Indexed OCR Text

Pages 321-340

٤٥- (ذِكْرُ السَّاعَةِ التِّي يُسْتَجَابُ فِيهَا
- حديث رقم ١٤٣٠
٣٢١
الطرطوشيّ. وحكى العلائيّ أن شيخه ابن الزملكاني شيخ الشافعية في وقته كان
يختاره، ويحكيه عن نص الشافعي.
وأجابوا عن كونه ليس في أحد ((الصحيحين)) بأن الترجيح بما في ((الصحيحين))، أو
أحدهما إنما هو من حيث لا يكون مما انتقده الحفاظ، كحديث أبي موسى هذا، فإنه
أعلّ بالانقطاع والاضطراب:
أما الانقطاع، فلأن مخرمة بن بكير لم يسمع من أبيه، قاله أحمد، عن حماد بن
خالد، عن مخرمة نفسه، وكذا قال سعيد بن أبي مريم، عن موسى بن سلمة، عن
مخرمة، وزاد: إنما هي كتب كانت عندنا. وقال علي بن المدينيّ: لم أسمع أحدا من
أهل المدينة يقول عن مخرمة: إنه قال في شيء من حديثه سمعت أبي، ولا يُقال:
مسلم يكتفي في المعنعن بإمكان اللقاء مع المعاصرة، وهو كذلك هنا، لأنا نقول:
وجود التصريح عن مخرمة بأنه لم يسمع من أبيه كاف في دعوى الانقطاع.
وأما الاضطراب، فقد رواه أبو إسحاق، وواصل الأحدب، ومعاوية بن قُرّة،
وغيرهم عن أبي بُردة من قوله، وهؤلاء من أهل الكوفة، وأبو بردة كوفيّ، فهم أعلم
بحديثه من بُكير المدنيّ، وهم عدد، وهو واحد، وأيضًا فلو كان عند أبي بُردة مرفوعًا
لم يُفت فيه برأيه بخلاف المرفوع، ولهذا جزم الدارقطني بأن الموقوف هو الصواب.
وسلك صاحب ((الهدي)) مسلكاآخر، فاختار أن ساعة الإجابة منحصرة في أحد
الوقتين المذكورين، وأن أحدهما لا يُعارض الآخر، لاحتمال أن يكون وَّ دلّ على
أحدهما في وقت، وعلى الآخر في وقت آخر، وهذا كقول ابن عبدالبر: الذي ينبغي
الاجتهاد في الدعاء في الوقتين المذكورين، وسبق إلى نحو ذلك الإمام أحمد، وهو
أولى في طريق الجمع.
وقال ابن المنير في الحاشية: إذا عُلم أن فائدة الإبهام لهذه الساعة، ولليلة القدر بَعْث
الداعي على الإكثار من الصلاة والدعاء، ولو بُيِّن لاتكل الناس على ذلك، وتركوا ما
عداها، فالعجب بعد ذلك ممن يجتهد في طلب تحديدها انتهى (١) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخص مما ذكر أن الأصحّ هو ما عليه أكثر
الأئمة، وهو ترجيح قول عبدالله بن سلام رضي اللَّه تعالى عنه أنها بعد العصر؛ لقوته،
هذا من حیث الترجيح.
وأما من حيث المعنى، فعدم التحديد بهذا -كما قال ابن المنير - أولى، لمخالفته
لحكمة إخفاء اللَّه تعالى لها، حتى يجتهد عبادُه في التضرع إليه كثيرًا، فينبغي أن يجتهد
(١) ((فتح)) ٣ / ٨٢ - ٩٠.

٣٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ
في الدعاء، ولا سيما في هذين الوقتين اللذين نُصّ عليهما في حديث عبدالله بن سلام،
وحديث أبي موسى الأشعري رضي اللَّه تعالى عنهما. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٣١- (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَخْتَى بْنِ عَبْدِاللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَتْبَلٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ رَبَاحِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ بَِّ، قَالَ: ((إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةً، لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ،
يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا شَيْئًا، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ»).
رجال هذا الإسناد: ثمانية :
١- (محمد بن يحيى بن عبدالله) الذُّهلي النيسابوري، ثقة حافظ جليل [١١] تقدم
٣١٤/١٩٦ .
٢- (أحمد حنبل) هو أحمد بن محمد بن حنبل الإمام الحافظ الحجة المجتهد إمام
أهل السنة والجماعة [١٠] تقدّم ٩٥٨/٤٩ .
٣- (إبراهيم بن خالد) الصنعاني المؤذن، ثقة [٩] تقدم ٩٥٨/٤٩.
٤- (رَباح) بن زيد القرشيّ مولاهم الصنعاني، ثقة فاضل [٩] تقدم ٩٥٨/٤٩.
٥- (معمر) بن راشد، أبو عروة الصنعاني، ثقة ثبت فاضل [٧] تقدم ١٠/ ١٠ .
٦- (الزهري) المذكور في الباب الماضي.
٧- (سعيد) بن المسيّب بن حَزْن بن أبي وهب المدني، الإمام الفقيه الحجة من كبار
[٣] تقدم ٩ /٩
والصحابي، وشرح الحديث تقدم الكلام عليهما في الحديث الماضي. والله تعالى
أعلم.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا حديث
صحيح، وهو من أفرد المصنف، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا -
١٤٣١/٤٥- وفي ((الكبرى)) ١٧٤٩/٤٠ - وفي ((عمل اليوم والليلة)) ٤٧٢- عن محمد
ابن يحيى، عن أحمد بن حنبل، عن إبراهيم بن خالد، عن رَبَاح بن زيد، عن معمر،
عن الزهري، عن سعيد، عنه. وفي ((عمل اليوم والليلة)) ٤٧١- عن عمرو بن عثمان،
عن شُريح بن يزيد، عن شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن سعيد، عنه.
وأخرجه (أحمد) ٢٨٤/٢ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
والله تعالى أعلم، والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٣٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ

٤٥- (ذِكْرُ السَّاعَةِ التِّي يُسْتَجَابُ فِيهَا ... - حديث رقم ١٤٣٢
٣٢٣=
أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ نَّهِ: ((إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةً، لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ(١) مُسْلِمْ
قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، قُلْنَا: يُقَلِّلُهَا، يُزَهِّدُهَا)).
رجال هذا الإسناد : خمسة :
١- (عمرو بن زرارة) بن واقد الكلابي، أبو محمد النيسابوري، ثقة ثبت [١٠]
تقدم ٣٦٨/٧ .
٢- (إسماعيل) بن إبراهيم المعروف بابن عُلَيّة البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ١٩/١٨.
٣- (أيوب) بن أبي تَميمة السختياني تقدم في الباب الماضي.
٤- (محمد) بن سيرين الإمام الحجة المشهور [٣] تقدم ٤٦ / ٥٧ .
والصحابي تقدّم أوّل الباب، وكذا شرح الحديث.
وقوله: ((قلنا: يقلّلها، يزهّدها)) الجملة الثانية بدل من الأولى.
وهكذا بإبهام القائلين، وكذا في رواية البخاريّ في ((الطلاق)) من طريق سلمة بن
علقمة، عن محمد بن سيرين.
وفي رواية البخاري في ((الصلاة)) من رواية الأعرج عن أبي هريرة ◌َزي: ((وأشار
بيده يقللَّها))، قال في ((الفتح)): هكذا هنا بإبهام الفاعل، وفي رواية أبي مصعب عن
مالك: ((وأشار رسول اللَّه ◌َّ))، وفي رواية سلمة بن علقمة، عند البخاري في
((الطلاق)): ((ووضع أنملته على بطن الوسطى، أو الخنصر، قلنا: يزهدها))، وبَيَّنَ أبو
مسلم الكجيّ أن الذي وضع هو بشر بن المفضل راويه عن سلمة بن علقمة، وكأنه فسر
الإشارة بذلك، وأنها ساعة لطيفة تنتقل ما بين وسط النهار إلى قرب آخره.
وبهذا يحصل الجمع(٢) بينه، وبين قوله: ((يزهّدها))، أي يقللَّها، ولمسلم من رواية
محمد بن زياد، عن أبي هريرة: ((وهي ساعة خفيفة))، وللطبراني في ((الأوسط)) في حديث
أنس ◌َّه: ((وهي قدر هذا، يعني قبضة)). قال الزين ابن المنير: الإشارة لتقليلها هو
الترغيب فيها، والحضّ عليها، ليَسَارَة وقتها، وغَزَارَة فضلها انتهى (٣). والله تعالى أعلم.
(قَالَ أَبُو عَبْدِالرَّحْمَنِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ رَبَاحِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ
الزُّهْرِيُّ، إِلَّا أَيُّوبَ بْنَ سُوَيْدٍ، فَإِنَةً حَدَّثَ بِهِ عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،َ عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي
سَلَمَةً، وَأَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ) (٤).
(١) لفظة ((عبد)) ساقطة من بعض النسخ.
(٢) قلت: لم يظهر لي وجه هذا الجمع. فلْيُتَأَّمَّلْ. والله تعالى أعلم.
(٣) ((فتح)) ٨٢/٣.
(٤) يوجد هنا في النسخة ((الهندية)): ما نصه: ((آخر كتاب الجمعة)).

٣٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هكذا ذُكِرَ في نسخ ((المجتبى)) التي بين يديّ هذا
الكلامُ هنا عَقِبَ حديث أيوب، عن ابن سرين، والظاهر أنه متعلق بحديث الزهري،
عن ابن المسيّب، الذي قبل هذا، فكان الأولى ذكره هناك، فلعلّه من تصرف النُّسَّاخ.
والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: لم أر من أخرج رواية سويد التي أشار إليها المصنف رحمه اللّه تعالى هنا.
فالله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: (أيوب بن سُويد)) هذا هو الرَّمْليّ، أبو مسعود الْحِمْيَريّ، السَّيباني -
بمهملة مفتوحة، ثم تحتانية ساكنة، ثم موحدة- من رجال أبي داود، والترمذيّ، وابن
ماجه فقط، وهذا الذي قاله المصنف ◌ََّتُهُ من أنه متروك قاله غيره أيضًا:
فعن أحمد أنه قال: ضعيف. وقال ابن معين: ليس بشيء يسرق الأحاديث. وذكر
الترمذي أن ابن المبارك ترك حديثه. وقال البخاري: يتكلمون فيه. وقال الخليلي: لم
يرضوا حفظه، وقال الساجي: ضعيف ارم به. وقال الآجريُّ، عن أبي داود: ضعيف.
وقال الْجُوزجاني: واهي الحديث. وقد طول الكلام فيه في ((تت)) ج١ ص ٢٠٤ -
٢٠٥(١) فراجعه، تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
١٤- (كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي
السَّفَرِ)
أي هذا كتاب ذكر الأحاديث الدالّة على مشروعية تقصير الصلاة في حال السفر.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((التقصير)) مصدر قصّر، يقال: قصرت الصلاة -
بفتحتين - مخففا قَصْرًا، وقصّرتها تقصيرًا، وأقصرتها إقصارًا، والأول أشهر في
الاستعمال، والمراد به هنا تخفيف الرباعية إلى ركعتين.
والسَّفَر -بفتحتين -: قطع المسافة، قال الفيّومي: سَفَر الرجل، سَفْرًا، من باب
ضرب، فهو سافر، والجمع سَفْر، مثلُ راكب ورَكْب، وصاحب وصَخب، وهو مصدر
(١) راجع ((تت)) النسخة الجديدة التي طبعتها مؤسسة الرسالة.

١٤ - (كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاَةِ فِي السَّفَرَ) - حديث رقم ١٤٣٣
=
٣٢٥
في الأصل، والاسم السَّفَر بفتحتين، وهو قطع المسافة، يقال ذلك إذا خرج للارتحال،
أو لقصد موضع فوق مسافة الْعَذْوَى(١)، لأن العرب لا يُسمّون مسافة العَدْوى
(٢)
سفَرًا. انتهى(٢) .
ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على أن لا تقصير في صلاة الصبح، ولا في صلاة
المغرب. وقال النوويّ: ذهب الجمهور إلى أنه يجوز القصر في كل سفر مباح، وذهب
بعض السلف إلى أنه يُشترط في القصر الخوفُ في السفر، وبعضهم كونه سفر حج، أو
عمرة، أو جهاد، وبعضهم كونه سفر طاعة، وعن أبي حنيفة، والثوريّ في كلّ سفر،
سواء كان طاعة، أو معصية. قاله في ((الفتح))(٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي ترجيح ما قاله أبو حنيفة، والثوري- رحمهما
الله تعالى-؛ لإطلاق النصوص، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصوابِ.
١٤٣٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِذْرِيسَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ
جُرَيْجِ، عَنْ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ عَبْدِاللّهِ بْنِ بَابَيْهِ، عَنْ يَعْلَى ابْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ
الْخَطَّابِ: ﴿لَيْسَ(٤) عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوْةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾
[النساء: ١٠١]، فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ، فَقَالَ عُمَرُ رَّهِ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ
رَسُولَ اللّهِ وَ لَّهِ عَنْ ذَلِكَ؟، فَقَالَ: ((صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المذكور قبل بابين.
٢- (عبدالله بن إدريس) الأودي أبو محمد الكوفي، ثقة فقيه عابد [٨] تقدم ١٠٢/٨٥.
٣- (ابن جُريج) عبدالملك بن عبد العزيز المكي، ثقة فقيه فاضل يدلس ويرسل
نسب لجده [٦] تقدم ٣٢/٢٨.
٤- (ابن أبي عَمّار) هو عبدالرحمن بن عبدالله بن أبي عمار القرشيّ المكيّ، حليف
بني الْجُمَح، الملقب بـ(القَسّ)) بفتح القاف، - وتشديد السين المهملة- لعبادته، ثقة عابد
[٣].
روى عن أبي هريرة، وابن عمر، وابن الزبير،، وجابر، وشدّاد بن الهاد، وعبد الله
(١) مسافة العَذوى بالفتح والقصر: هي التي يَصِل صاحبها فيها الذهاب والعود بِعَدْوٍ وَاحِدٍ؛ لما فيه
من القوة والجلادة أفاده في ((المصباح)) جـ ١ ص ٣٩٨.
(٢) ((المصباح)) جـ ١ ص ٢٧٨ .
(٣) (فتح)) ٢٦٨/٣ - ٢٦٩ .
(٤) التلاوة ((فليس عليكم)) بالفاء، فليتنبه.

٣٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ
ابن بابيه. وعنه عبدالملك بن عبيد بن عمير، وابن جريج، وعمرو بن دينار، ويوسف
ابن ماهك، وعكرمة بن خالد.
قال ابن سعد، وأبو رزعة، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره
ابن حبان في ((الثقات))، ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن المديني. روى له الجماعة
سوى البخاري، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا، و(١٩٥٣) حديث: ((إن
تَصْدُق الله يصدُقْك ... )) الحديث، و(٢٨٣٦) حديث: ((فأمرني بأكلها، قلت: أصيد
هو؟ ... )) الحديث، وأعاده برقم (٤٣٢٥).
٥- (عبدالله بن بابيه) ويقال: باباه، ويقال بحذف الهاء، مولى آل حُجير بن أبي
إهاب، ويقال: مولى يعلى بن أمية، المكيّ، ثقة [٤] تقدم في ٤١ / ٥٨٥.
٦- (يعلى بن أمية) بن أبي عبيدة بن همام التميمي حليف قُريش، وهو يعلى ابن
مُنية، وهي أمه، صحابي مشهور، مات رضي اللّه تعالى عنه سنة بضع وأربعين، تقدم
في ٧ / ٤٠٦ .
٧- (عمر بن الخطاب) أمير المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنه، تقدم ٧٥/٦٠. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. ومنها: أن فيه رواية صحابي، عن صحابي، وتابعي، عن تابعي، وهو سند مكي،
غير شيخه، فمروزي، ثم نيسابوري، وشيخ شيخه، فكوفي. ومنها: أن صحابيه أحد الخلفاء
الأربعة، والعشرة المبشرين بالجنة، وأحد السابقين إلى الإسلام. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) رضي
الله تعالى عنه، ولفظ أبي داود: قلت لعمر بن الخطاب: أرأيت إقصار الناس الصلاة،
وإنما قال اللّه عزّ وجلّ: ﴿إِنْ خِفْتُ أَنْ يَفْئِنَّكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ فقد ذهب اليوم ... )) ﴿﴿لَيْسَ
عَلَيْكُمْ جُنَاعُ﴾) أي وزر وحرج ﴿أَن نَقْصُرُوا﴾ بضم الصاد، أي في القصر، وهو خلاف
المدّ، يقال: قَصَرتُ الشيء: أي جعلته قصيرًا بحذف بعض أجزائه، فمتعلق القصر
جملة الشيء، لا بعضه، فإن البعض متعلق الحذف دون القصر، فحينئذ قوله ﴿مِنَ
الصَّلَوَةِ﴾ ينبغي أن يكون مفعولا لـ((تقصروا)) على زيادة ((من)) حسب ما رآه الأخفش،
وأما على رأي غيره من عدم زيادتها في الإثبات، فتُجعل تبعيضيةً، ويراد بالصلاة
الجنس، ليكون المقصور بعضًا منها، وهو الرباعيات. قاله أبو السعود في ((تفسيره))

١٤ - (كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ) - حديث رقم ١٤٣٣
=
٣٢٧
﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي ينالوكم بمكروه (فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ) أي ذهب خوفهم
الذي كان سببًا لمشروعية القصر، فما بالهم يقصرون؟، أو فما وجه القصر مع زوال
السبب؟ (فَقَالَ عُمَرُ رَّهُ: عَجِبْت) أنا (مِمَّا عَجِبْتَ مِنْه) أنت (فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّ
عَنْ ذَلِكَ؟) أي عن قصر الصلاة مع زوال الخوف، وحصول الأمن (فَقَالَ) بَرِ (صَدَقَةٌ)
خبر لحذوف، أي قصر الصلاة صدقة .
قال السندي رحمه الله تعالى: أي شرع لكم ذلك رحمةً بكم، وإزالةً للمشقّة عنكم،
نظرًا إلى ضعفكم، وفقركم. وهذا المعنى يقتضي أن ما ذُكر فيه من القيد، فهو اتفاقيّ
ذكرُهُ على مقتضى ذلك الوقت، وإلا فالحكم عامّ، والقيد لا مفهوم له، ولا يخفى ما
في الحديث من الدلالة على اعتبار المفهوم في الأدلة الشرعية، وأنهم كانوا يفهمون
ذلك، ويرون أنه الأصل، وأن النبي وَّ قرّرهم على ذلك، ولكن بَيَّنَ أنه قد لا يكون
معتبرًا أيضًا بسبب من الأسباب.
فإن قلت: يمكن التعجّب مع عدم اعتبار المفهوم أيضا، بناء على أن الأصل هو
الإتمام، والقصر رخصة، جاءت مقيدةً لضرورة، فعند انتفاء القيد مُقْتَضَى الأدلّة هو
الأخذ بالأصل.
قلت: هذا الأصل إنما يُعمل به عند انتفاء الأدلّة، وأما مع وجود فعل النبي ◌َّ بخلافه،
فلا عبرة به، ولا يُتعجّب من خلافه، فليُتأمّل انتهى كلام السندي رحمه الله تعالى(١).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: قد أشكلت الآية على عمر وغيره، فسأل
عنها رسول اللَّه ◌َّر، فأجابه بالشفاء، وأن هذا صدقة من اللّه، وشَرْعٌ شرعه للأمة،
وكان هذا بيانَ أن حكم المفهوم غير مراد، وأن الْجُنَاح مرتفع في قصر الصلاة عن الآمن
والخائف، وغايته أنه نوع تخصيص للمفهوم، أو رفع له انتهى.
(تَصَدَّقَ اللَّهُ) أي تفضل اللّه تعالى (بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ) أي سواء حصل
الخوف أم لا، وإنما قال في الآية: ﴿إِنْ خِفْتُ﴾، لأنه قد خرج مخرج الأغلب، لكون
أغلب أسفار النبي ◌َّيهر وأصحابه لم تخل من خوف، لكثرة أهل الحرب إذ ذاك، فحينئذ
لا تدلّ الآية على عدم القصر إن لم يكن خوف، لأنه بيان للواقع إذ ذاك، فلا مفهوم له.
قال السندي رحمه الله تعالى: الأمر يقتضي وجوب القبول، وأيضا العبد فقير،
فإعراضه عن صدقة ربه يكون منه قبيحًا، ويكون من قبيل ﴿أَنْ زَّءَاهُ أَسْتَغْنَ﴾ [العلق: ٧]،
وفي ردّ صدق أحد عليه من التأذي عادةً ما لا يخفى، فهذه من أمارات الوجوب،
فتأمل. والله تعالى أعلم انتهى.
(١) ((شرح السندي)) جـ ٣ ص ١١٧ .

٣٢٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ
وسيأتي اختلاف أهل العلم في حكم القصر في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، والله تعالى أعلم، وهو المستعان،
وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى في درجته :
حديث عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -١٤٣٣/١ - وفي ((الكبرى)) - ١٨٩١/١ عن إسحاق بن إبراهيم، عن
عبدالله بن إدريس، عن ابن جريج، عن عبدالرحمن بن عبدالله بن أبي عمّار، عن
عبدالله بن بابيه، عن يعلى بن أمية، عنه. وفي ((الكبرى)) في ((التفسير)) - ١١١٢٠ - عن
شعيب بن يوسف، عن يحيى بن سعيد القطان، عن ابن جريج به.
وأخرجه (م) ٢/ ١٤٣ (د) ١١٩٩ - و١٢٠٠ (ت) ٣٠٣٤ (ق) ١٠٦٥ (أحمد) ٢٥/١
و٣٦/١ (الدارمي) ١٥١٣ (ابن خزيمة) ٩٤٥. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعية تقصير الصلاة في السفر.
ومنها: بيان رحمة الله تعالى، وكمال فضله على عباده حيث شرع لهم قصر الصلاة
في حال السفر للمشقة اللاحقة بهم، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾
الآية [الحج : ٨٧].
ومنها: جواز القصر في السفر من غير الخوف.
ومنها: جواز قول: ((تصدق اللَّه علينا))، و((اللَّهم تصدق علينا))، وقد كرهه بعض
السلف، قال النووي رحمه اللَّه تعالى: وهو غلط ظاهر.
ومنها: أن المفضول إذا رأى الفاضل يعمل شيئًا يشكل عليه يسأله عنه.
ومنها: أن المفاهيم معتبرة في الشرع، حيث إن عمر رَّه فهم من قوله تعالى:
﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ أن مفهومه عدم جواز القصر عند عدم الخوف، وقرره النبي ◌َّ على ذلك،
ولكن ذكر له مانعًا من اعتباره، وهو كونه صدقة من اللَّه تعالى مطلقة غير مقيدة
بالخوف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في اختلاف العلماء في حكم القصر في السفر:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: واختلفوا في إتمام الصلاة في
السفر، فروينا عن عمر بن الخطاب رَ ◌ّه أنه قال: صلاة المسافر ركعتان، وروينا عن

١٤ - (كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاَةِ فِي السَّفَرَ) - حديث رقم ١٤٣٣
٣٢٩ ==
جابر بن عبدالله رَوايتهنا أنه قال: الركعتان في السفر ليستا بقصر، وقال ابن عمر رَوَلَها:
إنها ليست بقصر، ولكنها تمام سنة الركعتين في السفر، وسئل ابن عمر عن صلاة
المسافر؟ فقال: ركعتين، من خالف السنة، فقد كفر (١). وروينا عن ابن عباس رَضِّها،
قال: من صلى بالسفر أربعًا كان كمن صلى في الحضر ركعتين(٢). وقالت عائشة
رَبُّهَا: إن الصلاة أول ما فُرضت ركعتين، ثم أتمّ اللَّه الصلاة في الحضر، وأُقرّت
الركعتان على هيئتها في السفر.
وقال عمر بن عبدالعزيز: الصلاة في السفر ركعتان حتمان، لا يصلح غيرهما. وكان
حماد بن أبي سليمان يرى أن يُعيد من صلى في السفر أربعًا. وقال قتادة: يصلي المسافر
ركعتين حتى يرجع، إلا أن يدخل مصرًا من الأمصار، فيتمّ. وقال الحسن: لا أبا لك
أتُرى أصحاب رسول اللَّه ◌َ ليل تركوها لأنها ثقلت عليهم؟.
وسئل مالك عن مسافر أَمَّ مقيمًا، فأتمّ لهم الصلاة جاهلًا، ويتم المسافر والمقيم؟
قال: أرى أن يعيدوا الصلاة جميعًا، رواه ابن وهب عنه، وحكى ابن القاسم عنه أنه قال:
يعيد ما كان في الوقت، فأما ما مضى وقته، فلا إعادة عليه.
واختلف فيها عن أحمد، فقال مرّةً في المسافر يصلي أربعًا: لا يُعجبني، السنة
ركعتان، وقال مرة: أنا أحبّ العافية من هذه المسألة، وقال مرة: إذا أتمّ المسافر فلا
شيء عليه.
وقال أصحاب الرأي في مسافر صلى في السفر أربعًا أربعًا حتى يرجع، فقالوا: إن
كان قعد في كل ركعتين قدر التشهد، فصلاته تامّة، وإن كان لم يقعد في الركعتين
الأوليين قدر التشهد، فصلاته فاسدة، وعليه أن يعيد، لأن صلاة المسافر ركعتان، فما
زاد عليهما فهو تطوع، فإذا خلط المكتوبة بالتطوع فسدت صلاته، إلا أن يقعد في
الركعتين قدر التشهد، فيكون التشهد فصلًا لما بينهما.
وقالت طائفة: المسافر بالخيار إن شاء أتمّ، وإن شاء قصر، هذا قول الشافعي، وأبي
ثور، ورويناه عن أبي قلابة أنه قال: إن صليت في السفر أربعًا، فقد صلى من لا بأس
به، وإن صليت ركعتين، فقد صلى من لا بأس به. وقد روينا عن عائشة أنها كانت تتم
في السفر انتهى كلام ابن المنذر باختصار(٣).
(١) أراد به من خالف حكم الله تعالى في هذا متعمدًا وعنادًا، لا متأولا. والله أعلم.
(٢) وهذا أيضًا مؤول بمن صلى مخالفًا لحكم الله تعالى، ومعرضا عن قبول رخصته، فإنه يكون
معاندًا، فتأمل. والله أعلم.
(٣) ((الأوسط)) ٣٣٢/٤ - ٣٣٥.

٣٣٠
=====
شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى بعد ذكر الاختلاف: واحتجّ القائلون بوجوب
القصر بحجج :
الأولى: ملازمة النبي ◌َّ للقصر في جميع أسفاره، كما في حديث ابن عمر رَّه
الآتي ١٤٥٨/٥ - ولم يثبت عنه ◌َّ أنه أتمّ الرباعية في السفر البتة، كما قال ابن القيم.
وأما حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: ((كان يقصر في السفر، ويُتمّ))، فلم يصحّ.
ويُجاب عن هذه الحجة بأن مجرد الملازمة لا يدلّ على الوجوب، كما ذهب إلى
ذلك جمهور أئمة الأصول وغيرهم.
والحجة الثانية: حديث عائشة رَّها المتفق عليه بألفاظ :
منها: ((فرضت الصلاة ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر))، وهو
دليل ناهض على الوجوب، لأن صلاة السفر إذا كانت مفروضة ركعتين لم تجز الزيادة
عليها، كما أنه لا تجوز الزيادة على أربع في الحضر.
وقد أجيب عن هذه الحجة بأجوبة :
منها: أن الحديث من قول عائشة غير مرفوع، وأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة، وأنه
لو كان ثابتًا لنُقل تواترًا. وقد تقدم عن هذه الأجوبة في أوائل كتاب الصلاة ٤٥٥/٣ .
ومنها: أن المراد بقولها: ((فرضت)) أي قدّرت، وهو خلاف الظاهر.
ومنها: ما قاله النووي: إن المراد بـ((فرضت)) أي لمن أراد الاقتصار عليهما، فزيد في
صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتيم، وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار
عليهما، وهو تأويل متعسّف لا يُعوّل على مثله.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: بل ما قاله النووي رحمه اللّه تعالى تأويل صحيح، لا
تعسف فيه، كما يأتي بيانه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.
ومنها: المعارضة لحديث عائشة بأدلتهم التي تمسكوا بها في عدم وجوب القصر،
وستأتي، ويأتي الجواب عنها.
والحجة الثالثة: ما في ((صحيح مسلم)) عن ابن عباس رَبُّهَا، أنه قال: ((إن الله عز
وجلّ فرض الصلاة على لسان نبيكم وَّر على المسافر ركعتين، وعلى المقيم أربعًا،
والخوف ركعة))، فهذا الصحابي الجليل قد حكى عن اللَّه عزّ وجلّ أنه فرض صلاة
السفر ركعتين، وهو أتقى للّه، وأخشى من أن يحكي أن اللَّه فرض ذلك بلا برهان.
والحجة الرابعة: حديث عمر رَمنّيه عند النسائي- ١٤٢٠/٣٧ - وغيره: ((صلاة
الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة السفر
ركعتان،، تمام غير قصر على لسان محمد وَّليت)).

١٤- (كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَر) - حديث رقم ١٤٣٣
٣٣١ =
وهو يدلّ على أن صلاة السفر مفروضة كذلك من أول الأمر، وأنها لم تكن أربعًا،
ثم قُصرت، وقوله: ((على لسان محمد ص)) تصريح بثبوت ذلك من قوله مَل .
والحجة الخامسة: حديث ابن عمر رضيها المتقدم للمصنف - ٤٥٧/٣ -: ((إن رسول
اللَّه ◌َهير أتانا، ونحن ضُلّال، فعلمنا، فكان فيما علمنا أن اللَّه عزّ وجلّ أمرنا أن نصلي
ركعتين في السفر)).
واحتج القائلون بأن القصر رخصة، والتمام أفضل بحجج:
الأولى: منها قول الله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَن نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ الآية، ونفي
الجناح لا يدلّ على العزيمة، بل على الرخصة، وعلى أن الأصل التمام، والقصر إنما
يكون من شيء أطول منه .
وأجيب: بأن الآية وردت في قصر الصفة في صلاة الخوف، لا في قصر العدد، لما
عُلم من تقدّم شرعية قصر العدد. قال في ((الهدي)) - وما أحسن ما قال -: وقد يقال: إن
الآية اقتضت قصرًا يتناول قصر الأركان بالتخفيف، وقصر العدد بنقصان ركعتين، وقيد
ذلك بأمرين: الضرب في الأرض، والخوف، فإذا وُجد الأمران أبيح القصران،
فيصلّون صلاة خوف مقصورًا عددها، وأركانها، وإن انتفى الأمران، وكانوا آمنين
مقيمين انتفى القصران، فيصلون صلاة كاملة، وإن وجد أحد السببين ترتب عليه قصره
وحده، فإن وُجد الخوف، والإقامة، قصرت الأركان، واستوفي العدد، وهذا نوع
قصر، وليس بالقصر المطلق في الآية، وإن وُجد السفر، والأمن قُصر العدد،
واستوفيت الأركان، وصليت صلاة أمن، وهذا أيضًا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق،
وقد تُسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد، وقد تسمى تامّةً باعتبار تمام
أركانها، وإنها لم تدخل في قصر الآية انتهى(١).
الحجة الثانية: قوله بَ لّره في حديث الباب: ((صدقة تصدّق الله بها عليكم))، فإن
الظاهر من قوله: ((صدقة)) أن القصر رخصة فقط.
وأجيب بأن الأمر بقبولها يدل على أنه لا مَحيص عنها، وهو المطلوب.
الحجة الثالثة: ما في ((صحيح مسلم)) وغيره أن الصحابة كانوا يسافرون مع رسول
اللَّه ◌َّر، فمنهم القاصر، ومنهم المتمّ، ومنهم الصائم، ومنهم المفطر، لا يعيب
بعضهم على بعض، كذا قال النووي في ((شرح مسلم))، ولم نجد في ((صحيح مسلم))
قوله: ((فمنهم القاصر، ومنهم المتمّ))، وليس فيه إلا أحاديث الصوم والإفطار، وإذا
(١) ((زاد المعاد)) ١ / ٤٦٦ - ٤٦٧.

٣٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ
ثبت ذلك، فليس فيه أن النبي ◌َّ اطلع على ذلك، وقرّرهم عليه، وقد نادت أقواله،
وأفعاله بخلاف ذلك، وقد تقرّر أن إجماع الصحابة في عصره وَّ ليس بحجة، والخلاف
بينهم في ذلك مشهور بعد موته، وقد أنكر جماعة منهم على عثمان لمّا أتمّ بمنى،
وتأولوا له تأويلات.
قال ابن القيّم رحمه الله تعالى: أحسنها (١) أنه كان قد تأهل بمنى، والمسافر إذا أقام
في موضع، وتزوج فيه، أو كان له به زوجة أتمّ، وقد روى أحمد عن عثمان أنه قال:
أيها الناس لما قدمت منى تأهلت بها، وإني سمعت رسول اللَّه وَ ل يقول: ((إذا تأهل
رجل ببلد، فليصلّ به صلاة مقيم))، ورواه أيضًا عبدالله بن الزبير الحميديّ في
((مسنده)، وقد أعله البيهقي بانقطاعه، وتضعيفه عكرمة بن إبراهيم، وسيأتي الكلام
عليه .
الحجة الرابعة: حديث عائشة رضي الله عنها: ((كان يقصر في السفر، ويتمّ))، وقد
تقدم أنه لا يصحّ(٢) .
وهذا النزاع في وجوب القصر وعدمه، وقد لاح من مجموع ما ذكونا رجحان القول
بالوجوب .
وأما دعوى أن الإتمام أفضل، فمدفوعة بملازمته ريّير للقصر في جميع أسفاره، وعدم
صدور الإتمام عنه، كما تقدم، ويبعد أن يلازم وَلّ طول عمره المفضول، ويدع الفاضل
انتهى كلام الشوكاني رحمه اللّه تعالى(٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأرجح قول من قال بجواز الإتمام مع
أفضلية القصر، لأن الأدلة التي ذكرها القائلون بعدم جواز الإتمام ليست صريحة قطعية
في الدلالة عليه، حيث إنها تقبل التأويل، كما تقدم في كلام النووي رحمه الله تعالى،
وإنما حملني على ترجيح هذا القول بعد طول التوقف فيه اتفاق الصحابة الذين حجوا
مع عثمان رضي اللَّه تعالى عنهم على صحة صلاة عثمان، ومن صلى معه، حتى إن
الذين أنكروا عليه الإتمام لمخالفته السنة صلوا معه، واعتدوا بتلك الصلاة، كابن
مسعود، وابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهم، فلو كانت صلاة عثمان ومن معه باطلة لم
يصلوا معه، وأما إنكارهم فلمخالفته ما كان عليه النبي ◌ُّ من ملازمة القصر، لا لعدم
(١) سيأتي تضعيف هذا التأويل في ٣/ ٤٤٧ إن شاء الله تعالى.
(٢) هذا الحديث وإن قال الدار قطني: إسناده صحيح إلا أنَّ الإمام أحمد استنكره، وقال ابن تيمية: هو
كذب على رسول اللَّه وَّله. انظر ((نيل الأوطار)) ١١٩/٤.
(٣) ((نيل الأوطار)) ٢٣٩/٣ - ٢٤١.

١٤ - (كِتَبُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَر) - حديث رقم ١٤٣٣
٣٣٣
جواز الإتمام.
وأما القول بأفضلية الإتمام فلا وجه له؛ لمخالفته لما لازمه رسول اللَّه وَلّ مدة
حياته، فالأفضل هو الذي داوم عليه، وإنما الكلام في الجواز فقط. هذا، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في السفر الذي يبيح القصر:
قال الإمام ابن المنذر رحمه اللّه تعالى: أجمع أهل العلم، لا اختلاف بينهم على أن
لمن سافر سفرا يُقصَر في مثله الصلاة، وكان سفره في حج، أو عمرة، أو غزو أن له أن
يقصر الصلاة ما دام مسافرًا.
واختلفوا فيمن خرج لمباح التجارة، أو مطالعة مال له، أو أبيح له الخروج إليه،
فقال أكثر من نحفظ عنه من علماء الأمصار: له إذا خرج إلى ما أبيح له أن يقصر
الصلاة، هذا قول الأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وهو مذهب
أهل المدينة، وأهل الكوفة، وعوامّ أهل العلم من علماء الأمصار.
وفيه قول ثان: قال عبدالله بن مسعود رَظريه : لا يقصر إلا في حج، أو جهاد،
وروينا عن عمران بن حصين رَ ◌ّها قال: إنما يقصر الصلاة من كان شاخصًا(١)، أو
يحضره العدو .
ثم أخرج ابن المنذر بسنده عن أبي المهلَّب، أن عثمان بن عفان رَّه ، كتب أنه
بلغني أن رجالًا يخرجون إما لجباية، وإما لتجارة، وإما لحشر (٢)، ثم لا يُتمون
الصلاة، فلا تفعلوا ذلك، فإنما يقصر الصلاة من كان شاخصًا، أو يحضره عدوّ.
وقال عطاء: أرى أن لا تقصر الصلاة إلا في سبيل من سُبُل الخير، من أجل أن إمام
المتقين لم يقصر الصلاة إلا في سبيل من سُبُل الخير، حج، أو عمرة، أو غزو، والأئمة
بعده أيهم كان يضرب في الأرض يبتغي الدنيا؟ وقد كان قبلُ لا يقول بهذا القول، يقول:
يقصر في كل ذلك.
واختلفوا فيمن سافر في معصية الله، ففي قول للشافعي، وأحمد عليه أن يُتمّ، وليس
له أن يقصر ما دام في سفره، قال الشافعي: وذلك في مثل أن يخرج باغيًا على مسلم،
أو معاهد، أو يقطع طريقًا، أو بما في هذا المعنى، قال: ولا يمسح على الخفين، ولا
يجمع الصلاة، ولا يصلي نافلة إلى غير القبلة، مسافرًا في معصية.
(١) كتب في هامش البيهقي: يعني رسولًا في حاجة.
(٢) الحشر هم القوم الذين يخرجون بدوا بهم إلى المرعى. قاله البيهقي جـ ٣ ص ١٣٧ .

٣٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ
وكان الأوزاعي يقول في الرجل يخرج في بعثة إلى بعض المسلمين: يقصر الصلاة،
ويفطر في شهر رمضان في مسيره، وافق ذلك طاعة، أو معصية.
وحكي عن النعمان أنه قال: المسافر يقصر في حلال خرج، أو في حرام انتهى كلام
ابن المنذر رحمه اللَّه تعالى(١).
وقال العلامة صديق حسن القنّوجي رحمه الله تعالى: والظاهر من الأدلة في القصر
والإفطار عدم الفرق بين من سفره في طاعة، ومن سفره في معصية، لا سيما القصر،
لأن صلاة المسافر شرعها الله كذلك، فكما شرع للمقيم صلاة التمام من غير فرق بين
من كان مطيعًا، ومن كان عاصيّا بلا خلاف، كذلك شرع للمسافر ركعتين من غير فرق،
وأدلة القصر متناولة للعاصي تناولًا زائدا على تناول أدلة الإفطار له، لأن القصر عزيمة،
وهي لم تشرع للمطيع دون العاصي، بل مشروعة لهما جميعًا بخلاف الإفطار، فإنه
رخصة للمسافر، والرخصة تكون لهذا دون هذا في الأصل، وإن كانت هنا عامة، وإنما
المراد بطلان القياس انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الأرجح عندي قول من قال بمشروعية القصر لكل
مسافر، مطيعا كان، أو عاصيًا؛ لعموم الأدلة، كما استظهره القنوجي رحمه الله تعالى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٣٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَنِبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ
ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَمَئَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ، أَنََّ قَالَّ لِعَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ: إِنَّا نَجِدُ صَلَاةَ
الْحَضَرِ، وَصَلَةَ الْخَوْفِ فِي الْقُرآنِ، وَلَا نَجِدُ صَلَاةَ السَّفَرِ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ:
يَا ابْنَ أَخِي، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَ بَعَثَ إِلَيْنَا مُحَمَّدًا وََّ، وَلَا تَعْلَمُ شَيْئًا، وَإِنَّمَا نَفْعَلُ كَمَا
رَأَيْنَا مُحَمَّدًا بِّهِ يَفْعَلُ) .
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (قتيبة) بن سعید تقدم قریبًا.
٢- (الليث) بن سعد المصريّ الإمام الحجة [٧] تقدم ٣٥/٣١.
٣- (ابن شهاب) تقدم قريبًا.
٤- (عبدالله بن أبي بكر بن عبدالرحمن) بن الحارث بن هشام المخزومي المدني،
صدوق [٦] تقدم ٣/ ٤٥٧.
(١) ((الأوسط)) جـ ٤ ص ٣٤٣ - ٣٤٦.
(٢) ((الروضة الندوية)) جـ ١ ص ١٥٠ .

١٤ - (كِتَبُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرَ) - حديث رقم ١٤٣٥
٣٣٥
٥- (أمية بن عبدالله بن خالد) الأموي المكي، ثقة [٣] تقدم ٣/ ٤٥٧ .
٦- (عبدالله بن عمر) بن الخطاب رَبِّهَا تقدم قريبًا. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا صحيح،
تقدم للمصنف رحمه الله تعالى برقم - ٤٥٧/٣ - رواه هناك عن يوسف بن سعيد، عن
حجاج ابن محمد، عن محمد بن عبداللَّه الشُّعَيثيّ، عن عبدالله بن أبي بكر به، بلفظ :
((قال لابن عمر: كيف تقصر الصلاة، وإنما قال الله عزّ وجلّ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ
نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾، فقال ابن عمر: يا ابن أخي إن رسول اللَّه ◌َليل أتانا، ونحن
ضُلّال، فعلّمنا، فكان فيما علّمنا أن اللَّه عز وجل أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر)).
وتقدم شرحه، والكلام على مسائله هناك.
ودلالته على ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو مشروعية تقصير الصلاة
واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل .
١٤٣٥ - (أَخْرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهَ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، لَا يَخَافُ إِلَّا رَبَّ
الْعَالَمِينَ، يُصِّلِّي رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد : خمسة :
١ - (قتيبة) المذكور قبله.
٢- (هُشيم) بن بشير الواسطي، ثقة ثبت، كثير التدليس، والإرسال الخفي [٧]
تقدم ١٠٩/٨٨ .
٣- (منصور بن زاذان) الثقفي، أبو المغيرة الواسطي، ثقة ثبت عابد [٦] تقدم ٥٪
٤٧٥ .
٤- (ابن سيرين) تقدم قريبًا .
٥- (ابن عباس) عبدالله الحبر البحر رضي الله تعالى عنهما، تقدم ٣١/٢٧. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. ومنها: أن فيه ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما من العبادلة الأربعة،
والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. والله تعالى أعلم.

٣٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللّه تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلَهِ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى
الْمَدِينَةِ) أي بعد فتح مكة، والظاهر أنه أراد خروجه بعد فراغه من حجة الوداع، والله
تعالى أعلم (لَا يَخَافُ إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ) أي لدخول الناس في دين الله تعالى، فليس
هناك عدوّ يُخاف مهاجمته للمسلمين، وهم في الصلاة (يُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ) أراد ابن عباس
رضي اللَّه تعالى عنه بهذا الردّ على من كان يرى أن مشروعية القصر في السفر مشروطة
بالخوف، متمسكًا يقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُرْ جُنَامُ﴾ الآية، فبين أن النبي ◌َّ قصر مع
زوال السبب الذي ذُكر في الآية.
ودلالة الحديث على الترجمة واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه -١٤٣٥/١- وفي ((الكبرى)) -١٨٩٣/١- عن قتيبة، عن هُشيم، عن
منصور بن زاذان، عن ابن سيرين عنه. وفي -١٤٣٦/١ - و((الكبرى)) عن محمد بن
عبدالأعلى، عن خالد، عن ابن عون، عن ابن سيرين، به.
وأخرجه (ت) ٥٤٧ (أحمد) ٢١٥/١ و٢٢٦ و٣٥٤ و٣٥٥ و٣٦٢ و٣٦٩ (عبد بن
حميد) ٦٦٢ و٦٦٣ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل.
١٤٣٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ،
عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنَّا نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ(١) قَالَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةٍ، لَا
نَخَافُ، إِلَّا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، نُصَلِّي رَكْعَتَيْنٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (محمد بن عبدالأعلى) الصنعاني البصري، ثقة [١٠] تقدم ٥/٥ .
٢- (خالد) بن الحارث الْهُجَيمي البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٤٧/٤٢.
(١) وفي نسخة ((النبي)).

١٤- (كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ) - حديث رقم ١٤٣٧
٣٣٧
٣- (ابن عون) عبدالله بن أرطبان، أبو عون البصري، ثقة ثبت [٥(١)] تقدم ٣٣/٢٥
والباقيان تقدما في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، وبيان مسائله. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٣٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الَّضْرُ بْنُ شُمَيْل، قَالَ: حَدَّثَا (٢)
شُعْبَةُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حَبِيبَ بْنَ عُبَيْدٍ، يُحَدِّثُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرِ،
عَنِ ابْنِ السِّمْطِ، قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، يُصَلِّي بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ
ذَلِكَ؟، فَقَالَ: إِنَّمَا أَفْعَلُ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بَرِ يَفْعَلُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية :
١- (إسحاق بن إبراهيم) تقدم أول الباب.
٢- (النضر بن شُميل) النحويّ، أبو الحسن البصري نزيل مرو، ثقة ثبت، من كبار
[٩] تقدم ٤١ / ٤٥ .
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] تقدم ٢٦/٢٤ .
٤- (يزيد بن خُمير) -مصغّرا- الرَّخبيّ -بمهملة ساكنة- الهمّداني، أبو عمرو
الحمصي الزياديّ، صدوق [٥].
روى عن عبدالله بن بُسر، وأبي أمامة الباهلي، وعبدالرحمن بن جُبير، وحبيب بن
عبيد، وغيرهم. وعنه صفوان بن عمرو، وشعبة، وأبو عوانة، وغيرهم.
وثقه شعبة، وابن معين، والنسائي، وقال مرةً: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صالح
الحديث صدوق، وقال حرب عن أحمد: كان كيّسًا، وحديثه حسنٌ، وقال الخضر بن
داود عن أحمد: ما أحسن حديثه، وأصحّه، ورفع أمره. وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقال العُقيلي: قال الفلّاس: سمعت يحيى بن سعيد يقول: هشام بن عروة، عن
أبيه، عن أبي بكر مرسلًا أحب إليّ من يزيد بن خُمير، عن سُليم بن عامر، عن
أوسط(٣)، عن أبي بكر. يعني أن ذاك المنقطع أحب إليه من هذا المتصل، قال: وسئل
وكيع عن أحاديث أبي بكر، فجعل لا يُصحح منها شيئًا، فذكر له حديث يزيد بن
خُمير؟، فقال: ذاك شامي. وقال أبو رزعة الدمشقي: رَوَى عنه حَريز بن عثمان، فقلب
اسمه. وقال الهيثم بن عديّ: قلت لشعبة: رويتَ عن يزيد بن خُمير، وكان شُرْطيّا
(١) جعله في (ت)) من السادسة، والظاهر أنه من الخامسة؛ لأنه ثبت أنه رأى أنسًا رَميه. فليتأمل.
(٢) وفي نسخة ((أخبرنا)).
(٣) هو أوسط بن إسماعيل، أو ابن عامر، أو عمرو البجلي أبو إسماعيل، أو أبو عمرو الشامي، ثقة
مخضرم من [٢] مات سنة (٧٩).

شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ
٣٣٨
لهشام؟ قال: ويحك كان صدوقًا. روى له البخاري في ((الأدب المفرد))، والباقون، وله
في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥- (حَبيب بن عُبيد) الرَّحَبيّ، أبو حفص الحمصي، ثقة [٣]. تقدم ٦٢/٥٠.
٦- (جُبَير بن نُفير) الحضرمي الحمصيّ، ثقة مخضرم جليل [٢] تقدم ٢٥٠/٥٠ .
٧- (ابن السِّمْط) هو شُرَحبيل بن السِّمْط -بكسر السين المهملة، وسكون الميم-
ابن الأسود بن جَبَلَة بن عديّ بن ربيعة بن معاوية، الكنديّ، أبو معاوية، ويقال: أبو
السمط الشاميّ، مختلف في صحبته.
روى عن النبي وَّل، وعن عمر، وسلمان، وعمرو بن عَبَسَة، وغيرهم. وعنه جُبير
ابن نُفير، وسالم بن أبي الجعد، وخالد بن زيد، وغيرهم.
قال ابن سعد: جاهلي إسلامي، وفد على النبي ◌َّ، وشهد القادسية، وافتتح
حمص. وقال النسائي: ثقة. وجزم البخاري في ((تاريخه)) بأن له صحبة. وذكره ابن
حبّان في الصحابة، فقال: كان عاملا على حمص، ومات بها، ثم أعاده في ثقات
التابعين. وقال الحاكم أبو أحمد: له صحبة. وذكر خليفة أنه كان عاملًا لمعاوية على
حمص نحوًا من عشرين سنة. وقال ابن عبدالبرّ: شهد صفّين مع معاوية. وقال أبو عامر
الْهَوْزَني: حضرت مع حبيب بن مسلمة جنازة شُرَحبيل. وقال صاحب ((تاريخ
حمص)): توفي بسَلَميّةَ سنة (٣٦) بلغني أنه هاجر إلى المدينة زمن عمر. وقال أبو
داود: مات شُرحبيلُ بصفّين. وقال يزيد بن عبد ربه: مات سنة (٤٠). روى له الجماعة
سوى البخاري، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث.
٨- (عمر بن الخطاب) رَّه المذكور في الذي قبله. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من ثمانيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رواته كلهم رواة
الصحيح. ومنها: أن فيه أربعة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، فيزيد بن خُمير،
فمن فوقه تابعيون، وكلهم شاميون، وهذا إن قلنا: إن شُرحبيل تابعي، وإلا فقد تقدم
القول بصحبته، فيكون من رواية صحابي، عن صحابي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ السِّمْطِ) هو شُرحبيل (قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) رضي اللَّه تعالى عنه
(يُصَلِّي بِذِي الْحُلَيْفَةِ) اسم ماء من مياه بني جُشَم، ثم سمي الموضع به، وهو ميقات
أهل المدينة، نحو مرحلة عنها، ويقال: ستة أميال. قاله الفيّومي (رَكْعَتَيْنِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ

١٤ - (كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاَةِ فِي السَّفَرَ) - حديث رقم ١٤٣٧
٣٣٩
ذَلِكَ؟) أي عن كونه قصر في هذه المسافة، وفي رواية مسلم: ((عن جُبير بن نُفير، قال:
خرجت مع شُرحبيل بن السمط إلى قرية على رأس سبعة عشر، أو ثمانية عشر ميلًا، -
وفي رواية: إنه أتى أرضا يقال لها دُومِين من حمص على رأس ثمانية عشر ميلا - فصلى
ركعتين، فقلت له؟، فقال: رأيت عمر صلى بذي الحليفة ركعتين، فقلت له؟ ... ))
(فَقَالَ: إِنَّمَا أَفْعَالُ) وفي نسخة: ((أنا أفعل)) (كَمَا رَأَيْتُ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ يَفْعَالُ) أي فإنه كان
يقصر في مثل ذلك، أو أراد فعله وَّر في حجة الوداع حيث صلى هناك العصر ركعتين،
والله أعلم.
قال النووي رحمه اللّه تعالى: وهذا الحديث مما قد يتوهم أنه دليل لأهل الظاهر،
ولا دلالة فيه بحال، لأن الذي فيه عن النبي وَلّ، وعمر وَظّه إنما هو القصر بذي
الحليفة، وليس فيه أنها غاية السفر، وأما قصر شُرحبيل على رأس سبعة عشر، أو ثمانية
عشر ميلًا، فلا حجة فيه، لأنه تابعي، فعل شيئًا يخالف الجمهور، أو يُتأول على أنها
كانت في أثناء سفره، لا أنها غايته، وهذا التأويل ظاهر، وبه يصح احتجاجه بفعل عمر،
ونقله ذلك عن النبي ◌َّر، والله أعلم انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قوله: أو يتأول على أنها الخ)) فيه نظر، إذ يُبعد هذا
التأويل قوله: أتى أرضا يقال لها دُومين، فإنه ظاهر في أن تلك الأرض كانت غاية
سفره، فليُتأمل. وسيأتي تحقيق الخلاف في تحديد مسافة القصر في المسألة الثالثة، إن
شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، والله تعالى أعلم،
وهو المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عمر رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ١/ ١٤٣٧- وفي ((الكبرى)) - ١٨٩٥/١- بالسند الذكور.
وأخرجه (م) ٢/ ١٤٥ (أحمد) ٢٩/١ و٣٠/١ . والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف العلماء في المسافة التي تُقصر فيها الصلاة:
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: أجمع أهل العلم على أن لمن سافر سفرًا
تكون مسافته مثل ما بين المدينة إلى مكة أن يقصر الصلاة.
واختلفوا فيمن سافر أقلّ من هذه المسافة، فقالت طائفة: من سافر أربعة بُرُد، فله أن
يقصر الصلاة، كذلك قال مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، واحتجوا بالأخبار

٣٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ
التي رويت عن ابن عمر، وابن عباس:
من ذلك أن ابن عمر ركب إلى ريم(١) فقصر الصلاة في مسيره ذلك، قال مالك:
وذلك نحو من أربعة برد، وأن ابن عباس رَؤيهتا سئل أيقصر إلى عرفة؟ قال: لا، ولكن
إلى عُسفان، وإلى جُدّة، وإلى الطائف، وروي عن ابن عمر، وابن عباس أنهما كانا
يصليان ركعتين، ويُقطران في أربع برد، فما فوق ذلك.
وهذا مذهب أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وحكى أبو ثور ذلك عن مالك،
والشافعي، وبه قال الليث بن سعد في بعض الصلاة، وكذا قال عبدالملك الماجشون.
وقالت طائفة: يقصر الصلاة في مسير يومين، ولم يذكر مقدار ذلك بالبرد والأميال،
هذا قول الحسن البصريّ، والزهريّ، وقد كان الشافعي يقول إذ هو بالعراق: يقصر في
مسيرة ليلتين قاصدتين، وذلك إذا جاوز السير أربعين ميلًا بالهاشميّ، ثم قال بمصر:
للمرىء عندي أن يقصر فيما كان مسيرة ليلتين قاصدتين، وذلك ستة وأربعون ميلاً
بالهاشمي، ولا يقصر فيما دونهما، وأُحِبّ أنا أن لا أقصر في أقل من ثلاث، احتياطًا
على نفسي، وإن ترك القصر مباح لي.
وقالت طائفة: يقصر في مسيرة اليوم التامّ، ثبت أن ابن عمر كان يقصر في اليوم
التامّ، وخرج إلى أرض اشتراها من ابن بجينة، فقصر الصلاة إليها، وهي ثلاثون ميلًا،
وقال الزهريّ: يقصر في مسيرة يوم تامّ، ثلاثون ميلًا، وثابت عن ابن عباس أنه قال:
يقصر في اليوم، ولا يقصر فيما دون اليوم.
وقالت طائفة: من سافر ثلاثًا قصر، روينا هذا القول عن ابن مسعود، وسعيد بن
جبير، والنخعي، وسُويد بن غَفَلَة، وبه قال الثوريّ، والنعمان، ومحمد بن الحسن،
قال النعمان: ثلاثة أيام ولياليها بسير الإبل، ومشي الأقدام.
وفيه قول خامس: روينا عن علي بن أبي طالب رَزّ أنه خرج إلى النُّمَيلة(٢)،
فصلى بهم الظهر ركعتين، ثم رجع من يومه، فقال: أردت أن أعلمكم سنة نبيكم وَل ـ
وروينا عن ابن عمر رَّ، أنه قال: إني لأسافر الساعة من النهار، فأقصر، وقال عمرو
بن دينار: قال لي جابر بن زيد: اقصر بعرفة.
قال ابن المنذر رحمه اللّه تعالى: أما قول جابر هذا، فأحسبه مثل قول من قال لأهل
مكة: اقصروا الصلاة بمنى وعرفة.
(١) أصله رئم بكسر الراء، وسكون الهمزة، واحد الآرام: وهي الظباء الخالصة البياض، ثم سمي به
واد لمزينة قرب المدينة. قاله في ((معجم البلدان)) ١١٤/٣.
(٢) ((النميلة)) قرية لبني قيس بن ثعلبة رهط الأعشى باليمامة. قاله في ((معجم البلدان)) جـ ٥ ص ٣٠٦.