصل، ويجوز
تخفيفه بتسكين الوسط، مع فتح أوله، وكسره. والله تعالى أعلم بالصواب .
١٥٩٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:
جَاءَ السُّودَانُ، يَلْعَبُونَ، بَيْنَ يَدَي النَّبِيِّ وَّهِ، فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَدَعَانِ، فَكُنْتُ أَطَّلِعُ إِلَيْهِمْ،
مِنْ فَوْقٍ عَاتِقِهِ، فَمَا زِلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، حَتَّى كُنْتُ أَنَا الَّتِي انْصَرَفْتُ .
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١٠- (محمد بن آدم) بن سليمان الْجُهَنيّ، صدوق [١٠]١١٥/٩٣.
٢- (عبدة) بن سليمان الكلابي، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبت، من صغار [٨]٧/
٣٣٩ .
٣- (هشام) بن عروة بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه، ربما
دلس [٥]٤٩ /٦١ .
والباقيان تقدما في الباب الماضي. والله تعالى أعلم .
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غیر شیخه، فتفرد به هو، وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنیین،
غير شيخه أيضًا، فمصّيصيّ، وعبدة، فكوفيّ. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه،
عن خالته، وتابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم .

٣٤- (اللَّحِبُ بَيْنَ يَدَي الإِمَامِ يَوْمَ الْعِيدِ) - حديث رقم ١٥٩٤
=
٢٤٣ =
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللّه تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: جَاءَ السُودَانُ) المراد بهم الحبشة،
لما في الرواية الآتية في الباب التالي: ((وأنا أنظر إلى الحبشة، يلعبون في المسجد))،
وفي رواية مسلم: ((جاء حبش يلعبون في المسجد)»، وفي رواية له: ((والحبشة يلعبون
بِحِرَابهم في مسجد رسول اللَّه وَر)).
قال في ((الفتح)): قال المحبّ الطبري تَخّْثُ: هذا السياق يُشعر بأن عادتهم ذلك في
كلّ عيد، ووقع في رواية ابن حبّان ((لما قَدِمَ الحبشة قاموا يلعبون في المسجد))، وهذا
يشعر بأن الترخيص لهم في ذلك بحال القدوم، ولا تنافي بينهما لاحتمال أن يكون
قدومهم صادف يوم عيد، وكان من عادتهم اللعب في الأعياد، ففعلوا ذلك كعادتهم، ثم
صاروا يلعبون يوم كلِّ عيد .
ويؤيّده ما رواه أبو داود عن أنس ◌َّه قال: ((لما قدم النبي ◌ََّ المدينة لَعِبَت
الحبشة، فَرَحًا بذلك، لعبوا بحرابهم)). ولا شك أن يوم قدومه وَلهل كان عندهم أعظم
من يوم العيد. قال الزين ابن المنيّر ◌َخّْلهُ: سماه لعبًا، وإن كان أصله التدريب على
الحرب، وهو من الجِدّ، لما فيه من شبه اللعب، لكونه يَقصد إلى الطعن، ولا يفعله،
ويوهم بذلك قرنه(١)، ولو كان أباه، أو ابنه انتهى (٢) .
(يَلْعَبُونَ) جملة حالية من الفاعل (بَيْنَ يَدَى النَّبِيِّ بَّهِ، فِي يَوْم عِيدٍ) الظرف والجارّ
والمجرور متعلقان ب((يلعبون)) (فَدَعَانِي) وفي رواية البخاريّ ((فإِمّا سَألت رسول اللَّهُ وَّهِ،
وإما قال: تشتهين، تنظرين)).
قال في ((الفتح)): هذا تردّد منها فيما كان وقع له، هل كان أذن لها في ذلك ابتداءً
منه، أو عن سؤال منها، وهذا بناءً على أن ((سألْتُ)) بسكون اللام على أنه كلامُها،
ويَحتملُ أن يكون بفتح اللام، فيكون كلام الراوي، فلا ينافي مع ذلك قوله: ((وإما
قال: تشتهين تنظرين)) .
وقد اختلفت الروايات عنها في ذلك، ففي رواية النسائيّ -٨٩٥٧/١٨- من طريق
يزيد بن رُومان عنها: ((سمعتُ لغَطًا، وصوت صبيان، فقام النبي بَّر، فإذا حَبَشيّة
تَزْفِن(٣) ((أي تَرْقُص)) والصبيان حولها، فقال: ((يا عائشة، تعالي، فانظري)). ففي هذا
(١)- هكذا نسخة الفتح ((قرنه)) ولعل صوابه ((قتله)). والله تعالى أعلم.
(٢)- (فتح)) ج٣ص١١٨ .
(٣)- ((زفن)) من باب ضرب، و((رقص)) من باب نصر.

٢٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِیدَیْنِ
أنه ابتدأها، وفي رواية عُبيد بن عُمير، عنها عند مسلم أنها قالت للعّابين: ((وددتُ أني
أراهم))، ففي هذا أنها سألت، ويُجمَع بينهما بأنها التمست منه ذلك، فأذن لها. وفي
رواية النسائيّ من طريق أبي سلمة، عنها: ((دخل الحبشة، يلعبون، فقال لي النبي وَلَّه:
يا حُميراء، أتحبين أن تنظري إليهم؟ فقلت: نعم))، إسناده صحيح .
قال الحافظ رَخَّلهُ: ولم أر في حديث صحيح ذكر الحميراء إلا في هذا .
وفي رواية أبي سلمة هذه من الزيادة عنها، قالت: ((ومن قولهم يومئذ: أبا القاسم
طيبًا))، كذا فيه بالنصب، وهو حكاية قول الحبشة، ولأحمد، والسَّاج، وابن حبّان من
حديث أنس رضي: ((أن الحبشة کانت تزفِن بین یدي النبي پے، ویتکلّمون بکلام لهم،
فقال: ((ما يقولون؟ قال: يقولون: محمد عبد صالح (١). ولفظ أحمد: كانت الحبشة
يزفنون بين يدي رسول اللّه وَله ويرقصون، ويقولون: محمد عبد صالح، فقال
رسول اللّه وَله: ((ما يقولون؟))، قالوا: يقولون: محمد عبد صالح(٢).
(فَكُنْتُ أَطَّلِعُ إِلَيْهِمْ) أي أنظر إلى لعبهم (مِنْ فَوْقٍ عَاتِقِهِ) هو ما بين المنكب والعنق،
وهو موضع الرداء، ويذكّر، ويؤنّث، والجمع عوائق، قاله في ((المصباح)) .
وفي رواية البخاري: ((فأقامني وراءه، خدّي على خدّه)). وفي رواية مسلم:
((فوضعت رأسي على منكبه))، وفي رواية أبي سلمة المذكورة: ((فوضعت ذَقَّني على
عاتقه، وأسندت وجهي إلى خدّه))، وفي روايةِ عُبيد بن عُمير، عنها ((أنظر بين أذنه
وعاتقه))، ومعانيها متقاربة، ورواية أبي سلمة أَبْيَنُها. وفي رواية الزهري، عن عروة
الآتية في الباب التالي: ((يسترني بردائه، وأنا أنظر)).
قال الحافظ: ويتعقّب به على الزين بن المنير في استنباطه من لفظ حديث الباب
جواز اکتفاء المرأة بالتستر بالقيام خلف من تستتر به، من زوج، أو ذي رحم محرم، إذا
قام ذلك مقام الرداء، لأن القصّة واحدة، وقد وقع فيها التنصيص على وجود التستر
(٣)
بالرداء انتهى
(فَمَا زِلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) أي إلى لعبهم (حَتَّى كُنْتُ أَنَا الَّتِي انْصَرَفْتُ) وفي رواية الزهري
عند البخاريّ ((حتى أكون أنا الذي أسأم))، وفي رواية لمسلم من طريقه («ثم يقوم من
أجلي حتى أكون أنا الذي أنصرف))، وفي رواية يزيد بن رُومان عند النسائي في -
الكبرى ١٨ / ٨٩٥٧ - أَمَا شَبِعتٍ؟ قالت: فجعلت أقول: لا، لأنظر منزلتي عنده))، وله
(١)- راجع ((الفتح)) ج٣ ص١١٨.
(٢) - راجع ((المسند)) ج٣ ص١٥٢ .
(٣)- ((فتح)) ج٣ ص١١٨-١١٩ .

٣٤- (اللَّعِبُ بَيْنَ يَدَي الإِمَامِ يَوْمَ الْعِيدِ) - حديث رقم ١٥٩٤
٢٤٥ =
من رواية أبي سلمة، عنها «قلت: يا رسول اللَّه لا تعجل، فقام لي، ثم قال: حسبك؟
قلت: لا تعجل، قال: وما بي حبّ النظر إليهم، ولكن أحببت أن يبلغ النساء مقامه
لي، ومكاني منه» .
وفي الرواية الآتية في الباب التالي ((حتى أكون أنا أسأم، فاقدروا قدرَ الجارية الحديثة
السنّ، الحريصة على اللَّهو)).
وأشارت بذلك إلى أنها كانت شابّة، وقد تمسك به من ادّعى نسخ هذا الحكم، وأنه
كان في أول الإسلام، وردّ بأن قولها: ((يسترني بردائه)) دالٌ على أن ذلك كان بعد نزول
الحجاب، وكذا قولها: ((أحببت أن يبلغ النساء مقامُهُ لي)) مشعر بأن ذلك وقع بعد أن
صارت لها ضرائر، أرادت الفخر عليهنّ، فالظاهر أن ذلك وقع بعد بلوغها، وقد تقدّم
من رواية ابن حبان أن ذلك لما قدم وفد الحبشة، وكان قدومهم سنة سبع، فيكون
عمرها خمس عشرة سنة. قاله في ((الفتح)) .. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها هذا متفق عليه .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا- ١٥٩٤/٣٤ - وفي ((الكبرى))١٧٩٨/٣١ - بالإسناد المذكور، وفي ٣٥/
١٥٩٥- و(«الكبرى»١٨٠٠/٣٢- عن علي بن خَشْرَم، عن الوليد بن مسلم، عن
الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عنها .
وفي ((الكبرى)) في ((كتاب عِشْرَة النساء)) ٨٩٥١/١٨ عن يونس بن عبد الأعلى، عن
ابن وهب، عن بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة،
عن عائشة زوج النبي ◌َّلتر، قالت: دخل الحبشة المسجد يلعبون، فقال لي: ((يا
حُميراء، أتُحبّبين، أن تنظري إليهم؟))، فقلت: نعم، فقام بالباب، وجئته، فوضعت
ذَقَّني على عاتقه، فأسندت وجهي إلى خدّه، قالت: ومن قولهم يومئذ: أبا القاسم
طيبا، فقال رسول اللَّه وَله: ((حسبك))، فقلت: يا رسول اللّه، لا تَعْجل، فقام لي، ثم
قال: ((حسبك))، فقلت: لا تعجل يا رسول اللّه، قالت: وما لي حبّ النظر إليهم،
ولكني أحببت أن يبلغ النساء مقامُه لي، ومكاني منه .
وفي - ٨٩٥٢- عن الربيع بن سليمان، عن إسحاق بن بكر، عن أبيه، عن عمرو بن
الحارث، عن ابن شهاب، عن عروة، قالت عائشة: رأيت رسول اللّه وَلقوله يسترني
بردائه، وأنا أنظر إلى الحبشة، وهم يلعبون، وأنا جارية، في المسجد، فاقدروا قدرَ

٢٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِیدَیْن
الجارية الحديثة السنّ .
وفي -٨٩٥٣- عن عمرو بن منصور، عن الحكم بن نافع، عن شعيب بن أبي
حمزة، عن الزهري، عن عروة، أن عائشة قالت: والله لقد رأيت النبي وَّ يقوم على
باب حجرتي، والحبشة يلعبون بحراب في المسجد، يسترني بردائه، لكي أنظر إلى
لعبهم، ثم أقوم من أجلي، حتى أكون أنا التي أَمَلُّ، فاقدروا بقدر الجارية الحديثة
السنّ، الحريصة على اللّهو .
وفي - ٨٩٥٤- عن محمد بن منصور، عن سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة،
عن أبيه، قال: قالت عائشة: كان الحبش يلعبون بحراب لهم، فقام رسول اللَّه وَلقتله
فجعلت أنظر بين أذنه وعاتقه، حتى كنت أنا التي صَدَرتُ .
وفي -٨٩٥٥- عن عمرو بن علي، عن ابن أبي عديّ، عن محمد بن عمرو، عن أبي
سلمة، عن عائشة، قالت: لَعِبَت الحبشة، فجئتُ من ورائه وَّر، فجعل يطأطىء ظهره
حتى أنظر .
وفي-٨٩٥٧- عن عبد الله بن محمد الثّغْري، عن زيد بن حُبّاب، عن خارجة بن
عبد الله، عن يزيد بن رُومان، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان رسول اللّه ◌َێ- جالسا،
فسمعنا لغَطًا، وصوت الصبيان، فقام رسول اللَّه وَّله، فإذا حبشيّة تَزْفِن، والصبيان حولها،
فقال: ((يا عائشة، تعالي، فانظري))، فجئت، فوضعت، ذَقَّني على منكب رسول اللّه ◌َلته)
فجعلت، أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه، فقال لي: ((أما شبعتٍ؟))، فجعلت، أقول:
لا، لأنظر منزلتي عنده، إذ طلع عمر، فارفضّ الناس عنها، فقال رسول اللَّه وَليقول: ((إني
لأنظر إلى شياطين الجنّ والإنس قد فرّوا من عمر))، قالت: فرجعتُ .
وفي -٨٩٥٨- عن محمد بن خَلَف العَسْقلاني، عن آدم بن أبي إياس، عن إسرائيل،
عن قَرَظة، عن عكرمة، عن عائشة، قالت: خرج رسول اللّه بَطّر، والحبشة يلعبون،
وأنا أطّلع من خَوخَة(١) لي، فدنا مني رسول اللّه وَ لتر، فوضعت يدي على منكبه،
وجعلت أنظر، فقال رسول اللَّه وَ لقوله ((خُذن بنات أرفدة))، فما زلت، وهم يلعبون،
ويَزْفِنُون، حتى كنت أنا التي انتهيت))(٢). والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ١٢٣/١ و٢٩/٢ و٢٢٥/٤ ٣٦/٧ و٤٨/٧ (م) ٢١/٣ و٢٢/٣ و٣/
(١)- ((الخوخة)) بفتح المعجمة، وسكون الواو: كُوّة تؤدي الضوء إلى البيت اهـ ق.
(٢)- راجع ((الكبرى)) ج٥ ص٣٠٧ -٣٠٩ .
قال الجامع: وإنما أوردت هذه الروايات سنداً ومتناً لخلوّ ((المجتبى)) عنها، مع كثرة فوائدها.

٢٤٧ ==
٣٤- (اللَّعِبُ بَيْنَ يَدَي الإِمَامِ يَوْمَ الْعِيدِ) - حديث رقم ١٥٩٤
٢٣ (ت) ٣٦٩١ (الحميدي) ٢٥٤ (أحمد) ٥٦/٦ و٨٣/٦ و٨٤/٦ و٨٥/٦ و ١١٦/٦
و١٦٦/٦ و١٨٦/٦ و٦/ ٢٤٧ و٢٧٠/٦ و٢٣٣٠/٦ والله تعالى أعلم .
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف تَخّْثهُ، وهو مشروعية اللعب بين يدي الإمام يوم العيد.
ومنها: جواز اللعب بالسّلاح على طريق التواثب، للتدريب على الحرب، والتنشيط عليه
في المسجد، ويلتحق به ما في معناه من الأسباب المعينة على الجهاد، وأنواع البرّ.
قال الشيخ عزّ الدين ابن عبد السلام تَخّْلهُ: في تمكينه ◌َّر الحبشة من اللعب في
المسجد دليلٌ على جواز ذلك، فَلِمَ كره العلماء اللعب في المساجد؟، قال: والجواب
أن لعب الحبشة كان بالسلاح، واللعب بالسلاح مندوب إليه للقوّة على الجهاد، فصار
ذلك من القُرَب، كإقراء علم، وتسبيح، وغير ذلك من القُرَب، ولأن ذلك كان على
وجه الندور، والذي يُفضي إلى امتهان المساجد إنما هو أن يتخذ ذلك عادة مستمرّة،
ولذلك قال الشافعي رَّه : لا أكره القضاء في المسجد المرّة والمرّتين، وإنما أكرهه
على وجه العادة(١) انتهى (٢).
ومنها: جواز المثاقفة(٣)، لما فيها من تمرين الأيدي على آلات الحرب. ومنها:
حسن خلق النبي ◌َّليل مع أهله، وكريم معاشرته لهنّ. ومنها: فضل عائشة رَضُّها،
وعظيم محلّها عند النبي بَّر. ومنها: ما قاله القاضي عياض نَّلهُ: فيه جواز نظر
النساء إلى فعل الرجال الأجانب، لأنه إنما يكره لهنّ النظر إلى المحاسن، والاستلذاذ
بذلك، وقال النوويّ ◌َخّْلهُ: أما النظر بشهوة، وعند خشية الفتنة، فحرام اتفاقا، وأما
بغیر شهوة، فالأصحّ انه محرم، وأجاب عن هذا الحدیث بأنه یحتمل أن یکون ذلك قبل
بلوغ عائشة. وسيأتي في الباب التالي ما يرد عليه أن ذلك كان سنة سبع من الهجرة،
وعائشة قد بلغت من غير شكّ .
قال: أو كانت تنظر إلى لعبهم بحرابهم، لا إلى وجوههم، وأبدانهم، وإن وقع بلا
قصد أمكن أن تصرفه في الحال انتهى .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: سيأتي قريبًا أن الأرجح جواز نظر المرأة إلى الرجل
عند أمن الفتنة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
(١)- قال الجامع: كراهة الشافعي رحمه اللّه القضاء في المسجد إلا مرة، أو مرتين مشكل، فإن النبي
وَلو لم يكن له محل قضاء بين الناس إلا المسجد، فكان قضاؤه فيه، فليتأمل. والله تعالى أعلم.
(٢) - انظر ((زهر الربى)) ج٣ ص١٩٦.
(٣) قال في ((ق)): ثاقفه فَتَّقَهُ، كنَصَرَهُ: غالبه، فغلبه في الحِذْقِ. انتهى.

٢٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَیْنِ
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنيب)).
٣٥- (اللَّعِبُ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ
الْعِيدِ، وَنَظَرُ النِّسَاءِ إِلَى ذَلِكَ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: بوّب رحمه الله تعالى المسألتين:
إحداهما: جواز اللعب في المسجد يوم العيد.
وقد بوّب الإمام البخاريّ ◌َّلهُ في ((كتاب النكاح)) من («صحيحه)): ((باب نظر المرأة
إلى الحبش، ونحوهم من غير ريبة)). ثم أورد حديث عائشة تعطّها المذكور في الباب.
الثانية: جواز نظر النساء إلى اللعب .
قال الحافظ تَخْذّلهُ: وظاهر الترجمة أن المصنف كان يذهب إلى جواز نظر المرأة إلى
الأجنبيّ بخلاف عكسه، وهي مسألة شهيرة، واختلف الترجيح فيها عند الشافعية،
وحديث الباب يُساعد من أجاز، وقد تقدّم في ((أبواب العيدين)) جواب النووي عن ذلك
بأن عائشة كانت صغيرة، دون البلوغ، أو كان قبل الحجاب، وقوّاه بقولها في هذه
الرواية: «فاقدروا قدر الجارية، الحديثة السنّ)).
لكن تقدّم ما يعكر عليه بأن في بعض طرقه أن ذلك كان بعد قدوم وفد الحبشة، وأن
قدومهم كان سنة سبع، ولعائشة تبثها، يومئذ ست عشرة سنة، فكانت بالغة، وكان
ذلك بعد الحجاب. وحجة من منع حديثُ أم سلمة الحديث المشهور: ((أفْعَمْيَاوان
أنتما»، وهو حديث أخرجه أصحاب السنن(١) من رواية الزهري، عن نّبْهان، مولى أمّ
سلمة، عنها، وإسناده قويّ، وأكثر ما عُلّل به انفراد الزهريّ بالرواية عن نبهان، وليست
بعّة قادحة، فإن من يعرفه الزهريّ، ويصفه بأنه مكاتب أم سلمة، ولم يجرحه أحدٌ، لا
تُردّ روايته .
(١)- ولفظه: عن ابن شهاب، عن نبهان مولى أم سلمة، أنه حدثه أن أم سلمة حدثته، أنها كانت عند
رسول اللّه و ﴿، وميمونة، قالت: فبينا نحن عنده ، أقبل ابن أم مكتوم، فدخل عليه، وذلك بعد
ما أمرنا بالحجاب، فقال رسول اللّه وَله: ((احتجبا منه))، فقلت: يا رسول اللّه أليس هو أعمى لا
يبصرنا، ولا يعرفنا؟، فقال رسول اللَّه وله: ((أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه؟)). قال أبو عيسى
هذا حديث حسن صحيح .

٢٤٩
٣٥- (اللَّعِبُ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْعِيدِ ... - حديث رقم ١٥٩٥
والجمع بين الحديثين احتمالُ تقدّم الواقعة، أو أن يكون في قصّة الحديث الذي
ذكره نبهان شيء يمنع النساءَ من رؤيته، لكون ابن أم مكتوم كان أعمى، فلعلّه كان منه
شيء، ينكشف، ولا يشعر به .
ويقوّي الجوازّ استمرارُ العمل على جواز خروج النساء إلى المساجد، والأسواق،
والأسفار، منتقبات، لئلا يراهنّ الرجال، ولم يؤمر الرجالُ قطّ بالانتقاب، لئلا يراهم
النساء، فدلّ على تغاير الحكم بين الطائفتين، وبهذا احتجّ الغزاليّ على الجواز، فقال:
لسنا نقول: إن وجه الرجل في حقّها عورة، كوجه المرأة في حقه، بل كوجه الأمرد في
حقّ الرجل، فيحرم النظر عند خوف الفتنة، فقط، وإن لم تكن فتنة فلا، إذ لم تزل
الرجال على ممرّ الزمان مكشوفي الوجوه، والنساءُ يخرجن منتقبات، فلو استووا لأُمِرَ
الرجالُ بالتنقّب، أو مُنِعْنَ الخروجَ انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه:
ما قاله الغزالي رحمه الله تعالى هو الحقّ عندي، وإن كان ظاهر تبويب المصنف
◌َعْدَهُ يوافق مذهب المانعين، حيث قيّد النظر باللعب، فإن اسم الإشارة في قوله:
((ونظر النساء إلى ذلك)) يرجع إلى اللعب، فكأنه يقول: النظر للعب، لا للرجال، وهو
مخالف لظاهر تبويب البخاريّ ◌َخّْلهُ، كما تقدّم .
والحاصل أن مذهب المجوّزين لنظر المرأة إلى وجه الرجل دون العكس عند الأمن
من الفتنة هو الراجح؛ لظاهر حديث الباب، ولما شاع عند المسلمين في كلّ عصر
ومصر من استمرار العمل على جواز خروج المرأة إلى المساجد ونحوها، محتجبة لئلا
يراها الرجال، ولم يؤمر الرجال بذلك، فلو كان نظر المرأة كنظر الرجل إلى المرأة لأُمر
الرجال بالاحتجاب كالنساء، وهذا أقوى حجة في هذه المسألة. والله تعالى أعلم
بالصواب .
١٥٩٥- أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم، قَالَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ لَّهِ، يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، وَأَنَّا
أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ، يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ، حَتَّى أَكُونَ أَنَا أَسْأَمُ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ،
الْحَدِيثَةِ السِّنْ، الْحَرِيصَةِ عَلَى اللَّهْوِ .
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (عليّ بن خَشْرم) المروزيّ، ثقة، من صغار[٩] ٨/٨.
(١)- فتح ج١٠ ص ٤٢٢ .

٢٥٠
:
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَیْنِ
٢- (الوليد) بن مسلم الدمشقي، ثقة يدلّس، ويسوّي [٨]٤٥٤/٥.
٣- (الأوزاعيّ) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو الدمشقيّ، ثقة ثبت فقيه[٧]٤٥/
٥٦ .
والباقون تقدموا قريبًا، والحديث متفق عليه، وشرحه، والمسائل المتعلقة به ذُكرت
في الباب الماضي، وبالله تعالى التوفيق .
وقولها: «فاقدروا)) بضم الدال، وكسرها، لغتان، حكاهما الجوهريّ، وغيره، أي
اعرفوا قدرها، وراعوا حالها. أو هو من التقدير، أي قدّروا رغبتها في ذلك إلى أن
یتنھي .
وحاصل معنى كلامها أنها تحبّ اللَّهو، والتفرّج، والنظر إلى اللعب حباً بليغًا،
وتحرص على إدامته ما أمكنها، ولا تَمَلّ ذلك، إلا بعذر من تطويل .
ولفظ مسلم: ((فاقدروا قدرَ الجارية العَرِبَة حديثة السن)). وقولها: ((العربة)) بفتح
العين، وكسر الراء، والباء الموحّدة، ومعناها المشتهية للعب المحبّة له. (١) والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
١٥٩٦- أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَبِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيَّرَةَ، قَالَ: دَخَلَ
عُمَرُ، وَالْخَيَشَةُ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ رٍَْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((دَعْهُمْ
يَا عُمَرُ، فَإِنَّمَا هُمْ بَنُو أَرْفِدَةَ» .
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (إسحاق بن موسى) بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن يزيد الأنصاريّ
الخطميّ، أبو موسى المدني، قاضي نيسابور، ثقة متقن [١٠].
روى عن ابن عيينة، والوليد بن مسلم، وجرير بن عبد الحميد، وغيرهم. وعنه
مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وابنه موسى بن إسحاق الحافظ القاضي،
وابن خزيمة، وغيرهم .
قال ابن أبي حاتم: كان أبي يُطنِب القول فيه، في صدقه، وإتقانه. وقال النسائيّ:
أصله كوفيّ، وكان في العَسْكَر، ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال الخطيب:
وَرَدَ بغداد، وحدّث بها، وكان ثقة. وقال ابن عساكر: ولي القضاء بنيسابور. وقال
يحيى بن محمد الذّهليّ: هو من أهل السنة. قال البغويّ: مات سنة (٢٤٤) بحمص،
(١)- راجع ((شرح مسلم)) ج٦ ص ١٨٥ .

٣٥- (اللَّعِبُ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْعِيدِ ... - حديث رقم ١٥٩٦
٢٥١
وقال أبو الحسن محمد بن أحمد بن القوّاس الورّاق: مات بجُوسيةَ راجعًا من دمشق.
روى له مسلم، والترمذي، والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط
برقم (١٥٩٦) و(٣٨٢٠).
٢- (سعيد بن المسيب) الإمام الفقيه الحجة الثبت [٣] ٩/٩.
٣- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه١/ ١، والباقون تقدموا في السند الماضي. والله
تعالى أعلم .
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير الوليد والأوزاعيّ، فدمشقيان .
(ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه سعيد أحد الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة
رَّه أحد المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: دَخَلَ عُمَرُ) بن الخطّاب رضي اللّه
تعالى عنه (وَالْحَيَشَةُ) الواو واو الحال، أي والحال أن الحبشة (يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ) أي
النبويّ (فَزَجَرَهُمْ) من باب قتل: أي منعهم عن لعبهم (عُمَرُ رَّه ) بين في رواية
البخاريّ في ((الجهاد)) -كما قال في ((الفتح))(١)، كيفيةَ الزجر، حيث قال: «فأهوى إلى
الحصباء، فحصبهم بها)) (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((دَعْهُمْ يَا عُمَرُ) أي اتركهم على ما هم
عليه من اللعب (فَإِنَّمَا هُمْ بَتُو أَرْفِدَةً) -بفتح الهمزة، وسكون الراء، وكسر الفاء، وقد
تفتح - قيل: هو لقب للحبشة، وقيل: هو اسم جنس لهم، وقيل: اسم جدّهم الأكبر،
وقيل: المعنى بنو الإماء. فكأنه يعني أن هذا شأنهم، وطريقتهم، وهو من الأمور
المباحة، فلا إنكار عليهم. وفي رواية البخاري في حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها
المتقدم: ((دونكم يا بني أرفدة))، و(دون)) بالنصب على الإغراء، والمغرَى به محذوف،
أي خذوا لعبكم بالحراب، وفيه إذن لهم، وتنشيط. قال المحبّ الطبري وَخّْتُهُ: فيه
تنبيه على أنه يُغتفر لهم ما لا يغتفر لغيرهم، لأن الأصل في المساجد تنزيهها عن
اللعب، فيُقتصر على ما ورد فيه النصّ انتهى .
ورى السّاج من طريق أبي الزناد، عن عروة، عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها، أنه
(١)- ((فتح)) ج٣ ص ١١٩.

٢٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَیْنِ
وَله قال يومئذ: ((لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني بُعثتُ بحنيفية سَمْحَة)).
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهذا يشعر بعدم التخصيص، وكأن عمر تظلثه بنى
على الأصل في تنزيه المساجد، فبيّن له النبي وَل# وجه الجواز فيما كان هذا سبيله، أو
لعلّه لم يكن عَلِمَ أن النبي ◌َّ كان يراهم. انتهى(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن اللعب يوم العيد في المسجد بمثل لعب
الحبشة جائز للكلّ؛ لعموم الأدلة، وأما تخصيصه بالحبشة، كما أشار إليه المحبّ
الطبريّ في كلامه السابق، فيردّه حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها المذكور آنفًا،
فتبصّر، ولا تتحيّر. والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: هذا الحديث صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه
هنا١٥٩٦/٣٥-وفي ((الكبرى))١٧٩٩٠/٣١ ودلالته على الترجمة واضحة، حيث إن
لَعِبَهم ذلك كان في يوم العيد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)) .
٣٦- (الرُّخْصَةُ فِ الاسْتِمَاعِ إِلَى
الْغِنَاءِ وَضَرْبِ الدُّفِّ يَوْمَ الْعِيدِ)
١٥٩٧- أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ
ابْنُ طَهْمَانَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الَزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ، أَنَّ عَائِشَةَ، حَدَّثَتْهُ،
أَنَّ أَبَا بَكْرِ الصُّدِّيقَ، دَخَلَ عَلَّيْهَا، وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ، تَضْرِبَانِ بِالدُّفْ، وَتُغَنِيَّانِ، وَرَسُولُ
اللّهِ وَّهِ مُسَجَّى بِثَوْبِهِ، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: مُتَسَجِّ ثَوْبَهُ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ:
(دَعْهُمَا، يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّا أَيَّامُ عِيدٍ))، وَهُنَّ أَيَّامُ مِنَّى، وَرَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ يَوْمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (أحمد بن حفص بن عبد اللَّه) السلمي النيسابوريّ، صدوق [١١] ٤٠٩/٧.
٢- (أبوه) حفص عبد الله بن راشد السلميّ، أبو عمرو النيسابوري، قاضيها، والد
(١)- ((فتح)) ج٦ ص١١٩ .

٣٦- (الرُّخْصَةُ فِي الاسْتِمَاعِ إِلَى الْغِنَاءِ ... - حديث رقم ١٥٩٧
٢٥٣=
أحمد الراوي عنه، صدوق [٩] ٤٠٩/٧ .
٣- (إبراهيم بن طَهْمَان) الخراسانيّ، نزيل نيسابور، ثم مكة، ثقة يُغْرب، وتكلم فيه
بالإرجاء، ويقال: رجع عنه [٧] ٧ /٤٠٩.
٤- (مالك بن أنس) إمام دار الهجرة الفقيه الحجة الثبت المدني[٧] ٧/ ٧ .
والباقون تقدّموا في الباب الماضي. والله تعالى أعلم .
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، وشيخه، وأبو شيخه نيسابوريان،
وإبراهيم خراسانيّ، ثم مكيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عروة من
الفقهاء السبعة. والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
(عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ) أي حدّث عروةُ الزهريَّ (أَنَّ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها
(حَدَّثَتْهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ الصِّدِيقَ) رضي اللَّه تعالى عنه (دَخَلَ عَلَيْهَا) وفي رواية البخاريّ:
(دخل عليّ رسول اللّه وَله، وعندي جاريتان، تغنّيان بغِنَاء بُعاثٍ، فاضطجع على
الفراش، وحوّل وجهه ... )) (وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانٍ) جملة من مبتدأ وخبر، في محل نصب
على الحال من الضمير المجرور. زاد في رواية للبخاريّ ((من جواري الأنصار))،
وللطبرانيّ من حديث أم سلمة رؤيتها أن إحداهما كانت لحسان بن ثابت، وفي
((الأربعين)) للسلمي أنهما كانتا لعبد الله بن سلام، وفي ((العيدين)) لابن أبي الدنيا من
طريق فُليح، عن هشام بن عروة: ((وحمامةُ وصاحبتها تغنّيان))، وإسناده صحيح. قال
الحافظ في : ولم أقف على تسمية الأخرى، لكن يحتمل أن يكون اسم الثانیة زینب،
وقد ذكرته في ((كتاب النكاح))، ولم يذكر حمامةَ الذين صنّفوا في الصحابة، وهي على
شرطهم انتهى(١). (تَضْرِبَانِ بِالدُّفُ) جملة في محل رفع صفة لـ((جاريتان))، الدفّ بضم
الدال على الأشهر، وقد تُفتح، ويقال له أيضًا الكربال، بكسر الكاف، وهو الذي لا
جلاجل(٢) فيه، فإن كانت فيه فهو الْمِزْهَر (وَتُغَنْيَانِ) أي ترفعان أصواتهما بإنشاد العرب،
وهو المسمّى عندهم بالنَّصْب، وهو إنشاد بصوت رقيق، فيه تمطيط، وهو يجري
(١)۔ (فتح)) ج٣ص ١١٤ .
(٢) - جمع ((جُلْجُل)) بالضم: الجرس الصغير. اهـ ق.

٢٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَیْنِ
مجرى الْحُدَاء، قاله القرطبيّ(١)، زاد في رواية البخاري ((بما تقاولت به الأنصار يوم
بُعاث))، أي قال بعضهم لبعض من فخر أو هجاء .
ويوم بُعاث يوم قُتل فيه صناديد الأوس والخزرج، وهو يوم قدّمه اللَّه لرسوله وَّل،
فقد قَدِمَ المدينةَ، وقد افترق ملؤهم، وقُتلت سَرَوَاتهم. و((بُعاث)) بضم الموحدة،
وبعدها مهملة، وآخره مثلّثة، وهو موضع على ليلتين من المدينة، وقيل: اسم حصن
للأوس، وكانت وقعة بُعاث على ما رجحه الحافظ في ((الفتح)) قبل مقدم النبي وَ ل
المدينة بثلاث سنين، وقيل: بخمس سنين. ودامت الحرب بين الحيين قبل ذلك مائة
وعشرين سنة، وسببه أن رجلا يقال له كعب من بني ثعلبة، نزل على مالك بن عَجْلان
الخزرجي، فحالفه، فقتله رجل من الأوس، يقال له سُمَیر، فكان ذلك سبب الحرب
بينهما، وكان رئيس الأوس يوم بُعاث حُضير والد أُسيد، فجُرح يومئذ، فمات بعد مدة
من جراحته، وكان رئيس الخزرج عمرو بن النعمان، فجاءه سهم في القتال، فصرعه،
فهزموا بعد أن كانوا قد استظهروا .
(وَرَسُولُ اللَّهِ نَّهِ مُسَجَّى بِثَوْيِهِ) أي متلفّف، ومتغطّ به. وإنما تسجّى النبي وَّـ
بثوبه، إعراضًا عن ذلك، لكون مقامه يقتضي أن يرتفع عن الإصغاء إلى ذلك، لكن
عدم إنكاره دالّ على تسويغ مثل ذلك على الوجه الذي أقرّه، إذ لا يُقِرّ على باطل(٢)،
والأصل التنزه عن اللعب واللّهو، فيُقتصر على ما ورد فيه النص وقتًا، وكيفيّة، تقليلًا
لمخالفة الأصل، والله تعالى أعلم، أفاده في ((الفتح)).
(وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: مُتَسَجِّ ثَوْبَهُ، فَكَشَفِ عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ: ((دَعْهُمَا، يَا أَبَا بَكْرٍ) في
رواية المصنّف اختصار، أي فانتهَرَهُما أبو بكر، فقال له وَلّ: ((دعهما يا أبا بكر)).
وفي رواية للبخاريّ: وجاء أبو بكر، فانتهرني، وقال: مِزْمارة الشيطان عند النبي
وَهُ، فأقبل عليه رسول اللَّه وَله، فقال: ((دعهما))، فلما غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا، فخرجتا.
وقوله: مزمارة الشيطان بكسر الميم، يعني الغناء، أو الدفّ، لأن المزمارة، أو
المزمار مشتق من الزمير، وهو الصوت الذي له الصّفِير، ويُطلق على الصوت الحسن،
وعلى الغناء، وسميت به الآلة المعروفة التي يُزمَر بها، وإضافتها إلى الشيطان من جهة
أنها تُلهي، فقد تشغل القلب عن الذكر، وفي رواية حماد بن سلمة عند أحمد: فقال:
(يا عباد الله أبمزمور الشيطان عند رسول اللّه وَ لير)). قال القرطبي: المزمور الصوت،
(١)- ((المفهم)) ج٢ ص ٥٣٣ .
(٢) هذا التقرير بالنسبة لأول الأمر قبل أن ينتهرهما أبو بكر تنبيه، وأما بالنسبة إليه فقد صرح وليعهد
بالإذن لهما، بل عمم فيه، فقال: ((إنها أيام عيد)) وفي رواية ((لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني
بُعثتُ بالحنيفية السمحة)).

٣٦- (الرُّخْصَةُ فِي الاسْتِمَاعِ إِلَى الْغِنَاءِ ... - حديث رقم ١٥٩٧
٢٥٥ ==
ونسبته إلى الشيطان ذمّ على ما ظهر لأبي بكر تَنّ . وضبطه عياض بضم الميم،
وحكي فتحها. قاله في ((الفتح)). وقال القرطبي تَّلهُ: قال الإمام: فأما الغناء بآلة
مُطربة، فَيُمنع، وبغير آلة اختلف الناس فيه، فمنعه أبو حنيفة، وكرهه الشافعيّ،
ومالك، وحكى أصحاب الشافعي أن مذهبه الإجازة من غير كراهة .
قال القاضي: المعروف من مذهب مالك المنع، لا الإجازة .
قلت: ذكر الأئمةُ هذا الخلاف هكذا مطلقًا، ولم يفصّلوا موضعه، والتفصيل الذي
ذكرنا لا بدّ من اعتباره، وبما ذكرناه يجتمع شَمْل مقصود الشرع الكلّيّ، ومضمون
الأحاديث الواردة في ذلك، وينبغي أن يُستثنى من الآلات التي ذكر الإمام الدفُّ، فإنه
قد جاء ذكره في هذا الحديث، وفي حديث العُرس انتهى كلام القرطبي رحمه الله
تعالی.
(إِنَّا أَيَّامُ عِيدٍ) جملة تعليلية، أي لأن هذه الأيام أيام فرح وسرور، فيباح لهما أن يلعبا
بالتغنّي المباح، وفي رواية هشام عند البخاري: ((يا أبا بكر، إن لكلّ قوم عيدًا، وهذا
عیدنا)) .
ففيه تعليل للأمر بتركهما، وإيضاح خلاف ما ظنّه الصدّيق من أنهما فعلتا ذلك بغير
علمه وَيهر، لكونه دخل، فوجده مُغَطَّى بثوبه، فظنّه نائما، فتوجّه له الإنكار على ابنته من
هذه الأوجه، مستصحبا لما تقرّر عنده من منع الغناء واللَّهو، فبادر إلى إنكار ذلك،
قياما عن النبي وَلّر بذلك، مستندا إلى ما ظهر له، فأوضح له النبي وَّ الحال، وعرّفه
الحكم، مقرونا ببيان الحكمة بأنه يوم عيد، أي يوم سرور شرعيّ، فلا يُنكِرُ فيه مثلُ
هذا، كما لا يُنكر في الأعراس .
وبهذا يرتفع الإشكال عمن قال: كيف ساغ للصدّيق إنكار شيء أقرّه النبي ◌َّر؟
وتكلّف جوابا لا يخفى تعسّفه .
(وَهُنَّ أَيَّامُ مِنَّى) أي تلك الأيام أيام عيد الأضحى، وقولها (وَرَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَوْمَئِذٍ
بِالْمَدِينَةِ) دفع لما يُتوهّم أن ذلك وقع في منى، حيث قالت: وهنّ أيام منى، يعني أن
هذه القصة وقعت في المدينة أيام عيد الأضحى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان،
وعليه التكلان .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم تخريجه قبل
بابين، وبقي ذكر فوائده، فلنذكرها هنا:
فـ منها: ما بوّب له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو الرخصة في الاستماع إلى
الغناء، وضرب الدف يوم العيد. ومنها: مشروعية التوسعة على العيال في أيام الأعياد

٢٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَیْنِ
بأنواع ما يحصّل لهم بسطَ النفس، وترويحَ البدن من كُلَفِ العبادة، وأن الإعراض عن
ذلك أولى. ومنها: أن إظهار السرور في الأعياد من شعار الدين. ومنها: جواز دخول
الرجل على ابنته، وهي عند زوجها، إذا كان له بذلك عادة. ومنها: تأديب الأب ابنته
بحضرة الزوج، وإن تركه الزوج، لقول عائشة: ((وجاء أبو بكر، فانتهرني)) إذ التأديب
وظيفة الآباء، والعطف مشروع من الأزواج للنساء. ومنها: الرفق بالمرأة، واستجلاب
موذتها. ومنها: أن مواضع أهل الخير تُنزّه عن اللّهو واللغو، وإن لم يكن فيه إثم، إلا
بإذنهم. ومنها: أن التلميذ إذا رأى عند شيخه ما يستنكره مثله بادر إلى إنكاره، ولا
يكون في ذلك افتيات على شيخه، بل هو أدبّ منه، ورعاية لحرمته، وإجلال لمنصبه.
ومنها: فتوى التلميذ بحضرة شيخه بما يعرفه من طريقته، ويحتمل أن يكون أبو بكر ظنّ
أن النبي وَالر نام، فخشي أن يستيقظ، فيغضب على ابنته، فبادر إلى سدّ هذه الذريعة.
وفي قول عائشة رَّها: ((فلما غفل غَمَزتُما، فخرجتا)) دلالة على أنها مع ترخيص النبي
وَّل لها في ذلك راعت خاطر أبيها، وخشيت غضبه عليها، فأخرجتهما، واقتناعها في
ذلك بالإشارة فيما يظهر للحياء من الكلام بحضرة من هو أكبر منها. ومنها: أنه استدل
به على جواز سماع صوت الجارية بالغناء، ولو لم تكن مملوكة، لأنه وَلّ لم ينكر على
أبي بكر سماعه، بل أنكر إنكاره، واستمرّتا إلى أن أشارت إليهما عائشة بالخروج. قال
الحافظ: ولا يخفى أن محلّ الجواز ما إذا أُمنت الفتنةُ بذلك. ومنها: أنه استنبط من
تسمية أيام منى بأنها أيام عيد مشروعيةُ قضاء صلاة العيد فيها لمن فاتته، كما تقدّم في
بابه. والله تعالى أعلم .
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): استدلّ جماعة من الصوفية بحديث الباب على إباحة الغناء،
وسماعه بآلة، وبغير آلة، ويكفي في رد ذلك تصريح عائشة رضيّها في الحديث بقولها
في الجاريتين: ((وليستا بمغنّيتين))، فنفت عنهما من طريق المعنى ما أثبتته لهما باللفظ،
لأن الغناء يُطلق على رفع الصوت، وعلى الترنّم الذي تسميه العرب النّضْب -بفتح
النون، وسكون المهملة- وعلى الْحُدَاء، ولا يسمى فاعله مغنّيا، وإنما يسمى بذلك من
يُنشد بتمطيط، وتكسير، وتهيج، وتشويق بما فيه تعريض بالفواحش، أو تصريح(١).
وقال القرطبي: قولها: ((ليستا بمغنيتين))، أي ليستا ممن يَعرف الغناء، كما يعرفه
المغنيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرّز عن الغناء المعتاد عند المشتهرين به، الذي
يحرّك النفوس، ويبعثها على الهوى، والغَزَل، والْمُجُون، الذي يُحرّك الساكن، ويَبعَثِ
(١) - ((فتح) ج٣ ص١١٦- ١١٧ .

٣٦- (الرُّخْصَةُ فِي الاسْتِمَاعِ إِلَى الْغِنَاءِ ... - حديث رقم ١٥٩٧
=
٢٥٧
الكامن، وهذا النوع إذا كان في شعر يُشَبَّب فيه بذكر النساء، ووصف محاسنهنّ، وذكر
الخمور، والمحرّمات، لا يُختَلَف في تحريمه، لأنه اللَّهو، واللعب المذموم بالاتفاق .
فأما ما يَسلَم من تلك المحرّمات، فيجوز القليل منه، وفي أوقات الفرح، كالعُرس،
والعيد، وعند التنشيط على الأعمال الشاقّة، ويدلّ على جواز هذا النوع هذا الحديث، وما في
معناه، مثل ما جاء في الوليمة، وفي حَفْرِ الخَنْدَق، وفي حَذْو الحبشة، وسلمة بن الأكوع .
فأما ما ابتدعه الصوفيّة اليوم من الإدمان على سماع المغاني بالآلات المطربة، فمن
قبيل ما لا يُختَلَف في تحريمه، لكن النفوس الشهوانية، والأغراض الشيطانية قد غلبت
على كثير ممن يُنسب إلى الخير، وشُهِر بذكره حتى عَمُوا عن تحريم ذلك، وعن فُخشه،
حتى قد ظهرت من كثير منهم عَوَاراتُ الْمُجَّان، والمخانيث، والصبيان، فَيَرِقُصُون،
ويَزْفِنون بحركات متطابقة، وتقطيعات متلاحقة، كما يفعل أهل السفَه والمجون، وقد
انتهى التواقح بأقوام منهم إلى أن يقولوا: إن تلك من أبواب القُرَب، وصالحات الأعمال،
وأن ذلك يُثمر صفاء الأوقات، وسنيّات الأحوال، وهذا على التحقيق من آثار الزندقة،
وقول أهل البطالة، والمخرّفة، نعوذ بالله من البدع، والفتن، ونسأله التوبة، والمشي على
السُّنَن انتهى كلام القرطبي رحمه الله تعالى(١) وهو بحث نفيس، وتحقيق أنيس.
وقال الحافظ رحمه الله تعالى - بعد ذكر كلام القرطبي هذا -: ما نصّه: وينبغي أن
يُعكس مرادهم، ويقرأ ((سيء)) يعني قوله: ((سنيّ الأحوال)) عوض النون الخفيف
المكسورة بغير همز، بمثنات تحتانية ثقيلة مهموزا -أي فيقال: ((وسيئات الأحوال)) -.
انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
[خاتمة]: في بيان مسألة مهمة طالما يتسائل الناس عن حكمها، وهي مسألة التهنئة
بمناسبة العيد ونحوه.
(اعلم): أن أصل التهنئة ورد في عدة مناسبات:
فمنها: ما أخرجه الشيخان من حديث أنس رَّه قال: أنزلت على النبي وَليقول:
﴿ لَيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَّقَدَّمَ مِن ذَبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ الآي: [الفتح: ٢] مرجعه من الحديبية، فقال
النبي وَله: (لقد أَنزِلَت عليَّ آية أحبّ إليّ مما على وجه الأرض)) ثم قرأها عليهم فقالوا:
هنيئًا لك يا رسول الله.
ومنها: ما أخرجه أحمد، ومسلم عن أبي بن كعب ◌َّ أن النبي ◌َّر سأله أيُّ آية
في كتاب اللَّه أعظم؟، قال: آية الكرسي، قال: ((لِيَهْنِكَ العلم أبا المنذر)).
ومنها: ما أخرجه الشيخان عن كعب بن مالك رَّه في قصة توبته، قال: وانطَلَقْتُ
(١)- ((المفهم) ج٢ ص ٥٣٤.

٢٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَیْنِ
أتأمَّمُ رسول اللَّه وَله يتلقاني الناس فوجًا فوجًا، يهنئوني بتوبتي، ويقولون: لِيَهْنِكَ توبة
اللَّه عليك، حتى دخلت المسجد، فإذا رسول اللَّه وَ لخير حوله الناس، فقام طلحة بن عبير
اللَّه ◌َّزوِلُ حتى صافحني، وهنأني، فكان كعب لا ينساها لطلحة قال كعب: فلما
سلمت على رسول اللَّه ◌َلِّ قال - وهو يبرق وجهه من السرور -: ((أبشر بخير يوم مرّ
عليك منذ ولدتك أمك)) ... الحديث. وغير ذلك من الأحاديث.
وقد ألف الإمام السيوطي رحمه الله تعالى رسالة سماها ((وصول الأماني بأصول
التهاني)) جمع فيها ما ورد في ذلك من الأحاديث والآثار، فمن ذلك ما جاء عن جبير بن
نفير أنه قال: ((كان أصحاب رسول اللَّه وَل* إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض:
تقبل الله منا ومنكم)) حسنه السيوطي، وحسنه الحافظ قبله في ((الفتح)) جـ ٢ ص ٤٤٦ .
ومن ذلك ما أخرجه ابن حبان في ((الثقات)) عن علي بن ثابت قال: سألت مالكًا عن
قول الناس في العيد: تقبل الله منا ومنك؟ فقال: ما زال الأمر عندنا كذلك. ومن ذلك
ما أخرجه زاهر بن طاهر عن محمد بن زياد الألهاني قال: رأيت أبا أمامة الباهلي يقول
في العيد لأصحابه: تقبل الله منا ومنكم. حسنه السيوطي.
ومن ذلك ما أخرجه البيهقي عن آدم مولى عمر بن عبد العزيز قال: كنا نقول لعمر
ابن عبد العزيز في العيدين: تقبل الله منا ومنك يا أمير المؤمنين، فيرد علينا مثله، ولا
ينكر ذلك. وغير ذلك من الآثار التي أوردها السيوطي في تلك الرسالة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في ((مجموع الفتاوى)) جـ ٢٤ ص ٢٥٣: أما
التهنئة يوم العيد يقول بعضهم لبعض إذا لقيه بعد صلاة العيد: تقبل الله منا ومنكم، وأحاله الله
عليك، ونحو ذلك، فهذا قد رُوِيَ عن طائفة من الصحابه أنهم كانوا يفعلونه، ورخص فيه
الأئمة، كأحمد وغيره، لكن قال أحمد: أنا لا أبتدئ أحدًا، فإن ابتدأني أحدٌ أجبته، وذلك
لأن جواب التحية واجب، وأما الابتداء بالتهنئة فليس بسنة مأمورًا لها، ولا هو أيضًا مما نُهِي
عنه، فمن فعله فله قدوة، ومن تركه فله قدوة. والله أعلم. انتهى كلام شيخ الإسلام.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي نُقِلَ عن الإمام أحمد رحمه اللّه تعالى
حسن جدًّا .
والحاصل أن التهنئة في الأصل مشروعة في مناسبات كثيرة، كما سبقت في
الأحاديث الصحيحة المذكورة، وأما بخصوص يوم العيد فلم يُنقل مرفوعًا، وإنما نُقِلَ
من آثار الصحابة فمن بعدهم، فمن فعله فهم القدوة له، ومن تركه فحجته عدم ثبوته
مرفوعًا، فلا يُنكَر على من تركه، ولا على من فعله؛ لثبوت التهنئة في غير العيد بكثرة،
ولفعل الصحابة له في العيد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).

٢٥٩ =
١- بَابُ الْحَثِّ عَلَى الصَّلاَةِ فِي الْبُيُوتِ ... - حديث رقم ١٥٩٨
١٩- كِتَابُ قِيَّامِ اللَّيْلِ وَتَطَوُّع النَّهَارِ
١- بَابُ الْحَثِّ عَلَى الصَّلَاةِ فِي
الْبُيُوتِ وَالْفَضْلِ فِي ذَلِكَ
١٥٩٨ - أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ،
قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، عَنِ الْوَلَّيْدِ بْنِ أَبِي هِشَامٍ، عَنْ نَافِعِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((َصَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَّا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا))
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (العباس بن عبد العظيم) بن إسماعيل، العَنْبَريّ أبو الفضل البصريّ، ثقة حافظ،
من كبار[١١] ١١٩/٩٦ .
٢- (عبد الله بن محمد بن أسماء) بن عُبيد الضُّبَعيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقة
جليل [١٠]٣١٥/١٩٧.
٣- (جويرية بن أسماء) بن عبيد الضُّبَعيّ البصريّ، عم عبد اللّه الراوي عنه صدوق
[٧]٣١٥/١٩٧ .
٤- (الوليد بن أبي هشام) زياد، القرشيّ مولاهم، أخو أبي المقدام، البصريّ،
وقيل: المدنيّ، ثقة(١) [٦].
روى عن الحسن البصريّ، وفرقد أبي طلحة، ومسلم بن أبي مريم، ونافع مولى ابن
عمر، وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. وعنه أخوه أبو المقدام هشام بن زياد،
ووهيب بن خالد، وجويرية بن أسماء، وغيرهم. قال أبو القاسم البغويّ، عن أحمد:
ثقة في الحديث جدًّا. وقال ابن معين، وأبو داود، وأبو حاتم: ثقة. زاد أبو حاتم: لا
بأس به، أوثق من أخيه. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). له في مسلم حديثه عن ابن
حزم، عن عمرة، عن عائشة في الصلاة النافلة قاعدًا. روى له الجماعة، سوى
البخاري، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم (١٥٩٨) و(١٦٥٠) و(٥٠٩٦).
(١)- قال في ((ت)): صدوق، والظاهر أنه ثقة، إذ لم يُختَلَف فيه، بل اتفقوا على توثيقه، كما يظهر
من مراجعة ترجمته في (تهذيب التهذيب)) ٣٢٧/٤. والله تعالى أعلم.

=
٢٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ اللَّيْلِ
٥- (نافع) مولى ابن عمر المدني الفقيه الحجة الثبت [٣] ١٢/١٢.
٦- (ابن عمر) عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما ١٢/١٢. والله تعالى أعلم .
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى الوليد، والباقيان مدنيّان.
(ومنها): أن فيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين
السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ نَافِعِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّى:
((صَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ) هذا لفظ مسلم من طريق أيوب، عن نافع، وفي لفظ له: ((اجعلوا
من صلاتكم في بيوتكم))، ولفظ البخاري: ((اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم)).
قال القرطبيّ ◌َقّْلهُ: ((من)) للتبعيض، والمراد النوافل بدليل ما رواه مسلم من
حديث جابر وظّه مرفوعًا: ((إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده، فليجعل لبيته نصيبًا
من صلاته)) .
وقال القاضي عياض: هذا في الفريضة، ومعناه: اجعلوا بعض فرائضكم في
بيوتكم، ليقتدي بكم من لا يخرج إلى المسجد من نسوة، وعبيد، ومريض، ونحوهم،
قال: وقال الجمهور: بل هو في النافلة، لإخفائها، وللحديث الآخر: ((أفضل الصلاة
صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)) .
قال النووي: الصواب أن المراد النافلة، وجميع أحاديث الباب تقتضيه، ولا يجوز
حمله على الفريضة. انتهى .
قال الحافظ بعد نقل كلام عياض: ما نصه: وهذا، وإن كان محتملًا، لكن الأول
هو الراجح .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ما صوّبه النووي ◌َخّْلهُ هو الحقّ عندي، وكونه
محتملا للفريضة كما قال الحافظ بعيد، وكيف يحتمل، مع حديث: «فإن أفضل صلاة
المرء في بيته إلا المكتوبة»؟. والله تعالى أعلم .
وإنما حثّ على النافلة في البيت، لكونه أخفى، وأبعد من الرياء، وأصون من
المحبطات، وليتبرّك البيت بذلك، وتنزل فيه الرحمة، والملائكة، وينفر منه الشيطان،
كما جاء في الحديث الآخر عند مسلم في ((صحيحه))، وهو معنى قوله ◌َ ليل في الرواية
.--..