Indexed OCR Text
Pages 121-140
٨- (بَأَبُ إِيجَاب الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٧٧ ١٢١ = والظاهر أن استبعاد الحافظ الاستدلال به إنما هو في قوله: ((نواه للجمعة أم لا))، لا في الاجتزاء بغسل واحد عنهما، وهو ظاهر، لأن العبادة المشتركة لا بد من نيتهما معًا حال أدائها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثامنة: في اختلاف أهل العلم فيمن أحدث بعد الاغتسال: قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: واختلفوا في الرجل يغتسل للجمعة، ثم يُحدث، فاستحبت طائفة أن يعيد الاغتسال له. وبه قال طاوس، والزهري، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، وقال الحسن البصري: يعيد الغسل، وقال إبراهيم التيمي: كانوا يقولون: إذا أحدث بعد الغسل عاد إلى حالته التي كان عليها قبل أن يغتسل. وقالت طائفة: يُجزيه الوضوء، كذلك قال الحسن، ومجاهد، وكذلك كان يفعل عبدالرحمن بن أبزى، وقال مالك، والأوزاعي: يجزيه الوضوء. قال ابن المنذر: وكذلك نقول، لحديث أبي سعيد الخدريّ تَّه، عن النبي ◌َّ أنه قال: ((غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم))، وقد أتى من أحدث بعد الاغتسال (١) بالغسل انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله ابن المنذر حسن جدًّا. وحاصله: أن من اغتسل يوم الجمعة للجمعة، ثم طرأ عليه الحدث، فقد أتى بما أمر به، فإنه لم يؤمر بالصلاة بذلك الغسل، وإنما أمر بالنظافة في حال حضوره للجمعة، فإذا حصلت فقد امتثل الأمر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٨- (بَابُ إِيجَابِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) ١٣٧٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَ ◌ّهِ قَالَ: ((غُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُخْتَلِمٍ)). (١) ((الأوسط)) ٤٦/٤ - ٤٧ . ١٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (صفوان بن سُليم) الزهريّ مولاهم، أبو عبدالله المدني، ثقة مفت عابد رُمي بالقدر [٤] تقدم ٤٧ / ٥٩ . ٢- (عطاء بن يسار) الهلالي، أبو محمد المدني، ثقة فاضل واعظ عابد [٣] تقدم ٨٠/٦٤ ٠ والباقون تقدموا في الباب الماضي، وفي الذي قبله. والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله قبل باب ودلالته لما ترجم له واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٣٧٨ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ: ((عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فِي كُلِّ سَبْعَةٍ أَيَّامِ غُسْلُ يَوْمٍ، وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (حُميد بن مَسعَدة) الباهليّ البصري، صدوق [١٠] تقدم ٥/٥. ٢- (بشر) بن الْمُفَضّل، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت عابد [٨] تقدم ٦٦/ ٨٢. ٣- (داود بن أبي هند) القُشيري مولاهم البصري، ثقة متقن كان يهم بآخره [٥] تقدم ٥٣٨/٢١ . ٤ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم المكي، صدوق [٤] تقدم ٣٥/٣١. ٥- (جابر) بن عبدالله رضي الله تعالى عنهما، تقدم ٣٥/٣١. وشرح الحديث يعلم مما سبق. والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث فيه عنعنة أبي الزبير، وهو مدلس، لكنه صحيح بالأحاديث السابقة . وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-١٣٧٨/٨ - وفي ((الكبرى)) ٨/ ١٦٦٩ - بالسند المذكور. وأخرجه (أحمد) ٣/ ٣٠٤ (ابن خزيمة) ١٧٤٧ (عبد بن حميد) ١٠٧٢ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ١٢٣= ٩- (بَأَبُ الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ الْغُسْلِ يَوْمَ ... - حديث رقم ١٣٧٩ ٩- (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) أي باب ذكر الحديثين الدّالّين على التسهيل في ترك الغسل يوم الجمعة لعدم كونه واجبًا . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذه الترجمة أن الوجوب المستفاد من حديث الباب الماضي مصروف عن ظاهره بحديثي الباب، فإنهما يدلان على ذلك، كما يأتي إيضاحه قريبا إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. ١٣٧٩ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ، أَنَّهُ سَمِعَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنُهُمْ ذَكَرُوا غُسْلَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يَسْكُنُونَ الْعَالِيَةَ، فَيَحْضُرُونَ الْجُمُعَةَ، وَبِهِمْ وَسَخْ، فَإِذَا أَصَابُمُ الرَّوْحُ، سَطَعَتْ أَزْوَاحُهُمْ، فَيَتَأَذَّى بِهَا النَّاسُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَهِ، فَقَالَ: ((أَوَ لَا تَغْتَسِلُونَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (محمود بن خالد) السلمي، أبو عليّ الدمشقيّ، ثقة، من صغار [١٠]، تقدم ٤٥ / ٥٩٥ . ٢- (الوليد) بن مسلم، أبو العباس الدمشقي، ثقة كثير التدليس والتسوية [٨] تقدم ٥/ ٤٥٤ . ٣- (عبدالله بن العلاء) بن زَبْر - بفتح الزاي، وسكون الموحّدة- ابن عُطارد بن عَمرو بن حُجْرِ الرَّبَعِيّ، أبو زَبْر، ويقال: أبو عبدالرحمن الدمشقي، ثقة [٧]. رَوَى عن بُسر بن عُبيدالله، وثور بن يزيد، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وغيرهم. وعنه ابنه إبراهيم، وزيد بن الحباب، والوليد بن مسلم، وغيرهم. قال حنبل، عن أحمد: مُقارب الحديث. وقال الدوريّ، وابن أبي خيثمة، وغير واحد، عن ابن معين: ثقة. وكذا قال دُحَيم، وأبو داود، ومعاوية بن صالح، وهشام بن عَمّار. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وكذا قال محمد بن عَوْف، عن ابن معين. وقال ابن معين: كان ثقة، إن شاء اللّه. وقال عثمان الدارميّ: سألت عبدالرحمن - يعني دُحَيمًا- عنه؟ فوثقه جدًّا. وقال يعقوب بن سفيان: سألته يعني دُحيمًا- عنه؟ فقال: كان ١٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ ثقة، وكان من أشراف البلد، قال يعقوب: وعبدالله بن العلاء ثقة، أثنى عليه غير واحد. وقال عمرو بن علي: حديث الشاميين كلّه ضعيف إلّا نفرًا، منهم عبدالله بن العلاء. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، وقال في موضع آخر: هو أحبّ إليّ من أبي معبد حفص بن غيلان. وقال الدارقطني: ثقة يُجمع حديثه. وقال النسائي: في ((التمييز)): ليس به بأس، شامي. وقال العجلي: شاميّ ثقة. وذكره ابن حبّان في (الثقات)). وقال الذهبي في ((الميزان)): إن ابن حزم نقل عن ابن معين أنه ضعفه. قال الحافظ العراقي في ((شرح الترمذي)): لم أجد ذلك عن ابن معين بعد البحث. ووقع في ((المحلّى)) لابن حزم في الكلام على حديث أبي ثعلبة رَّه في آنية أهل الكتاب: عبدالله بن العلاء ليس بالمشهور، وهو متعقّبٌ بما تقدم. قال إبراهيم بن عبدالله: توفي سنة (١٦٤) وهو ابن (٨٩) سنة، وصلّى عليه سعيد ابن عبدالعزيز، وقال إبراهيم في رواية أخرى: مات سنة خمس. روى له البخاريّ، والأربعة. وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث: هذا، وحديث (٤١٧٢) وأعاده بعده، وحديث ٥٥٩٠ . ٤- (القاسم بن محمد بن أبي بكر) الصدّيق التيمي المدني، ثقة ثبت فقيه، من كبار [٣] تقدم ١٢٠ / ١٦٦. ٥- (عائشة) أم المؤمنين رَّها، تقدمت ٥/٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من خماسيات المصنف تَخْذَهُ، وأنه مسلسل بالدمشقيين إلى القاسم، وأن القاسم أحد الفقهاء السبعة، يروي عن عمته، وأن عائشة رَعَّها من المكثرين السبعة روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن عبدالله بن العلاء (أَنَّهُ سَمعَ الْقَاسَمَ بْنَ مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر، أَنَّمْ ذَكَرُوا) يحتمل فتح همزة ((أن)) على تقدير (يذكر))، وكسرها على تقدير ((يقول))، والضمير في ((أنهم))، وفي ((ذكروا)) يعود إلى الجماعة الحاضرين في مجلس عائشة رضي اللَّه تعالى عنها، بدلالة السياق (غُسْلَ يَوْم الْجُمُعَة) بنصب ((غسل)) على المفعولية، أي حكمه، أو سبب ابتداء تشريعه (عنْدَ عَائِشَةَ) رَّها، متعلق بـ ((ذكرا)) (فَقَالَتْ) أي عائشة رَّها (إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يَسْكُنُونَ الْعَاليَةَ) جمعه عوال، وهي عبارة عن القُرى المجتمعة حولَ المدينة من جهة نجدها، وأما ما كان من جهة تهامتها، فيقال له السافلة، وأقرب العوالي إلى المدينة = ٢٥ ٩- (بَبُ الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ الْغُسْلِ يَوْمَ ... - حديث رقم ١٣٧٩ مسافة ميلين، أو ثلاثة، وأبعدها ستة، وقيل: ثمانية، وتقدّم الكلام عليه في ((كتاب المواقيت))-٥٠٧/٨- (فَيَخْضُرُونَ الْجُمُعَةَ، وَبِهِمْ وَسَخٌ) جملة في محل نصب على الحال من فاعل ((يحضر)). و ((الوسخ)) بفتحتين: ما يعلو الثوب وغيره من قلة التعهد، والجمع أوساخ(١) وفي رواية الشيخين من طريق عمرة، عن عائشة رعايتها: قالت: كان الناس يَنتابون(٢) يوم الجمعة من منازلهم، والعوالي، فيأتون في الغبار، يُصيبهم الغبار والعرق، فيَخرُجُ منهم العَرَق، فَأَتَّى رسولَ اللَّه ◌َلّ إنسان منهم - وهو عندي- فقال النبي ◌َّر: ((لو أنكم تطهرتم لیومکم هذا». وفي رواية لهما: كان الناس مَهَنَةً (٣) أنفسهم، وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هَيْئتهم، فقيل لهم: ((لو اغتسلتم)). وأخرج أحمد في ((مسنده)) ج١ ص٢٦٨ - وأبو داود في ((سننه))-٣٥٣ - وصححه ابن خزيمة ١٧٥٥ -: عن عكرمة، أن ناسًا من أهل العراق جاءوا، فقالوا: يا ابن عبّاس، أترى الغسل يوم الجمعة واجبًا، قال: لا، ولكنه أطهر، وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل، فليس عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدء الغسل؟، كان الناس مجهودين، يلبسون الصوف، ويَعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقًا، مقارب السقف، إنما هو عريش، فخرج رسول اللّه وَّر في يوم حارّ وعرق الناس في ذلك الصوف، حتى ثارت منهم رياحٌ آذى بذلك بعضهم بعضًا، فلما وجد رسول اللَّه وَليل تلك الريح، قال: ((أيها الناس إذا كان هذا اليوم، فاغتسلوا، وليمس أحدكم أفضل ما يجد من دهنه، وطيبه))، قال ابن عباس: ثم جاء اللَّه تعالى ذكرُهُ بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكُفُوا العملَ، ووسّع اللَّه مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضًا من العرق. (فَإِذَا أَصَابُمُ الرَّوْحُ) بالفتح: نَسيم الريح (سَطَعَتْ أَرْوَاحُهُمْ) يقال: سطع الغُبَار، والرائحةُ يَسطَّعُ -بفتحتين -: ارتفع. قاله الفيّومي. و ((الأرواح)) جمع ريح بالكسر، لأن أصلها الواو، ويجمع على أرباح قليلًا، وعلى رياحٍ كثيرًا، أي كانوا إذا مرّ عليهم النسيم، تَكَيّف بأرواحهم، وحملها إلى الناس (فَيَتَأْذَّى بها) أي يتضرّر بسبب خُبث تلك الأرواح، وفي نسخة ((به))، أي بذلك الروح (النَّاسُ) أي الذين يحضرون المسجد لصلاة الجمعة (فَذُكرَ ذَلِكَ) ببناء الفعل للمفعول، (١) ((المصباح)) ٦٥٨/٢. (٢) أي يحضرونها نُوَبًا. (٣) جمع ماهن، وهو الخادم. ١٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ واسم الإشارة نائب فاعله (الرَسُول اللَّه وَّ) متعلق بـ ((ذُكر)). أي ذَكَر الناسُ الذين تأذوا بتلك الأرواح للنبي ◌ّ ما حصل لهم من الضرر، ليأمرهم بالنظافة، وتَعَهُّدِ أجسامهم وثیابهم. (فَقَالَ) وَ (أَوَ لَا تَغْتَسلُونَ) بتاء الخطاب، وفي النسخة ((الهندية)): ((أو لا يغتسلون)) بالياء. والهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، والواو عاطفة، وجملة ((لا تغتسلون)) معطوفة على محذوف، أي أتحضرون الجمعة، ولا تغتسلون. وحاصل المعنى أنهم كانوا يَعرَقون لمشيهم من مكان بعيد في شدة الحر، وتقدم أنهم كانوا يلبسون الصوف، فإذا اجتمع العرق مع وسخ لباس الصوف يثير رائحة كريهةً، فإذا حملها الريح إلى الناس، تأذوا بها، فأنكر عليهم النبي ◌َّ ذلك، وحثهم على الاغتسال، حتى لا يحصل هذا الضرر. والحديث استدلّ به المصنف رحمه الله تعالى على الترخيص في ترك غسل الجمعة، ووجه استدلاله به أنه يدلّ على أن الغسل كان لسبب، فلما زال ذلك السبب، زال الوجوب معه، وفي هذا الاستدلال نظرٌ لا يخفى، إذ قوله وَله: ((أو لا تغتسلون)» يفيد الإنكار التوبيخي، وهو يدلّ على الأمر بالاغتسال، لا على تركه، وأيضًا فإن زوال سبب التشريع لا يدلّ على زوال الحكم، كالرَّمَل مثلًا، كان الإغاظة المشركين - كما سيأتي في محله إن شاء الله تعالى من ((كتاب الحج))- وقد زال ذلك السبب، ولم يزل ذلك الحكم، بل صار شرعًا مستمرًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة تحرّها هذا صحيح، وهو بهذا السياق من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا- ١٣٧٩/٩ - وفي ((الكبرى)) -١٦٨٣/٨- بالسند المذكور. وقد تقدم بسياق آخر عند الشيخين، وغيرهما. والله تعالى أعلم. المسألة الثانية: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو الترخيص في ترك الغسل يوم الجمعة، لأن مشروعيته كان للسبب المذكور في الحديث، فلما وسع الله عليهم، وزال السبب رُخص لهم في تركه، هذا هو الظاهر من إيراد المصنف تَخّْهُ له هنا، وقد عرفت ما فيه. ومنها: ما كان عليه الناس في عهد رسول اللّه ◌َل من ضيق المعيشة، والصبر عليه. = ١٢٧ ٩- (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ الْغُسْلِ يَوْمَ ... - حديث رقم ١٣٨٠ ومنها: أن من أراد مجالسة الناس ينبغي له أن يزيل عنه ما يتأذي به الناس من الروائح الكريهة، ويتجمل لهم، ويظهر بمظهر حسن. ومنها: مشروعية إتيان الجمعة من الأمكنة البعيدة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٣٨٠ - (أَخْبَرَنَا أَبُو الأَشْعَثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَنِعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((مَّنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا، وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اَغْتَسَلَ، فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ)) . قَالَ أَبُو عَبْدِالرَّحْمَنِ: الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ كِتَابًا، وَلَمْ يَسْمَعِ الْحَسَنُ مِنْ سَمُرَةَ إِلَّا حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ). رجال هذا الإسناد : ستة : ١- (أبو الأشعث) أحمد بن المقدام العجلي البصري، صدوق صاحب حديث [١٠] تقدم ٣١٩/١٣٨ . ٢- (يزيد بن زُريع) أبو معاوية البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٥/٥. ٣- (شعبة) بن الحجّاج الإمام الحجة المشهور [٧] تقدم٢٦/٢٤. ٤- (قتادة) بن دعامة الحافظ الحجة، يدلس [٤] تقدم ٣٤/٣٠. ٥- (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصري الإمام الحجة الفقيه المشهور [٣] تقدم ٣٦/٣٢ . ٦- (سمرة) بن جُندب بن هلال الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه تقدم ٢٥٪ ٣٩٣ . والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَمُرَةَ) رضي اللَّه تعالى (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهُ وَّهِ: ((مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَة فَبهَا، ونعمت) أي فبرخصة الوضوء أخذ، ونعت هذه الرخصةُ. وقال الأصمعي: معناه فبالسنة أخذ، ونعت السنة، وقال أبو حامد الشاركيّ: معناه، فبالرخصة أخذ، لأن سنة يوم الجمعة الغسل. وقال الحافظ أبو الفضل العراقي: أي فبطهارة الوضوء حصل الواجب في التطهير للجمعة انتهى(١). وقال السندي: قوله: ((فبها))، أي فيكتفي بها، أي بتلك الفعلة التي هي الوضوء. وقيل: فبالسنة أخذ. وقيل: بل الأولى: بالرخصة أخذ، لأن السنة يوم الجمعة الغسل. (١) ((زهر الربى)) ٣/ ٩٤ - ٩٥. ١٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ وقيل: بل بالفريضة أخذ، ولعلّ من قال: بالسنة أراد ما جوّزته السنة، ولا يخفى بُعْدُ (١) ٠ دلالة اللفظ على هذه المعانى انتهى و ((وَنَعْمَتْ)) -بكسر النون، وسكون العين المهملة- على المشهور، وروي بفتح النون، وكسر العين، وهو الأصل في هذه اللفظة . وروي ((ونَعمتَ)) بفتح النون، وكسر العين، وفتح التاء: أي نعّمك الله. قال النووي في ((شرح المهذّب)): وهذا تصحيف، نبّهتُ عليه لئلّا يُغترّ به(٢). وقال الخطّابي في إصلاح الألفاظ التي صَحَّفها الرُّوَاة: و (نعمت)) بكسر النون، ساكنةَ التاء، أي نعمت الخَصْلة، والعامّةُ يروونه (نَعِمَتْ)) يفتحون النون، ويكسرون العين، وليس بالوجه، ورواه بعضهم: ((ونَعِمْتَ)): أي نَعَّمَك اللَّه انتهى (٣). (وَمَن اغْتَسَلَ، فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ) أي لأنه أكمل الطهارتين، فيكون أنسب لما طلب في ذلك اليوم من كمال النظافة . قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: دلّ هذا الحديث على أن الغسل يوم الجمعة فيه فضل من غير وجوب انتهى (٤). وقال الخطابي ◌َّلهُ: فيه البيان الواضح أن الوضوء كاف للجمعة، وأن الغسل لها فضيلة، لا فريضة انتهى. قال النووي تَخّْلهُ: في هذا الحديث دليلان على عدم وجوب غسل يوم الجمعة: أحدهما: قوله وَير: ((فبها))، وعلى كل قول مما سبق في تفسيره تحصل الدلالة. والثاني: قوله ◌َلّ: ((فالغسل أفضل»، والأصل في أفعل التفضيل أن يدخل على مشتركين في الفضل، يُرجّح أحدهما فيه انتهى (٥). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: استدلال المصنف بالحديث على ما بوّب له واضح، كما قرره هؤلاء الأئمة، وقد تقدم تمام البحث في ذلك قبل باب، وبالله تعالى التوفيق . (قَالَ أَبُو عَبْدالرَّحْمَن) النسائي رحمه اللّه تعالى (الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ كتَابًا) هكذا النسخ هنا وفي ((الكبرى)) بالنصب، وعليه فيكون ((الحسنُ)) فاعلا لفعل مقدر، و((كتابًا)) مفعول (١) ((شرح السندي)) ٣/ ٩٤ . (٢) ((المجموع)) ٤٠٥/٤ . (٣) ((زهر الربى)) جـ ٩٥/٣ (٤) ((جامع الترمذي)) ٨/٣ بنسخة ((تحفة الأحوذي)). (٥) ((المجموع)) ٤ / ٤٠٧ . ٩- (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ الْغُسْلِ يَوْمَ ... - حديث رقم ١٣٨٠ ١٢٩ لذلك الفعل: أي وَجَد الحسن، أو رَوَى كتابًا يعني أن أحاديث الحسن البصري، عن سمرة بن جندب ◌َّ ليست سماعًا، وإنما وجد كتابه، فحدّث بها (وَلَمْ يَسْمَعِ الْحَسَنُ مِنْ سَمُرَةَ إلَّا حَدِيثَ الْعَقيقَة، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ) وهو ما رواه المصنف رَّتُهُ في ((كتاب العقيقة)) - ٤٢٢٠/٥- أخبرنا عمرو بن علي، ومحمد بن عبدالأعلى، قالا: حدثنا يزيد - وهو ابن زريع- عن سعيد، أنبأنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جُندب، عن رسول اللَّهِ وَّل، قال: ((كلُّ غلام رَهينٌ بعقيقته، تُذبح عنه يوم سابعه، ويُحلق رأسه، ويُسمّى)) . -٤٢٢١- أخبرنا هارون بن عبدالله، قال: حدثنا قُريش بن أنس، عن حبيب بن الشهيد، قال لي محمد بن سيرين: سل الحسن ممن سمع حديثه في العقيقة، فسألته عن ذلك؟ فقال: سمعته من سمرة. وسيأتي تمام البحث في سماع الحسن، عن سمرة رَّه في المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى، واللَّه تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث سمرة رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح. فإن قلت: كيف يصحّ، وفيه عنعنعة قتادة، والحسن؟ . قلت: أما عنعنعة قتادة، فإنها جاءت من طريق شعبة، فقد ثبت عنه أنه قال: كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبي إسحاق، وقتادة، فزالت تهمة التدليس. وأما الكلام في سماع الحسن فيجاب عنه بأن للحديث شواهد يصح بها، ومن أقوى شواهده ما أخرجه مسلم في ((صحيحه)) عقب الأمر بالغسل عن أبي هريرة ◌َّه مرفوعًا: ((من توضأ، فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع، وأنصت غُفِر له ما بين الجمعة إلى الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام)). ففيه بيان صريح بأن الوضوء يكفي للجمعة، فيكون شاهدًا قويًّا لحديث سمرة رَمنّه . وقد وردت أحاديث ضعيفة تشهد له ولكن الصحيح المذكور يكفي . والحاصل أن الحديث صحيح لما ذكر. وسيأتي تمام البحث في سماع الحسن في المسألة الخامسة إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٩/ ١٣٨٠ وفي ((الكبرى)) -١٦٨٤/٩- بالسند المذكور. ١٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ وأخرجه (د) ٣٥٤ (ت) ٤٩٧ (أحمد) ٨/٥ ١١/٥ و١٥/٥ و١٦/٥ و١٢٢/٥ (الدارمي) ١٥٤٨ (ابن خزيمة) ١٧٥٧ . والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنف تَخّْلهُ، وهو الترخيص في ترك الغسل يوم الجمعة، والاجتزاء بالوضوء. ومنها: تفضيل الغسل على الوضوء لكونه أتم في النظافة . ومنها: سماحة الشريعة، وسهولة أمرها، حيث سهلت في موضع الحرج، كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ الآية [الحج: ٧٨]. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في بيان الاختلاف الواقع في هذا الحديث : قال في ((التلخيص الحبير)) جـ٢ ص٦٧: حديث ((من توضأ يوم الجمعة، فبها، ونعمت، ومن اغتسل، فالغسل أفضل)). رواه أحمد، وأصحاب السنن، وابن خُزيمة من حديث الحسن، عن سمرة، وقال الترمذي: حديث حسن. ورواه بعضهم عن قتادة، عن الحسن، عن النبي وَّر مرسلًا. وقال في ((الإمام)): مَنْ يحمل رواية الحسن عن سمرة على الاتصال يصحّح هذا الحدیث . قلت: وهو مذهب علي بن المديني، كما نقله عنه البخاريّ، والترمذيّ، والحاكم، وغيرهم. وقيل: لم يسمع منه إلا حديث العقيقة، وهو قول البزار وغيره. وقيل: لم يسمع منه شيئًا أصلًا، وإنما يُحدّث من كتابه. ورواه أبو بكر الْهُذلي -وهو ضعيف- عن الحسن، عن أبي هريرة رَّه ، ووهم في ذلك. قاله الدارقطني في ((العلل))، قال: والصواب رواية يزيد بن زريع وغيره عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة. ورواه أبو حرّة، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة. ووهم في اسم صحابيه. أخرجه أبو داود الطيالسيّ، والبيهقي من طريقه . ورواه العيقليّ من طريق قتادة، عن الحسن، عن جابر. ومن طريق إبراهيم بن مُهاجر، عن الحسن، عن أنس. وهذا الاختلاف فيه على الحسن، وعلى قتادة لا يضرّ، لضعف من وهم فيه، والصواب -كما قال الدارقطنيّ -: عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، وكذلك قال العقيليّ. ورواه ابن ماجه بسند ضعيف، عن أنس، ورواه الطبراني من حديثه في ((الأوسط)) بإسناد أمثل من ابن ماجه. ١٣١ ٩- (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ الْغُسْلِ يَوْمَ ... - حديث رقم ١٣٨٠ ورواه البيهقي بإسناد فيه نظر من حديث ابن عباس، وبإسناد فيه انقطاع من حديث جابر، ورواه عبد بن حميد، والبزّار في ((مسنديهما))، وكذلك إسحاق بن راهويه في ((مسنده) من حديثه بإسناد فيه ضعف، ورواه البيهقي من حديث أبي سعيد، وله طريق أخرى في ((التمهيد))، فيها الربيع بن بدر، وهو ضعيف انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تلخّص مما قاله الأئمة أن أصح أسانيد حديث الباب رواية قتادة، عن الحسن، عن سمرة ◌َّه، كما هو رواية المصنف رحمه الله تعالى، والكلام في سماع الحسن، عن سمرة يأتي في المسألة التالية إن شاء اللَّه تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في سماع الحسن، عن سمرة رَّه : ذكر الحافظ الزيلعي رحمه اللَّه تعالى في كتابه ((نصب الراية)) المسألةَ مفصلةً، فقال رحمه الله تعالى: وفي سماع الحسن من سمرة ثلاثة مذاهب: أحدها: أنه سمع منه مطلقًا، وهو قول ابن المديني، ذكره البخاريّ في أوّل ((تاريخه الأوسط))، فقال: حدثنا الحمديّ، ثنا سفيان، عن إسرائيل، قال: سمعت الحسن يقول: ولدت لسنتين بقيتا من خلافة عمر تطلّه. قال: سماع الحسن من سمرة صحيح انتھی . ونقله الترمذي في كتابه، فقال: ((باب الصلاة الوُسطى)): قال محمد بن إسماعيل - يعني البخاري- قال عليّ - يعني ابن المديني - سماع الحسن من سمرة صحيح انتھی . ولم يُحسن شيخنا علاء الدين، فقال مقلّدًا لغيره: قال الترمذي: سماع الحسن من سمرة عندي صحيح، والترمذي لم يقل ذلك، فإنما نقله عن البخاريّ، عن ابن المديني، كما ذكرناه، ولكن الظاهر من الترمذي أنه يختار هذا القول، فإنه صحح في ((كتابه)) عدّة أحاديث من رواية الحسن، عن سمرة، واختار الحاكم هذا القول في ((كتابه المستدرك)) بعد أن أخرج حديث الحسن عن سمرة: ((إن النبي ◌َّ كانت له سكتتان، سكتة إذا كبّر، وسكتة إذا فرغ من قراءته)): ولا يتوهّم أن الحسن لم يسمع من سمرة، فإنه سمع منه انتهى. وأخرج في كتابه عدّة أحاديث من رواية الحسن عن سمرة، وقال في بعضها: على شرط البخاريّ، وقال في ((كتاب البيوع)) بعد آن روى حديث الحسن، (١) ((التلخيص الحبير)) جـ ٢ ص ٦٧ . ١٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ عن سمرة: ((أن النبي وَّل نهى عن بيع الشاة باللحم)): وقد احتج البخاري بالحسن، عن سمرة انتهى . القول الثاني: أنه لم يسمع منه شيئًا، واختاره ابن حبان في ((صحيحه))، فقال في النوع الرابع من القسم الخامس بعد أن روى حديث الحسن، عن سمرة: ((إن النبي وَالر كانت له سكتتان ... )): والحسن لم يسمع من سمرة. وقال صاحب ((التنقيح)): قال ابن معين: الحسن لم يلقَ سمرة. وقال شعبة: الحسن لم يسمع من سمرة. وقال البرديجيّ: أحاديث الحسن، عن سمرة كتاب، ولا يثبت عنه حديث، قال فيه: سمعت سمرة انتهى كلامه. القول الثالث: أنه سمع منه حديث العقيقة فقط، قاله النسائي، وإليه مال الدار قطنيّ في ((سننه))، فقال في حديث السكنتين: والحسن اختلف في سماعه من سمرة، ولم يسمع منه إلا حديث العقيقة، فيما قاله قُريش بن أنس انتهى. واختاره عبد الحق في «أحكامه))، فقال عند ذكره هذا الحديث: والحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة. واختاره البزّار في ((مسنده))، فقال في آخر ترجمة سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: والحسن سمع من سمرة حديث العقيقة، ثم رغب عن السماع عنه، ولما رجع إلى ولده أخرجوا له صحيفة سمعوها من أبيهم، فكان يرويها عنه من غير أن يُخبر بسماع؛ لأنه لم يسمعها منه انتهى. روى البخاري في ((تاريخه)) عن عبد الله بن أبي الأسود، عن قُريش بن أنس، عن حبيب بن الشهيد، قال: قال محمد بن سيرين: سَل الحسنَ ممن سمع حديثه في العقيقة؟ فسألته، فقال: سمعته من سمرة، وعن البخاري رواه الترمذيّ في ((جامعه)) بسنده ومتنه، ورواه النسائي عن هارون بن عبد الله، عن قُريش. وقال عبد الغنيّ: تفرّد به قريش بن أنس، عن حبيب بن الشهید. وقد رده آخرون، وقالوا: لا يصحّ له سماع منه انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: القول الثاني هو الراجح؛ لأن سماعه منه حديثَ العقيقة صحيح، فنفي السماع على الإطلاق مجرّد دعوى لا يستند إلى دليل فلا يلتفتُ إليه، وأما غير حديث العقيقة، فإن جاء تصريحه بالسماع، فكذلك، وإلا فلا، لكونه يروي عن كتابه، فلابدّ من التصريح بالسماع. وأما تصحيح حديث الباب هنا فليس لثبوت سماعه، بل لما ذكرناه من الشواهد، فتفطّن. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ٩- (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ الْغُسْلِ يَوْمَ ... - حديث رقم ١٣٨٠ ١٣٣ == [تَتِمَّة]: في ذكر كلام البزار رحمه الله تعالى في سماع الحسن البصري من الصحابة ش : قال البزار في ((مسنده)) في آخر ترجمة سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رَّه: س مَع الحسن من جماعة من الصحابة، ورَوَى عن جماعة آخرين لم يُدركهم، وكان صادقًا، متأولاً في ذلك، فيقول: حدثنا، وخطبنا، ويعني قومه الذين حُدثّوا، وخُطبوا بالبصرة، فأما من سمع منهم، فهم: أنس بن مالك، ومعقل بن يسار، وعبد الله بن مغفل، وعائذ بن عمرو، وأبو برزة، وعبد الرحمن بن سمرة، وعمران بن حُصين، وأبو بكرة، وسمع من سوّار بن عمرو، وعمرو بن تَغلب، وسعد مولى أبي بكرة، وروى عن عثمان بن أبي العاص، وسمع منه. وروى عن محمد بن مسلمة، ولا أبعد سماعه منه. وأما قوله: خطبنا ابن عباس بالبصرة، فقد أنكر عليه؛ لأن ابن عباس كان بالبصرة أيام الجَمَل، وقدم الحسن أيام صفّين، فلم يدركه بالبصرة، وتأوّل قوله: خطبنا، أي: خطب أهل البصرة، وكذلك قال: حدّثنا الأسود بن سريع، والأسود قدم يوم الجمل، فلم يره، ولكن معناه حدّث أهل البصرة. وقال علي بن زيد عن الحسن: إن سراقة بن مالك حدّثهم، وإنما حدّث من حدّثه، ولذلك لم يقل: حدثني. وروى عن أبي موسى الأشعريّ، وأبو موسى إنما كان بالبصرة أيام عمر، فلا أحسبه سمع منه . وقد رأى جماعة جلّةٌ، منهم: عثمان بن عفّان(١). وقد حدَّثَ عن أُسيد بن المُشَمِّس، عن أبي موسى، وعن قيس بن عُبَاد، وحدّث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ولا أعلمه سمع من واحد منهما. وحدث عن جندب بن عبد الله البجلي بأحاديث، عن النبي ◌َّر، وبأحاديث رواها عن جندب، عن حذيفة . وحدّث عن النعمان بن بشير، ولا أحسبه سمع منه؛ لأنه النعمان لا نعلمه دخل البصرة، وإنما كان بالكوفة، وقد رأيته يُحدّث عن رجل، عنه. وحدّث عن عقبة بن عامر بشكّ، فقال: عن سمرة، أو عُقبة، وقال يونس، عن الحسن، عن عُقبة، من غير شكّ، ولا أحسبه سمع منه. وحدّث عن عبادة بن الصامت، ولم يسمع منه، وبينهما حطّان بن عبد الله. (١) ومنهم علي، والزبير. كما في ((التاريخ الصغير)) للبخاري ص١٩٨. = ١٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ وحدث عن سلمة بن المحبّق، ولم يسمع منه، وبينهما حول بن قتادة، وقبيصة . وحدث عن صعصعة بن معاوية، وحدث عن عتبة بن غَزْوان، ولم يسمع منه؛ لأنه إنما دخل البصرة أيام عمر، بعثه أميرًا عليها، ثم انصرف، ومات، ولم يسمع منه، وعتبة إنما روى عن النبي وَلّ حديثًا واحدًا. وروى عن علي بن أبي طالب غير حديث، ولم يسمع منه، وبينهما قيس بن عُبَاد، وابن الكواء. وروى عن أنس مراسيل، ولا يثبت له منها إلا ما كان فيه بينهما رجل، كأبي سفيان، ويزيد الرقاشي، وغيرهما. وروى عن أبي هريرة أحاديث، ولم يسمع منه(١). وروى عن ثوبان حديثًا واحدًا، ولم يسمع منه. وروى عن أسامة بن زيد حديثين، ولم يسمعهما منه. وروى عن جابر ابن عبد الله أحاديث، ولم يسمع منه وروى عن العباس بن عبد المطّلب، ولم يسمع منه، وبينهما الأحنف بن قيس، ولم يثبت له سماع من أحد من أهل بدر، ولا حديثًا واحدًا، وذكر الحسن أنه رأى طلحة، والزبير في بعض بساتين المدينة انتهى كلام البزار ملخصًا محررًا . وروى الترمذي في كتابه في أبواب صفة جهنّم حديثًا عن الحسن، عن عُثْبَةَ بن غَزْوان، عن النبي ◌َّ: ((أن الصخرة العظيمة لتُلقَى من شفير جهنّم، فتهوي فيها سبعين عامًا ما تفضي إلى قرارها)). ثم قال: لا نعرف للحسن سماعًا من عُتبة بن غَزوان، وإنما قدم عُتبة البصرة زمن عمر، وولد الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عمر انتهى. وقال في غير موضع من كتابه: قال أيوب السختياني، ويونس بن عُبيد، وعلي بن زيد: الحسن لم يسمع من أبي هُريرة انتهى. انتهى ما ذكره الحافظ الزيلعي رحمه الله (١) قال ابن سعد في ((طبقاته)) جـ٧ ص ١١٥: أخبرنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو هلال محمد ابن سُليم، قال: سمعت الحسن يقول: كان نبي الله موسى عليه السلام لا يغتسل إلا مستترًا»، قال: فقال عبد الله بن بُريدة: يا أبا سعيد ممن سمعت هذا؟ قال: سمعته من أبي هريرة. أخبرنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدّثنا ربيعة بن كُلثوم، قال: سمعت الحسن، قال: حدثنا أبو هريرة، قال: ((عهد إليّ رسول اللَّه وَلل ثلاثًا ... )) الحديث. أخبرنا عفّان بن مسلم، حدثنا وُهيب، عن أيوب، وحماد، عن علي بن زيد بن جدعان، وغير واحد، عن شعبة، عن يونس، قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة انتهى. ١٣٥ ١٠- (فَضْلُ غُسْلِ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٨١ تعالى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ١٠- (فَضْلُ غُسْلِ الْجُمُعَةِ) ١٣٨١- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، وَهَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِبْنِ بَكَّارِ بْنِ بِلَالٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ، عَنِ النَِّيِّ ◌َ قَالَ: ((مَنْ غَسَّلَ، وَاغْتَسَلَ، وَغَدَا، وَابْتَكَرَ، وَدَنَا مِنَ الإِمَامِ، وَلَّمْ يَلَّغُ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَّةٍ، صِيَامُهَا، وَقِيَامُهَا))). رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (عمرو بن منصور) النسائي، ثقة ثبت [١١] تقدم ١٠٨ / ١٤٧. ٢- (هارون بن محمد بن بَكّار) بن بلال العامليّ الدمشقيّ، صدوق [١١] تقدّم ١٠٩١/١٢٨ . ٣- (أبو مُسهر) عبدالأعلى بن مُسهر الغسّاني الدمشقي، ثقة فاضل، من كبار [١٠] تقدّم ٥/ ٤٦٠ . ٤- (سعيد بن عبدالعزيز) التّنُوخي الدمشقيّ، ثقة إمام، اختلط في آخره [٧] تقدم ٥/ ٤٦٠ . ٥- (يحيى بن الحارث) الذِّمَاري -بكسر المعجمة، وتخفيف الميم -الغَسّاني، أبو عمرو، ويقال: أبو عُمر الشامي القاريء، ثقة [٥]. روى عن واثلة بن الأسقع، وسعيد بن المسيب، وأبي الأشعث الصنعاني، وغيرهم. وعنه ابنه عمر، والأوزاعي، وسعيد بن عبدالعزيز، وغيرهم. قال ابن سعد: كان عالما بالقراءة في دهره، يُقرأ عليه القرآن، وكان قليل الحديث. وذكره أبو زرعة الدمشقيّ في ((تسمية الأصاغر من أصحاب واثلة)). وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، ليس به بأس. وقال عثمان الدارميّ، عن دُحيم: ثقة. (١) ((نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية)) ج١ ص ٨٨ - ١٩ . قال الجامع: لكن بعض ما ذُكر محلّ توقف، مثل دعوى عدم روايته عن أبي هريرة، وابن عباس، ونحوهما، وسيأتي مزيد بسط في البحث في ((باب ما جاء في الخلع)) إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم. ١٣٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ وقال يعقوب بن سُفيان: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: ثقة، كان عالمًا بالقراءة، وقال في موضع آخر: صالح الحديث. وقال الآجرّيّ عن أبي داود: ثقة، وقال في موضع آخر: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال ابن سعد: مات سنة (١٤٥) وهو ابن (٧٠) سنة. وفيها أرّخه غير واحد. روى له الأربعة. وله في هذا الكتاب حديثان: هذا وأعاده برقم ١٣٩٨ وحديث ٢٢٥٤ . ٦ - (أبو الأشعث الصنعاني) شَرَاحيل بن آدة، وقيل: غيره، ثقة [٢] تقدم ٥/ ١٣٧٤. ٧- (أوس بن أوس) الثقفي الصحابي، سكن دمشق، تقدم ٥/ ١٣٧٤ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله ثقات، وأنه مسلسل بالشاميين، وفيه رواية تابعي عن تابعي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَوْس بْنِ أَوْس) رضي الله تعالى عنه (عَنِ النَّبِيِّ بَّهَ) أنه (قَالَ: «مَنْ غَسَّلَ، وَاغْتَسَلَ) قال النووي ◌َخّْتْهُ في ((شرح المهذّب)): رُوي (غَسَل)) بتخفيف السين وتشديدها، روايتان مشهورتان، والأرجح عند المحققين بالتخفيف، فعلى رواية التشديد في معناه ثلاثة أوجه: أحدها: غَسَّل زوجته بأن جامعها، فألجأها إلى الغسل، واغتسل هو، قالوا: ويستحب له الجماع في هذا اليوم ليأمن أن يَرَى في طريقه ما يَشغَلُ قلبه. والثاني: أن المراد غَسَّلَ أعضَاءَهُ في الوضوء ثالثًا ثلاثًا، ثم اغتسل للجمعة. والثالث: غَسَّل ثيابه ورأسه، ثم اغتسل للجمعة . وعلى رواية التخفيف في معناه هذه الأوجه الثالثة: أحدها: الجماع، قاله الأزهري، قال: ويقال: غَسَل امرأته: إذا جامعها. والثاني: غَسَلَ رأسه وثيابه. والثالث: توضأ. وذكر بعض الفقهاء (غَسَّلَ)) بالعين المهملة، وتشديد السين: أي جامع شبّه لذة الجماع بالعسل، وهذا غلط، غير معروف في روايات الحديث، وإنما هو تصحيف. والمختار ما اختاره البيهقي وغيره من المحققين أنه بالتخفيف، وأن معناه غسل رأسه، وتؤيده رواية لأبي داود في هذا الحديث: ((من غسل رأسه يوم الجمعة، واغتسل ... )). ورَوَى أبو داود في ((سننه)) والبيهقي هذا التفسير عن مكحول، وسعيد ابن عبد العزيز قال البيهقي: وهو بَيِّنْ في رواية أبي هريرة، وابن عباس مثّه ، عن النبي وَالر. وإنما أفرد الرأس بالذكر لأنهم كانوا يجعلون فيه الدهن والخِطْمِيَّ، ونحوهما، ١٣٧ ١٠- (فَضْلُ غُسْلِ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٨١ وكايغسلونه أوّلًا، ثم يغتسلون انتهى كلام النوويّ(١). وقال العراقي ◌َخْذَّلهُ: ويحتمل أن المراد غسل ثيابه، واغتسل في جسده. وقيل: هما بمعنى واحد، وكُرّر للتأكيد(٢). وقال ابن منظور ◌َّلهُ: وغَسَلَ الرجلُ المرأةَ يغسلها غَسْلًا: أكثر نكاحها، وقيل: هو نكاحه إياها أكثرَ أو أقلّ، والعين المهملة فيه لغة(٣)، ورجلٌ غُسَلٌ: كثير الضِّرَاب لامرأته، قال الْهُذَلي: وَقْعُ الْوَبِيلِ نَحَاهُ الأَهْوَجُ الْغُسَلُ وقال القُتَيْبِيُّ: أكثر الناس يذهبون إلى أن معنى ((غَسَّلَ)) - يعني في هذا الحديث -: أي جامع أهله قبل خروجه إلى الصلاة، لأن ذلك يجمع غَضَّ الطرف في الطريق، لأنه لا يُؤمَن عليه أن يرى في طريقه ما يَشغَل قلبه، قال: ويذهب آخرون إلى أن معنى قوله: ((غَسَّلَ)) توضأ للصلاة، فغسل جوارح الوضوء، وثُقْل لأنه أراد غَسلًا بعد غَسْل، لأنه إذا أسبغ الوضوء غَسَلَ كلَّ عضو ثلاث مرّات، ثم اغتسل بعد ذلك غسل الجمعة. وقال الأزهريّ: ورواه بعضهم مُخفّفًا، وكأنه الصواب، من قولك: غَسَلَ الرجلُ امرأتَهُ، وغَسَّلَها: إذا جامعها، ومثله فَحْلٌ غُسَلَةٌ: إذا أكثر طَرْقَها، وهي لا تحمل. وقال ابن الأثير: يقال: غَسَّلَ الرجلُ امرأته، بالتشديد والتخفيف: إذا جامعها. وقيل: أراد غَسَّلَ غيره، واغتسل هو، لأنه إذا جامع زوجته أحوجها إلى الغسل (٤) انتھی (٤). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الأقرب، كما تقدّم في كلام النووي أن المراد بـ((غسّل)) غسلُ رأسه، وبـ ((اغتسل)) غسلُ سائر جسده، لأنه يؤيده ما في رواية لأحمد، وأبي داود لهذا الحديث: ((من غسل رأسه يوم الجمعة، واغتسل ... )) الحديث. ويؤيده أيضًا ما أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) عن طاوس، قال: قلت لابن عباس : ذكروا أن النبي وَلّ قال: ((اغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا رؤوسكم، وإن لم تكونوا جنبًا ... )) الحديث. ويؤيده أيضًا ما أخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) عن أبي هريرة رضيّه، مرفوعًا: ((إذا كان يوم الجمعة، فاغتسل الرجل، وغسل رأسه ... )) الحديث. (١) ((المجموع)) ٤ /٤١٦. (٢) (زهر الربى)) ٩٥/٣. (٣) لكن لا يثبت من حيث الرواية كما تقدم في كلام النووي تَخْذَ هُ . (٤) ((لسان العرب)) ٣٢٥٧/٥. ١٣٨ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ قال المنذريّ: في هذا الحديث دليل لمن فسّر قوله: ((غسل)) بغسل الرأس انتهى. والله تعالى أعلم. (وَغَدَا) أي خرج إلى الجمعة أوّل النهار (وَابْتَكَرَ) أي أدرك أول الخطبة. ولفظ أبي داود: ((وبكر)) بدل ((غدا»، وهو بالتشديد على المشهور، أي بادر إلى صلاة الجمعة، أو إلى الجامع، أو راح في الساعة الأولى، وكلّ من أسرع إلى الشيء، فقد بكّر إليه. وقيل: معنى (بكر))، و ((ابتكر)) واحد، كرّره للمبالغة، وليس المخالفة بين اللفظين لاختلاف المعنيين، وبه جزم ابن العربيّ. وقيل: ((بكر)) بمعنى أتى الصلاة في أول وقتها، وكلّ من أسرع إلى الشيء فقد بكر إليه، و((ابتكر)) أي أدرك أول الخطبة، وأولُ كل شيء باكورته، وابتكر الرجل: إذا أكل باكورة الفاكهة. وقيل: ((بكر)) بمعنى تصدّق قبل خروجه. قاله ابن الأنباري، وتأول في ذلك ما روي في الحديث: ((باکروا بالصدقة، فإن البلاء لا يتخطاها)). وهو حديث ضعيف جدًا، أخرجه الطبراني في ((الأوسط))، والبيهقي عن أنس ◌َطلته. والراجح - كما قال العراقي - أن ((بكر)) بمعنى راح في أول الوقت، و ((ابتكر)) بمعنى أدرك أول الخطبة (١) . زاد في الرواية الآتية من طريق عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث: ((ومشى، ولم يركب)). قيل: هما بمعنى، وجمع بينهما تأكيدًا، ودفعًا لما يتوهّم من حمل المشي على مجرد الذهاب، ولو راكبًا، أو حمله على تحقق المشي، ولو في بعض الطريق . (وَدَنَا منَ الإمَام) أي قرب منه. زاد في الرواية الآتية: ((وأنصت)) أي استمع. وفيه أنه لا بدّ من اجتماع الأمرين جميعًا، فلو استمع، وهو بعيد، أو قرب، ولم يستمع لم يحصل له هذا الأجر. والله تعالى أعلم. (وَلَمْ يَلْغُ) بضم الغين المعجمة، يقال: لغا يلغو، من باب نصر: أي لم يتكلّم، فإن الكلام حال الخطبة لغو. قاله النووي. أو استمع الخطبة، ولم يشتغل بغيرها. قاله الأزهري. (كَانَ لَهُ بِكُلٌ خُطْوَةٍ) بضم المعجمة: بُعدُ ما بين الرجلين في المشي، وجمعه خُطَى، وخُطوات، كغُرَف، وغُرفات، بضم الراء في الأول، وضمها، وفتحها في الثاني، وبفتح الخاء: المرّة، وجمعها خَطَوَات، كشَهَوَات. (١) ((المرعاة)) ٤/ ٤٧٢. ١٣٩ == ١٠ - (فَضْلُ غُسْلِ الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٨١ ثم يحتمل أن المراد الخطوة في الذهاب إلى الجمعة، ويحتمل أن يكون في الذهاب والإياب، والظاهر الأوّل. والله تعالى أعلم. (عَمَلُ سَنَة) اسم ((كان)) مؤخر، وخبرها الجارّ والمجرور الأول، أي ثواب أعمال السنة (صيَامُهَا، وَقِيَامُهَا))) بالرفع بدل من ((عمل سنة))، ولفظ الرواية الآتية من طريق عمر بن عبدالواحد، عن يحيى بن الحارث: ((كان له بكل خطوة كأجر سنةٍ، صيامِها وقيامِها))، وعند أبي داود، وابن ماجه: ((كان له بكلّ خطوة عمل سنة، أجرُ صيامها وقيامها)) . وقد ورد في المشي إلى مطلق الصلاة رفع درجة في كلّ خطوة، وكتابة حسنة، ومحو سيئة. وقد تقدم ذلك في باب الفضل في إتيان المسجد)) ١٤/ ٧٠٥ . أما ثبوت أجر عمل سنة -كما في هذا الحديث- فمن خصائص الجمعة. قال السندي ◌َّلهُ في ((شرح سنن ابن ماجه)): والظاهر أن المراد أنه يحصل له أجر من استوعب السنة بالصيام والقيام لوكان، ولا يتوقف ذلك على أن يتحقق الاستيعاب من أحد. ثم الظاهر أن المراد في هذا وأمثاله ثبوت أصل أجر الأعمال، لا مع المضاعفات المعلومة بالنصوص، ويحتمل أن يكون مع المضاعفات انتهى(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الاحتمال الثاني هو الظاهر، فلا ينبغي العدول عنه إلا بحجة، والله ذو الفضل العظيم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته : حديث أوس بن أوس رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه : أخرجه هنا - ١٠ / ١٣٨١ - وفي ((الكبرى)) -١٦٨٥/٩ - عن عمرو بن منصور، وهارون بن محمد بن بكّار، كلاهما عن أبي مُسهر، عن سعيد بن عبدالعزيز، عن يحيى ابن الحارث، عن أبي الأشعث الصنعاني، عنه. وفي ١٣٨٤/١٢ - و («الكبرى» - ١٢/ ١٦٩١- عن عمرو بن عثمان بن سعيد، عن الوليد بن مسلم، عن عبدالرحمن بن يزيد ابن جابر، عن أبي الأشعث عنه. وفي - ١٣٩٨/١٩ - و(الكبرى)) - ١٧٠٧/١٩- عن (١) ((شرح سنن ابن ماجه)) ٢/ ١١ تحقيق مأمون شيحا. ١٤٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ محمود بن خالد، عن عمر بن عبدالواحد، عن يحيى بن الحارث به. وفي ((الكبرى)) ١٧٠٨/١٩ - عن عبدالرحمن بن محمد، عن عمرو بن محمد، عن سفيان الثوري، عن عبدالله بن عيسى، عن يحيى به. وفيه عن موسى بن عبدالرحمن، عن حسين بن علي، عن عبدالرحمن بن يزيد به. وأخرجه (د) ٣٤٥ و٣٤٦ (ت) ٤٩٦ (ق) ١٠٨٧ (أحمد) ٩/٤ و١٠/٤ و١٠٤/٤ (الدارمي) ١٥٥٥ (ابن خزيمة) ١٧٥٨ و٧٦٧ . والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنف، وهو بيان فضل غسل يوم الجمعة. ومنها: فضل المبادرة لصلاة الجمعة. ومنها: استحباب الدنوّ من الإمام، والاستماع لخطبته. ومنها: عدم الكلام في استماع الخطبة، وعدم الاشتغال بما ينافي الاستماع. ومنها: أن الله سبحانه وتعالى يُعطي من الثواب على بعض الأعمال مع سهولتها ما لا يعطيه على كثير من الأعمال الشاقّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ١١- (بَابُ الْهَيْأَةِ لِلْجُمُعَةِ) أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالين على حسن الهيأة لأجل حضور صلاة الجمعة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الهيئات)): جمع هيئة - بالفتح، أو بالكسر، ثم السكون -: حال الشيء، وكيفيّته، ورجلٌ هَيٌِّ: حسن الهيئة. قاله في ((اللسان)). وفي ((المصباح)): ((الهَيْئَةُ: الحالة الظاهرة، يقال: هاء يُهُوءُ، ويِهِيءُ، هَيْئَةً حَسَنَةً: إذا صار إليها. انتهى. والمراد بها هنا الحالة الحسنة، من النظافة، وحسن الملبس، وطيب الرائحة، ونحوها، فالكلام على حذف مضاف. والله تعالى أعلم بالصواب. ١٣٨٢- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ. عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ، فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ،