Indexed OCR Text
Pages 61-80
= ٦١ ٩- (کَیْفَ يَرْفَعُ ) - حديث رقم ١٥١٣ رجلًا يرفع يديه داعيًا، فقال: من تتناول بهما، لا أمّ لك؟. وساق الطبري ذلك بأسانيده عنهم. وذكر ابن التين عن عبدالله بن عمرو بن غانم أنه نقل عن مالك أن رفع اليدين في الدعاء ليس من أمر الفقهاء، قال: وقال في ((المدونة)): ويختصّ الرفع بالاستسقاء، ويجعل بطونهما إلى الأرض. وأما ما نقله الطبريّ عن ابن عمر، فإنما أنكر رفعهما إلى حذو المنكبين، وقال: ليجعلهما حذو صدره. كذلك أسنده الطبريّ عنه أيضًا. وعن ابن عباس أن هذه صفة الدعاء. وأخرج أبو داود، والحاكم عنه من وجه آخر، قال: المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك، والاستغفار أن تشير بإصبع واحدة، والابتهال أن تمدّ يديك جميعًا. وأخرج الطبريّ من وجه آخر عنه، قال: يرفع يديه حتى يجاوز بهما رأسه. وقد صحّ عن ابن عمر خلاف ما تقدّم ، أخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرد)» من طريق القاسم بن محمد: (رأيت ابن عمر يدعو عند القاص، يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، باطنهما مما يليه، وظاهرهما مما يلي وجهه)). انتهى ما في ((الفتح))(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تَبَيَّن بما سبق من الأحاديث ثبوت رفع اليدين في الدعاء، بل بعضها يدلّ على أنه من أسباب الإجابة، كحديث سلمان المتقدم مرفوعًا: ((إن ربكم حييّ كريمٌ يستحيي من عبده ... )) الحديث، فلا ينبغي التهاون بمثل هذا الفضل العظيم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب». ٩- (کَیْفَ يَرْفَعُ ) ١٥١٣- ( أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيءٍ مِنَ الدُّعَاءِ إِلَّ فِي الاسْتِسْقَاءِ، فَإِنَّةً كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (شعيب بن يوسف) أبو عمرو النسائيّ، ثقة [١٠] تقدم ٤٩/٤٢. (١) ((الفتح)) ج٢١ ص ٤٢٨ -٤٣٠ . ٦٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِسْقَاءِ ٢- (يحيى بن سعيد القطان) البصري الإمام الحافظ الناقد الحجة [٩] تقدم٤/ ٤. ٣- (سعيد) بن أبي عروبة البصريّ، ثقة حافظ يُدَلْس، واختلط [٦] تقدم ٨٣/٣٤. ٤- (قتادة) بن دعامة البصريّ، ثقة ثبت مدلس [٤] تقدم ٣٤/٣٠. ٥- (أنس) بن مالك تَظثه، تقدم٦/٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فإنه نسائيّ. (ومنها): أن فيه أنساً رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات تَّه سنة (٢) أو (٩٣) وقد جاوز مائة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن قتادة، عَنْ أَنَسٍ) رضي الله تعالى عنه، وفي رواية للبخاري من طريق يزيد بن زريع، عن سعيد ، عن قتادة، ((أن أنسًا حدثهم)). فانتفت تهمة تدليس قتادة (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيءٍ مِنَ الدُّعَاءِ إِلَّا فِي الاسْتِسْقَاءِ) ظاهره نفي الرفع في كلّ دعاء غير الاستسقاء، وهو مُعارَض بالأحاديث السابقة التي أثبتت الرفع في غير الاستسقاء، وقد تقدم أنها كثيرة. فذهب بعضهم إلى أن العمل بها أولى، وحَمَلَ حديث أنس على نفي رؤيته، وذلك لا يستلزم نفي رؤية غيره. وذهب آخرون إلى تأويل حديث أنس المذكور لأجل الجمع بأن يُحمل النفي على صفة مخصوصة، إما على الرفع البليغ، ويدلّ عليه قوله: ((حتى يُرَى بياضُ إبطيه))، ويؤيده أن غالب الأحاديث التي وردت في رفع اليدين في الدعاء إنما المراد به مدّ اليدين وبسطهما عند الدعاء، وكأنه عند الاستسقاء مع ذلك زاد، فرفعهما إلى جهة وجهه حتى حاذتاه، وبه حينئذ يرى بياض إبطيه، وإما على صفة رفع اليدين في ذلك، كما رواه مسلم من رواية ثابت، عن أنس: ((أن رسول الله وَلقل استسقى، فأشار بظهر كفيه إلى السماء)»، ولأبي داود من حديث أنس أيضا: ((كان يستسقي هكذا، ومدّ يده، وجعل بطونهما مما يلي الأرض ، حتى رأيت بياض إبطيه)). قال النووي: قال العلماء: السنة في كلّ دعاء لرفع البلاء أن يرفع يديه جاعلاً ظهور كفيه إلى السماء، وإذا دعا بسؤال شيء، وتحصيله أن يجعل كفيه إلى السماء انتهى. ٦٣ ٩- (کَیْفَ يَرْفَعُ ) - حديث رقم ١٥١٤ وقال غيره: الحكمة في الإشارة بظهور الكفّين في الاستسقاء دون غيره للتفاؤل بتقلب الحال ظهراً لبطن، كما قيل في تحويل الرداء، أو هو إشارة إلى صفة المسؤول ، وهو نزول السحاب إلى الأرض، انتهى(١) . (فَإِنَةٌ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ) ببناء (يُرى)) للمفعول، و((بياض)) بالرفع نائب فاعله. وفيه استحباب المبالغة في رفع اليدين في دعاء الاستسقاء . . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا ١٥١٣/٩- وفي ((الكبرى)) ١٨١٧/٧- بالإسناد المذكور. وفي ٥٢/ ١٧٤٨ - و)) الكبرى)) - ١٤٣٦/٦١- عن محمد بن بشار، عن عبدالرحمن بن مهديّ، عن شعبة، عن ثابت ، عنه. وأخرجه (خ) ٣٩/٢ و٢٣١/٤ (م)٢٤/٣ (د) ١١٧٠ (ق) ١١٨٠ (أحمد)٣/ ١٨١ و٢٨٢/٣ (الدارمي) ١٥٤٣ (ابن خزيمة)١٤١١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ١٥١٤- (أَخْبَرَنَا قُتَنِيَّةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّخْم،َ عَنْ آبِي اللَّخْمِ، أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ وَّه عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ، يَسْتَسْقِي، وَهُوَ مُقْنِعَ بِكَفَّيْهِ يَدْعُو). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١- ( قتيبة) بن سعيد تقدم قريباً. ٢- (الليث) بن سعد الإمام الحافظ الحجة المصريّ [٧] تقدم ٣٥/٣١. ٣- (خالد بن يزيد) الجُمحيّ، أبو عبدالرحيم المصريّ، ثقة فقيه [٦] تقدم ٤١/ ٦٨٦. ٤- (سعيد بن أبي هلال) الليثي مولاهم المصريّ، صدوق [٦] تقدم ٤١ / ٦٨٦. ٥- (يزيد بن عبدالله) بن أسامة بن الهاد الليثي المدني، ثقة مكثر [٥] تقدم ٧٣ / ٩٠ . ٦- (عُمير مولی آبي اللحم) الغفاريّ، له صحبة، شهد خیبر مع موالیه. وروى عن (١) ((فتح) ج٣ ص ٢١٢ . ٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِسْقَاءِ النبي وَلّ، وعن مولاه. وروى عنه محمد بن إبراهيم التيميّ، ومحمد بن زيد بن المهاجر بن قُنفُذ، ويزيد بن عبدالله بن الهاد، ويزيد بن أبي عُبيد، وغيرهم. أخرج له الجماعة إلا البخاريّ، وله عند مسلم حديث الصدقة بغير إذن المولى، وعند المصنف في هذا الكتاب هذا الحديث، والحديث الذي عند مسلم أيضاً، وسيأتي برقم ٢٥٣٧ . ٧- (آبي اللحم) الغفاريّ، له صحبة ، قيل: اسمه عبدالله، وقيل: خَلَف، وقيل: الحويرث، وهو بألف ممدودة، اسم فاعل من أبى ، بمعنى امتنع، وإنما قيل له: ذلك لأنه كان لا يأكل ما ذُبح على الأصنام. له عن النبي وّل حديث واحد في الاستسقاء. روى عنه عُمير مولاه، قيل: قُتل يوم حُنين، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين(١) إلى سعيد بن أبي هلال، وبعده بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ آبِي اللَّخم) رضي الله تعالى عنه، هكذا عند المصنف، والترمذي، أنه من مسند آبي اللحم، لا من مسند عُمير، قال الترمذيّ بعد إخراجه: كذا قال قتيبة في هذا الحديث: ((عن آبي اللحم))، ولا نعرف له عن النبي ◌َّ إلا هذا الحديث الواحد، وعُمير مولى آبي اللحم قد روى عن النبي ◌َّ أحاديث، وله صحبة. انتهى. لكن أخرجه أحمد عن قتيبة شيخ المصنف، والترمذيّ بسندهما عن عُمير مولى آبي اللحم، أنه رأى رسول الله ◌َلچل ، فجعله من مسند عمیر، لا مسند مولاه، وكذلك رواه الحاكم في ((المستدرك)) ج١ ص ٣٢٧ من طريق يحيى بن بكير ، عن الليث به. ورواه أبو داود عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن حيوة بن شريح، وعُمر بن مالك، كلاهما عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن عمير مولى بني آبي اللحم أنه رأى النبي وقال يستسقي ... الحديث، فجعله من مسند عمير. قال العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله في تعليقه على ((الترمذي)) جـ٢ ص ٤٤٤ : فلعل قتيبة لم يحفظ هذا الحديث جيّداً، فكان يرويه مرّة هكذا ، ومرة هكذا، وقد أخطأ (١) وقتيبة، وإن كان بغلانيا، إلا أنه دَخَلَّ مصر. = ٦٥ = ٩- (کَیْفَ یَرْفَعُ) - حديث رقم ١٥١٤ في إسناده خطأ آخر ، إذ جعل الرواية عن يزيد بن عبدالله بن الهاد، عن عمير مباشرة، والصواب أن يزيد رواه عن محمد بن إبراهيم التيميّ، عن عُمير، كما في رواية أحمد، وأبي داود من طريق حيوة، وعُمر بن مالك، عن ابن الهاد انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: ورواه الحاكم ج١ ص ٣٢٧ من طريق يحيى بن بكير، عن الليث، فجعله من حديث عُمير مولى آبي اللحم، ولم يذكر ((عن آبي اللحم))، وقال: صحيح الإسناد، وعُمير مولى آبي اللحم له صحبة انتهى. وهذا يؤيد أن الحديث من مسند عمير، لا من مسند مولاه آبي اللحم، ووافق الذهبي الحاكم في تصحيح الحديث، لكن زاد في السند ((عن آبي اللحم)). وروى أحمد ج٤ ص ٣٦ ، وأبو داود من طريق شعبة عن عبد ربه بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، أخبرني من رأى النبي ◌ِّر ((يدعو عند أحجار الزيت باسطًا كفيه)). اللفظ لأبي داود، قال الحافظ في مبهمات ((التقريب))، ول)تهذيب التهذيب)): محمد بن إبراهيم: أخبرني من رأى النبي وَلّ عند أحجار الزيت، هو عُمير مولى آبي اللحم انتهى. وهذا أيضاً يرجّح كون الحديث من مسند عمير، لا من مسند مولاه. والحاصل أن الراجح كونه من مسند عمير، لا من مسند مولاه آبي اللحم. والله تعالى أعلم. (أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ بِهِ عِنْدَ أَخْجَارِ الزَّيْتِ) هو موضع بالمدينة من الحرّة ، سمي بذلك لسواد أحجاره، كأنها طُليت بالزيت. ولفظ أبي داود: ((عن عمير مولى بني آبي اللحم، أنه رأى النبي ◌ِّله يستسقي عند أحجار الزيت، قريبا من الزوراء، قائماً يدعو، يستسقي، رافعاً يديه قِبَل وجهه، لا يجاوز بهما رأسه))، ونحوه لأحمد، وزاد: ((مقبل بباطن كفيه إلى وجهه)). والزوراء - بفتح الزاي، وسكون الواو، بعدها راء ممدودة - : موضع عند سوق المدينة (يَسْتَسْقِي) جملة في محلّ النصب على الحال من ((رسول الله)) (وَهُوَ مُقْنِعٌ بِكَفَّيْهِ) اسم فاعل من أقنع: يقال: أقنع الرجل بيديه في القنوت: مَدَّهما، واسترحم ربه، مستقبلًا ببطونهما وجهه ليدعو، قاله في ((اللسان))(١) . فتبين بهذا أن الإقناع هو رفع اليدين جاعلا باطنهما إلى وجهه، وهو معنى ما تقدّم في رواية أحمد، وأبي داود، وهو محلّ استدلال المصنف على الترجمة، حيث إن فيه بيان كفية الرفع. ومحل الجملة نصب على الحال، وكذا قوله (يَذْعُو) فهي من الأحوال المترادفة، أو (١) ((لسان العرب)» في مادة قنع. ٦٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِسْقَاءِ المتداخلة(١) والحديث يدلّ على استحباب رفع اليدين، مستقبلًا ببطونهما وجهه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث صحيح، لكن من مسند عمير مولى آبي اللحم، لا من مسند مولاه. كما تقدم تحقيقه. والله تعالى أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا١٥١٤/٩. وفي ((الكبرى)) ١٨٢٠/٨- بالسند المذكور. وأخرجه (ت) ٥٥٧. وأخرجه (د) من مسند عُمير مولى آبي اللحم ١١٦٨ و(أحمد)٢٢٣/٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٥١٥- ( أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا(٢) اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ - وَهُوَ الْمَقْبُرِيُّ -عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: بَيْنَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ وَّهِ يَخْطُبَ النَّاسَ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَقَطَّعَتِ (٣) السُّبُلُ، وَهَلَكَتِ الْأَمْوَالُ، وَأَجْدَبَ الْبِلَادُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيْنَا، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ، حِذَاءَ وَجْهِهٍ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ اسْقِنَا، فَوَاللَّهِ مَا نَزَّلَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ عَنِ الْمِنْبَرِ، حَتَّى أُوسِعْنَا مَطَرًا، وَأُمْطِزْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ إِلَى (٤) الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، فَقَامَ رَجُلٌ لَّا أَدْرِيَ هُوَ الَّذِي قَالَ لِرَسُولِ اللّهِ وَّهِ: اسْتَسْقِ لَنَا أَمْ لَا؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ انْقَطَعَتِ (٥) السُّبُلُ، وَهَلَكَتِ الْأَمْوَالُ، مِنْ كَثْرَةِ الْمَاءِ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُمْسِكَ عَنَّا الْمَاءَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا ، وَلَكِنْ عَلَى الْجِبَالِ، وَمَتَابِتِ الشَّجَرِ))، قَالَ: وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ تَكَلَّمَّ رَسُولُ اللّهِ بِهِ بِذَلِكَ، تَمَزَّقَ السَّحَابُ، حَتَّى مَا تَرَى مِنْهُ شَيْئًا(٦) ). (١) أي إن قدرنا أن الأحوال الثلاثة من ((رسول الله)) فهي مترادفة، أو الأول منه، والثاني من فاعل الأول، والثالث من فاعل الثاني، فهي متداخلة. (٢) وفي نسخة ((أخبرنا)). (٣) وفي نسخة ((انقطعت)). (٤) وفي نسخة ((حتى الجمعة)). (٥) وفي نسخة ((تقطعت)). (٦) وفي نسخة ((حتى ما يُرى منه شيءٍ)). ٦٧ ٩- (کَیَفَ یَرْفَعُ ) - حدیث رقم ١٥١٥ = قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متفق عليه، وتقدم تمام البحث فيه في ١/ ١٥٠٤ - فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادته، بل أذكر ما لم يُذكر هناك، فممن لم يتقدم هناك من رجال إسناده : ١- (عيسى بن حماد) بن مسلم التُّجِيبي، أبو موسى المصري، الملقّب ((زُغْبة))، ثقة [١٠] تقدم ٢١١/١٣٥. ٢- (الليث) بن سعد تقدم في السند الماضي. ٣- (سعيد المقبري) بن أبي سعيد، أبو سَعْد المدني، ثقة تغير قبل موته بأربع سنين [٣] تقدّم ٩٥/ ١١٧ . قوله: ((وأجدبت البلاد))، ((الجَذْبُ)): هو الْمَحْلُ وزنا ومعنى، وهو انقطاع المطر، ويُبسُ الأرض، يقال: جَدُبَ البلدُ - بالضمّ- جُدُوبةٌ، فهو جَذْبٌ، وجَدِيب، وأرضِّ جَذْبَةٌ، وجَدُوبٌ، وأجدَبَتْ إجدابًا، وجَدِبَت تَجَدَبُ ، من باب تَعِبَ مثله، فهي مُجْدبة، والجمع مَجَاديبُ، وأجدب القومُ إجدابًا : أصابهم الجَذْب. قاله في ((المصباح)). وقوله: ((يسقينا)) بفتح الياء، وضمها، يقال: سقانا الله الغيث، وأسقانا، قال الله تعالى: ﴿وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا لَهُورَا﴾ [الإنسان: ٢١]، وقال: ﴿لَأَسْقَيْنَهُم مََّ غَدَقًا﴾ [الجنّ: ١٦]. وقوله: ((اسقنا» بوصل همزته، وقطعها. وقوله: ((حتى أَوسعنا مطرًا)) بالبناء للمفعول، والضمير نائب فاعله، و»مطرًا)) منصوب على التمييز، ويحتمل أن يكون بالبناء للفاعل، والفاعل ضمر يعود إلى الله، أو إلى ((رسول الله))، أي أوسعنا بسبب دعائه مطرًا، أو إلى الدعاء. وقوله: ((وأُمطرنا)) بالبناء للمفعول. وقوله: ((حوالينا)) منصوب على الظرفية لفعل مقدر، أي أنزل الغيث حوالينا. قال ابن منظور ◌َّلهُ: وهو حَوْلَهُ، وحَوْلَيْه، وحَوَالَيْهِ، وحَوَالَهُ، ولا تقُل: حَوَالِيهِ - بكسر اللام -. وقال في ((التهذيب)): والحَوْلُ اسم يَجمع الحَوَالَيْ، يقال: حَوَالَي الدارِ، كأنها في الأصل حَوَالَيْنِ، كقولك: ذو مال، وأولو مال. قال الأزهريّ: يقال: رأيت الناس حوَالَهُ، وحَوَالَيْهِ، وحَوْلَهُ، وحَوْلَيْهِ، فَحَوَالَه وُخْدَانُ حَوَالَيْهِ، وأما حَوْلَيْهِ فهي تثنية خَوْلَهُ، وفي حديث الاستسقاء: ((اللهمّ حوالينا، ولا علينا)) ، يريد: اللهمّ أنزل الغيث علينا في مواضع النبات، لا في مواضع الأبنية، من قولهم: رأيت الناس حَوَالَيْهِ، أي شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِسْقَاءِ مُطيفين به من جَوَانبه انتهى كلام ابن منظور باختصار(١). وقوله: ((ما هو)) ((ما)) نافية، و))هو)) ضمير شأن، أي ما الأمر والشأن، ((إلا أن تكلم الخ)) أي بأن تكلم، والباء المقدرة بمعنى المصاحبة والمقارنة، والجارّ والمجرور متعلق بـ«تمزّق))، والمعنى : ما الشأن إلا تمزّق السحاب، وتقطّع تمزّقًا متصلًا ومقرونًا مع تكلمه و الر بذلك الكلام. أفاده السندي رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. )) إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ١٠- (ذِكْرُ الدُّعَاءِ) ١٥١٦- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو هِشَامِ الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ حَدَّثَنِي وُهَيْبٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَالَ اللَّهُمَّ اسْقِنَا). رجال هذا الإسناد : خمسة : ١- (محمد بن بشار) أبو بكر بُندار البصري، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٢٤ / ٢٧. ٢- (أبو هشام المغيرة بن سلمة) المخزومي البصريّ، ثقة ، من صغار [٩] تقدم ٨١٥/٢٨ . ٣- (وُهيب) بن خالد البصري، ثقة ثبت [٧] تقدم ٤٢٧/٢١. ٤- ( يحيى بن سعيد) الأنصاري المدني، ثقة ثبت [٥] تقدم ٢٣/٢٢ . ٥- (أنس) بن مالك تَظّه تقدم في الذي قبله. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم الكلام على تخريجه في الحديث رقم ١٥٠٤/١، واستدلال المصنف به على ما ترجم له واضح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٥١٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ(٢) عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ -وَهُوَ الْعُمَرِيُّ - عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ يَخْطُبُ يَوْمَ (١) ((لسان العرب)) في مادة حول. (٢) وفي بعض النسخ ((ثنا)). ٦٩ ١٠- ( ذِكْرُ الدُّعَاءِ) - حديث رقم ١٥١٧ الْجُمُعَةِ، فَقَامَ إِلَيْهِ النَّاسُ، فَصَاحُوا، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَحَطَتِ الْمَطَرُ، وَهَلَكَتِ الْبَهَائِمُ ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا، قَالَ: ((اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا))، قَالَ: وَائِمُ اللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً مِنْ سَحَابٍ، قَالَ: فَأَنْشَأَتْ سَحَابَةٌ، فَانْتَشَرَتْ، ثُمَّ إِنََّا أَمْطِرَتْ، وَنَزَلَّ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ، فَصَلَّى، وَانْصَرَفَ النَّاسُ(١) فَلَمْ تَزَلْ تَمْطُرُ (٢) إِلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ(٣) وَلَهِ يَخْطُبُ، صَاحُوا إِلَيْهِ، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ (٤) يَخْبِسَهَا عَنَّا، فَتَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ، وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلَا عَلَيْنَا، فَتَقَشَّعَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ، فَجَعَلَتْ تَمْطُرُ حَوْلَهَا، وَمَا تَمْطُرُ بِالْمَدِينَةِ قَطْرَةً، فَنَظَرْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَإِنَّا لَفِي مِثْلِ الْإِحْلِيلِ). رجال هذا الإسناد : خمسة : ١- (محمد بن عبدالأعلى) الصنعاني البصريّ، ثقة [١٠] تقدم ٥/٥ . ٢- (المعتمر) بن سليمان التيمي، أبو محمد البصري الملقّب بـ((الطفيل))، ثقة، من كبار [٩] تقدم ١٠/ ١٠. ٣- (عبيدالله بن عمر العمريّ) أبو عثمان المدني، ثقة ثبت [٥] تقدم ١٥/ ١٥ . ٤- (ثابت) بن أسلم البناني، أبو محمد البصريّ، ثقة عابد [٤] تقدّم ٤٥/ ٥٣. ٥- (أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه تقدم قريبًا . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متفق عليه، وتقدم تمام البحث فيه في ١/ ١٥٠٤ - فلا حاجة إلى إعادته. قوله: ((اسقنا)» بوصل الهمزة، وقطعها. وقوله: ((وايم الله)) مختصر من ((أيمن اللَّه))، بحذف الهمزة، والنون، ويختصر أيضًا ثانيًا، فيقال: ((مُ اللَّه))، بضم الميم، وكسرها. وإضافته إلى لفظ الجلالة واجبة، وهو مبتدأ محذوف الخبر وجوبًا، أي أيم اللَّه قسمي، أو خبر لمحذوف كذلك، أي قسمي أَيْمُ اللَّه(٥) . وقال الفيوميّ: ((أَيْمُن)) اسم مستعمل في القسم، والتُزم رفعه، كما التُزم رفع ((لَعَمْرُ اللَّه))، وهمزته عند البصريين وصلٌ، واشتقاقه عندهم من اليُمْنِ، وهو البركة، وعند (١) وفي بعض النسخ أن لفظة ((الناس)) ساقطة، وعليه فالفاعل ضمير الرسول وَل قول. (٢) وفي بعض النسخ ((فلم يزل يمطر)). (٣) وفي نسخة ((النبي)). (٤) وفي نسخة بإسقاط ((أن)). (٥) انظر ((حاشية الخضري على الخلاصة)) ج٢ ص ٢٩٥ . = ٧٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِسْقَاءِ الكوفيين قطعٌ، لأنه جمع يمين عندهم. انتهى(١). وقوله: ((قَزَعَة من سحاب)) بفتحتين: أي قطعة من غيم، قال أبو عبيد: وأكثر ما يكون ذلك في الخريف. وقال الفيّوميّ: القَزَعُ: القِطَعُ من السحاب المتفرّقة، الواحدة فَزَعَة، مثلُ قَصَبٍ وقَصَبَة، قال الأزهريّ: وكل شيئ يكون قِطَعًا متفرقة فهو قَزَعْ. انتھی . وقوله: ((أنشأت سحابة)) أي خرجت سحابة. وقوله: ((أمطرت)) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير السحابة. وقوله: ((تمطر)) بالبناء للفاعل، وهو من أمطرت رباعيًا، ويحتمل أن يكون مطرت ثلاثيّا ، كما تقدم. وقوله: ((فتقشعت)): أي أقلعت، وتصدّعت السحابة التي كانت تمطر. وقوله: ((وإنها لفي مثل الإكليل)) الضمير للمدينة، والإكليل، وهو بكسر الهزة، وسكون الكاف كل شيء دار بين جوانب الشيء، أي صارت حول المدينة كالدائرة حول الشيء، فصار كأن المدينة في مثل الدائرة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٥١٨ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ: قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللَّهِ وَهِ قَائِمٌ يَخَطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَائِمًا، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه وَسَلَّمَ عَلَيْكَ هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُغِيثَنَا، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ أَغِثْنَا ، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا))(٢) قَالَ أَنَسٌَّ: وَلَا وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابَةٍ، وَلَا قَزَعَةٍ ، وَمَا بَيْتَنَا وَبَيْنَ سَلْعِ مِنْ بَيْتٍ، وَلَا دَارٍ، فَطَلَعَتْ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ، وأَمْطَّرَتْ، قَالَ أَنَسٌ: وَلَا وَاللّهِ(٣) مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا (٤)، قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ وَهِ قَائِمْ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْكَ هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُمْسِكَهَا عَنَّ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَدَيْهِ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا(٥) وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآَكَامِ ، وَالظُّرَابِ، وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ))، قَالَ: فَأَقْلَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي (١) ((المصباح المنير)) جـ ٢ ص ٦٨٢. (٢) وفي نسخة بدون تكرار «اللَّهم أغثنا)). (٣) وفي نسخة ((فلا واللَّه)). (٤) وفي نسخة ((سّا))، وفي أخرى ((سبعًا)). (٥) وفي نسخة ((حولنا)). ٧١= ١٠- (ذِكْرُ الدُّعَاءِ) - حديث رقم ١٥١٨ الشَّمْسِ، قَالَ شَرِيكُ: سَأَلْتُ أَنَسّا، أَهُوَ الرَّجُلُ الْأَوَّلُ؟ قَالَ: لَا). قالَ الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في ١/ ١٥٠٤، فممن لم يتقدم هناك من رجال إسناده: ١- (عليّ بن حُجْر) السعديّ المروزي نزيل بغداد، ثقة حافظ، من صغار [٩] تقدم ١٣/ ١٣ . ٢- (إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الأنصاري، أبو إسحاق المدني، ثقة ثبت [٨] تقدم١٦ / ١٧ . قوله: ((أن يغيثنا)) قيل: فتح أوله أشهر من ضمه ، من غاث اللَّهُ البلادَ يَغِيثُها: إذا أرسل إليها المطر. وقوله: ((اللّهم أغثنا)) قال القاضي عياض، والقرطبيّ: كذا الرواية بالهمزة ، رباعيّا، أي هب لنا غَيْئًا، والهمزة فيه للتعدية. وقيل: صوابه غِثْنا، لأنه من غاث، قال: وأما أغثنا، فإنه من الإغاثة، بمعنى المعونة، وليس من طلب الغيث. قال القرطبي: والأول (١) أصوب انتهى" وقال السندي بعد ما ذكر نحو ما تقدّم: والإعانة أيضًا مناسبة للمقام في الجملة، كأن المراد أعنّا على طاعتك برزقك انتهى (٢). وقوله: «ما نرى من سحابة))، أي مجتمعة، ((ولا قزعة)) أي سحاب متفرّق، قال ابن سيده: القَزّع قِطَعٌ من السحاب رِقَاقٌ. قاله في ((الفتح)). وقوله: ((سلع)) بفتح المهملة، وسكون اللام: جبل معروف بالمدينة، وقد حكي أنه بفتح اللام. وقوله: ((من بيت، ولا دار))، أي يحجبنا عن رؤيته، وأشار بذلك إلى أن السحاب كان مفقودًا، لا مستترًا ببيت، ولا غيره، ووقع في رواية للبخاري في («علامات النبوّة)): ((قال أنس: وإن السماء لفي مثل الزجاجة)، أي لشدّة صفائها، وهذا مشعر بعدم السحاب أيضًا. وقوله: ((فطلعت)) أي ظهرت. وقوله: ((مثل الترس)) أي مستديرة ، ولم يُرد أنها مثله في القدر لأن في رواية حفص بن عبيدالله عند أبي عوانة: ((فنشأت سحابة مثل رجل الطائر، وأنا أنظر إليها))، فهذا يُشعر بأنها كانت صغيرة، وفي رواية ثابت عند البخاريّ : ((فهاجت ريح أنشأت سحابًا، ثم اجتمع))، وفي رواية قتادة («فنشأ السحاب بعضه إلى (١) راجع ((المفهم)) ج٢ ص٥٤٣ . (٢) ((شرح السندي)) ج٣ ص ١٦١ . = ٧٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِسْقَاءِ بعض))، وفي رواية إسحاق ((حتى ثار السحاب أمثال الجبال))، أي لكثرته، وفيه: ((ثم لم ينزل عن منبره حتى رأينا المطر يتحادر على لحيته))، وهذا يدلّ على أن السقف وكَفَ لكونه كان من جريد النخل. وقوله: (فلما توسطت السماء انتشرت» هذا یشعر بأنها استمرّت مستديرة حتى انتهت إلى الأفق، فانبسطت حينئذ، وكأن فائدته تعميم الأرض بالمطر. وقوله: ((ما رأينا الشمس سبتًا)) كناية عن استمرار الغيم الماطر، وهذا في الغالب ، وإلا فقد يستمرّ المطر، والشمس بادية، وقد تُحجب الشمس بغير مطر. وأصرح من ذلك رواية إسحاق بلفظ: ((فمُطرنا يومنا ذلك، ومن الغد، ومن بعد الغد، والذي يليه حتى الجمعة الأخرى)). وأما قوله: ((سبتا)) فوقع للأكثر بلفظ ((السبت)) -يعني أحد الأيام- والمراد به الأسبوع، وهو من تسمية الشيء باسم بعضه، كما يقال: ((جمعة))، قاله صاحب ((النهاية))، قال: ويقال: أراد قطعة من الزمان. وقال الزين ابن المنير: قوله: ((سبتًا)) أي من السبت إلى السبت، أي جمعةً. وقال المحبّ الطبريّ مثله، وزاد أن فيه تجوّزًا، لأن السبت لم يكن مبدأ ، ولا الثاني منتهى، وإنما عبّر أنس بذلك لأنه كان من الأنصار، وكانوا قد جاوروا اليهود، فأخذوا بكثير من اصطلاحهم، وإنما سمّوا الأسبوع سبتًا لأنه أعظم الأيام عند اليهود، كما أن الجمعة عند المسلمين كذلك. وحكى النوويّ تبعًا لغيره كثابت في ((الدلائل)) أن المراد بقوله: ((سبتًا)) قطعة من الزمان، ولفظ ثابت: الناس يقولون: معناه من سبت إلى سبت، وإنما السبت قطعة من الزمان، وأن الداوديّ رواه بلفظ: ((ستّا)) وهو تصحيف. قال الحافظ: وتعُقّب بأن الداوديّ لم ينفرد بذلك، فقد وقع في رواية الحمويّ ، والمستملي هنا ((ستّا)). وكذا رواه سعيد بن منصور، عن الدراورديّ، عن شريك، ووافقه أحمد من رواية ثابت، عن أنس، وكأن من ادعى أنه تصحيف استبعد اجتماع قوله: ((سبتا))، مع قوله في رواية إسماعيل بن جعفر: ((سبعًا))، وليس بمستبعد، لأن من قال: ((ستّا)) أراد ستة أيام تامة، ومن قال: ((سبعًا)) أضاف أيضًا يوما ملفّقًا من الجمعتين . وقد وقع في رواية مالك، عن شريك: ((فمطرنا من جمعة إلى جمعة))، وفي رواية للنسفي ((فدامت جمعة))، وفي رواية عبدوس والقابسيّ فيما حكاه عياض ((سبتنا»، كما يقال: ((جمعتنا)). وفي رواية قتادة ((فمطرنا، فما كدنا نصل إلى منازلنا))، أي من كثرة ٧٣ ١٠- ( ذكرُ الدُّعَاءِ) - حديث رقم ١٥١٨ المطر. وفي رواية ثابت عند البخاري (( فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا»، ولمسلم من رواية ثابت (( فأمطرنا حتى رأيت الرجل تهمه نفسه أن يأتي أهله)). ولابن خزيمة من رواية حميد ((حتى أهمّ الشابّ القريب الدار الرجوع إلى أهله)). وللبخاريّ من طريق قتادة ((حتى سالت مَثَاعب المدينة))، ومثاعب جمع مَثْعَب بالمثلثة وآخره موحّدة: مسيل الماء. أفاده في ((الفتح))(١). وقوله: ((حوالينا)) بفتح اللام، أي أنزل المطر حوالينا، وتقدم الكلام في لفظ ((حوالينا)). وقوله: ((ولا علينا)) فيه بيان المراد بقوله: ((حوالينا)) لأنها تشمل الطرق التي حولهم ، فأراد إخراجها بقوله: ((ولا علينا)). قال الطيبيّ: في إدخال الواو هنا معنى لطيف، وذلك أنه لو أسقطها لكان مستسقيًا للآكام، وما معها فقط، ودخول الواو يقتضي أن طلب المطر على المذكورات ليس مقصودًا لعينه، ولكن ليكون وقاية من أذى المطر، فليست الواو مخلصَّةً للعطف، ولكنها للتعليل، وهو كقولهم: تَجوع الحرّة، ولا تأكل بثدييها، فإن الجوع ليس مقصودًا لعينه، ولكنه لكونه مانعًا عن الرضاع بأجرة، إذ كانوا يكرهون ذلك أَنَّفًّا انتهى (٢). وقوله: ((اللَّهم على الآكام)) فيه بيان المراد بقوله: ((حَوّالينا))، وتقدم الكلام على لفظ ((الآکام)). وقوله: ((والظراب)) بكسر المعجمة، وآخره موحدة ، جمع ظَرِب بكسر الراء، وقد تسكّن، وقال القزّاز: هو الجبل المنبسط ليس بالعالي. وقال الجوهريّ: الرابية الصغيرة . وقوله: ((فأقلعت)) أي انقطعت السماء، أي السحاب الماطرة، والمعنى أنها أمسكت عن المطر على المدينة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب». (١) (فتح) ج٣ ص١٩٤ - ١٩٥. (٢) راجع ((الفتح)) ج٣ ص١٩٦. ٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِسْقَاءِ ١١- (بَابُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الدُّعَاءِ) ١٥١٩ - (قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَيُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِ عَبَّدُ بْنُ تَمِيمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَمَّهُ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ وَآلِهَ يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ يَوْمًا يَسْتُسْقِي، فَحَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ يَدْعُوَ اللَّهَ، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، قَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: فِي الْحَدِيثِ: ((وَقَرَأَ فِيهِمَا))). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه في ٢/ ١٥٠٥ و١٥٠٩/٥- وممن لم يتقدم هناك من رجاله: ١- (الحارث بن مسكين) المصريّ، ثقة فقيه [١٠] تقدم ٩/ ٩. ٢- (ابن وهب) عبدالله المصري الحافظ الثبت [٩] تقدم ٩/ ٩. ٣- (يونس) بن يزيد الأيليّ، ثقة ثبت [٧] تقدم ٩/ ٩. واستدلال المصنف على ما ترجم له واضح، فإنه يدلّ على أن الصلاة بعد الدعاء، حيث أتى بـ((ثمّ)) الدالّة على الترتيب والمهلة، وقد تقدم تحقيق القول في ذلك في ٥٪ ١٥٠٩- وأن الراجح جواز التقديم والتأخير. [واعلم]: أن حديث الباب يدلّ على مشروعية الصلاة للاستسقاء، وهو مذهب جمهور العلماء، وخالف فيه طائفة من علماء الكوفة، منهم النخعيّ، وهو قول أبي حنيفة، قالوا: إنما يستحبّ في الاستسقاء الدعاء ، والاستغفار خاصّة. وهؤلاء يعتذر لهم-كما قال الحافظ ابن رجب- بأنه لم تبلغهم سنة الصلاة كما بلغ الجمهور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب». ٧٥ ١٣ - (كَيْفَ صَلَةُ الاسْتِسْقَاءِ) - ١٥٢١ ١٢- (كَمْ صَلَاةُ الاسْتِسْتِقَاءِ) ١٥٢٠- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ يَخْتِى، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبَّدِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ وَّهُ خَرَجَ يَسْتَسْقِي، فَصَلَّىَ رَكْعَتَيْنٍ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متفق عليه، كما سبق بيانه في ٢/ ١٥٠٥، فممن لم يتقدم من رجاله هناك: ١- (عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي البصري الحافظ الثقة [١٠] تقدم ٤/٤ . ٢- (يحيى بن سعيد) القطان البصري الإمام الحافظ الحجة [٩] تقدم ٤/٤ . ٣- (يحيى) بن سعيد الأنصاري المدني، ثقة ثبت [٥] تقدم قبل باب. وأبو بكر بن محمد هو ابن عمرو بن حزم. والحديث متفق عليه، وهو يدلّ على ما ترجم له المصنف زيَّلهُ ، وهو بيان عدد صلاة الاستسقاء، وهو ركعتان، وهذا لا خلاف فيه بين من يقول بمشروعيتها، وهم الجمهور، وقد نقل الإجماع على ذلك النووي في ((شرح مسلم))، والحافظ في ((الفتح))؛ للتصريح بذلك في حديث الباب وغيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب». ١٣- (كَيْفَ صَلَاةُ الاسْتِسْقَاءِ) ١٥٢١ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعْ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كِنَائَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَرْسَلَنِي أَمِيرٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَسْأَلُهُ عَنِ الاِسْتِسْقَاءِ، فَقَالَ: ابْنُ عَبَّاسِ مَا مَتَعَهُ أَنْ يَسْأَلَنِي؟ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿﴿، مُتَوَاضِعًا مُتَبَذْلًا(١) مُتَخَشْعَا مُتَضَرَّعًا، فَصَّلَّى رَكْعَتَيْنٍ، كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيدَيْنِ، (١) وفي نسخة ((مبتذلاً)). = ٧٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِسْقَاءِ وَلَمْ(١) يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ(٢) هَذِهِ). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث حسنٌ، وقد تقدم الكلام عليه مستوفَی في ١٥٠٦/٣ - فلاحاجة إلى الإعادة، بل أذكر ما لم يذكر هناك. فممن لم يتقدم هناك من رجاله: ١- (محمود بن غيلان) المروزي، نزيل بغداد، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٣٧/٣٣ . ٢- (وكيع) بن الجرّاح الكوفي، ثقة حافظ حجة [٩] تقدم ٢٥/٢٣. قوله: ((متواضعًا)) أي في الظاهر. وقوله: ((متخشّعًا)) أي في الباطن، وقال الشوكاني: قوله: ((متخشعًا)) أي مظهرًا للخشوع ليكون ذلك وسيلة إلى نيل ما عند الله عزّ وجلّ. وقوله: ((متضرّعا)) أي مظهرًا للضراعة، وهي التذلل عند طلب الحاجة، والمبالغة في السؤال، والرغبة. واستدلال المصنف ◌َّلهُ على ما ترجم له واضح، فإنه يدل على كيفية صلاة الاستسقاء، وهي أنها كصلاة العيد، وقد اختلف أهل العلم في ذلك على قولين: (أحدهما): أنها تصلى كما تصلى صلاة العيد بتكبيرات قبل القراءة. وقد روي هذا عن ابن عباس، وابن المسيب، وعمر بن عبدالعزيز، وأبي بكر بن عمرو بن حزم، وهو قول الشافعي، وأحمد في ظاهر مذهبه، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وهو ظاهر مذهب المصنف. (الثاني): تصلى بغير تكبير زائد، وهو قول مالك، والثوريّ، والأوزاعيّ، وأحمد في رواية، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي خيثمة، وسليمان بن داود الهاشميّ. واستدلّ الأولون بحديث الباب، وتأوله الآخرون على أن المراد كصلاة العيد في العدد والجهر بالقراءة، وكونها قبل الخطبة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي مذهب الأولين لظاهر حديث الباب، وتأويل الآخرين له بما ذكر بعيد. والحاصل أن المستحب أن تُصَلَّى صلاةُ الاستسقاء على صفة صلاة العيد من التكبيرات الزوائد وغيرها. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: أخرج الدارقطنيّ من حديث ابن عباس أنه يكبّر فيها سبعًا، وخمسًا كالعيد، وأنه يقرأ ب﴿سَيِّجِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَنَكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. وفي إسناده محمد بن عبدالعزيز بن عمر الزهريّ، وهو متروك. وروى يزيد بن عياض، عن أبي بكر بن عمرو ١ (١) وفي نسخة ((فلم)). (٢) وفي نسخة ((كخطبتكم)). ١٤- (بابُ الْجَهْرِ بِالقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الاسْتِسْقَاءِ) - حديث ١٥٢٢ ٧٧ ابن حزم، وابنيه عبدالله، ومحمد، ويزيد بن عبدالله بن أسامة، وابن شهاب كلهم يحدّثه، عن عبدالله بن يزيد، قال: رأيت النبي وَ ل﴿ استسقى، فذكر الحديث، قال: ثم صلى ركعتين، يجهر فيهما بالقراءة ، فكبر في الركعة الأولى سبعا، وفي الآخرة خمسًا، يبدأ بالتكبير قبل القراءة في الركعتين كليهما. ويزيد بن عياض بن جُعدُبة المدني متروك، لا يحتجّ به. وروي خلاف هذا من رواية حسين بن عبدالله بن عطاء ، عن شريك بن أبي نمر، عن أنس، أن النبي ◌َّ﴿ صلى في الاستسقاء في كل ركعة تكبيرةٌ، وخَطَبَ قبل الصلاة، وقَلَبَ رِدَاءَهُ لمّا دعا. أخرجه أبو القاسم البغوي، والترمذي في ((كتاب العلل)) مختصرا، وقال: سألت البخاريّ عنه؟ فقال: هذا خطأ، وعبدالله بن حسين منكر الحديث، روى مالك وغيره ، عن شريك، عن أنس أن النبي وَل﴾ استسقى، ليس فيه هذا. قال الحافظ ابن رجب رحمه اللّه تعالى: يشير البخاريّ إلى حديث الاستسقاء في الجمعة، وهذا المتن غير ذلك المتن، فإن هذا فيه ذكر صلاة الاستسقاء، والخطبة لها، وقلب الرداء في الدعاء، لكنه غير محفوظ عن شريك، عن أنس انتهى. (١) . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)» . ١٤ - (بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الاسْتِسْقَاءِ) ١٥٢٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ خَرَج، فَاسْتَسْقَى، فَصَلَّى(٢) رَكْعَتَيْنِ، جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث أخرجه البخاريّ، وقد تقدم البحث فيه مُسْتَوْفَى برقم ١٥٠٥/٢، وممن لم يتقدّم من رجاله هناك: (١) انظر ((شرح ابن رجب لصحيح البخاري)) ج٩ ص ٢٠٥-٢٠٧. (٢) وفي نسخة ((واستسقى، وصلى)). ٧٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِسْقَاءِ ١- (محمد بن رافع) النيسابوريّ، ثقة عابد [١١] تقدم ٩٢/ ١١٤. ٢- (يحيى بن آدم) بن سليمان الأموي مولاهم، أبو زكريا الكوفي، ثقة حافظ فاضل، من كبار [٩] تقدم ١/ ٤٥١. وسفيان المذكور هنا هو الثوريّ الإمام الحجة الثبت الكوفي [٧]٣٧/٣٣، والمذكور هناك هو ابن عيينة. واستدلال المصنف بالحديث فيما ترجم له واضح، حيث إنه يدلّ على استحباب الجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء. قال النووي في شرح مسلم: أجمعوا على استحباب الجهر، وكذا نقل الإجماع على استحبابه ابن بطال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ١٥- (الْقَوْلُ عِنْدَ الْمَطَرِ) قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((القول)) بمعنى المقول، أي الذكر الذي يقال عند نزول المطر، والله تعالى أعلم بالصواب. ١٥٢٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنِ الْمِقْدَام بْنِ شُرَيْحِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَلِهِ كَانَ إِذَا أُمْطِرَ قَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ ضَيْبًا نَافِعًا»). رجال هذا الإسناد : ستة: ١- (محمد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠] تقدم ٢١/٢٠. ٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحجّة الثبت [٨] تقدّم ١/١. ٣- (مِسْعَر) بن كِدَام بن ظُهَير، أبو سَلَمَة الكوفي، ثقة ثبت فاضل [٧] ٨/٨. ٤- (المِقْدِام بن شُرَيح) بن هانئء بن يزيد الحارثيّ الكوفيّ، ثقة [٦] تقدم٨/٨. ٥- (شُريح بن هانىء) بن يزيد الحارثيّ ، أبو المقدام الكوفيّ، مخضرم ثقة [٢] تقدم ٠٨/٨ ٦- (عائشة) رضي اللّه تعالى عنها، تقدمت ٥/٥ . والله تعالى أعلم. ٧٩ ١٥- (القَوْلُ عِنْدَ الْمَطَرِ) - حديث رقم ١٥٢٣ لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه ما بين مکیین، وهما شیخه، وسفيان، وكوفيين، وهم الباقون، سوى عائشة رضي اللّه تعالى عنها، فمدنيّة. (ومنها): أن فيه عائشة رضي الله تعالى عنها من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ كَانَ إِذَا أُمْطِرَ) بالبناء للمفعول، وفي نسخة : ((إذا مُطِرْنا))، وقد تقدّم أنه يقال: مَطَرَت السماءُ، وأمطرت، ثلاثيًا، ورباعيّا، في الرحمة، وأما في العذاب، فيقال: أمطرت بالألف لا غير، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم ◌َّطَرًا فَسَآءَ مَطُرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨]، وقوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةٌ مِّن سِجِيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] الآية (قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ صَيْبًا) أي مطرًا مُنهمِرًا متدفّقًا، قاله في ((اللسان))، وذكر البخاري في ((صحيحه)) أن ابن عباس رَفِيهَا قال: ((الصّب)): المطر، قال في ((الفتح)): وإليه ذهب الجمهور، وقال بعضهم: الصيّب السحاب، ولعله أطلق ذلك مجازًا (١) . ولفظ ((الكبرى)): ((سَيْبًا)) بالسين بدل الصاد، قال في ((اللسان)) السَّيْبُ: العطاء، قال: وفي حديث الاستسقاء: ((واجعله سَيْبًا نافعًا))، أي عطاءً، ويجوز أن يريد مطرًا سائبًا، أي جاریًا انتهى. (نَافِعًا) صفة ((صيًّا))، احترز به عن الصيّب الضارّ. وهذا الحديث من هذا الوجه مختصر، وقد ساقه المصنّف في ((الكبرى)) من طريق الثوريّ، عن المقدام بن شُريح، عن عائشة ◌َّه: كان رسول اللَّه ◌َ لّ إذا رأى ناشئًا في أفق من آفاق السماء ترك عمله، وإن كان في صلاة، فإن كشفه اللَّه حِمَد اللَّه، وإن أَمطَرَت قال: ((اللَّهم سيبا نافعًا)). ومن طريق يزيد بن المقدام، عن أبيه،: أن رسول اللّه وَال# كان إذا رأى سحابا مقبلًا من أفق من الآفاق ترك ما هو فيه، وإن كان في الصلاة حتى يستقبله، فيقول: ((اللَّهم إنا نعوذ بك من شرّ ما أرسل له))، فإن أمطر قال: ((اللّهم سيبا نافعًا، اللَّهمّ سيبا نافعًا)، وإن كشفه الله، ولم يمطر حمد الله على ذلك . (١) ((فتح)) ج٣ ص٢١٢- ٢١٣. ٨٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاسْتِسْقَاءِ ومن طريق عطاء، عن عائشة، قالت: كان رسول اللّه وَلّ إذا رأى مَخِيلَة - تعني الغيم - تلوّن وجهه، وتغيّر ، ودخل وخرج، وأقبل وأدبر، فإذا أمطر سُرّي عنه ، قالت عائشة: فذكرت له بعض ما رأيت منه، قال: ((وما يدريك لعله كما قال قوم هود: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا تُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ قَالُواْ هَذَا عَارِضٌ مُطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا أَسْتَعْجَلْتُمْ بِهِمْ رِيٌ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤]. ولمسلم من رواية عطاء، عن عائشة تطجثتها: ((كان رسول اللّه وَل و إذا كان يوم الريح والغيم، عُرِف ذلك في وجهه، وأقبل وأدبر، فإذا مَطَرت سُرَّ به، وذهب عنه ذلك، قالت عائشة: فسألته؟ فقال: ((إني خشيت أن يكون عذابا سُلّط على أمتي))، ويقول: إذا رأى المطر: ((رحمة)). ودلالة حديث الباب على ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى واضحة، حيث يدلّ على استحباب الدعاء بما ذُكر عند نزول المطر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا أخرجه البخاري. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ١٥٢٣/١٥- وفي الكبرى - ١٨٢٨/١٣- بالسند المذكور. وفي ((الكبرى)) أيضا ١٨٢٩/١٣ و((عمل اليوم والليلة)) ٩١٥- عن إبراهيم بن محمد التيمي، عن يحيى القطان، عن سفيان، عن المقدام به مطوّلا. و((الكبرى)) - ١٨٣٠ - و((عمل اليوم)) ٩١٤- عن قتيبة، عن يزيد بن المقدام، عن أبيه. و((الكبرى)) ١٨٣١ - عن عبدالوهاب بن الحكم، عن معاذ بن معاذ، عن ابن جُريج، عن عطاء، عنها. و١٨٣٢ - عن نوح بن حبيب، عن عبدالرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عنها. وأخرجه (خ) رقم ١٠٣٢ (د) ٥٠٩٩ (ت) ٣٢٥٧ (ق) ٣٨٨٩ . والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رَخّْلهُ، وهو بيان ما يُقال عند نزول المطر. (ومنها): بيان ما كان عليه النبي وَ ل﴿ من شدة الخوف من الله تعالى، مع أنه تعالى وعده أن لا يُعذّب أمته، وهو فیھم. (ومنها): أن من صفات المؤمن عدم الأمن من مكر الله، واستدراجِهِ من حیث لا يعلم، كما قال تعالى: ﴿مَنَتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٤٤]. والله تعالى أعلم