Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٢ - بابُ القِرَاءَةِ فِي الْعِيدَيْنِ بِ﴿قّ﴾
... - حديث رقم ١٥٦٧
١٨١ ==
رواه الترمذيّ، وابن ماجه، والطحاويّ، والدارقطنيّ، والبيهقي، وابن عديّ، وقال
الترمذيّ: حديث حسن، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب عن النبي ◌َّر. كذا قال،
لكن أنكر جماعة تحسينه، لأن كثير بن عبد اللّه واه جدًا، حتى قال الشافعيّ: هو ركن من
أركان الكذب. انتهى. وقال بعض المحققين: وأحسن أحاديث الباب حديث عائشة،
وعبد الله بن عمرو له، فإن الضعف الذي في سنديهما يسير، بحيث يصلح أن يتقوّى
أحدهما بالآخر انتهى .
والحاصل أن حديث الباب صحيح، بهذه الأحاديث، ويؤيده عمل كثير من الصحابة
به، فقد تقدم ذلك عن أبي هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبي سعيد الخدريّ رضي
الله تعالى عنهم.
فتلخّص من هذا أن أصح المذاهب في هذه المسألة المذهب الأول، وهو أن يكبّر في
الأولى سبعًا، وفي الثانية خمسا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)) .
١٢ - بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الْعِيدَيْنِ
﴾، و﴿اقْتَرَبَتِ﴾
١٥٦٧- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِيٍ ضَمْرَةُ بْنُ
سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِاللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: خَرَجَ عُمَرُ رَّهِ يَوْمَ عِيدٍ، فَسَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ
اللَّيْثِيَّ، بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَقْرَأْ فِي هَذَا الْيَوْمِ؟ فَقَالَ: بِقَافْ وَاقْتَرَبَتْ .
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (محمد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢١/٢٠.
٢- (سفيان) بن عُيينة الإمام الثبت الحجة [٨] ١/١.
٣- (ضمرة بن سعيد) الأنصاريّ المدني، مقبول [٤] ٥٦٦/٣٥.
٤- (عُبيدالله بن عبد الله) بن عتبة المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] ٥٦/٤٥.
٥- (أبو واقد الليثي) الصحابيّ ◌َنَ ◌ّه، قيل: اسمه الحارث بن مالك، وقيل: ابن
عوف، وقيل: اسمه عوف بن الحارث بن أسيد بن جابر بن عُويمرة بن عبد مناة بن

١٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ
أشجع بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن عليّ بن كنانة. روى عن النبي ◌َّ، وعن
أبي بكر، وعمر تَّه. وعنه ابناه عبد الملك، وواقد، وعبيدالله بن عبد الله بن عتبة،
وأبو مرّة مولى عَقيل بن أبي طالب، وعطاء ابن يسار، وغيرهم. قيل: إنه شهد بدرًا،
قال الواقديّ: توفّي سنة (٦٨) وهو ابن (٦٥) وفيها أرّخه يحيى بن بُكير، وابن نُمير،
وغير واحد، زاد ابن بُكير: وسنّه (٧٠) سنة، وقال غيرهم: وهو ابن (٧٥) سنة، وقال
البخاريّ، وابن حبّان: شهد بدرًا، وقال ابن عبد البرّ: قيل: إنه شهد بدرًا، وتوفي،
وسنه (٨٥) سنة، وقال الباورديّ في ((الصحابة)): شهد بدرًا، ثم صفّين، ومات، وله
(٨٧) سنة. انتهى. وصحح في ((ت)) أنه مات سنة (٦٨) وهو ابن (٨٥) سنة. أخرج له
الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والله تعالى أعلم .
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحیح، غیر شیخه، فمن افراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنیین، غیر شیخه،
وشيخ شيخه، فمكيّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه عبيد
اللَّه من الفقهاء السبعة. (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في
الكتب الستة إلا خمسة أحاديث. والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
(عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بن عتبة، أنه (قَالَ) قال القاضي عياض ◌َخّْتُهُ: هذا
الحديث غير متصل، لأن عبيدالله لا سماع له من عمر، وقد وصله مسلم من طريق
فُليح، عن ضمرة ابن سعيد، عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي واقد الليثيّ،
قال: سألني عمر، فذكره انتهى. وسيأتي تمام الكلام عليه قريبا إن شاء الله تعالى (خَرَجَ
عُمَرُ) بن الخطّابِ ( تَِّ يَوْمَ عِيدٍ، فَسَأَلَ أَبَا وَاقِدِ اللَّيْثِيَّ، بِأَيْ شَيْ ءِكَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَقْرَأْ
فِي هَذَا الْيَوْم؟) ولفظ ((مسلم)) من طريق مالك، عن ضمرة بن سعيد: أن عمر بن
الخطاب سألَ أبا واقد الليثيّ ما كان يقرأ به رسول اللَّه وَ له في الأضحى والفطر؟،
فقال: كان يقرأ فيهما بقاف والقرآن المجيد))، و((اقتربت الساعة))، ((وانشقّ القمر)).
قال الباجيّ ◌َّلهُ: يحتمل أن يسأله على معنى الاختبار، أو نسي، فأراد أن يتذكّر.
وقال النوويّ ◌َّلهُ: قالوا: يحتمل أنه شكّ في ذلك، فاستثبته، أو أراد إعلام الناس
بذلك، أو نحو هذا من المقاصد، قالوا: ويبعد أن عمر لم يعلم ذلك مع شهود صلاة

١٢- بابُ القِرَاءَةِ فِي الْعِيدَيْنِ دِ﴿قّ﴾
... - حديث رقم ١٥٦٧
١٨٣
=
العيد مع رسول اللّه وَ لّ مرّات، وقربه منه انتهى (١). (فَقَالَ) أي أبو واقد الليثيّ ◌َخْ شُهُ
(بِقَافْ وَاقْتَرَبَتْ) متعلق بمحذوف يدلّ عليه السؤال، أي يقرأ بـ((قاف)) في الركعة الأولى،
و((اقتربت)) في الركعة الثانية .
قال العلماء: الحكمة في قراءتهما لما اشتملتا عليه من الإخبار بالبعث، والإخبار عن
القرون الماضية، وإهلاك المكذّبين، وتشبيه بروز الناس للعيد ببروزهم للبعث،
وخروجهم من الأحداث، كأنّهم جراد منتشر(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي واقد الليثيّ رضي اللَّه تعالى عنه هذا أخرجه
مسلم .
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه انقطاع؛ لأن عبيد اللّه لم يُدرك عمر رَاللهِ؟.
[قلت]: الانقطاع إنما هو في هذا الطريق فقط، فقد أخرجه مسلم بعد أن أخرجه من
هذا الوجه من طريق فُليح، عن ضمرة بن سعيد، عن عبيدالله، عن أبي واقد الليثيّ
رضي الله تعالى عنه، قال: سألني عمر بن الخطّاب ... فذكره. قال النووي تَخّْلهُ بعد
أن ذكر أن الرواية الأولى مرسلة، لأن عبيدالله لم يدرك عمر: ما نصّه: ولكن الحديث
صحيح بلا شكّ، متّصل من الرواية الثانية، فإنه أدرك أبا واقد بلا شكّ، وسمعه بلا
خلاف، فلا عَتْبَ على مسلم حينئذ في روايته، فإنه صحيح متصل، والله أعلم انتهى .
وقال الحافظ ابن عبد البرّ ◌َخْذّلهُ: وقد زعم بعض أهل العلم بالحديث أن هذا
الحديث منقطع، لأن عبيدالله لم يلق عمر، وقال غيره: هو متّصل مسند، ولقاء
عبيدالله لأبي واقد الليثيّ غير مدفوع، وقد سمع عبيدُاللَّه من جماعة من الصحابة، ولم
يذكر أبو داود في ((باب ما يقرأ به في العيدين)) إلا هذا الحديث، وهذا يدلّ على أنه عنده
متّصل صحيح (٢) انتهى كلام ابن عبد البرّ(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن الحديث متصل صحيح من طريق فُليح كما
أخرجه مسلم ◌َقْذَّلهُ في ((صحيحه))، من الطريقين إشارةً إلى أن مثل هذا الانقطاع لا
يضرّ بصحة الحديث. والله تعالى أعلم .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له :
(١)- ((شرح مسلم)) ج٦ ص ١٨١ - ١٨٢.
(٢)- في هذا الكلام نظر لا يخفى، لأن أبا داود رحمه اللَّه لم يلتزم أن يخرّج الصحيح المتصل عنده
في كتابه حتى يُستدلّ بصنيعه هذا على صحة الحديث عنده ، فتأمل.
(٣)- ((التمهيد)) ج١٦ ص ٣٢٨.

١٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَین
أخرجه هنا-١٥٦٧/١٢- وفي ((الكبرى)) ١٧٧٣/١٢- بالسند المذكور، وفي
((الكبرى)) (١) عن قتيبة، عن مالك، عن ضمرة به، وعن أحمد بن سعيد، عن يونس بن
محمد، عن فليح بن سليمان، عن ضمرة بن سعيد، عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة بن
مسعود، عن أبي واقد الليثيّ، قال: سألني عمر بن الخطاب عما قرأ به رسول اللَّه وَاله
في يوم العيد ... فذكره. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه :
أخرجه (م) ٢١/٣. (د) ١١٥٤ (د) ٥٣٤ , ٥٣٥ (ت) ١٢٨٢ (مالك في الموطأ)
ص١٢٨ (الحميدي) ٨٤٩ (أحمد)٢١٧/٥ و٢١٩/٥ (ابن خزيمة) ١٤٤٠. والله تعالى
أعلم .
المسألة الرابعة: في أقوال أهل العلم فيما يقرأ في صلاة العيدين:
قال الحافظ أبو عمر رَّتُهُ تعالى: اختلفت الآثار في هذا الباب، وكذلك اختلف
الفقهاء أيضا فيه، فقال مالك: يقرأ في صلاة العيدين ب﴿وَلَّمْسِ وَشُحَهَا﴾ و﴿سَيِّحِ أَسْمَ رَيِّكَ
اٌلْأَعْلَى﴾ ونحوها. وقال الشافعيّ بحديث أبي واقد الليثيّ هذا في ﴿قاف﴾ و﴿اقْتَّرَبَتِ
السّاعَةُ﴾. وقال أبو حنيفة: يقرأ فيهما ب﴿سَيِّجِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿هَلْ أَتَنْكَ حَدِيثُ
اُلْفَشِيَةِ﴾ وما قرأ من شيء أجزأه. وقال أبو ثور: يقرأ في العيدين ب﴿مَوْجِ أَسْمَ رَّكَ
اَلْأَعْلَى﴾ و﴿هَلْ أَتَنْكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ﴾. وقد روي عن عمر بن الخطّاب ◌َّه مثل ذلك.
وعن ابن مسعود ◌َّه أنه كان يقرأ فيهما بأمّ القرآن وسورة من المفصّل. وكان أبان بن
عثمان يقرأ فيهما بَسَيِّجٍ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿ اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِىِ خَلَقَ﴾ .
وليس في هذا الباب أثر مرفوع إلا حديث أبي واقد الليثيّ المذكور في هذا الباب،
وحديث سمرة بن جندب رَّ ((أن النبي ◌َّ كان يقرأ في العيدين ب﴿سَتْحِ أَسْمَ رَيِّكَ
اُلْأَعْلَى﴾ و﴿هَلْ أَتَنَكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾(٢)، وحديث حبيب بن أبي سالم، عن النعمان بن
بشير رَق، عن النبي وَلير(٣) مثله.
قال: وفي اختلاف الآثار في هذا الباب دليل على أن لا توقيت فيه. والله أعلم.
انتهى كلام ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى (٤).
وقال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه اللّه تعالى بعد أن ذكر نحو ما تقدّم من
(١)- هكذا عزاه إلى الكبرى في ((تحفة الأشراف)) ج١١/ ص١٥٥١٣، ولم أره فيه.
(٢) - أخرجه أحمد في ((مسنده))، وابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ج١٧٦/٢ بسند صحيح ج٧/٥.
(٣)-يأتي للمصنف في الباب التالي.
(٤)- ((التمهيد)) ج١٦ ص٣٢٨-٣٢٩.

١٣ - بابُ القِراءَةِ فِى الْعِيدَيْن بِ﴿سَتْج﴾ ... - حديث رقم ١٥٦٨
١٨٥-
الاختلاف: ما نصّه: الإمام بالخيار، إن شاء قرأ في صلاة العيدين ب﴿ق﴾ و﴿اقْتَرَبَتِ
السَّاعَةُ﴾ وإن شاء قرأ ب﴿سَيِّحِ اسْمَ رَئِكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿هَلْ أَتْنَكَ حَدِيثُ اُلْغَاشِيَةِ﴾ والاختلاف
في هذا من الاختلاف المباح، وإن قرأ بفاتحة الكتاب وسورة سوى ما ذكرناه أجزأه.
انتھی(١) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر من الأحاديث أنه يستحبّ للإمام أن
يقرأ بهذه السور في العيدين، تارة بهذا وتارة بهذا، ولكن لا يتعيّن عليه ذلك، كما قال
ابن المنذر، وابن عبد البرّ، رحمهما الله تعالى من أن هذا الاختلاف من الاختلاف
المباح، فيجوز أن يقرأ بعد الفاتحة بما شاء من القرآن. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب)) .
١٣- بَابُ الْقِرَاءَةِ فِ الْعِيدَيْنِ
بِ﴿َسَيِّجِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿هَلْ أَتَنَكَ
حَدِيثُ الْغَشِيَةِ﴾
١٥٦٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، ((أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ، كَانَ يَقَرَأُ فِي
الْعِيدَيْنِ، وَيَوْم الْجُمُعَةِ بِ﴿َسَيْحِ أَسَّمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿َهَلْ أَتَنْكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ﴾ وَرُبَّمَا اجْتَمَعَا
فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَيَقْرَأُ بِهِمَا)) .
قالَ الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث صحيح وقد تقدم في ((الجمعة )» ٤٠/
١٤٢٤ - سندا ومتنّا، رواه عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد الْهُجَيمي، عن شعبة،
عن إبراهيم ابن المنتشر به، وتقدم الكلام عليه مُستوفّى هناك، فراجعه تستفد .
وأبو عوانة: اسمه الوضّاح بن عبد الله اليشكري الواسطيّ. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
(١)- ((الأوسط)) ج٤ ص٢٨٤ ببعض تصرّف.

١٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)).
١٤- (بَابُ الْخُطْبَةِ فِي الْعِيدَيْنِ بَعْدَ
الصَّلَاةِ)
١٥٦٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ أَيُّوبَ يُخْبِرُ عَنْ عَطَاءِ
قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّي شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَّ فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ
الْخُطْبَةِ ثُمَّ خَطَبَ .
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (أيوب) بن أبي تميمة السختياني البصريّ تقدم قبل بابين .
٢- (عطاء) بن أبي رَبَاح أسلم المكي الإمام الحجة الفقيه [٣]١٥٤/١١٢.
٣- (ابن عباس) عبد الله البحر رضي اللَّه تعالى عنهما ٣١/٢٧.
والباقيان تقدّما قبل باب، وسفيان هو ابن عيينة .
والحديث متفقٌ عليه، وسيأتي في ١٥٨٦/٢٨ - مطوّلًا، ويأتي شرحه، وبيان ما
يتعلّق به من المسائل هناك، إن شاء الله تعالى. ودلالته على الترجمة واضحة، وقد تقدّم
الكلام في تقديم الصلاة على الخطبة في ٩/ ١٥٦٤ مستوفى، فراجعه هناك تستفد.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
١٥٧٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَخْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّغْبِيِّ، عَنِ
الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: ((خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ».
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح وقد تقدم في باب ((الخطبة بعد
العيد))٨/ ١٥٦٣- رواه عن محمد بن عثمان، عن بهز، عن شعبة، عن زُبَيد، عن
الشعبي به، ومضى البحث فيه مستوفّى هناك، فراجعه تستفد .
و((أبو الأحوص)): هو سلّام بن سُليم الحنفيّ الكوفي، و(«منصور: هو ابن
المعتمر)) .
ودلالته على الترجمة واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).

١٨٧
١٥- التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْجُلُوسِ فِي الْخُطْبةِ ... - حديث رقم ١٥٧١
١٥ - التَّخْبِيرُ بَيْنَ الْجُلُوسِ فِي
الْخُطْبَةِ لِلْعِيدَيْنِ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الكلام يحتاج إلى تقدير؛ لأن ((بين)) لا تضاف
إلا إلى متعدد، أو متعاطف، نحو المال بين القوم، والدار بين زيد وعمرو. والتقدير
هنا ((وبين الذهاب)) أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على تخيير الشخص بين جلوسه
لسماع الخطبة وبين ذهابه إلى حاجته. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٥٧١ - حَدَّثَنَا(١) مُحَمَّدُ بْنُ يَخْتِى بْنِ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، قَال:
حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، أَنَّ النَّبِيِّ نَّهِ صَلَّى الْعِيدَ، قَالَ:
((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْصَرِفَ فَلْيَنْصَرِفْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُقِيَمَ لِلْخُطْبَةِ فَلْيُقِمْ)) .
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (محمد بن يحيى بن أيوب) بن إبراهيم الثقفيّ، أبو يحيى المروزيّ القَصْريّ
المعلّم، ثقة حافظ [١٠]٢٥٤/١٦٢.
٢- (الفضل بن موسى) السِّينَانيّ، أبو عبد الله المروزيّ، ثقة ثبت، وربّما أغرب،
من كبار[٩] ١٠٠/٨٢ .
٣- (ابن جُريج) عبد الملك بن عبد العزيز المكيّ الفقيه الثبت الحجة، إلا أنه يدلس
ويرسل [٦] ٣٢/٢٨ .
٤- (عطاء) بن أبي رباح المذكور في الباب الماضي .
٥- (عبد الله بن السائب) بن أبي السائب بن عائذ المخزومي المكيّ قارىء أهل
مكة، له ولأبيه صحبة تَيتا، تقدم في ٧٧٦/٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل
بالمكيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فمروزيّان. (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من
الرواية، فليس له إلا نحو ستة أحاديث، راجع ((تحفة الأشراف))٣٤٦/٣ -٣٤٨. والله
تعالى أعلم .
(١)- وفي نسخة ((أنا)).

١٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَیْنِ
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ النَّبِيِّ نَّهِ صَلَّى الْعِيدَ، قَالَ)
ولفظ ((الكبرى)): ((وقال)) بالواو، وهو ظاهر، وللأول أيضًا وجه صحيح، وهو أن
يجعل بدلًا من الفعل، كما قال ابن مالك ويؤْدٌثمُ :
وَيُبْدَلُ الْفِعْلُ مِنَ الْفِعْلِ كَمَنْ يَصِالْ إِلَيْنَا يَسْتَعِنْ بِنَا يُعَنْ
ولفظ أبي داود: شهدت مع رسول اللَّه وَ لل العيد، فلما قضى الصلاة قال: ((إنا نخطب،
فمن أحبّ أن يجلس للخطبة، فليجلس، ومن أحبّ أن يذهبِ فليذهب)) (مَنْ أَحَبَّ أَنْ
يَنْصَرِفَ) أي يرجع إلى بيته قبل سماع الخطبة (فَلْيَنْصَرِفْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُقِيمَ) من الإقامة،
أي يجلس (لِلْخطْبَةِ) أي لأجل سماعها (فَلْيُقِمْ) بضم الياء، من الإقامة، أي فليثبت في محلّه
حتى يسمع الخطبة. وفيه دليل على أن الجلوس لسماع خطبة العيد غير واجب. قال في
((المنتقى)): وفيه بيان أن الخطبة سنّة، إذ لو وجبت لوجب سماعها انتهى.
قال الشوكاني ◌َخّْلهُ: وفيه أن تخيير السامع لا يدلّ على عدم وجوب الخطبة، بل
على عدم وجوب سماعها، إلا أن يقال: إنه يدلّ من باب الإشارة، لأنه إذا لم يجب
سماعها لا يجب فعلها، وذلك لأن الخطبة خطاب، ولا خطاب إلا لمخاطب، فإذا لم
يجب السماع على المخاطب لم يجب الخطاب، وقد اتفق الموجبون لصلاة العيد
وغيرُهُم على عدم وجوب خطبته، ولا أعرف قائلًا بوجوبها انتهى(١).
وقال النوويّ رَّتُهُ: واتفق أصحابنا على أنه لو قدّمها على الصلاة صحّت، ولكنه
يكون تاركًا للسنّة، مفوّتا للفضيلة، بخلاف خطبة الجمعة، فإنه يشترط لصحة صلاة
الجمعة تقدّم خطبتها عليها، لأن خطبة الجمعة واجبة، وخطبة العيد مندوبة انتهى (٢).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
هذا الحديث قال أبو داود ويَحّْتُهُ: مرسل عن عطاء، عن النبي وَّ انتهى، وقال النسائيّ
تَخْذَلهُ: هذا خطأ، والصواب أنه مرسل انتهى(٣). وأخرج البيهقي عن العبّاس الدُّوريّ،
قال: سمعت يحيى -يعني ابن معين- يقول: عبد الله بن السائب أن النبي وَلّ- صلى بهم
العيد هذا إنما هو عن عطاء، فقط، وإنما يَغْلَط فيه الفضل بن موسى السِّينَانيّ، يقول: عن
(١)- (نيل الأوطار)) ج٣ ص ٣٦٣ .
(٢)- ((شرح مسلم)) ج٦ ص١٧٨ .
(٣)- لم أجد كلام النسائي هذا في أي موضع ذكره؟، فلينظر.

١٨٩
١٦- (الزینةُ لِلخُطیة لِلعِیدیْن) - حديث رقم ١٥٧٢
عبد الله بن السائب. ثم ذكر البيهقي ما يدل على صحة ما قاله ابن معین، فأخرج بسنده عن
قَبِيصة، عن سفيان، عن ابن جُريج، عن عطاء، قال: صلى النبي ◌َّ بالناس العيد، ثم
قال: من شاء أن يذهب فليذهب، ومن شاء أن يقعد فليقعد. انتهى(١).
وتعقّبه ابن التركمانيّ، فقال: الفضل بن موسى ثقة جليل، روى له الجماعة، وقال
أبو نعيم: هو أثبت من ابن المبارك، وقد زاد ذكرَ ابن السائب، فوجب أن تُقبل زيادته،
ولهذا أخرجه هكذا مسندًا الأئمة في كتبهم، أبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، والرواية
المرسلة التي ذكرها البيهقيّ في سندها قبيصة، عن سفيان، وقبيصة، وإن كان ثقة إلا أن
ابن معين، وابن حنبل، وغيرهما ضعفوا روايته عن سفيان، وعلى تقدير صحة هذه
الرواية لا تُعلّل بها رواية الفضل لأنه سداد(٢) الإسناد، وهو ثقة انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله ابن التركماني ◌َخّْلُمُ هو المتّجه عندي،
فالحديث متصل صحيح من حديث عبد الله بن السائب تظثه ، ولا يضرّه إرسال من
أرسله، لأن الفضل بن موسى ثقة ثبت يجب قبول زيادته. والله تعالى أعلم .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا - ١٥/ ١٥٧١ - وفي ((الكبرى))١٧٧٩/١٤ - بالسند المذكور، واللَّه تعالى
أعلم .
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) ١١٥٥ (ق) ١٢٩٠ (ابن خزيمة) ١٤٦٢. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)).
١٦- (الزِّينَةُ لِلْخُطْبَةِ لِلْعِيدَيْنِ)
وفي بعض النسخ إسقاط لفظ ((العيدين)).
١٥٧٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ
(١)- ((السنن الكبرى)) ج٣ ص٣٠١.
(٢)- هكذا عبارة ((الجوهر النقيّ)) ((سداد الإسناد الخ))، ولعل صوابه ((لأنه زاد في الإسناد الخ)).
(٣)- ((الجوهر النقي)) ج٣ ص ٣٠١.

١٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَیْنِ
إِيَادٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي رِمْئَةَ، قَالَ: ((رَأَيْتُ النَّبِيِّ ◌َّهِ، يَخْطُبُ، وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ أَخْضَرَانٍ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (محمد بن بشّار) بُندار البصريّ الحافظ الثبت [١٠] ٢٧/٢٤.
٢- (عبد الرحمن) بن مهديّ الإمام الحافظ الحجة البصريّ [٩]٤٩/٤٢.
٣- (عُبيدالله بن إياد) بن لَقيط السَّدُوسيّ، أبو السَّليل(١) الكوفيّ، ثقة(٢)، ليّنه البزار
وحده [٧].
روى عن أبيه، وعبد الله بن سعيد، وكُليب بن وائل، وعبد الرحمن بن نُعيم الأعرجيّ،
والصحيح عن أبيه، عنه. وعنه ابن مهديّ، وابن المبارك، وأبو داود الطيالسيّ، وغيرهم .
قال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقة، وكان عَريف قومه. وقال يحيى بن حسّان: كان
عبد الله بن المبارك يعجب به. وقال النسائيّ: ثقة، وقال في موضع آخر: ليس به
بأس. وقال العجليّ: ثقة. وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال أبو نعيم كان ابن إياد
ثقة، وكان له صحيفة فيها أحاديثه، فإذا جاءه إنسان رمى إليه تلك الصحيفة، فكتب منها
ما أراد. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال البزار في (كتاب السنن)): ليس بالقويّ.
وقال ابن قانع، وابن منده: مات سنة (١٦٩). روى له البخاريّ في ((الأدب
المفرد»، والباقون سوى ابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط .
٤- (أبوه) إياد بن لَقِيط(٣) السّدوسيّ، ثقة [٤].
روى عن البراء بن عازب، والحارث بن حسان العامريّ، وأبي رِمْئة، وامرأة بَشير
ابن الخَصَاصيّة، وغيرهم. وعنه ابنه عُبيداللَّه، وعبد الملك بن عُمير، والثوريّ،
وعبد الملك بن سعيد ابن أبجر، ومِسعَر، وغيرهم. قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة.
وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال يعقوب بن سُفيان: ثقة. وذكره ابن حبّان في
(الثقات)). روى له البخاري في ((الأدب المفرد)»، والباقون سوى ابن ماجه، وله في هذا
الكتاب هذا الحديث فقط، وكرره خمس مرّات، برقم ١٥٧٢ و٤٨٣٢ و ٥٠٨٣
و ٥٠٨٤ و٥٣١٩ .
٥- (أبو رمثة) البَلّويّ، ويقال: التميميّ، ويقال: التيميّ، تّيم الرَّبَاب. قيل: اسمه
رِفَاعة بن يَثْربِيّ، وقيل: يَثربيّ بن رفاعة، وقيل: ابن عوف، وقيل: عُمَارة بن يثربِيّ،
(١)- بفتح المهملة، وكسر اللام، وآخره لام أيضًا. اهـ ت.
(٢)- وفي ((ت)): صدوق إلخ، والحقُّ أنه ثقة، لاتفاق الجمهور سوى البزار على أنه ثقة.
(٣)- ((إياد)) بكسر الهمزة، وتخفيف التحتانية، بعدها دال مهملة. و((لقيط)) بفتح اللام، وكسر القاف،
آخره طاء مهملة.

١٩١
١٦- (الزينةُ لِلخطیة لِلْعِيدَیْن) - حديث رقم ١٥٧٢
وقيل: حيّان بن وهب، وقيل: حَبيب بن حيّان، وقيل: خَشْخَاش. روى عن النبيّ
وَلِّ، وعنه إياد بن لقيط، وثابت بن أبي مُنقِذ. وفرق ابن عبد البرّ بين أبي رمثة التيميّ،
وبين أبي رمثة البلويّ، فذكر أن البلويّ سكن مصر، ومات بإفريقية. روی له أبو داود،
والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وكرّره خمس
مرّات، بالأرقام المذكورة في ترجمة إياد قبله. والله تعالى أعلم .
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير الصحابيّ، فقد تفرّد به هو وأبو داود، والترمذيّ. (ومنها): أن
صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا ثلاثة أحاديث عند أصحاب السنن، غير
ابن ماجه، راجع ((تحفة الأشراف)) ٢٠٨/٩- ٢٠٩. والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي رِمْئَةَ) - بكسر الراء، وسكون الميم - تقدم آنفا الاختلاف في اسمه -رضي
اللَّه تعالى عنه- أنه (قَالَ: ((رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَّهِ، يَخْطُبُ) جملة حالية من المفعول، وليست
مفعولًا ثانيًا ل((رأى))، لأنها بصريّة تتعدى إلى مفعول واحد فقط (وَعَلَيْهِ بُرْدَانٍ) بضم
الموحدة، وسكون الراء المهملة: تثنية بُرد، وهو ثوب مخطّط، جمعه أَبْراد، وأبرُد،
وبُرُود، وأَكْسية يُلتحف بها، الواحدة بهاء، قاله المجد اللغويّ(١).
والمراد هنا المعني الثاني، أي وعليه كساءان (أَخْضَرَانٍ) صفة لـ(بُردان))، والجملة في
محل نصب على الحال من المفعول أيضًا. ودلالة الحديث على الترجمة واضحة، حيث
يدلّ على استحباب التجمّل للخطبة، بلبس الأخضر .
والحديث فيه قصّة، وقد ساقها أحمد في ((مسنده)) مطولة من طرق، بألفاظ، فمنها:
عن أبي رمئة، قال: انطلقت مع أبي نحوَ رسول اللّه وَ لهر، فلما رأيته قال لي أبي: هل
تدري من هذا؟ قلت: لا، فقال لي أبي: هذا رسول اللَّه ◌َّرَ، فاقشعررتُ حين قال
ذاك، وكنت أظنّ رسول اللَّه وَ ﴿ شيئًا لا يُشبه الناس، فإذا بشر، له وَقْرة، وبها رَدْعٌ (٢)
من حنّاء، عليه ثوبان أخضران، فسلّم عليه أبي، ثم جلسنا، فتحدّثنا ساعة، ثم إن
رسول اللَّه وَلإل قال لأبي: ((ابنك هذا؟))، قال: إِي وربّ الكعبة، قال: حقًّا أشهد به،
(١)- ((القاموس)) في مادة برد.
(٢) - أي لطخ .

=
١٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِیدَیْنِ
فتبسّم رسول اللَّه وَلإ ضاحكًا من ثَبَت شَبَهِي بأبي، ومن حَلِف أبي عليّ، ثم قال: ((أما
إنه لا يجني عليك، ولا تجني عليه))، قال: وقرأ رسول اللّه وَله: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
أُخْرَى﴾ قال: ثم نظر إلى مثل السِّلْعَةُ (١) بين كتفيه، فقال: يا رسول اللَّه، إني لأَطَبُّ
الرجال، ألا أعالجها لك؟، قال: ((لا، طبيبُهَا الذي خلقها)). انتهى(٢). والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي رِمْثَة البَلَويّ رضي اللَّه تعالى عنه هذا
صحيح .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-١٦/ ١٥٧٢ - وفي ((الكبرى))١٧٨١/١٦- بالسند المذكور، وفي ٤١/
٤٨٣٢- و((الكبرى)) ٧٠٣٦/٤٠- عن هارون بن عبد الله، عن سفيان، عن عبد الملك
ابن أبجر، عن إياد، عنه، و٥٠٨٣/١٦ - و((الكبرى» ٩٣٥٦/٢١و٩٣٥٧- عن محمد
ابن بشار- وعمرو بن عليّ فرقهما- كلاهما عن ابن مهديّ، عن سفيان الثوريّ، عن
إياد، عنه، و-٥٣١٩/٩٦ - و («الكبرى» ٩٦٥٧/٩٣- عن العباس بن محمد، عن أبي
نوح، عن جرير بن حازم، عن عبد الملك بن عمير، عن إياد عنه. والله تعالى أعلم .
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) ٤٠٦٥ و٤٢٠٦ و٤٤٩٥ و٤٢٠٧ و٤٢٠٨ (ت) ٢٨١٢ وفي ((الشمائل))
٤٣ و٤٥ و٦٥ (الحميدي)٩٦٦ (أحمد) ٢٢٦/٢ و١٦٣/٤ (الدارميّ) ٢٣٩٣ و٢٣٩٤ .
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)) .
(١)- ((السَّلْعَةُ)) بكسر، فسكون: كالغدّة في الجسد، ويفتح، ويحرّك، وكعِنَبَة، أو خُرَاجٌ في العنق،
أو غُدّةٌ فيها، أو زيادةٌ في البدن، كالغدة تتحرّك إذا حرّكت، وتكون من حمّصة إلى بطيخة. أهـ
((ق)).
(٢) - انظر ((المسند)) ج٢ ص ٢٢٦ .

١٧ - (الْخُطْبَةُ عَلَى الْبَعِيرِ) - حديث رقم ١٥٧٣
١٩٣
١٧- (الْخُطْبَةُ عَلَى الْبَعِيرِ)
١٥٧٣- أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ أَبِي كَاهِلِ الْأَحْمَسِيِّ، قَالَ: ((رَأَيْتُ النَِّيَّ ◌َِّ،
يَخْطُبُ عَلَى نَاقَّةٍ، وَحَبَشِيٌّ آخِذٌ بِخِطَامِ النَّقَةِ».
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (يعقوب بن إبراهيم) الدَّورقيّ، أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [١٠]٢٢/٢١.
٢- (ابن أبي زائدة) يحيى بن زكريا الهمداني الكوفي، ثقة متقن، من كبار [٩]١٤٤/
٢٢٦ .
٣- (إسماعيل بن أبي خالد) البجلي الأحمسي الكوفي، ثقة ثبت [٤]٥/ ٤٧١.
٤- (أخوه) له أربع إخوة: أشعث، وسعيد، وخالد، والنعمان، قاله في ((ت)). وفي
(تت)) في ((المبهمات)): إسماعيل بن أبي خالد، عن أخيه، عن أبي موسى في
((الولاية)»، وعن أبي كاهل، إخوته أربعة، فذكرهم. وقال الحافظ أبو الحجاج المزي
رحمه اللّه تعالى في ((تحفة الأشراف)): اسم أخيه سعيد، وقيل: أشعث انتهى(١). وفي
(تت)) في ((الأسماء)): سعيد بن أبي خالد الأحمسي الكوفي، روى عن أبي كاهل في
خطبة النبي وَلقر، وعنه أخوه إسماعيل على اختلاف عنه فيه. قال العجليّ: إسماعيل بن
أبي خالد تابعيّ ثقة، وأخوه سعيد ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له النسائي،
وابن ماجه من حديث إسماعيل، عن أخيه، ولم يسمياه، ولأبي خالد ابنان غير هذين،
وهما النعمان، وأشعث انتهى(٢).
٥- (أبو كاهل الأحمسيّ) اسمه قيس بن عائذ، وقيل: عبد الله بن مالك، صحابي،
له عند المصنّف وابن ماجه حديث الباب فقط. رضي الله تعالى عنه. والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير أخي إسماعيل، والصحابيّ، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل
(١)- انظر ((تحفة الأشراف)) ج٩ ص ٢٧٣ .
(٢)- ((تت)) ج٢ ص ١٤ .
٠.

١٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَیْنِ
بالمدنيين. (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا حديث الباب عند
المصنّف، وابن ماجه، انظر ((تحفة الأشراف)) ٩/ ٢٧٢ -٢٧٣٠ والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
عن إسماعيل بن أبي خالد (عَنْ أَخِيهِ) هكذا في رواية يحيى بن أبي زائدة عند
المصنف، وتابعه وكيع عند أحمد، وابن ماجه، وأبو أسامة عند المصنف في
((الكبرى))، كلهم عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أخيه. ولفظ أحمد: ثنا وكيع، عن
إسماعيل بن أبي خالد، عن أخيه، عن أبي كاهل -قال إسماعيل: قد رأيت أبا كاهل-
قال: رأيت رسول اللَّه ◌َ ل يخطب الناس ... الحديث. ولفظ ابن ماجه: حدثنا محمد
ابن عبد الله بن نمير، حدثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: رأيت أبا كاهل،
وكانت له صحبة، فحدّثني أخي عنه، قال رأيت النبي وَلّ يخطب على ناقة ...
الحديث .
ووقع عند ابن ماجه ١٢٨٥- من طريق محمد بن عُبيد بلا واسطة أخيه، ولفظه:
حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا محمد بن عُبید، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد،
عن قيس بن عائذ -هو أبو كاهل- قال: رأيت النبي وَل هر يخطب على ناقة
حسناء ... فذكره، ولم يقل إسماعيل: ((عن أخيه)) انتهى.
وقال الحافظ في ((الإصابة)): وجاء هذا الحديث عن إسماعيل بن أبي خالد، عن
قيس بن عائذ، بلا واسطة. وقال البغويّ: لا أعلم له غيره. وفي ((كنى الدولابيّ)) من
وجه آخر عن إسماعيل، قال: رأيت أبا كاهل، وكان إما منا، وهلك أيام المختار. وفي
رواية البخاريّ: قال إسماعيل: وكان أبو كاهل إمام الحيّ انتهى(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: مثل هذا الاختلاف لا يضرّ، لإمكان حمله على أن
إسماعيل رواه عن أبي كاهل بواسطة أخيه، ثم سمعه منه. والله تعالى أعلم .
(عَنْ أَبِي كَاهِلِ الْأَحْمَسِيِّ) ◌َّهِ (قَالَ: ((رَأَيْتُ النَِّيَّ وَّهِ يَخْطُبُ) وفي رواية أحمد
(يخطب الناس يوم عيد)) (عَلَى نَاقَةٍ) زاد في رواية ابن ماجه: ((حَسْناء))، وعند أحمد:
((خرماء))، و((الخرماء)): هي التي شقّت أذنها عَرْضًا. أفاده في ((ق)) (وَحَبَشِيّ) الواو واو
الحال، أي والحال أن رجلًا منسوبًا إلى الحبشة، ولفظ ((الكبرى)) في ((الحجّ)) ((عبد
حبشيّ))، وذكر السنديّ أنه بلال رَزّه، ولم يذكر مُستنده، فليُنظر (آخِذٌ بِخِطَام النَّاقَةِ)
بكسر الخاء المعجمة: كلّ حبل يُعلّق في حلق البعير، ثمّ يُعقد على أنفه، سواء كان من
(١)- ((الإصابة)) ج١١ ص٣١٤.

١٩٥
١٨- قِيَامُ الإِمَام فِي الْخُطْية - حديث رقم ١٥٧٤
جلد، أو صوف، أو لِيفٍ، أو قَتَبٍ. أفاده ((في تاج العروس)) . . والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي كاهل رضي اللَّه تعالى عنه هذا حسن .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا-١٧/ ١٥٧٣ - وفي ((الكبرى)) ١٧/ ١٧٨٢ - بالسند المذكور، وفي ((كتاب
الحجّ)) من ((الكبرى)) ٤٠٩٥/٢٣٩- عن إسحاق بن منصور، عن أبي أسامة، عن
إسماعيل بن أبي خالد، عن أخيه، عن أبي كاهل عبد الله بن مالك، قال: ((رأيت رسول
اللَّهِ وَّه يخطب على ناقة آخذٌ بخطامها عبدٌ حبشيّ)). والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (ق) ١٢٨٥ - (أحمد) ٣٠٦/٤ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)) .
١٨ - قِيَامُ الإِمَام فِي الْخُطْبَةِ
١٥٧٤- أَخْبَرَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
سِمَاكِ، قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا، أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ يَخْطُبُ قَائِمًا؟ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ
﴿، يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَقْعُدُ قَعْدَةٌ، ثُمَّ يَقُومُ)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم في ٣٢/
١٤١٥ - ((باب كم يخطب؟)) رواه عن عليّ بن حُجر، عن شريك، عن سماك به، وتقدّم
شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. وبالله تعالى التوفيق .
و((خالد)): هو ابن الحارث الْهُجَيميّ، و(سماك)): هو ابن حرب، و((جابر)): هو ابن
سمرة رضي اللّه تعالى عنه .
ودلالة الحديث على الترجمة واضحة، حيث إنه يدلّ على مشروعيّة قيام الخطيب في
حال خطبته، وتقدّم الكلام على أقوال أهل العلم في حكم هذه المسألة في الباب

===
١٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ
المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)) .
١٩- (قِيَامُ الإِمَام فِي الْخُطْبَةِ،
مُتَوَكِّئًا عَلَى إِنْسَانٍ)
١٥٧٥ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ سَعِيد، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ
بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَّاءٌ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: شَهِدْتُ الصَّلَاةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَّه
فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، بِغَيْرٍ أَذَانٍ، وَلَا إِقَامَةٍ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ، قَامَ
مُتَوَكِّئَاً عَلَى بِلَالٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ النَّاسَ، وَذَكَّرَهُمْ، وَحَثَّهُمْ عَلَى
طَاعَتِهِ، ثُمَّ مَالَ، وَمَضَى إِلَى النِّسَاءِ، وَمَعَهُ بِلَال، فَأَمَرَهُنَّ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَوَعَظَهُنَّ،
وَذَكَّرَهُنَّ، وَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ حَثَّهُنَّ عَلَى طَاعَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((تَصَدَّقْنَ، فَإِنَّ
أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ))، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ، مِنْ سَفِلَةِ النِّسَاءِ، سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ، بِمَ يَا رَسُولَ
اللَّهِ؟ قَالَ: ((تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ))، فَجَعَلْنَ يَنْزِعْنَ قَلَائِدَهُنَّ، وَأَقْرُطَهُنَّ،
وَخَوَاتِيمَهُنَّ، يَقْذِفْتَهُ فِي ثَوْبٍ بِلَالٍ، يَتَصَدَّقْنَ بِهِ .
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عمرو بن عليّ) الفلّاس الصيرفي البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/٤.
٢- (يحيى بن سعيد) القطّان الإمام الحجة الثبت [٩]٤/٤.
٣- (عبد الملك بن أبي سُليمان) مَيْسَرة العَرْزَميّ الكوفي، صدوق، له أوهام [٥]٧/
٤٠٦ .
٤- (عطاء) بن أبي رباح المكي المذكور قبل ثلاثة أبواب .
٥- (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام رضي الله تعالى عنهما٣٥٠/٣١ والله
تعالى أعلم .
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الستة أصحاب الأصول بلا واسطة،

١٩٧
١٩- (قِيَامُ الإمام فِي الْخُطْبةِ، مُتَوَكِئاً ... - حديث رقم ١٥٧٥
وقد تقدّم أنهم تسعة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه جابر وَّه من
المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرٍ) رضي اللّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: شَهِدْتُ الصَّلَاةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَّه فِي
يَوْمَ عِيدٍ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ) فيه تقديم الصلاة على الخطبة، وقد تقدّم الكلام
عليَه مستوفى في ((باب صلاة العيدين قبل الخطبة)) -٩/ ١٥٦٤ - (بِغَيْرِ أَذَانٍ، وَلَا إِقَامَةٍ)
فيه أنه لا يؤذّن للعيد، وقد تقدم الكلام عليه أيضًا في باب ((ترك الأذان للعيدين)) -٧/
١٥٦٢- (فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ، قَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى بِلَالٍ) التوكّؤْ على العصا هو التحمّل
عليها، والمراد أنه كان معتمدًا على يد بلال رضي ، كما تفيده رواية ((صحيح البخاري))،
قاله السنديّ (فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ) الظاهر أن العطف هنا للتأكيد (وَوَعَظَ النَّاسَ) أي
أمرهم بالطاعة، يقال: وعَظَّه يَعِظه وَغْظًا، وعِظَة: أمره بالطاعة، ووصّاه بها، وعليه
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَحِدَةٍ ﴾ الآية [سبأ: ٤٦]، أي أُوصيكم، وآمركم،
فاتّعَظ: أي ائتمر، وكفّ نفسه، والاسم الْمَوْعِظَة، وهو واعظٌ، والجمع وعّاظ. قاله
الفيّومي (وَذَكَّرَهُمْ) من التذكير، وهو الوعظ، فيكون العطف للتأكيد (وَحَثَّهُمْ عَلَى
طَاعَتِهِ) من باب قتل: أي حرّضهم عليها (ثُمَّ مَالَ، وَمَضَى إِلَى النِّسَاءِ) أي ذهب إلى
صفّ النساء، لظنّه أن موعظته لم تصل إليهنّ، ففي حديث ابن عبّاس رَبِّهما عند
البخاري: ((فظنّ أنه لم يُسمِع النساء، فوعظهنّ، وذكّرهنّ ... )) انتهى.
(وَمَعَهُ بِلَالِ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي والحال أن بلالًا مع النبي وَّ في
ذلك الوقت (فَأَمَرَهُنَّ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَوَعَظَهُنَّ، وَذَكَّرَهُنَّ، وَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ) الظاهر
أن الحمد والثناء بعد أمرهن بالتقوى، ووعظهنّ، ويحتمل أن یکون قبل ذلك، إذ الواو
لا تفيد الترتيب على الراجح (ثُمَّ حَثَّهُنَّ عَلَى طَاعَتِهِ) يحتمل أن يكون بمعنى «فأمرهنّ
بتقوى الله الخ))، ويحتمل أنه كرّر عليهنّ الحث على الطاعة مبالغة (ثُمَّ قَالَ: تَصَدَّقْنَ،
فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ) أي أكثر جنس النساء، لا أكثر المخاطبات (حَطَبُ جَهَنَّمَ) الحطب محرّكة:
ما أُعدّ من الشجر شَبُوبًا. قاله المجد اللغويّ، وقال: الشَّبُوب - أي بالفتح -: ما توقد به
النار انتهى (فَقَالَتِ امْرَأَةٌ، مِنْ سَفِلَةِ النِّسَاءِ) بفتح السين، وكسر الفاء: الساقطة من
الناس. قال الفيّومي تَخَّْلُهُ: وتَسَفَّلَ: خلافُ جاد، ومنه قيل للأراذل: سَفِلَة بكسر
الفاء، وفلان من السَّفِلَة، ويقال: أصله سَفِلَة البهيمة، وهي قوائمها، ويجوز التخفيف،
فيُقال: سِفْلَةٌ، مثلُ كَلِمَة، وكِلْمِة انتهى .

١٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ
ووقع في رواية مسلم: ((فقالت امرأة من سِطّة النساء))، قال النووي: هكذا هو في
النسخ ((سِطَة)) بكسر السين، وفتح الطاء المخفّفة، وفي بعض النسخ ((واسطة النساء)).
قال القاضي: معناه من خيارهنّ، والوَسَطُ العدلُ والخيارُ، قال: وزعم حُذّاق شيوخنا
أن هذا الحرف مغيّر في كتاب مسلم، وأن صوابه ((من سفلة النساء)»، وكذا رواه ابن أبي
شيبة في ((مسنده))، والنسائي في ((سننه))، وفي رواية لابن أبي شيبة ((امرأة ليست من علية
النساء))، وهذا ضدّ التفسير الأول، ويعضده قوله بعده: ((سفعاء الخدين)). هذا كلام
القاضي .
قال النووي: وهذا الذي ادعوه من تغيير الكلمة غير مقبول، بل هي صحيحة، وليس
المراد بها من خيار النساء، كما فسّره هو، بل المراد امرأة من وسط النساء، جالسة في
وسطهنّ، قال الجوهريّ وغيره من أهل اللغة: يقال: وَسَطتُ القومَ أَسِطُهُم وَسْطًا،
وسِطَةً: أي توسطتُهُم انتهى(١) .
(سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ) بفتح السين، بوزن حمراء: أي فيهما تغير وسواد، السُّفْعَةُ نوع من
السواد، وليس بالكثير، وقيل: هي سواد مع لون آخر (٢). وقال الفيّوميّ: السُّفْعَة وِزَان
غُرْفة: سواد مُشْرب بحمرة، وسَفِعَ الشيءُ، من باب تَعِبَ: إذا كان لونه كذلك، فالذكر
أسفَعُ، والأنثى سَفْعَاء، مثل أحمر وحمراء انتهى. (بِمَ) وفي نسخة ((لم؟)) باللام بدل
الباء (يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) أي بأيّ سبب كان أكثرنا حطب جهنم؟ (قَالَ: ((تُكْثِرْنَ) من
الإكثار، وفي نسخة ((يُكثرن الشكاة، ويكفرن العشير)) بالياء في الموضعين (الشَّكَاةَ)
بفتح الشين، أي التشكّي. قال القرطبي: يعني التشكّي بالأزواج، أي يكتمن الإحسان،
ويُظهرن التشكّي كثيرًا انتهى (٣). (وتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ) فَعِيل بمعنى مُعاشر، مثل أُكِيل بمعنى
مؤاكل، أي تجحدن حقّ الخليط، وهو الزوج، أو أعمّ من ذلك. أفاده في ((الفتح)).
وقال القرطبي: و((العشير)): الزوج، وهو معدول عن اسم الفاعل للمبالغة، من
المعاشرةِ والعِشْرةِ، وهي الْخُلْطَة، قال الخليل: يقال: هذا عَشِيرك، وشَعِيرك على
(٤)
القلب انتهى(٤) .
وقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ: وخصّ كفران العشير من بين أنواع الذنوب لدقيقة
بديعة، وهي قوله وَلّر: ((لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد
(١)- ((شرح مسلم)) ج٦ ص ١٧٥ .
(٢)- ((زهر الربى)) ج٣ ص ١٨٧ .
(٣)- ((المفهم)) ج٢ ص٥٣١ .
(٤)- ((المفهم) ج ٢ ص ٥٣١- ٥٣٢ .

١٩- (قِيَامُ الإِمَامِ فِي الْخُطْبَةِ، مُتَوَكَثًا ... - حديث رقم ١٥٧٥
١٩٩
لزوجها»، فقرن حقّ الزوج على الزوجة بحقّ اللَّه، فإذا كفرت المرأة حقّ زوجها - وقد
بلغ من حقّه عليها هذه الغاية- كان ذلك دليلاً على تهاونها بحقّ اللَّه، فلذلك يطلق عليها
الكفر، لكنه كفر دون كفر، لا يُخرج عن الملّة انتهى (١). (فَجَعَلْن) أي أخذن وشرعن
(يَنْزِعْنَ) من باب ضرِب، أي يُخرِجن (قَلَائِدَهُنَّ) جمع قلادة بالكسر: هو ما يجعل في
العنق من الحلى (وَأَقْرُطَهُنَّ) هكذا في معظم نسخ ((المجتبى)) ((أقرطهنّ)) على وزن
أَفْعُل، ولم أجد في ((المصباح، ولا في ((القاموس))، ولا في ((اللسان)) جمع قُرْط بضمّ،
فسكون، على أقرُط، وإنما المذكور فيها جمعه على أقرِطَة، وقِرَطة، وقِرَاطِ، وقُروطٍ،
وأَقْرَاط .
فقال الفيّوميّ في ((المصباح المنير)): القُرط: ما يُعلّق في شحمة الأذن، والجمع
أَقْرِطَة، وقِرَطَة، وزان ◌ِنَبَة انتهى. وقال المجد في ((القاموس)): جمعه أَقراطٌ، وقِرَاطٌ،
وقُرُوطٌ، وقِرَطَةٌ، كقِرَدَة. انتهى، ونحوُه في ((اللسان)).
ووقع في بعض النسخ ((أقرطتهن))، وفي بعضها ((قِرَطَتهنّ))، وهما صحيحتان، ولعل
الأُولى مصحّفة من ((أقرطتهنّ)). والله تعالى أعلم.
وقال ابن دريد: كل ما علق في شحمة الأذن فهو قُرْط، سواء كان من ذهب، أو
خَرَز، وأما الْخُرْص فهو الحلقة الصغيرة من الحلي. قال القاضي: قيل: الصواب
قِرَطَتهنّ بحذف الألف، وهو المعروف في جمع قُرط، كخُرْجِ وخِرَجَة، ويقال في جمعه:
قِرَاط، كرُمْح ورِمَاح، قال: لا يبعد صحّة أقرطة، ويكون جَمَعَ جمع، أي جمع قِرَاط، لا
سيّما وقد صّحَ في الحديث انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لكن ما تقدّم في عبارة ((المصباح)) من أن ((أقرطة)) جمع
قُرْط صريح في كونه جمعًا، فلا داعي لدعوى كونه جمع جمع، فتأمل. والله تعالى أعلم .
(وَخَوَاتِيمَهُنَّ) جمع خاتم، هي: حَلْقَة ذات فَصّ من غيرها، فإن لم يكن لها فصّ
فهي فَتَخَةٌ، بفاء، وتاء مثناة من فوق، وخاء معجمة، وزان قَصَبَة. قاله الفيّوميّ (يَقْذِفْتَه
فِي ثَوْبٍ بِلَالٍ) من باب ضرب، أي يَرمينه فيه، ليصرفه النبي ◌َّ في مصارف الصدقة،
والجملة في موضع نصب على الحال من الفاعل، وذكّر الضمير في ((يقذفنه))، وكذا في
(به)) الآتي مع كون المرجع جمعًا لتأويله بالمذكور (يَتَصَدَّقْنَ بِهِ) الجملة حال أيضًا، إما
متداخلة، أو مترادفة . . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان .
(١)- راجع ((الفتح)) ج١ ص ١٠٥ طبعة الريان.
(٢)- ((شرح مسلم)) للنوي ج٦ ص١٧٦ .

٢٠٠
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَیْنِ
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفق عليه .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-١٥٧٥/١٩- وفي («الكبرى»١٧٨٤/١٩- بالإسناد المذكور، وفي ٧/
١٥٦٢- و((الكبرى))١٧٦٢/٧- عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن عبد الملك بن أبي
سليمان به، مختصرًا. وفي ((الكبرى)) ١٧٦٥/٩- عن الحسن بن قَزَعَة، عن حُصين بن
نُمير، عن حُصين بن عبد الرحمن، عن عطاء به، مختصرًا أيضًا. والله تعالى أعلم .
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٢٢/٢ و٢٦/٢ (م) ١٨/٣ و١٩/٣ (د) ١١٤١ (أحمد) ٣,٢٤٢/١/
٢٩٦ و٣١٤/٣ و٣١٨/٣ و٣٨١/٣ و٣٨٢ (الدارمي) ١٦١٠ و١٦١٨ (ابن خزيمة)
١٤٦٠. والله تعالى أعلم .
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو مشروعية قيام الإمام في الخطبة
متوكئا على إنسان .
وقد ورد أيضًا أنه وَ له خطب متكئاً على قوس، فقد أخرج أبو داود بإسناد حسن،
عن البراء بن عازب رَ ◌ّ: ((أن النبي ◌َّهِ نُوَّلَ يوم العيد قوسًا، فخطب عليه))، وأخرجه
أحمد مختصرًا، ومطولًا، ولفظه مطولايج ٢٨٢/٤ -: ثنا معاوية بن عمرو، ثنا زائدة،
ثنا أبو جناب الكلبي، حدثني يزيد بن البراء بن عازب، عن البراء بن عازب، قال: كنّا
جلوسًا في المصلَّى يوم أضحى، فأتانا رسول اللَّه وَ لّ، فسلّم على الناس، ثم قال: ((إن
أول نسك يومكم هذا الصلاة))، قال: فتقدّم، فصلّى ركعتين، ثم سلّم، ثم استقبل
الناس بوجهه، وأعطِيَ قوسًا، أو عصًا، فاتكأ عليه، فحمد الله، وأثنى عليه، وأمرهم،
ونهاهم، وقال: ((من كان منكم عجل ذبحًا، فإنما هي جزرة أطعمه أهله، إنما الذبح
بعد الصلاة))، فقام إليه خالي أبو بردة بن نيار، فقال: أنا عجلت ذبح شاتي يا رسول
اللَّه، ليصنع لنا طعام، نجتمع عليه إذا رجعنا، وعندي جَذَعَة من معز أوفَى من الذي
ذبحت، أفتُغني عنّ يا رسول الله؟ قال: ((نعم، ولن تغني عن أحد بعدك))، قال: ثم
قال: ((يا بلال))، قال: فمشى، واتبعه رسول اللَّه وَل حتى أتى النساء، فقال: ((يا معشر
النسوان، تصدّقن، الصدقةُ خير لَكُنَّ))، قال: فما رأيت يوما قطّ أكثر خَدَمَةً مقطوعة،
وقلادة، وقُرطًا من ذلك اليوم. وأبو جناب اسمه يحيى بن أبي حية، تكلموا فيه لكثرة
تدليسه، لكنه صرح هنا بالتحديث، فزالت تهمة التدليس .