Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
١١- (بَأَبُ الَْيَأَةِ لِلْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٨٢
وَلِلْوَقْدِ، إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي
الآخِرَةِ))، ثُمَّ جَاءَ رَسُولَ اللّهِ بِّهِ مِثْلُهَا، فَأَعْطَى عُمَرَ مِنْهَا حُلَّةٌ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، كَسَوْتَنِيهَا، وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ؟ قَالَ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ: ((لَمْ أَكْسُكَهَا
لِتَلْبَسَهَا))، فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخَا لَهُ مُشْرِكَا بِمَكَّةَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة، وتقدموا قبل ثلاثة أبواب، وهو (٨٣) من رباعيات
الكتاب. والله تعالى أعلم.
شرح الحدیث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) رضي اللَّه تعالى عنهما (رَأَى) هكذا رواه
أكثر أصحاب نافع، وأخرجه المصنف من رواية عُبيدالله بن عمر العُمريّ، عن نافع،
عن ابن عمر، عن عمر، أنه ((رأى حلةً))، فجعله من مسند عمر، قال الدارقطني:
المحفوظ أنه من مسند ابن عمر انتهى.
(حُلَّةً) - بضم المهملة- قال أبو عُبيد: الْحُلَل: برود اليمن، والحُلَّة إزار ورداء،
ونقله ابن الأثير، وزاد: إذا كان من جنس واحد. وقال ابن سيده: في ((المحكم)) :
الحلّة بُرْدٌ أو غيره، وحكى عياض أن أصل تسمية الثوبين حُلّة أنهما يكونان جديدين كما
حُلَّ طيُّهما. وقيل: لا يكون الثوبان حُلّةً حتى يَلبس أحدهما فوق الآخر، فإذا كان فوقه
فقد حلّ عليه، والأوّل أشهر.
وفي الرواية الآتية من طريق سالم، عن أبيه-٥/ ١٥٦٠ -: ((قال: وجد عمر بن
الخطاب رضي الله تعالى عنه حُلّة من إستبرق، تباع بالسوق ... ))، والإستبرق: ما
غلظ من الحرير.
وفي رواية الشيخين: ((رأى حُلّة سيراء))، والسيراء - بكسر المهملة، وفتح التحتانية،
والراء، مع المدّ- قال الخليل: ليس في كلام العرب فِعَلاءُ - بكسر أوله، مع المدّ-
سوى سِيَراء، وحِوَلاء، وهو الماء الذي يخرج على رأس الولد، وعِنَباء، لغة في
العنب .
قال مالك: هو الوَشْيُ من الحرير، كذا قال. والوَشْيُ -بفتح الواو، وسكون
المعجمة، بعدها تحتانية. وقال الأصمعيّ: ثياب، فيها خطوط من حرير، أو قَزّ، وإنما
قيل لها: سيراء لتسيير الخطوط فيها. وقال الخليل: ثوب مُضَلَّع بالحرير، وقيل:
مختلف الألوان، فيه خطوط ممتدّة، كأنها السيور. وقال ابن سيده: هو ضرب من
البرود. وقيل: ثوب مسير فيه خطوط يُعمل من القَزّ، وقيل: ثياب من اليمن. وقال

===
١٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
الجوهريّ: بُرْد فيه خطوط صُفْر. ونقل عياض عن سيبويه، قال: لم يأت فِعَلاء صفةً،
لكن اسمًا، وهو الحرير الصافي.
واختلف في قوله: ((حلة سيراء)»، هل هو بالإضافة، أو لا، فوقع عند الأكثر بتنوين
((حلّة))، على أنّ ((سيراء)) عطف بيان، أو نعت، وجزم القرطبيّ بأنه الرواية. وقال
الخطابيّ: قالوا: ((حلّةٌ سيراءُ))، كما قالوا: ((ناقةٌ عُشَراءُ))، ونقل عياض عن أبي مروان
ابن السرّاج أنه بالإضافة، قال عياض: وكذا ضبطناه عن متقني شيوخنا، وقال النوويّ:
إنه قول المحققين، ومتقني العربية، وإنه من إضافة الشيء لصفته، كما قالوا: ثوب خزّ
انتھی(١).
وزاد في رواية ((الكبرى)): ((عند باب المسجد))، وفي رواية له في ((كتاب الزينة)) من
طريق ابن إسحاق، عن نافع: ((أن عمر كان مع النبي بَّر في السوق، فرأى حلّة سيراء
تباع في السوق)) .
قال الحافظ: ولا تنافي بين الروايتين، لأن طرف السوق كا يصل إلى قرب باب
المسجد انتهى .
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ) ((لو)) للتنمي، أو للعرض، فلا تحتاج إلى
جواب، ويحتمل أن تكون شرطية، حذف جوابها، أي لكان خيرًا.
وفي رواية سالم، عن ابن عمر: ((ابتع هذه، فتجمّل بها))، وكأن عمر أشار بشرائها،
وتمنّاه .
(فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ) هذا محل الترجمة، حيث إنه يفيد استحباب التجمل، وحسن
الهيئة للجمعة، ووجه ذلك أن عمر ◌َّه أشار على النبي وَّ بالتجمل للجمعة، فلم
يُنكر عليه، وإنما أنكر التجمل بالحرير، فدلّ على أن التجمل بما يحلّ لبسه من أنواع
الحُلَل مستحب.
وقال السندي وَخّلهُ: وفي قول عمر رَميه دلالة على أن التجمل يوم الجمعة كان
مشهورًا بينهم، مطلوبًا، كالتجمّل للوفود، وقد قرّره النبي وَلّ على ذلك، وإنما رده من
حيث إن الحرير لا يليق به انتهى (٢) .
(وَلِلْوَفْدِ) قيل: الوفد الرُّكبان المكرمون، يقال: وَفَدَ فلان يَفِدُ، وِفَادةً: إذا خرج إلى
ملك، أو أمير. والوَفْدُ اسم جمع، وقيل: جمعٌ، وأما الوفود، فجمع وافد. أفاده في
((اللسان)).
(١) ((فتح)) ١١/ ٤٧٨ - ٤٧٩ ((كتاب اللباس)).
(٢) ((شرح السندي)) جـ ٣ ص ٩٦ .

١٤٣
١١- (بَأَبُ الْهَيْأَةِ لِلْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٨٢
وفي رواية سالم، عن أبيه الآتية-٥/ ١٥٦٠- ((فتجمل بها للعيد والوفد)).
وفي رواية ابن إسحاق المذكورة: ((فتجمّل بها لوفود العرب، إذا أتوك، وإذا خطبت
الناس في يوم عيد وغيره ... )).
قال في ((الفتح)): وكأنه خصّه بالعرب، لأنهم كانوا إذ ذاك الوفودَ في الغالب، لأن
مكة لمّا فُتحت بادر العرب بإسلامهم، فكانت كلّ قبيلة تُرسل كُبراءها ليسلموا،
ويتعلّموا، ويرجعوا إلى قومهم، فيدعوهم إلى الإسلام، ويعلّموهم انتهى(١).
(إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ) -بفتح القاف، وكسر الدّال-، يقال: قدم من سفره، كعلم،
قُدُومًا، وقِدْمانًا -بالكسر -: رجع، فهو قادم. أفاده في ((ق)). وفي رواية ابن إسحاق:
((إذا أتوك)).
(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَ لهِ: ((إِنَّمَا يَلْيَسُ هَذِهِ) وفي رواية جرير بن حازم عند البخاريّ:
((إنما يلبس الحرير)) (مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ) ((الخَلَاق))- بفتح المعجمة، وتخفيف
اللام -: النصيب، وقيل: الحظّ، وهو المراد هنا، ويُطلق على الحرمة، وعلى الدين،
ويحتمل أن يُراد مَنْ لا نصيب له في الآخرة، أي مِنْ لبس الحرير. قاله الطيبيّ.
ويؤيده ما أخرجه الشيخان من حديث أبي عثمان، عن عمر رَظّي: أن النبي وَلِّل
قال: ((لا يُلْبَسُ الحريرُ في الدنيا إلا لم يُلبَس منه شيء في الآخرة))، وفي رواية لمسلم:
((لا يَلْبَسُ الحرير إلا من ليس له منه شيء في الآخرة)).
(ثُمَّ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ بَ لَ مِثْلُهَا) بنصب ((رسول)) على أنه مفعول مقدّم، و((مثلها))
فاعل مؤخر، ولفظ ((الكبرى)): ((ثم جاء رسول اللَّه وَلَ منها حُلَلٌ))، وفي رواية سالم،
عن أبيه: ((ثم أتي رسول اللَّه وَ ◌ّ بثلاث حُلَل منها، فكسا عمرَ حُلّةٌ، وكسا عليّا حلّةٌ،
وكسا أُسامةً حُلّةً ... )).
(فَأَعْطَى عُمَرَ مِنْهَا حُلَّةً) وفي رواية للبخاريّ: ((وأن النبي ◌َّ بعث بعد ذلك إلى عمر
حلة سيراء))، وزاد الإسماعيليّ: ((بحلة سيراء من حرير))، و ((من)) بيانية، وهو يقتضي
أن السيراء قد تكون من غير حرير. قاله في ((الفتح)).
(فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَوْتَنِيهَا) إنما قال ذلك باعتبار ما فهمه، وإلّا فقد ظهر
في بقية الحديث أنه لم يعطه ليلبسها، أو المراد: أعطيتني ما يصلح كسوة.
(وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ) هو عطارد بن حاجب بن زُرَارة بن عُدُس بن زيد بن
عبدالله بن دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم التميميّ، أبو عكرمة، وَفَدَ على
(١) ((فتح)) ١١/ ٤٨٠.

١٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
النبي وَّ، واستعمله على صدقات بني تميم.
روى الطبراني من طريق محمد بن زياد الْجُمَحيّ، عن عبدالرحمن بن عمرو بن
معاذ، عن عُطارد بن حاجب، أنه أهدى إلى النبي ٹڑ ثوب ديباج، کساه إیاہ کسری،
فدخل أصحابه، فقالوا: نزل عليك من السماء؟! فقال: ((وما تَعجَبون من ذا؟ لمناديل
سعد بن معاذ في الجنّة خير من هذا)).
وقال أبو عبيدة: وكان حاجب بن زُرَارة، يقال له: ذو القوس، وذلك أن رسول الله
وَلَّ لما دعا على مضر بالقحط، فأقحطوا، ارتحل حاجب إلى كسرى، فسأله أن يأذن له
أن ينزل حَوْلَ بلاده، فقال: إنكم أهل غَدْر، فقال: أنا ضامن، فقال: ومن لي بأن تَفيَ؟
قال: أرهنك قوسي، فأذن لهم في دخول الرِّيف، فلما استسقت مضر بالنبي وَّ دعا
الله، فرفع عنهم القحط، وكان حاجب مات، فرحل عُطارد بن الحاجب إلى كسرى،
يطلب قوس أبيه، فردّها عليه، وكساه حُلّةً.
وروى الواقديّ في ((المغازي)) بأسانيده: أن رسول اللَّه بعث بشر بن سفيان العدويّ
على صدقات خُزَاعة، فجمعوا له، فمنعهم بنو تميم، فبعث النبي ◌َّرَ إليهم عيينة بن
حصن في خمسين فارسًا، فأغار، وسَبَى منهم أحدَ عشر رجلًا، وإحدى عشرة امرأةً،
وثلاثين صبيّا، فوفد بعد ذلك رؤساء بني تميم، منهم عُطارد بن حاجب، فذكر القصّة،
وأنهم أسلموا، وأجارهم، وارتدّ عُطارد بن حاجب بعد النبي ◌َّ مع من ارتدّ من بني
تميمٍ، وتبع سَجَاحِ، ثم عاد إلى الإسلام، وهو الذي قال فيها: [من البسيط]
أَضْحَتْ نَبِيَتُنَا أَنْثَى تُطِيفُ بِهَا وَأَصْبَحَتْ أَنْبِيَاءُ النَّاسِ ذُكْرَانًا
عَلَى سَجَاحٍ وَمَنْ بِالْكُفْرِ أَغْوَانًا(١)
فَلَعْنَةُ اللَّهِ رَبِّ النَّاسِ كُلِّهِم
(مَا قُلْتَ) ((ما)) اسم موصول في محلّ نصب على أنه مفعول مطلق، أي قلت القول
الذي قلته في حُلّة عطارد، وهو قوله وَله: ((إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة)).
(قَالَ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ: ((لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا) أي لم أعطك إياها لأجل أن تلبسها، زاد
في الرواية الآتية: ٥٢٩٥/٨٣- من طريق عبيدالله، عن نافع: ((إنما كسوتكها لتكسوها،
أو لتبيعها»، وفي ٥٢٩٩/٨٥- من طريق حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم: ((بعها،
واقض بها حاجتك، أو شُقّ خُمُرًا بين نسائك)).
(فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخَا لَهُ) زاد في رواية سالم المذكورة: ((من أمه)) (مُشْرِكَا بِمَكّةَ) وفي
رواية البخاري من طريق عبدالله بن دينار، عن ابن عمر: ((فأرسل بها عمر إلى أخ له،
(١) ((الإصابة)) جـ ٧ ص ١١ - ١٢ .

١٤٥ =
١١- (بَابُ الْهَيْأَةِ لِلْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٨٢
من أهل مكّة قبل أن يُسلم)). قال النوويّ: هذا يُشعر بأنه أسلم بعد ذلك.
قال الحافظ: ولم أقف على تسمية هذا الأخ إلا فيما ذكره ابن بشكوال في
((المبهمات)) نقلًا عن ابن الحذّاء في رجال ((الموطإ))، فقال: اسمه عُثمان بن حكيم.
قال الدمياطيّ: هو السلميّ أخو خولة بنت حكيم بن أميّة بن حارثة بن الأوقص، قال:
وهو أخو زيد بن الخطاب لأمه، فمن أطلق عليه أنه أخو عمر لأمه لم يُصب.
قال الحافظ: قلت: بل له وجه بطريق المجاز. ويحتمل أن يكون عمر ارتضع من أم
أخيه زيد، فيكون عثمان أخا عمر لأمه من الرضاع، وأخا زيد لأمه من النسب.
وأفاد ابن سعد أن والدة سعيد بن المسيب هي أم سعيد بن عثمان بن الحكم(١)، ولم
أقف على ذكره في الصحابة، فإن كان أسلم، فقد فاتهم، فليُستَدرك، وإن كان مات
كافرًا، وكان قوله: ((قبل أن يسلم)) لا مفهوم له، بل المراد أن البعث إليه كان في حال
كفره، مع قطع النظر عما وراء ذلك، فلتُعدّ بنته في الصحابة انتهى (٢). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبدالله بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٣٨٢/١١- وفي («الكبرى))- ١٦٨٦/١٠- عن قُتيبة، عن مالك، عن
نافع، عنه. وفي ١٥٦٠/٥ - و ((الكبرى)) - ١٧٦٠/٥- سليمان بن داود -زاد في
(الكبرى))- أحمد بن عمرو بن السرح- كلاهما عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد،
وعمرو بن الحارث، كلاهما عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه. وفي ((كتاب الزينة))
٥٢٩٥/٨٣ - و ((الكبرى)) ٧٨/ ٩٥٧٠- عن إسحاق بن منصور، عن عبدالله بن نُمير،
عن عبيدالله، عن نافع به. وفي ٥٣٩٩/٨٥ - و((الكبرى)) - ٩٥٧٢/٧٨-عن إسحاق
ابن إبراهيم، عن عبدالله بن الحارث المخزوميّ، عن حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم
به. وفي -٥٣٠٠/٨٦- و ((الكبرى)) - ٩٥٧٣/٧٨- عن عمران موسى، عن
عبدالوارث، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن سالم به. وفي ((الكبرى)) - ٧٨/ ٩٥٧١ -
عن عبدالرحمن بن عبدالله بن عبدالحكم، عن شعيب بن الليث، عن أبيه، عن محمد
(١) هكذا نسخة ((الفتح) جـ ١١ ص ٤٨١ (ابن الحكم))و ولعل الصواب ((ابن حكيم))، فليحرر.
(٢) ((فتح)) ١١ / ٤٨١ - ٤٨٢ .

١٤٦
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
ابن عبدالرحمن، عن نافع به. وفيه ٧٨/ ٩٥٧٤- عن عبيدالله بن فَضالة، عن أبي
اليمان، عن شعيب، عن الزهري، به. وفيه ٧٨/ ٩٥٧٥- عن محمد بن عبدالله بن
عبدالحكم، عن شعيب، عن الليث، عن ابن الهاد، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر
وأخرجه (خ) ٢/ ٤ و٢٠/٢ و٢١٤/٣ و٨٣/٣ و٢١٣/٣ و٨٥/٤ و١٩٥/٧ و٢٧/٨.
(م) ٦/ ١٣٧ و١٣٨/٦ و١٣٩/٦ و١٣٨/٧ . (د) ١٠٧٦ و ١٠٧٧ و٤٠٤٠ و٤٠٤١ .
(ق) ٣٥٩١. (مالك في الموطإ) ٥٧١ (الحميدي) ٦٧٩ (أحمد) ٢٠/٢ و٣٩/٢ و٤٠/٢
و٤٩/٢ و٨٢/٢ و١٠٣/٢ و١١٤/٢ و١٤٦/٢. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف ◌َخْذّلهُ، وهو حسن الهيئة للجمعة، فيستحب التجمّل يوم
الجمعة بالملابس الحسنة، لكونه وَالر أقرّ عمر على ذلك، وإنما أنكر عليه استعمال
السيراء، وما في معناه، وفي سنن أبي داود، وابن ماجه، عن عبدالله بن سلام رَّه،
مرفوعًا: ((ما على أحدكم، لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة، سوى ثوبي مِهْنَته)) (١) وتقدم
أن في رواية سالم، عن أبيه: (للعيد)) بدل ((للجمعة))، وفي رواية ابن إسحاق، عن
نافع: ((فتجملت بها لوفود العرب إذا أتوك، وإذا خطبت الناس في يوم عيد، وغيره)).
فأخذ العلماء من هذا استحباب التجمل في سائر مجامع الخير، إلا ما ينبغي فيه
إظهار التمسكن، والتواضع، والخوف، كالاستسقاء، والكسوف. أفاده ولي الدين
رحمه الله تعالى(٢).
ومنها: عَرض المفضول على الفاضل، والتابع على المتبوع ما يحتاج إليه من
مصالحه مما يظنّ أنه لم يطلع عليه.
ومنها: جواز البيع والشراء على أبوب المساجد.
ومنها: مباشرة الصالحين، والفُضلاء البيع والشراء.
ومنها: تحريم الحرير على الرجال مطلقا، وفيه تفاصيل للعلماء، سيأتي الكلام عليه
في محلّه من ((كتاب الزينة))، إن شاء اللّه تعالى.
ومنها: جوازه للنساء، لقول رَليّ: ((أو شقّقها خُمُرًا بين نسائك)).
ومنها: جواز بيع الرجال الثياب الحرير، وتصرّفهم فيها بالهبة والهديّة، لا اللبس.
ومنها: جواز صلة الكافر القريب، والإحسان إليه بالهدية.
(١) حديث صحيح أخرجه أبو داود برقم ١٠٧٨ وابن ماجه برقم ١٠٩٥ .
(٢) ((طرح التثريب)) ٢٢٦/٣.

١٤٧
١١- (بَأَبُ الْهَيْأَةِ لِلْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٨٣
وقال ابن عبدالبرّ: فيه جواز الهديّة للكافر، ولو كان حربيا.
وتُعُقّب بأن عُطاردًا إنما وفد سنة تسع، ولم يبق بمكة بعد الفتح مشرك.
وأجيب بأنه لا يلزم من كون وفادة عطارد سنة تسع أن تكون قصة الحلّة كانت
حينئذ، بل جاز أن تكون قبل ذلك، وما زال المشركون يقدمون المدينة، ويُعاملون
المسلمين بالبيع وغيره، وعلى تقدير أن يكون ذلك سنة الوفود، فيحتمل أن يكون في
المدّة التي كانت بين الفتح، وحج أبي بكر رَّه ، فإن منع المشركين من مكة إنما كان
من حجة أبي بكر ◌َّه سنة تسع، ففيها وقع النهي أن لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا
يطوف بالبيت عريان.
ومنها: أنه استدلّ به من قال: إن الكافر ليس مخاطبًا بالفروع، لأن عمر رَّ لما
مُنع من لبس الحلة أهداها لأخيه المشرك، ولم يُنكر عليه.
وتُعُقّب بأنه لم يأمر أخاه بلبسها، فيحتمل أن يكون وقع الحكم في حقّه كما وقع في
حق عمر رَّه ، فينتفع بها بالبيع، أو كسوة النساء، ولا يلبس هو.
وأجيب بأن المسلم عنده من الوازع الشرعي ما يحمله بعد العلم بالنهي على الكفّ،
بخلاف الكافر، فإن كفره يحمله على عدم الكفّ عن تعاطي المحرّم، فلولا أنه مباح له
لبسه لما أهدى له، لما في تمكينه من الإعانة على المعصية، ومن ثَمَّ يَحرم بيع العصير
ممن جرت عادته أن يتخذه خمرًا، وإن احتمل أنه قد يشربه عصيرًا، وكذا بيع الغلام
الجميل ممن يشتهر بالمعصية، لكن يحتمل أن يكون ذلك على أصل الإباحة، وتكون
مشروعيّة خطاب الكافر بالفروع تراخت عن هذه الواقعة. والله أعلم. ذكره في
((الفتح)) (١). والله تعالى ولي التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٨٣- (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَوَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُتْكَدِرِ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ سُلَيْم،
أَخْبَرَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنَ رَسُولِ اللَّهِ بَرِ، قَالَ: ((إِنَّ الْغُشَّلَ
يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلَّ مُخْتَلِم، وَالسِّوَاكَ، وَأَنْ يَمَسَّ مِنَ الطَّبِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ)).
رجال هذا الإسناد: تسعة :
١- (هارون بن عبدالله) أبو موسى الْحَمّال البغدادي، ثقة [١٠] تقدم ٦٢/٥٠.
٢ - (الحسن بن سَوّار) البغويّ، أبو العلاء المروزي، صدوق [٩] تقدم ١٦٣/ ١١٣٢.
٣- (الليث) بن سعد الإمام الحجة المجتهد المصري [٧] تقدم ٣٥/٣١.
(١) ((فتح)) ١١/ ٤٨٣ - ٤٨٤.

١٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
٤- (خالد) بن يزيد السكسكي، أبو عبدالرحيم المصريّ، ثقة فقيه [٦] تقدم ٤١/
٦٨٦ .
والباقون تقدموا قبل أربعة أبواب -٦/ ١٣٧٥- وسعيد هو ابن أبي هلال.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث متّفق عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان
مسائله بالرقم المذكور آنفًا، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
واستدلال المصنف رحمه الله تعالى به لما ترجم له واضح، إذ فيه بيان مشروعية
الغسل، والسواك، والطيب للجمعة، وهذه هي الهيئة المطلوبة لها، فينبغي لمن يحضر
الجمعة أن يحسن هيئته بالغسل، واستعمال السواك، والطيب. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)) .
١٢- (فَضْلُ الْمَشْي إِلَى الْجُمُعَةِ)
١٣٨٤ - (أَخْبَرَنَا (١) عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنْ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاَ الأَشْعَثِ، حَذَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَوْسَ بْنَ أَوْسٍ،
صَاحِبَ رَسُولِ اللّهِ بِّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَغَسَلَ،
وَغَدَا، وَابْتَكَرَ، وَمَشَى، وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الإِمَامِ، وَأَنْصَتَ، وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ
خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير) الحمصي، صدوق [١٠] تقدم ٥٣٥/٢١ .
٢- (الوليد) بن مسلم الدمشقي، ثقة كثير التدليس [٨] تقدم ٥/ ٤٥٤.
٣- (عبدالرحمن بن يزيد بن جابر) الدمشقي، ثقة [٧] تقدم ٤٥ /٥٩٥ .
والباقيان تقدما قبل باب.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم شرحه،، وبيان
مسائله قبل باب، واستدلال المصنف رحمه الله تعالى به على ما بوّب له واضح، إذ هو
(١) وفى نسخة ((أخبرني)).

١٤٩
١٣ - (بَابُ التَّكِيرِ إِلَى الْجُمُعةِ) - حدیث رقم ١٣٨٥
صريح في فضل المشي إلى الجمعة، لكن إذا كان على الأوصاف المذكورة فيه، بأن
يغتسل، ويبكّر، ويمشي، ولا يركب، ويدنو من الإمام، وينصت، بلا لغو، فعلى هذا
لا بدّ من تقييد إطلاق الترجمة بهذه الأوصاف المذكورة في الحديث، فكأن المصنف
أطلق اتكالًا على ما يُفهم من الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١٣ - (بَابُ التَّبْكِيرِ إِلَى الْجُمُعَةِ)
١٣٨٥- (أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ نَصْرِ، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنِ الأَغَرْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ رَِّ قَالَ: ((إِذَا كَانَ يَوْمَ
الْجُمُعَةِ، فَعَدَّتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، فَكَتَبُوا مَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ، فَإِذَا خَرَجَ
الإِمَامُ، طَوَتِ الْمَلَائِكَةُ الصَّحُفَ))، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((الْمُهَجِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ
كَالْمُهْدِي بَدَنَةٌ، ثُمَّ كَالْمُهْدِي بَقَرَةَ، ثُمَّ كَالْمُهْدِي شَاةً، ثُمَّ كَالْمُهْدِي بَطَّةً، ثُمَّ كَالْمُهْدِي
دَجَاجَةٌ، ثُمَّ كَالْمُهْدِي بَيْضَةً))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (نصربن بن عليّ بن نصر) بن علي الجَهْضَميّ البصري، ثقة ثبت، طُلب
للقضاء، فاتنع [١٠] تقدّم ٣٨٦/٢٠.
٢- (عبدالأعلى) بن عبدالأعلى الساميّ، أبو محمد البصري، ثقة [٨] تقدم ٣٨٦/٢٠.
٣- (معمر) بن راشد اليمني، ثقة ثبت [٧] تقدم ١٠/١٠.
٤- (الزهري) محمد بن مسلم الإمام الحجة المشهور [٤] تقدم ١/١.
٥- (الأغَرّ أبو عبدالله) سلمان الجُهنيّ مولاهم المدنيّ أصبهاني الأصل، ثقة، من
كبار [٣] تقدّم ٥٩/ ٨٦٤.
٦- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه، تقدم ١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم رجال

١٥٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
الصحيح، وأنه مسلسل بالبصريين إلى الزهري، ومنه بالمدنيين، وأن شيخه أحد مشايخ
الأئمة الستة بلا واسطة، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه أبو هريرة رضي الله تعالى
عنه من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ النَّبِيِّ نَ قَالَ: ((إِذَا كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَة)
يحتمل أن تكون ((كان)) ناقصة، واسمها محذوف، و ((يوم)) خبرها، أي إذا كان الوقت
يوم الجمعة، ويحتمل أن تكون تامّة، و ((يوم)) فاعلها، أي إذا جاء يومُ الجمعة.
(قَعَدَتِ) ولفظ البخاري: ((وقفت)) (الْمَلَائِكَةُ) هم غير الحفظة، وظيفتهم كتابة
حاضري الجمعة خاصّة، فقد أخرج أبو نعيم في ((الحلية)) من حديث ابن عمر مرفوعًا:
((إذا كان يوم الجمعة بعث الله ملائكةٌ بصحف من نور، وأقلام من نور ... )) الحديث.
قال الحافظ: وهو دالّ على أن الملائكة المذكورين غير الحفظة انتهى.
والمعنى أنهم يستمرّون من طلوع الفجر، وهو أول اليوم الشرعيّ، أو من طلوع
الشمس، وهو أول النهار العرفيّ، أو من ارتفاع النهار، أو من حين الزوال، قال
القاري: وهو أقرب، ورجّحه الشاه وليّ الدهلويّ في ((المسوى شرح الموطإ)) ج١ ص
١٥٠، وإليه مال الشوكاني، وبه قالت المالكية، وهو وجه للشافعية، والأول ظاهر كلام
الشافعي، وصححه النووي، والرافعيّ، وغيرهما، والثاني أيضًا وجه للشافعية، واختار
الثالثَ ابنُ رُشد في ((بداية المجتهد)»(١)، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا، إن شاء الله
تعالی .
(عَلَى أَبْوَاب الْمَسْجد) وفي الرواية التالية: (( ((على كل باب من أبواب المسجد))،
وفي رواية البخاريّ: ((على باب المسجد))، وعند ابن خزيمة: ((على كل باب من أبواب
المسجد ملكان، يكتبان الأول، فالأول))، قال الحافظ: فكأن المراد بقوله: ((على باب
المسجد)) جنس الباب، ويكون من مقابلة المجموع بالمجموع، فلا حُجّة فيه لمن أجاز
التعبير عن الاثنين بلفظ الجمع.
(فَكَتَبُوا مَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَة) وفي الرواية التالية: ((يكتبون الناس على منازلهم،
الأول، فالأول)) (فَإِذَا خَرَجَ الإمَامُ) أي من مكانه ليصعد المنبر، أو المراد بالخروج
ظهوره بصعوده المنبر، وجلوسه عليه. والله تعالى أعلم (طَوَت الْمَلَائِكَةُ الصُّحُفَ) أي
التي كانوا يكتبون فيها درجات السابقين على من يليهم في الفضيلة، وتقدم في حديث
(١) ((بداية المجتهد)) جـ ١ ص ١٦٥ .

١٣ - (بَأَبُ التَّكِيرِ إِلَى الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٨٥
١٥١ =
ابن عمر رَزائها صفة تلك الصحف، بأنها صحف من نور، وأقلام من نور.
والمراد من طيّ الصحف طيّ صحف الفضائل المتعلّقة بالمبادرة إلى الجمعة، دون
غيرها من سماع الخطبة، وإدراك الصلاة، والذكر، والدعاء، والخشوع، ونحو ذلك،
فإنه يكتبه الحافظان قطعًا. ووقع في آخر الحديث عند ابن ماجه: ((فمن جاء بعد ذلك،
فإنما يجيء لحق الصلاة))، يعني فله أجر الصلاة، وليس له شيء من الزيادة في الأجر.
فإن قلت: وقع في رواية الشيخين: ((فإذا جلس الإمام، طووا الصحف ... )) فكيف
التوفيق بين الروايتين؟
أجيب: بأنهم بخروج الإمام يحضرون إلى المنبر من غير طيّ، فإذا جلس الإمام على
المنبر طووا الصحف، أو يقال: ابتداء طيهم الصحف عند ابتداء خروج الإمام، وانتهاؤه
بجلوسه على المنبر، وهو أول سماعهم الذكر. والله تعالى أعلم.
وفي الرواية التالية: ((فإذا خرج الإمام طُويت الصحفُ، واستمعوا الخطبة)) .
(قَالَ) أي أبو هريرة رَّهِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهُ وَ: ((الْمُهَجِّرُ إِلَى الْجُمُعَة) - بضم
الميم، وتشديد الجيم- اسم فاعل، من التهجير، قيل: المراد به المبادرة إلى الجمعة
بعد الصبح، وقيل: المراد الذي يأتي في الهاجرة، أي عند شدّة الحرّ، قُربّ نصف
النهار، فيكون دليلًا للمالكية في قولهم: إن الساعات من حين الزوال، وإن الذهاب إلى
الجمعة بعد الزوال، لا قبله، لأن التهجير هو السير في الهاجرة. أي نصف النهار.
قال الحافظ: وأجيب بأن المراد بالتهجير هنا التبكير، كما تقدّم نقله عن الخليل في
((المواقيت)).
وقال القرطبيّ: الحقّ أن التهجير هنا من الهاجرة، وهو السير في وقت الحَرّ، وهو
صالح لما قبل الزوال وبعده، فلا حُجّة فيه لمالك.
وقال التوربشتيّ: مَنْ ذهب في معناه إلى التبكير، فإنه أصاب، وسلك طريقًا حسنًا
من طريق الاتساع، وذلك أنه جعل الوقت الذي يرتفع فيه النهار، ويأخذ الحرّ في
الازدياد من الهاجرة، تغليبًا، بخلاف ما بعد الزوال، فإن الحرّ يأخذ في الانحطاط،
وهذا كما يُسمّى النصف الأوّل من النهار غَذْوةً، والآخر عَشيّةً.
وقال ابن منظور بعد أن أورد حديث الباب، وحديث («لو يَعلمُ الناسُ ما في التهجير
لاستبقوا إليه)): ما نصه: قال الأزهريّ: يذهب كثير من الناس إلى أن التهجير في هذه
الأحاديث من الْمُهاجَرَة وقتَ الزوال، قال: وهو غلَطْ، والصواب فيه ما روى أبو داود
المصاحفي، عن النضر بن شُمَيل، أنه قال: التهجير إلى الجمعة وغيرها التبكير
والمبادرة إلى كلّ شيء، قال: وسمعت الخليل يقول ذلك، قاله في تفسير هذا

١٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
الحديث. قال الأزهري: وهذا صحيح، وهي لغة أهل الحجاز، ومن جاورهم من
قیس، قال لبید :
رَاحَ الْقَطِينُ بَهَجْرٍ بَعْدَ مَا ابْتَكَرُوا
فقرن الْهَجْر بالابتكار. والرواح عندهم: الذهاب والمضيّ، يقال راح القوم: أي
خَفُوا، ومَرُّوا، أيّ وقت كان، وقوله بََّ: ((لو يَعلمُ الناس ما في التهجير لاستبقوا
إليه))، أراد التبكير إلى الصلوات، وهو المضيّ إليها في أول أوقاتها. قال الأزهري:
وسائر العرب يقولون: هَجَّرَ الرجلُ: إذا خرج بالهاجرة، وهي نصف النهار، ويقال:
أتيته بالْهَجِير، وبالهَجْر .
وأنشد الأزهري عن ابن الأعرابي في ((نوادره))، قول الشاعر:
الْفَجْرِ
◌ِهَجِيرٍ
يَجِّرُونَ
قال الأزهري: أي يبكّرون بوقت الفجر انتهى ما ذكره ابن منظور باختصار(١).
(كَالْمُهْدي) اسم فاعل من أهدى، يقال: أهديت للرجل كذا بالألف: بَعَثْتُ به إليه
إكرامًا، فهو هديّة بالتثقيل، لا غير، وأهديت الهَذْيَ إلى الحرم: سُقْتُهُ (٢) والجارّ
والمجرور خبر ((المهجّرُ)) (بَدَنَّةً) بفتحتين، جمعها بَدَنات، مثل قصبة وقَصَبَات، وبُدُن
أيضًا بضمتين، وتسكن داله تخفيفًا، وسيأتي قريبًا تحقيق معناها.
أي كالمتصدّق بها متقرّبًا إلى الله تعالى، وقيل: المراد أن للمبادر في أول ساعة نظيرُ
ما لصاحب البدنة من الثواب، ممن شُرع له القربانُ، لأن القربان لم يُشرَع لهذه الأمة
على الكيفية التي كانت للأمم السالفة .
وفي رواية ابن جُريج: ((فله من الأجر مثل الجزور))، وظاهره أن المراد أن الثواب لو
تجسّد لكان قدر الجزور (٣).
وقيل: ليس المراد بالحديث إلا بيان تفاوت المبادرين إلى الجمعة، وأن نسبة الثاني
من الأول نسبة البقرة إلى البدنة في القيمة مثلًا، ويدلّ عليه أن في مرسل طاوس عند
عبدالرزّاق: ((كفضل صاحب الجزور على صاحب البقرة)).
قال الطيبيّ: في لفظ الإهداء إدماج بمعنى التعظيم للجمعة، وأن المبادر إليها كمن
(١) ((لسان العرب)) ٤٦١٩/٦.
(٢) ((المصباح)) جـ ٢ ص ٦٣٦ .
(٣) اعترض بعض المحققين على هذا المعنى، فقال: ليس بشيء، والصواب أن معنى رواية ابن
جريج موافق لمعنى بقية الروايات، وأن المراد بذلك بيان فضل المبادرة إلى الجمعة، وأنه بمنزلة
من قرّب بدنة إلخ انتهى. من هامش ((الفتح)) جـ ٣ ص ٢٠ وهو تحقيق نفيس. والله أعلم.

١٣- (بَأَبُ التَّكِيرِ إِلَى الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٨٥
١٥٣ ==
ساق الهدي .
والمراد بالبدنة البعيرُ، ذكرًا كان أو أنثى، والتاء فيها للوحدة، لا للتأنيث، وكذا في
باقي ما ذُكر .
وحكى ابن التين عن مالك أنه كان يتعجّب ممن يخصّ البدنة بالأنثى. وقال الأزهري
في ((شرح ألفاظ المختصر)): البدنة لا تكون إلا من الإبل، وصحّ ذلك عن عطاء، وأما
الهدي، فمن الإبل والبقر والغنم. هذا لفظه.
وحكى النوويّ عنه أنه قال: البدنة تكون من الإبل والبقر والغنم، وكأنه خطأ نشأ عن
سقط .
وفي ((الصحاح)): البدنة ناقة، أو بقرة تُنحر بمكة، سميت بذلك لأنهم كانوا يُسَمِّنُونها
انتھی .
والمراد بالبدنة هنا الناقة بلا خلاف، واستدلّوا به على أن البدنة تختصّ بالإبل، لأنها
قوبلت بالبقرة عند الإطلاق، وقسم الشيء لا يكون قسيمه، أشار إلى ذلك ابن دقيق
العيد. وقال إمام الحرمين: البدنة من الإبل، ثم الشرع قد يقيم مقامها البقرة، وسَبْعًا من
الغنم .
وتظهر ثمرة هذا فيما إذا قال: للَّه عليّ بدنة، وفيه خلاف، والأصحّ تَعَيُّن الإبل، إن
وُجدت، وإلا فالبقرة، أو سَبْع من الغنم. وقيل: تتعين الإبل مطلقًا. وقيل: يتخيّر
مطلقًا (١) .
وقال الحافظ ولي الدين ◌ّْلهُ: ذكر في (الصحاح)) و ((المحكم)) أن البدنة من الإبل
والبقر ما أُهدي إلى مكة، وكذا قال في ((النهاية)): إنها تطلق عليهما، قال: وهي بالإبل
أشبه. وذكر القاضي عياض أنها تختصّ بالإبل. وقال النووي: قال جمهور أهل اللغة،
وجماعة من الفقهاء: تقع على الواحدة من الإبل والبقر والغنم، وخصها جماعة بالإبل،
والمراد هنا الإبل بالاتفاق، لتصريح الحديث بذلك انتهى (٢).
وقال الفيّوميّ: والبَدَنَّةُ قالوا: هي ناقة، أو بقرة، وزاد الأزهريّ: أو بعير ذكر، قال:
ولا تقع البدنة على الشاة، وقال بعض الأئمة: البدنة هي الإبل خاصّةً، ويدلّ عليه قوله
تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَتْ جُنُوبُهَا﴾ الآية [الحج: ٣٦]، سميت بذلك لعظم بَدَنِها، وإنما ألحقت
البقرة بالإبل بالسنة، وهو قوله وَّة: ((تجزىء البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة))، ففرّق
الحديث بينهما بالعطف، إذ لو كانت البدنة في الوضع تُطلق على البقرة لما ساغ
(١) ((فتح)) ٢٠/٣.
(٢) ((طرح التثريب)) ١٧٧/٣ - ١٧٨ .

١٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
عطفها، لأن المعطوف غير المعطوف عليه، وفي الحديث ما يدلّ عليه، قال: ((اشتركنا
مع رسول اللّه وَّر في الحجّ والعمرة سبعة منّا في بدنة))، فقال رجل لجابر وَظنّه:
أنشترك في البقرة ما نشترك في الجزور؟ فقال: ما هي إلا من البُذْن، والمعنى: في
الحكم، إذ لو كانت البقرة من جنس البُدْن لما جهلها أهل اللسان، ولفُهمت عند
الإطلاق أيضًا انتهى(١).
وقيل: المراد كالذي يهدي البدنة إلى مكة، وفيه أنه لا يناسبه ذكر الدجاجة،
والبيضة .
(ثُمَّ كَالْمُهْدي بَقَرَةً) ذكرًا أو أنثى، والتاء للوحدة، لا للتأنيث، كما تقدم في ((البدنة))
سميت بقرة لأنها تبقر الأرض، أي تشقها بالحراثة، والبَقْرُ الشق(٢).
وفيه دليل على أن البَدَنَة لا تشمل البقرة لتقابلها بها، وإليه ذهب الشافعيّ، وقال
أبو حنيفة: البدنة تطلق على البقر أيضًا، وإنما أُريد هنا البعير خاصّةً لقرينة المقابلة،
وهذا لا ينفي عموم الإطلاق.
(ثُمَّ كَالْمُهْدي شَاةٌ، ثُمَّ كَالْمُهْدي بَطَّةً) بفتح الموحّدة، وتشديد الطاء المهملة: نوع
من طيور الماء، والتاء أيضًا للوحدة، مثل تمر وتمرة، ويقع على الذكر والأنثى، أفاده
الفيومي .
[تنبيه]: زيادة البطّة بين الشاة والدجاجة، في هذه الرواية تفرّد بها عبد الأعلى، عن
معمر، وقد خالفه عبدالرزّاق، وهو أثبت منه في معمر، فلم يذكرها. أفاده في
(٣)
((الفتح)»(٣).
وقال النووي في ((الخلاصة)): هاتان الروايتان -يعني زيادة البطة في هذه الرواية،
والعصفور في رواية ابن عجلان الآتية- وإن صح إسنادهما، فقد يقال: هما شاذتان،
لمخالفتهما الروايات المشهورة انتهى.
وقال أبو بكر بن العربي ◌َخّْلهُ: وفائدة ذكر البطة أنه حيوان متوحّش لا يوصل إليه
إلا بصيد وكُلْفة، فكان أفضل من الدجاجة في التقرّب به انتهى.
واعترضه ولي الدين العراقي تخّلهُ، فقال: الظاهر أنه لم يفضّل بالكلفة في صيده،
بل بكونه أكبر، وأكثر لحمًا انتهى(٤).
(١) (المصباح)) ص ٣٩ .
(٢) ((المجموع)) جـ ٤ ص ٤١٣ .
(٣) جـ ٣ ص ٢٢ .
(٤) راجع ((الطرح)) ١٧٥/٣ .

١٣ - (بابُ التّکیر إِلی الجمعةِ) - حدیث رقم ١٣٨٥
١٥٥ ===
(ثُمَّ كَالْمُهْدي دَجَاجَةً) بفتح الدّال على الأفصح، ويجوز الكسر، وحكى الليث
الضمّ أيضًا، وعن محمد بن حبيب أنها بالفتح من الحيوان، وبالكسر من الناس(١)
والجمع دجاج -بفتح الدال، وكسرها، ودَجائج، قال في ((المحكم)): سميت بذلك
الإقبالها وإدبارها(٢) .
واستُشكل التعبير في الدجاجة، والبيضة بقوله: ((ثم كالمهدي))، لأن الهدي لا يكون
منهما .
وأجاب القاضي عياض تبعًا لابن بطّال بأنه لما عطفه على ما قبله أعطاه حكمه في
اللفظ، فيكون من الإتباع، كقوله: ((متقلّدًا سيفًا ورُمحًا)).
وتعقّبه ابن المنيّر في ((الحاشية)) بأن شرط الإتباع أن لا يصرّح باللفظ في الثاني، فلا
يسوغ أن يقال: متقلّدًا سيفًا، ومتقلّدًا رُمحًا. والذي يظهر أنه من باب المشاكلة، وإلى
ذلك أشار ابن العربي بقوله: هو من تسمية الشيء باسم قرينه.
وقال ابن دقيق العيد: قوله: ((قرّب بيضة))، وفي الرواية الأخرى ((كالذي يُدي)) يدلّ
على أن المراد بالتقريب الهدي، وينشأ منه أن الهدي يُطلق على مثل هذا، حتى لو التزم
هدیًا، هل يكفيه ذلك، أو لا انتهى.
والصحيح عند الشافعية الثاني، وكذا عند الحنفية والحنابلة، وهذا ينبني على أن
النذر هل يُسلك به مسلك جائز الشرع، أو واجبه؟ فعلى الأول يكفي أقلّ ما يُتُقرّب به،
وعلى الثاني يُحمل على أقلّ ما يُتُقرّب به من ذلك الجنس، ويقوي الصحيح أيضًا أن
المراد بالهدي هنا التصدّق، كما يدلّ عليه لفظ التقرّب، والله أعلم. قاله في ((الفتح)).
(ثُمَّ كَالْمُهْدي بَيْضَةً) بفتح، فسكون واحدة البيض، بفتح، فسكون أيضًا. قال
الفيّومي ◌َّلهُ: البيض للطائر بمنزلة الولد للدواب، وجمع البيض بُيُوض، -أي بالضم-
والواحدة بيضة، والجمع بيضات - بسكون الياء، وهُذَيل تفتح على القياس. ويُحكَى عن
الجاحظ أنه صنّف كتابًا فيما يَبيض، ويَلد من الحيوانات، فأوسع في ذلك، فقال له
عربيّ: يَجمع ذلك كله كلمتان: كلّ أَذُون وَلُودٌ، وكُلُّ صَمُوخ بَيُّوضٌ (٣) انتهى (٤).
والمراد هنا بيض الدجاج. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((فتح)) ٢٠/٣.
(٢) ((طرح)) ١٧٨/٣.
(٣) معناه: أن ماله أذن من الحيوانات يَلِدُ، ولا يَبض، وماله صِمَاخ، ولَيس له أذن يَبِيض، ولا يلد.
(٤) (المصباح)) ٦٨/١.

١٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٣٨٥/١٣ - وفي ((الكبرى)) -١٦٩٣/١٣ - عن نصر بن علي، عن
عبدالأعلى، عن معمر، عن الزهريّ، عن أبي عبداللَّه الأغرّ، عنه. وفي ((الكبرى)) عن
أحمد بن عمرو بن السرح، والحارث بن مسكين، وعمرو بن سوّاد فرّقهم، ثلاثتهم عن
ابن وهب، عن يونس - وعن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن يونس- وعن
محمد بن عبدالله بن عبدالحكم، عن شعيب بن الليث، عن أبيه، عن خالد بن يزيد،
عن سعيد بن أبي هلال، كلاهما عن الزهري به.
وفي -٨٦٤/٥٩- و((الكبرى)) - ٥٣٦/٥٩- عن أحمد بن محمد بن المغيرة، عن
عثمان، عن شُعيب، عن الزهري، عن أبي سلمة، وأبي عبداللَّه الأغرّ، كلاهما عنه.
وفي ((الكبرى)) عن محمد بن خالد بن خليّ، عن بشر بن شعيب بن أبي حمزة، عن
أبيه، عن الزهري، عن الأغرّ، وأبي سلمة به.
وفي ١٣٨٦/١٣ - وفي ((الكبرى))-١٦٩٤/١٣ - عن محمد بن منصور، عن ابن
عُيينة، عن الزهري، عن ابن المسيب، عنه. وفي -١٣٨٧/١٣ - و(«الكبرى» - ١٣/
١٦٩٥ - عن الربيع بن سليمان، عن شعيب بن الليث، عن أبيه، عن ابن عجلان، عن
سمي، عن أبي صالح، عنه. وفي ((الكبرى)) -عن سليمان بن عبدالله بن محمد بن
سليمان، عن جده، عن مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة به.
وأخرجه (خ) ١٤/٢ و١٣٥/٤ (م) ٧/٣ (أحمد) ٢٦٣/٢ و٢٦٤/٢ و٢٨٠/٢
و٥٠٥ (الدارمي) ١٥٥١ و١٥٥٢ (ابن خزيمة) ١٧٦٨ . والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل التبكير إلى الجمعة.
ومنها: أن مراتب الناس في الفضيلة في الجمعة وغيرها بحسب أعمالهم، وهو من
باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١٣].
وأخرج ابن ماجه بسنده عن علقمة، قال: خرجت مع عبدالله إلى الجمعة، فوجد
ثلاثة قد سبقوه، فقال: رابع أربعة، وما رابع أربعة ببعيد، إني سمعت رسول وَّل
يقول: ((إن الناس يجسلون من الله يوم القيامة على قدر رواحهم إلى الجمعة، الأوّل،

١٥٧
١٣ - (بابُ التَّكِيرِ إِلَى الْجُمُعةِ) - حديث رقم ١٣٨٥
والثاني، والثالث، ثم قال: رابع أربعة، وما رابع أربعة ببعيد))(١).
ومنها: أن القليل من الصدقة غير مُحَقّر في الشرع.
ومنها: أنه استدلّ به على أن الأفضل في الهدي والأضحية الإبل، ثم البقر، ثم
الغنم، لكونه وقليل قدم الإبل، وجعل البقر في الدرجة الثانية، والغنم في الدرجة الثالثة،
وهذا مجمع عليه في الهدي، وقال به في الأضحية أيضا أبو حنيفة، والشافعيّ،
والجمهور، وقال مالك: الأفضل في الأضحيّة الغنم، ثم البقر، ثم الإبل، ومنهم من
قدّم الإبل على البقر، حكاه القاضي عياض، قالوا: والمقصود في الأضاحي طيب
اللحم، وفي الهدايا كثرة اللحم.
واحتجوا بأمور:
أحدها: قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَهُ بِذِيْجِ عَظِيمٍ﴾ [الصفّات: ١٠٧]، وكان كبشًا، قال
بعضهم لو علم الله حيوانًا أفضل من الكبش لفدى به إسماعيل، وورد في حديث رواه
البزّار، وابن عبدالبرّ عن أبي هريرة ◌َّه، عن النبي وَّه عن جبريلَلَّلُ، في أثناء
حديث: ((اعلم يا محمد أن الجذع من الضأن خير من السيد من المعز، ومن البقر،
والإبل، ولو علم اللَّه ذبحًا خيرًا منه لفَدَى به إبراهيم ابنَهُ))، قال ابن عبدالبرّ: وهذا
الحديث لا أعلم له إسنادًا غير هذا، انفرد به الحُنينيّ(٢)، وليس ممن يُحتجّ به.
ثانيها: أنه وَ ير ضخّى بكبشين، فلو كان الإبل والبقر أفضل لما عدل عنهما إلى
الغنم .
ثالثها: أنه وَ لّ قال: ((خير الأضحية الكبش الأقرن)). رواه أبو داود، وابن ماجه من
حديث عبادة بن الصامت تظلّيه بإسناد صحيح.
والجواب عن الأول من وجهين:
الأول: أنه لا يلزم من كون الكبش عظيمًا أن لا يكون غيره من الأنعام وغيرها أعظم
منه .
الثاني: لو سُلّم ذلك فهذا خاصّ بذلك الكبش، لأنه ذُكر عن ابن عباس رَبِّهَا أنه
(١) أخرجه ابن ماجه رقم ١٠٩٤ بإسناد رجاله ثقات غير عبد المجيد بن عبد العزيز، فقد تُكُلِّم فيه،
وحَسَّنَ البوصيري إسناده في الزوائد.
(٢) هكذا فى ((التمهيد)) ٣٠/٢٢ بلفظ ((السيد)) والذي فى ((ميزان الاعتدال)) ١٧٩/١ - ١٨٠ بلفظ
((المسنة))، والظاهر أنه الصواب. والله تعالى أعلم.
(٣) هو إسحاق بن إبراهم الْحُنينيُّ بالحاء المهملة مصغرًا، أبو يعقوب المدني نزيل طرسوس، ضعيف
من التاسعة، مات سنة (٢١٦). قاله في ((ت)).

١٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَّةِ
رَعَى في الجنة أربعين خريفًا، وأنه قرّبه ابن آدم، فتُقُبّل منه، ورُفع إلى الجنة(١)، فلذلك
قيل فيه عظيم .
والجواب عن الثاني أنه لا يلزم من تضحيته وَ ل ترجيح الغنم، لأمرين:
أحدهما: أنه قد ثبت في الصحيح أنه وَّر ضحّى عن نسائه بالبقر، فلو دلّ تضحيته
بالغنم على أفضليتها لدلّت تضحيته بالبقر على أفضليتها، ويتعارض الخبران.
ثانيهما: أنه ثبت في الصحيح أنه وَلّ أهدى غنمًا، فلو دلت تضحيته بالغنم على
أفضليتها في الأضحيّة لدلّ إهداوه لها على أفضليتها في الهدايا، وليس كذلك بالاتفاق،
كما تقدّم.
وقول القاضي عياض: إن النبي ◌َل﴿ إنما ضخّى بالضأن، وما كان ليترك الأفضل،
كما لم يتركه في الهدايا، فيه نظر، لما قدّمناه أنه ضحّى بغير الضأن، وأنه تَرَكَ الأفضلَ
في حقنا في الهدايا، فأهدى الغنم، وكان ◌َّ إذا فعل العبادة المفضولة، كانت في حقّه
فاضلة، لكونه يُبيّن بذلك شرعيتها.
وقد تُحملُ تضحيته وَّ بالكبشين على أنه لم يجد في ذلك الوقت إلا الغنم، أو أنه
فعله لبيان الجواز، والله أعلم.
والجواب عن الثالث، وهو أقوى ما استدلّوا به أنه محمول على تفضيل الكبش
على مُساويه من الإبل والبقر، فإن البدنة والبقرة كلّ منهما يُجزئ عن سبعة، فيكون
المراد تفضيلَ الكبش على سُبُع بدنة، وسُبع بقرة، أو تفضيل سَبْع من الغنم على
البدنة والبقرة، لتتفق الأحاديث، فإن ظاهر الحديث الذي نحن في شرحه موافق
للجمهور .
قال الحافظ العراقي ◌َّلهُ: وقد يُجاب بأن المراد خير الأضحية بالغنم الكبشُ،
قال: وفيه تعسّف انتهى.
واحتجّ الجمهور أيضًا بقياس الضحايا على الهدايا، وأيضًا فقيل في قوله تعالى: ﴿فَا
أُسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَذِيُ﴾ [البقرة: ١٩٦] أن المراد شاة، وذلك يدلّ على نقصان مرتبتها عن
غيرها من النَّعَم، وأيضًا فإن النبي وَّرَ سُئل عن أفضل الرقاب، فقال: ((أغلاها ثمنًا،
وأنفسها عند أهلها»، ولا شكّ في أن الإبل والبقر أنفس عند الناس، وأغلى ثمنًا من
الغنم. ذكره ولي الدين رحمه الله تعالى.
ومنها: أنه استُدلّ به على أن مَن التزم هديًا يكفيه أن يخرج ناقة، أو بقرة، أو شاة؛
(١) الله أعلم بصحته، فلم يذكر له سند حتى يُنظر فيه.
ہے

١٣ - (بَابُ التَّكِيرِ إِلَى الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٨٥
١٥٩ =
E
لأنه ◌َّيّ أطلق لفظ الهدي على الثلاثة، وقد اتفق العلماء على ذلك في الإبل، والبقر،
واتفق الشافعية في الغنم أيضًا، وعن مالك أنه أجاز الشاة مرّة، ومرّة لم يُجزها. والله
تعالى أعلم.
ومنها: أنه قد يُستدلّ بعمومه على استحباب التبكير للخطيب أيضًا، لكن ينافيه قوله
في آخره: ((فإذا خرج الإمام طوت الملائكة الصحف))، فدلّ على أنه لا يخرج إلا بعد
انقضاء وقت التبكير المستحبّ في حقّ غيره.
قال الماورديّ رَّتُهُ من الشافعية: يُختار للإمام أن يأتي الجمعة في الوقت الذي
تُقام فيه الصلاةُ، ولا يبكّر، اتباعًا لفعل النبي ◌َّر، واقتداء بالخلفاء الراشدين، قال:
ويدخل المسجد من أقرب أبوابه إلى المنبر انتهى (١).
ومنها: أنه أطلق في هذه الرواية أن المهجّر إلى الجمعة كالمهدي بدنة، وقَيَّد في
الرواية الآتية في الباب التالي، فقال: ((من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم
راح ... )) الحديث، فاقتضى هذا أن التهجير إلى الجمعة إنما يكون كإهداء البدنة، وكذا
ما بعدها بشرط تقدّم الاغتسال عليه في ذلك اليوم، والقاعدة حمل المطلق على المقيّد.
قاله ولي الدين رحمه الله تعالى.
ومنها: أنه استدلّ به على أن الجمعة تصحّ قبل الزوال، كما سيأتي نقل الخلاف فيه
في الباب التالي، إن شاء الله تعالى.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: ووجه الدلالة منه تقسيم الساعة إلى خمس(٢)، ثم
تعقيبه بخروج الإمام، وخروجُهُ عند أول وقت الجمعهة، فيقتضي أنه يخرج في أول
الساعة السادسة، وهي قبل الزوال.
والجواب أنه ليس في شيء من طرق هذا الحديث ذكر الإتيان من أول النهار، فلعلّ
الساعة الأولى منه جُعلت للتأهب بالاغتسال وغيره، ويكون مبدأ المجيء من أول
الثانية، فهي أُولى بالنسبة للمجيء، ثانيةٌ بالنسبة للنهار، وعلى هذا فآخر الخامسة أول
الزوال، فيرتفع الإشكال. وإلى هذا أشار الصيلانيّ شارح ((المختصر))، حيث قال: إن
أول التبكير يكون من ارتفاع النهار، وهو أول الضحى، وهو أو الهاجرة، ويؤيده الحث
على التهجير إلى الجمعة، ولغيره من الشافعية في ذلك وجهان، اختَلَفَ فيهما
الترجيح، فقيل: أول التبكير طلوع الشمس، وقيل: طلوع الفجر، ورجحه جمع، وفيه
(١) ((طرح)) جـ٣ ص ١٧٣.
(٢) هذا لا يتمشى مع رواية ((المصنف)) بزياةو البطة، إلا على اعتبارها شاذة، كما هو الصحيح.

١٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
نظر، إذ يلزم منه أن يكون التأهب قبل طلوع الشمس، وقد قال الشافعيّ: يُجزئ الغسل
إذا كان بعد الفجر، فأشعر بأن الأولى أن يقع بعد ذلك.
ويحتمل أن يكون ذكر الساعة السادسة لم يذكره الرواي. وقد وقع في رواية ابن
عجلان، عن سُميّ، عند النسائيّ، من طريق الليث عنه زيادة مرتبة بين الدجاجة
والبيضة، وهي العصفور. وتابعه صفوان بن عيسى، عن ابن عجلان، أخرجه محمد بن
عبد السلام الخشنيّ.
وله شاهد من حديث أبي سعيد، أخرجه حُميد بن زنجويه في ((الترغيب)) له
بلفظ: ((فكمهدي البدنة، إلى البقرة، إلى الشاة، إلى عليّة الطير، إلى العصفور ... ))
الحديث .
ونحوه في مرسل طاوس، عند سعيد منصور.
ووقع عند النسائي أيضًا في حديث الزهريّ، من رواية عبد الأعلى، عن معمر زيادة
(البَطَّة)) بين الكبش والدجاجة، لكن خالفه عبد الرزاق، وهو أثبت منه في معمر، فلم
یذکرها .
وعلى هذا فخروج الإمام يكون عند انتهاء السادسة.
وهذا كله مبنيّ على أن المراد بالساعات ما يتبادر الذهن إليه من العرف فيها.
وفيه نظر، إذ لو كان ذلك المراد لاختلف الأمر في اليوم الشاتي والصائف؛ لأن
النهار ينتهي في القصر إلى عشر ساعات، وفي الطول إلى أربع عشرة، وهذا الإشكال
للقفّال.
وأجاب عنه القاضي حسين بأن المراد بالساعات مالا يختلف عدده بالطول والقصر،
فالنهار اثنتا عشرة ساعة، لكن يزيد كل منها، وينقص والليل كذلك.
وهذه تسمى الساعات الآفاقية، عند أهل الميقات، وتلك التعديلية.
وقد روى أبو داود، والنسائيّ، وصححه الحاكم من حديث جابر رَّه ، مرفوعًا:
(يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة)). وهذا، وإن لم يَرد في حديث التبكير، فيُستأنس به في
المراد بالساعات .
وقيل: المراد بالساعات بيان مراتب المبكّرين من أول النهار إلى الزوال، وأنها تنقسم
إلى خمس .
وتجاسر الغزالي، فقسمها برأيه، فقال: الأولى من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس،
والثانية: إلى ارتفاعها. والثالثة: إلى انبساطها، والرابعة: إلى أن ترمض الأقدام،
والخامسة: إلى الزوال.