Indexed OCR Text
Pages 21-40
١٠٠ - (بَأَبُ الانْصِرَافِ مِنَ الصَّلَاةِ) - حديث رقم ١٣٦٠ ٢١ وبأن رواية ابن مسعود تُوافق ظاهر الحال، لأن حُجرة النبي وَلّر كانت على جهة يساره. قال: ثم ظهر لي أنه يمكن الجمع بين الحديثين بوجه آخر، وهو أن من قال: كان أكثر انصرافه عن يساره نظر إلى هيئته في حال الصلاة، ومن قال: أكثر انصرافه عن يمينه نظر إلى هيئته في حال استقباله القوم بعد سلامه من الصلاة، فعلى هذا لا يختصّ الانصراف بجهة معيّنة، ومن ثَمَّ قال العلماء: يستحبّ الانصراف إلى جهة حاجته، لكن قالوا: إذا استوت الجهتان في حقّه فاليمين أفضل، لعموم الأحاديث المصرّحة بفضل التيامن، كحديث عائشة رَّها: ((كان يُحبّ التيامن ما استطاع، في طهوره، وتنعله، وترجّله، وفي شأنه كله)) متفق عليه. قال الجامع عفا الله عنه: أولى الجمع عندي هو الذي قاله النووي رحمه الله تعالى. وحاصله أن كلّ منهما قال: إنه أكثرُ حَسَبَ اعتقاده، وإلا فالواقع يؤيّد ما قاله ابن مسعود رَّ، حيث إن أكثر صلاته وق لو كان في مسجده، وكانت حُجره إلى جهة اليسار، فيكون أكثر انصرافه إليها . وقد وقع التصريح بذلك عند أحمد من طريق عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه، أن ابن مسعود حدّثه: ((أن النبي وَّر كان عامّة ما ينصرف من الصلاة على يساره إلى الْحُجُرات)) . فتبيّن بهذا أن الانصراف إلى جهة الحاجة هو السنة، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذ الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عبدالله بن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ١٠٠/ ١٣٦٠ - وفي ((الكبرى ١٢٨٣/١٣٤ - بالسند المذكور. وأخرجه (خ) ٢١٦/١ (م) ١٥٣/٢ (د) ١٠٤٢ (ق) ٩٣٠ (الحميدي) ١٢٧ (أحمد) ٣٨٣/١ و٤٠٨/١ و٤٢٩/١ ٤٥٩/١ ٤٦٤/١ (الدارمي) ١٣٥٧ (ابن خزيمة) ١٧١٤ والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو مشروعية الانصراف من اليسار. ومنها: أن اعتقاد مشروعية ما ليس مشروعًا حظ من حظوظ الشيطان. ومنها: ما قاله ابن الْمُنَيّر ◌َخْذَلهُ: فيه أن المندوبات قد تنقلب مكروهات، إذا رُفعت ٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو عن رتبتها، لأن التيمن مستحبّ في كل شيء، أي من أمور العبادة، لكن لمّا خشي ابن مسعود رَّه أن يعتقدوا وجوبه أشار إلى كراهته. والله أعلم انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٣٦١- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا بَقِيَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، أَنَّ مَكْحّولاً حَدَّثَهُ، أَنَّ مَسْرُوقَ بْنَ الأَجْدَعِ حَدَّثَهُ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ يَشْرَبُ قَائِمًا وَقَاعِدًا، وَيُصَلّ حَافِيًا وَّمُنْتَعِلًا، وَيَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظلي المروزي الإمام الحجة المشهور[١٠] تقدم ٢/ ٢ . ٢- (بقيّة) بن الوليد الحمصي، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، لكنه هنا صرح بالتحديث [٨] تقدم ٤٥ / ٥٩٢ . ٣- (الزُّبَيديّ) محمد بن الوليد بن عامر، أبو الّهُذيل الحمصيّ القاضي. ثقة ثبت، من كبار أصحاب الزهري [٧] تقدّم ٤٥٥ / ٥٦ . ٤- (مكحول) الشاميّ، أبو عبدالله، ثقة فقيه، كثير الإرسال مشهور [٥] تقدم ٤/ ٦٣٠ . ٥- (مسروق بن الأجدع) بن مالك الهَمْدانيّ الوادعي، أبو عائشة الكوفي، ثقة فقيه عابد مخضرم [٢] تقدم ٩٠ / ١١٢. ٦- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها، تقدّمت ٥/٥ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، وبقية قد صرّح بالتحديث، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه عائشة رضي الله تعالى عنها من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ وَ لَهِ يَشْرَبُ قَائِمًا وَقَاعِدًا) أي يشرب أحيانًا قائمًا، وأحيانًا قاعدًا، وكذا التقدير فيما بعده. وفيه جواز الشرب قائمًا وقاعدًا، ويُجمع بينه وبين حديث النهي عن الشرب قائما (١) (فتح)) جـ ٢ ص ٦٠٩ . ٢٣ ١٠٠ - (بأَبُ الانْصِرَافِ مِنَ الصَّلَاةِ) - حديث رقم ١٣٦١ بحمل النهي على التنزيه بدليل هذا الحديث، ونحوه، وهذا هو المذهب الراجح، وإليه أشار الحافظ العراقي رحمه الله تعالى في ((ألفية السيرة)) حيث قال: كَشُرْبِهِ مِنْ زَمْزَمِ الْحَرَامِ يَشْرَبُ قَاعِدًا وَمِنْ قِيَّامِ وَشُرْبِهِ مِنْ قِرْبَةٍ مُعَلَّقَهْ دَلَّ بِهِ لِلرُّخْصَةِ الْمُحَفَّقَة وقد تقدم الكلام عليه مستوفّى في ١٣٦/١٠٣ - فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق . (وَيُصَلّي حَافِيًّا) أي بلا لبس نعل، ولا خُفّ، يقال: حَفِي الرجلُ يَخْفَى، من باب تَعِبَ، حَفَاءٌ، مثل سَلَامٍ: مَشَى بغير نعل، ولا خُفّ، فهو حافٍ، والجمع حُفَاة مثل قاض وقُضَاةَ(١) (وَمُنْتَعِلًا) أي لابسّا نَعْلًا، وفيه جواز الصلاة حافيًّا ومنتعلًا، وقد تقدم تمام البحث فيه في -٢٤/ ٧٧٥ - فراجعه تستفد (وَيَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ) هذا محل الترجمة، حيث دلّ على مشروعية الانصراف من الصلاة عن جهتي اليمين واليسار. والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا صحيح، انفرد به المصنف خمّثهُ عن أصحاب الأصول، أخرجه هنا- ١٠٠/ ١٣٦١ - وفي («الكبرى)»- ١٢٨٤/١٣٤- بالإسناد المذكور. وأخرجه أحمد ٨٧/٦ . والله تعالى أعلم. [تنبيه]: هذا الحديث من رواية بقية بن الوليد، وقد صرّح بالتحديث. قال الحافظ ابن رجب رحمه اللّه تعالى: وهذا إسناد جيّد. لكن رواه عبدالله بن سالم الحمصيّ -وهو ثقة ثبت- عن الزبيديّ، عن سليمان بن موسى، عن مكحول بهذا الإسناد. قال الدارقطني: وقوله: أشبه بالصواب انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: أعلّ الدارقطني رحمه الله تعالى رواية بقية هذه، برواية عبدالله بن سالم، حيث أدخل بين الزُبيديّ ومكحول سليمان بن موسى، ورجح روايته على رواية بقيّة، لأنه أوثق منه. قلت: لكن العلة هذه لا تؤثّر في صحة الحديث، لأن سند عبدالله بن سالم صحيح، فيصحّ الحديث به على أنه يمكن الجمع بأن الزُّبيديّ سمعه أولًا بواسطة سليمان، ثم لقي مكحولًا فحدثه به، كما سبق نظيره غير مرّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((المصباح المنير)) جـ ١ ص ١٤٣ . ٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ١٠١- (بَابُ الْوَقْتِ الَّذِي يَنْصَرفُ فِيهِ النِّسَاءُ مِنَ الصَّلَاةِ) قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذه الترجمة بيان الوقت الذي ينبغي للنساء اللاتي يصلين جماعة في المسجد أن يصرفن فيه إلى بيوتهنّ، وهو وقت سلام الإمام، الذي دلّ عليه قوله: ((إذا سلّم))، فلا ينبغي لهنّ أن يتأخرن عنه، مثل الرجال، لئلا يحصل اختلاطهنّ مع الرجال في الطرقات، فتقع الفتنة، والله تعالى أعلم بالصواب. ١٣٦٢- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم، قَالَ: أَنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَأَلَتْ: كَانَ النِّسَاءُ يُصَلِّيْنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ الْفَجْرَ، فَكَانَ إِذَا سَلَّمَ انْصَرَفْنَ، مُتَلَفْعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، فَلَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ). رجال هذا الإسناد : ستة : ١- (علي بن خشرم) المروزي، ثقة، من صغار [١٠] تقدم ٨/ ٨. ٢- (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفي، ثقة مأمون [٨] تقدم٨/٨. ٣- (الأوزاعي) عبدالرحمن بن عمرو الإمام الحجة المشهور الدمشقي[٧] تقدم ٤٥/ ٥٦ . ٤- (الزهري) محمد بن مسلم الإمام الشهير[٤] تقدم ١/ ١ . ٥- (عروة) بن الزبير الفقيه الثبت المدني [٣] تقدم ٤٤/٤٠ . (عائشة) رضي الله تعالى عنها المذكورة في السند الماضي. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحدیث صحیح، وقد تقدم شرحه والكلام على مسائله في ٥٤٥/٢٥ بما فيه الكفاية، فإن شئت فراجعه هناك تستفد، وبالله تعالى التوفيق . وقوله: ((متلفّعات)) بعين مهملة بعد الفاء، أي متلففات. وقوله: ((بمروطهن)): جمع مِرط بكسر الميم جمع مرط: هو الكساء. ٢٥ ١٠٢- (بَأَبُ النَّهْي عَنْ مُبَادرةِ الإِمَامِ ... - حديث رقم ١٣٦٣ وقوله: ((ما يُعرفن من الغلس)) ببناء الفعل للمفعول، و((من)) تعليلية، أي لا يعرفهنّ أحد لأجل شدة الظلام. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلّا باللّه، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ١٠٢- (بَابُ النَّهْي عَنْ مُبَادَرَةِ الإِمَام بِالانْصِرَافِ مِنَ الصَّلَاةِ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: إن أراد المصنف ◌َخْدَتُهُ بالانصراف الانصرافَ من الصلاة بالسلام، فاستدلاله بحديث الباب واضح، وإن أراد الانصراف إلى الحاجة بعد السلام فالاستدلال به بعيد؛ لأن سياق الحديث ظاهر في كون المراد بالانصراف هو السلامَ؛ بدليل أنه ذَكَرَ الركوع، والسجود، والقيام، ولم يذكر السلام، فدلّ على أن المراد بالانصراف هو السلام. وأيضًا قوله: ((فإني أراكم من وراء ظهري)) يدلّ على أن المبادرة التي نهاهم عنها هي الواقعة في الصلاة قبل توجهه إليهم. فتبين بهذا أن الحق كون المراد بالانصراف هو الانصراف من الصلاة بالسلام، فتبصّر. وقد قد منا تحقيق ما قاله أهل العلم في حكم الانصراف بعد السلام قبل الإمام، وأن الراجح جواز الانصراف قبل الإمام، إلا إذا كان هناك نساء، فيتأخّر مع الإمام حتى ينقلبن إلى بيوتهنّ قبل الاختلاط بالرجال في باب ((جلسة الإمام بين التسليم والانصراف)) -١٣٣٢/٧٧ - بما فيه الكفاية، فراجعه هناك. والله تعالى أعلم بالصواب. ١٣٦٣ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ قُلْقُلٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهَ ذَاتَ يَوْمَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: ((إِنِّي إِمَامُكُمْ، فَلَا تُبَادِرُونِي بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بِالْقِيَامِ، وَلَا بِالانْصِرَافِ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ أَمَامِي، وَمِنْ خَلْفِيٍ))َ، ثُمَّ قَالَ: (وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَّوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا»، قُلْنَا: مَا رَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: ((رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالثَّارَ))). رجال هذا الإسناد: أربعة : ١- (علي بن حُجر) المروزي، ثقة حافظ، من صغار [٩] تقدم ١٣/١٣. = ٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو ٢- (علي بن مُسهر) القرشي الكوفي، قاضي الموصل، ثقة، له غرائب بعد ما أضر [٨] تقدم ٥٢/ ٦٦ . ٣- (الْمُختار بن فُلْفُل) البصريّ، مولى عمرو بن حُريث، صدوق له أوهام [٥] تقدم ٢١ / ٩٠٤ . ٤- (أنس بن مالك) رضي اللّه تعالى عنه المذكور قبل باب. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من الرباعيات، وهي أعلى الأسانيد للمصنف ◌َخّْثهُ، وهو (٨١) من رباعيات الكتاب، وأن رجاله رجال الصحيح، وفيه أنس رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رضي اللَّه تعالى عنه (قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ بِ لِهِ ذَاتَ يَوْم) أي يوما من الأيام (ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجِهِهِ، فَقَالَ: ((إِنِّي إِمَامُكُمْ) بكسر الهمزة. قال السنديّ تَخّْلهُ: فيه أن امتناع التقدّم عليه لكونه إماما، فيعمّ الحكمُ كلَّ إمام، لا لكونه نبيًّا، ليختصّ به انتهى (فَلَا تُبَادِرُونِي) أي لا تسابقوني (بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بِالْقِيَامِ، وَلَا بِالانْصِرَافِ) قد سبق أول الباب أن الصواب كون المراد بالانصراف هنا بمعنى السلام، فمعناه: لا تبادروني بالسلام للخروج من الصلاة. والله تعالى أعلم. (فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ أَمَامِي، وَمِنْ خَلْفِي))) أي رؤية حقيقية، أعطاه الله تعالى إياها، آية على نبوته، وقد تقدم أقوال أهل العلم في هذه الرؤية مستوفّى في -١٠٦ / ١٠٥٤ - فراجعه تستفد (ثُمَّ قَالَ: (وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) فيه إثبات اليد للَّه تعالى على ما يليق بعظمته(لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا)»، قُلْنَا: مَا رَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: ((رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ))) أي فهما سبب لكثرة البكاء وقلة الضحك، فالجنة شوقًا إليها، وخوفا من الحرمان منها. والنار خوفا من الدخول فيها، والاحتراق بلهيبها. والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم بيان مسائله في (باب الأمر بإتمام الركوع)) - ١٠٥٤/١٠٦- فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلّا باللّه، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٢٧ ١٠٣- (بَأَبُ ثَوَابٍ مَنْ صَلَّى مَعَ الإِمَامِ ... - حديث رقم ١٣٦٤ ١٠٣- (بَابُ ثَوَابِ مَنْ صَلَّى مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ) ١٣٦٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ - وَهُوَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ - قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرِ، عَنْ أَبِي ذَرُ، قَالَ: صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَ لَهَ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَقُمْ بِنَا النَّبِيُّ ◌ِِّ حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ، مِنَ الشَّهْرِ، فَقَامَ بِنَا، حَتَّى ذَهَبَ نَحْوٌ مِنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ، ثُمَّ كَانَتْ سَادِسَةٌ، فَلَمْ يَقُمْ بِنَا، فَلَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةُ، قَامَ بِنَا، حَتَّى ذَهَبَ نَحْوْ مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ نَفَّلْتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ؟، قَالَ: ((إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ))، ثُمَّ كَانَتِ الرَّابِعَةُ، فَلَمْ يَقُمْ بِنَا، فَلَمَّا بَقِيَ ثَلَاثٌ مِنَ الشَّهْرِ، أَرْسَلَ إِلَى بَنَاتِهِ، وَنِسَائِهِ، وَحَشَدَ النَّاسَ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَقُوتَنَا الْفَلَاحُ، ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنَ الشَّهْرِ، قَالَ دَاوُدُ : قُلْتُ: مَا الْفَلَاحُ؟، قَالَ: السُّحُورُ). رجال هذا الإسناد : ستة : ١- (إسماعيل بن مسعود) الجَحْدري البصري، ثقة [١٠] تقدم ٤٢ / ٤٧ . ٢- (بشر بن المفضّل) البصريّ ثقة ثبت عابد [٨] تقدم ٦٦/ ٨٢. ٣- (داود بن أبي هند) القُشيري مولاهم البصريّ، ثقة متقن، كان يِهِم بآخره[٥] تقدم ٢١/ ٥٣٨. ٤- (الوليد بن عبدالرحمن) الْجُرَشيّ - بضم الجيم، وبالشين المعجمة- الحمصيّ الزّجّاج، ثقة [٤]. كان على خَرَاج الْغُوطة أيام هشام. روى عن ابن عمر، وأبي هريرة، وأبي أمامة، وجُبير بن نُفير، وغيرهم. وعنه داود ابن أبي هند، ويعلى بن عطاء، وإبراهيم بن أبي عَبْلة، وغيرهم. قال الغَلَابِيّ، عن ابن معين: روى داود بن أبي هند، عن الوليد بن عبدالرحمن الْجُرَشيّ، وهو ثقة. وقال ابن خراش: ثقة، وكان ممن قدم على الحجّاج. وقال أبو زرعة الدمشقيّ في الطبقة الثالثة: قديم، جيّد الحديث. وقال أبو حاتم، ومحمد بن عَون: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال البخاريّ: الوليد بن عبدالرحمن الجُرشيّ مولى لآل أبي سُفيان الأنصاريّ، قاله شُعيب، وأراه الوليد بن أبي مالك، قال ابن عساكر: هذا وَهَم، وكذا قوله: مولى لآل أبي سفيان، فإنه عربيّ انتهى. قال الحافظ: ويجوز أن يكون مولى بالحلف، وإن كان عربي الأصل، فقد تابع ٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو البخاريّ على ما قال أبو حاتم، ويعقوب بن سفيان، وابن حبّان، ووقع عند الطحاويّ في روايته لحديثه عن الحارث بن عبدالله بن أوس، عن الوليد بن عبدالرحمن بن الزّجّاج. روى له البخاريّ في ((خلق أفعال العباد))، والباقون، وله في هذا الكتاب (٤) أحاديث . ٥- (جُبير بن نُفير) الحضرميّ الحمصيّ، ثقة جليل مخضرم [٢] تقدم ٦٢/٥٠. ٦- (أبو ذر) الغفاري جُندب بن جُنَادة، وقيل: غيره الصحابي المشهور تَّه تقدم ٣٢٢/٢٠٣ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح غير شيخه، وأن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، والثاني بالحمصيين غير الصحابيّ، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: داود، والوليد، وجبير. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي ذَرٍ) رضي اللّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَلَّهِ وَمَضَانَ) فيه جواز إطلاق لفظ ((رمضان)) بدون ذكر ((شهر))، خلافًا لن كره ذلك، وسيأتي في محله، إن شاء الله تعالى. (فَلَمْ يَقُمْ بِنَا النَّبِيُّ ◌ََّ﴾ أي لم يصلّ بنا صلاة الليل (حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ مِنَ الشَّهْرِ) أي سبع ليال من شهر رمضان (فَقَامَ بِنَا، حَتَّى ذَهَبَ نَحوٌ مِنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ) أي صلى بنا الليلة السابعة مما بقي من الشهر، وهي الليلة الثالثة والعشرون، ومَدّ القيام حتى مضى زمن يُقدّر بأنه نحو ثلث الليل (ثُمَّ كَانَتْ سَادِسَةٌ) ((كان)) هنا تامّة، بمعنى ((جاء)»، أي ثم جاءت ليلة سادسة مما بقي من الشهر، وهي الليلة الرابعة والعشرون التالية لليلة القيام (فَلَمْ يَقُمْ بِنَا) أي لم يصلّ بنا تلك الليلة السادسة (فَلَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةُ، قَامَ بِنَا) أي لما جاءت الليلة الخامسة مما بقي من الشهر، وهي الليلة الخامسة والعشرون صلى بنا (حَتَّى ذَهَبَ نَحوٌ مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ) أي من نصفه (قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية أبي داود: فقلتُ: يا رسول الله (لَوْ نَفَّلْتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ) (لو)) للتمنّي، و ((نفلتنا)) بتشديد الفاء، وتخفيفها، والنّفَلُ محرّكةً في الأصل: الغنيمة والهبة، جمعها أَنفالٌ، ونَفَلَه النفَلَ مخفّفًا، ونَفَلَه مشدّدًا، وأنفله بالألف: أعطاه إيّاها. قاله المجد اللغوي. والمعنى: نتمنّى أن تزيدنا في قيام هذه الليلة على النصف حتى يستوعبَ القيامُ كلّها، وتنفلنا من الأجر الذي يحصل من ثواب الصلاة فيها . = ٢٩ ١٠٣ - (بَأَبُ ثَوَابٍ مَنْ صَلَى مَعَ الإِمَامِ ... - حديث رقم ٣٦٤! ويحتمل أن تكون ((لو)) شرطية، ويقدر جوابها، أي لو نفلتنا لكان خيرًا لنا، واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ) وَ (إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ) يعني أنه إذا صلى العشاء جماعة مع الإمام، ثم صلى بعدها معه ما تيسّر له حتى ينصرف الإمام حصل له ثواب قيام ليلة كاملة، بخلاف من صلی الفرض، ثم رجع، فإنه يحصل له قيام نصف ليلة، لما في حديث عثمان رَّه عند مسلم وغيره مرفوعًا: ((من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى الصبح في جماعة، فكأنما صلى الليل كلّه))، ولفظ أبي داود، والترمذي: ((من صلى العشاء في جماعة، كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام ليلة)). (ثُمَّ كَانَتِ الرَّابِعَةُ) أي جاءت الليلة الرابعة مما بقي من الشهر، وهي ليلة السادس والعشرين (فَلَمْ يَقُمْ بِنَا، فَلَمَّا بَقِيَ ثَلَاثْ مِنَ الشَّهْرِ) أي ثلاث ليال منه. [تنبيه]: ووقع في نسخ ((المجتبي)) هنا تصحيف ((ثلاث)) إلى ((ثلث))، ووقع في ((الكبرى))، وكذا في ((كتاب قيام الليل)) من ((المجتبى)) رقم - ١٦٠٥/٤- (ثلاث)) على الصواب. فتنبه. (أَرْسَلَ إِلَى بَنَاتِهِ، وَنِسَائِهِ، وَحَشَدَ النَّسَ) أي جمعهم، يقال حَشَّدتُ القومَ حَشْدًا، من باب قَتَل، وفي لغة من باب ضَرَب: إذا جمعتهم، وَحَشَدُوا، يُستعمل لازمًا ومُتعدّيًا. قاله الفيّوميّ(١). وعلى هذا يحتمل في ((الناسُ)) وجهان، النصب على المفعولية، والرفع على الفاعلية، والله تعالى أعلم. (فَقَامَ بِنَا حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَقُوتَنَا الْفَلَاحُ) بفتح الفاء، وتخفيف اللام يأتي تفسيره. ولفظ أبي داود: «فلمّا كانت الثالثة جمع أهله، ونساءه، والناسَ، فقام حتى خَشِينا أن يتفوتنا الفلاح)). يعني أنه قام بهم الليلة السابعة والعشرين (ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنَ الشَّهْرِ) من بقيّته، يعني أنه لم يصلّ بهم الليلة الثامنة والعشرين، فما بعدها. (قَالَ دَاوُدُ) هو ابن أبي هند الراوي عن الوليد بن عبدالرحمن (قُلْتُ: مَا الْفَلَاحُ؟) أي ما هو المعنيّ بالفلاح الذي خَشُوا فَوتَهُ (قَالَ: السُّحُورُ) بضم السين: هو تناول الطعام وقت السحر، وبفتحها اسم لما يُتسخّر به من الطعام والشراب. (١) ((المصباح المينر)) جـ ١ ص ١٣٦. ٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو قال في ((النهاية)): وأكثر ما يُروى بالفتح. وقيل: الصواب بالضمّ، لأنه بالفتح الطعام، والبركةُ والأجر والثواب في الفعل، لا في الطعام انتهى (١). و (الفلاح)): البقاء، والفوز، والظّفَر، وسمّي السحور فلاحًا لأن بقاء الصوم به(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي ذرّ رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٠٣ / ١٣٦٤ - و«الكبرى» - ١٢٨٧/١٣٧- عن إسماعيل بن مسعود، عن بشر بن المفضّل، عن داود بن أبي هند، عن الوليد بن عبدالرحمن، عن جُبير بن نُفير، عنه. وفي - ١٦٠٥/٤ - و ((الكبرى)) -١٢٩٨/٥ - عن عُبيدالله بن سعيد، عن محمد بن الْفُضیل، عن داود به. وأخرجه (د) ١٣٧٥ - (ت) ٨٠٦ (ق) ١٣٢٧ (أحمد) ١٥٩/٥ و١٦٣/٥ (الدارمي) ١٧٨٤ و١٧٨٥ (ابن خزيمة) ١٢٠٦ . والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فى فوائده : منها: ما بوّب له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان ثواب من صلّى مع الإمام حتى ينصرف. ومنها: أن النبي ◌َّ كان يتخوّلهم بقيام الليل، لئلا يثقل عليهم، كما كان ذلك ديدنه وَّر في الموعظة، فكان يقوم بهم ليلة، ويدع القيام ليلة أخرى. ومنها: تأكّد مشروعية القيام في الأفراد من ليالي العشر الأواخر من رمضان، لأنها مظنة الظّفَر بليلة القدر، وسيأتي البحث عنه في موضعه، إن شاء الله تعالى. ومنها: زيادة الاعتناء بقيام الليلة السابعة والعشرين، وحث الناس على ذلك. ومنها: استحباب ندب الأهل إلى فعل الطاعات، وإن كانت غير واجبة. ومنها: مشروعية السحور في رمضان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). (١) ((النهاية)) جـ ٢ ص ٣٤٧ . (٢) ((النهاية)) جـ ٣ ص ٤٦٩. -. ٣١ ١٠٤- (بَأَبُ الرَّخْصَةِ لِلإِمَامِ فِي تَخَطِّي ... - حديث رقم ١٣٦٥ ١٠٤ - (بَابُ الرُّخْصَةِ لِلإِمَام فِي تَخْطِّي رِقَابِ النَّاسِ) قال الجامع عفا الله عنه: ترجمة المصنف رحمه الله تعالى قريبة من ترجمة الإمام البخاري رحمه الله تعالى، حيث قال: ((باب من صلى بالناس، فذكر حاجة، فتخطاهم)» . والغرض من هذه الترجمة بيان أن قعود الإمام في مصلاه بعد التسليم الذي تقدم ذكره في - ١٣٥٧/٩٩ - و١٣٥٨ - محلّه إذا لم يعرض له ما يحتاج معه إلى القيام، وإلا فله الانصراف، ولو أدى ذلك إلى تخطي رقاب الناس . وبهذا تحصل المناسبة بين هذه الترجمة، والأبواب السابقة، لأنها كلها تتحدث عما يتعلّق بأحكام الانصراف والله تعالى أعلم بالصواب. ١٣٦٥- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ بَكْارِ الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي حُسَيْنِ النَّوْفَلِيْ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ وَّةِ الْعَصْرَ بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، يَتَخَطَّى رِقَابِ النَّاسِ، سَرِيعًا، حَتَّى تَعَجَّبَ النَّاسُ لِسُرْعَتِهِ، فَتَبِعَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَدَخَلَ عَلَى بَعْضٍ أَزْوَاجِهِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ: ((إِنّي ذَكَرْتُ، وَأَنَا فِي الْعَضْرِ شَيْئًا مِنْ تِيْرٍ، كَانَ عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَنَا، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (أحمد بن بكّار) بن أبي ميمونة -واسمه زيد- القرشي الأمويّ مولاهم، أبو عبدالرحمن الحضرميّ الحَرّاني، صدوق، كان له حفظ [١٠]. روى عن بشر بن السريّ، ومَخْلَد بن يزيد، ووكيع، وغيرهم. وعنه النسائي، وقال: لا بأس به، وأبو عروبة، وأبو بكر الباغَنديّ، وغيرهم. وقال أبو زيد يحيى بن روح الحرّاني: سألت أبا عبدالرحمن بن بكار - حرّانيٌّ، من الحفّاظ ثقة، وكان مخلد بن يزيد يسأله -: لم لا تكتب عن يعلى بن الأشدق؟ فذكر قصّة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). ١ قال أبو عروبة: مات في صفر سنة (٢٤٤). انفرد به المصنّف، روى عنه في هذا الكتاب (٣) أحاديث. ٢- (بشر بن السّريّ) أبو عَمْرو الأفوه البصريّ الواعظ، سكن مكة، ثقةٌ متقن، طُعن ٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْو فيه برأي جهم، ثم اعتذر، وتاب منه [٩]. رَوى عن الثوريّ، وحماد بن سلمة، وعُمَر بن سعيد بن أبي حسين، وغيرهم. وعنه أحمد بن حنبل، وأحمد بن بكّار، ويحيى بن آدم، وغيرهم. قال عمرو بن على: سألت عبدالرحمن بن مهديّ، عن حديث إبراهيم بن طهمان، فقال: ممن سمعته؟ فقلت: حدثنا بشر بن السريّ، فقال: سمعتَهُ من بشر، وتسألني عنه؟، لا أحدثك به أبدًا. وقال أحمد بن حنبل: حدثنا بشر بن السريّ، وكان متقنًا للحديث عجبًا، وقال أحمد: سمعنا منه، ثم ذكر حديث ﴿َاضِرَةُ إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ ﴾، فقال: ما أدري ما هذا؟ أيش هذا؟ فوَثَبَ به الحميديّ، وأهل مكة، فاعتذر، فلم يُقبل منه، وزهد الناس فيه، فلما قدمت مكة المرّة الثانية، كان يجيء إلينا، فلا نكتب عنه. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال ابن عديّ: له غرائب عن الثوريّ، ومسعر، وغيرهما، وهو حسن الحديث، ممن يُكتب حديثه، ويقع في أحاديثه من النكرة، لأنه يروي عن شيخ مُحتَمَل، فأما هو في نفسه فلا بأس به. وقال عبّاس، عن يحيى: رأيته يستقبل القبلة، يدعو على قوم يرمونه برأي جَهْم، ويقول: معاذ الله أن أكون جهميًا. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال البَزْقاني، عن الدار قطني: مكيّ ثقة، وفي موضع آخر: وجدوا عليه في أمر المذهب، فحلف، واعتذر إلى الحميديّ في ذلك، وهو في الحديث صدوق. وقال العُقيليّ: هو في الحديث مستقيم. وقال العجليّ، وعمرو بن علي: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)) . وقال البخاريّ: كان صاحب مواعظ، يتكلّم، فسمّي الأفوه، قال: وقال محمود: مات سنة (١٩٥) وقال غيره: مات سنة (١٩٦) وهو ابن (٦٣) سنة. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٨) أحاديث. ٣- (عُمر بن سعيد بن أبي حُسين النوفلي) المكيّ، ثقة [٦]. روى عن ابن أبي مليكة، والقاسم بن محمد، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم. وعنه الثوريّ، ووهب بن خالد، وبشر بن السريّ، وغيرهم. قال أحمد: مكي قرشي ثقة، من أمثل من يكتبون عنه. وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. ووثقه العجليّ، وابن البَرْقيّ، ومحمد بن مسعود العَجميّ، وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له الجماعة، سوى أبي داود، فأخرج له في ((المراسيل))، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث. [تنبيه]: وقع في نسخ ((المجتبى)) هنا تصحيف ((عُمرَ)) بالضم إلى ((عَمْرو)) بالفتح، ٣٣ ١٠٤ - (بَابُ الرُّخْصَةِ لِلإِمَامِ فِي تَخَطَي ... - حديث رقم ١٣٦٥ وهو غلط، والصواب الضم، ووقع في ((الكبرى)) على الصواب. فتنبّه. ٤- (ابن أبي مليكة) عبدالله بن عُبيد الله بن عبدالله بن أبي مليكة زهير بن عبدالله بن جُدعان التيميّ المكيّ، ثقة فقيه [٣] تقدم ١٠١/ ١٣٢. ٥- (عُقبة بن الحارث) بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قُصيّ، أبو سِروعة النوفليّ المكيّ، أسلم يوم الفتح، رَوَى عن النبي بَّر، وعن أبي بكر الصديق، وجُبير بن مُطعم. وعنه عبدالله بن أبي مليكة، وعُبيد بن أبي مريم المكيّ، وإبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف. قال أبو حاتم: أبو سروعة قاتل خُبيب، له صُحبة، اسمه عقبة بن الحارث بن عامر، وليس هو عندي بعقبة بن الحارث الذي أدركه ابن أبي مليكة، ذاك قديم. وقال الزبير بن بكّار: عُقبة، وهو أبو سروعة الذي قَتَلَ خُبيب بن عديّ. وحكى ابن عبدالبرّ عن الزبير أنه قال: أبو سِزوعة هو عُقبة بن الحارث، فيماقال أهل الحديث، وأما أهل النسب، فيقولون: إن عُقبة أخو أبي سِرْوَعَة، وإنهما أسلما جميعًا يوم الفتح، وقيل: بل كان أخاه لأمه، وهو أثبت عند مصعب. وقال العسكريّ: من قال: إن أبا سروعة هو عقبة هذا فقد غلط. قال الحافظ: كذا قال، وقد أطبق أهل الحديث على أنه هو، وقولهم أولى إن شاء الله تعالی. وذكر ابن البرقيّ أن عباد بن عبدالله بن الزبير روى أيضًا عن أبي سروعة. روى له الجماعة، سوى مسلم، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، و٣٣٣٠ حديث: ((وكيف بها، وقد زعمت أنها أرضعتكما ... )). والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وأنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، فحرّانيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ وََّ) وفي رواية البخاري: ((صليت وراء رسول اللَّه وَ لَ)) (الْعَصْرَ بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ انْصَرَفَ) أي رجع إلى بيته. وعند البخاري: ((فسلّم)) (يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل، أي حال كونه متخطيًا رقابهم. وللبخاريّ: ((فتخطىّ رقاب الناس إلى ٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھو بعض حُجر نسائه)) (سَرِيعًا) حال من فاعل ((انصرف)) أيضًا، فهما حالان مترادفان، أو من فاعل ((يتخطى)) فهما متداخلان (حَتَّى تَعَجَّبَ النَّاسُ لِسُرْعَتِهِ) وفي رواية البخاري: ((فعجب الناس من سرعته))، وفي رواية له: ((ففزع الناس من سرعته)). وكان من عادة الصحابة ** الفزع والخوف إذا رأوا منه وَّر غيرَ ما يَعهَدونه، خشية أن ينزل فيهم شيء يسوؤهم. (فَتَبِعَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ) أي ليعرف سبب استعجاله في الانصراف (فَدَخَلَ) أي النبي وَ (عَلَى بَعْضٍ أَزْوَاجِهِ، ثُمَّ خَرَجَ) زاد البخاريّ: ((فرأى أنهم عَجبوا من سُرعته)) (فَقَالَ) مبينًا لهم سبب استعجاله على غير عادته، ومعتذرًا إليهم في ذلك (إِنِّي ذَكَرْتُ، وَأَنَا فِي الْعَصْرِ شَيْئًا مِنْ تِيْرٍ) بكسر التاء المثناة، وسكون الموحدة: ما كان من الذهب غير مضروب، فإن ضُرب دنانير، فهو عَيْن، وقال ابن فارس: التّبْر ما كان من الذهب والفضّة غير مَصُوغ. وقال الزّجّاج: التِّبْر كلُّ جوهر قبل استعماله، كالنحاس، والحديد، وغيرهما انتهى(١). (كَانَ عِنْدَنَا) جملة في محلّ جرّ صفة لـ ((تبر)) (فَكَرِهْتُ أَنْ تَبِيتَ عِنْدَنَا) أي لأنه من تبر الصدقة، ففي رواية البخاريّ أنه كان تبرّا من الصدقة (فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ) وفي رواية البخاري: ((فكرهت أن يحبسني، فأمرت بقسمته)). ومعنى ((يحبسني)) أي يشغلني التفكر فيه عن التوجه والإقبال على الله تعالى، وفَهم ابن بطّال منه معنى آخر، فقال: فيه أن تأخير الصدقة تحبس صاحبها يوم القيامة انتهى. ذكره في ((الفتح))(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عُقبة بن الحارث رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه البخاري. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ١٣٦٥/١٠٤- وفي ((الكبرى)) - ١٢٨٨/١٣٨- بالسند المذكور. وأخرجه (خ) ٢١٥/١ و٨٤/٢ و١٤٠/٢ و٧٦/٨ (أحمد) ٧/٤ و٣٨٤ و٤/ ٨ و ٣٨٤. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: (١) ((المصباح)) (٢) ((فتح)) جـ ٢ ص ٦٠٨ . ١٠٥ - (بَأَبِّ إِذَاَ قِيلَ لِلرَّجُل: هَلْ ... - حديث رقم ١٣٦٦ ٣٥= منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو جواز انصراف الإمام بعد السلام، بدون أن يجلس، وأن ما تقدّم من استحباب الجلوس بعد السلام محله إذا لم تعرض له حاجة، وإلا فله الخروج، وإن أدى ذلك إلى تخطي رقاب الناس، كما أن له أن يتخطّ الصفوف في حال دخوله أيضًا، وأما غيره، فيُكره له ذلك. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وظاهر كلام أحمد أنه يُكره للإمام أيضًا، قال إسحاق بن هانئ: سألت أبا عبدالله عن الرجل يُصلي بالقوم، فإذا فرغ من الصلاة خرج من رجلين، أفهو مُتَخَطْ؟ قال: نعم، وأَحَبْ إليّ أن يتنحى عن القبلة قليلًا حتى ينصرف النساء، فإن خرج مع الحائط، فهذا ليس بمتخطّ . وظاهر هذا كراهة تخطيهم للإمام، وقد يكون مراده إذا لم يكن له حاجة تدعوه إلى (١) ذلك. انتهى (١). ومنها: أنه يدلّ أن الإسراع بالقيام عقب السلام من غير تمهل لم يكن من عادة النبي وَالر، ولهذا تعجّبوا من سرعته في هذه المرة، وعَلم منهم ذلك، فلذا أعلمهم بعذره. ومنها: استحباب الاعتذار للإمام، أو غيره إلى أصحابه، إذا فعل فعلًا غير معهود لهم، ورأى منهم الاستغراب لذلك، لئلا تتغير خواطرهم عليه. ومنها: أن التفكّر في الصلاة في أمر لا يتعلق بالصلاة لا يفسدها، ولا ينقص من كمالها، وأن إنشاء العزم في أثناء الصلاة على الأمور الجائزة لا يضرّ. ومنها: جواز الاستنابة في تفريق الصدقة مع القدرة على المباشرة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلّ الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ١٠٥ - (بَابٌ إِذَا قِيلَ لِلرَّجُلِ: هَلْ صَلَّيْتَ، هَلْ يَقُولُ: لَا؟) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنف رحمه اللّه تعالى بهذه الترجمة جواز قول القائل: ما صليت، وأن ذلك لا يُعاب عليه إذا لم يُفرّط في ترك الصلاة، لقوله (١) ((شرح صحيح البخاري)) جـ ٧ ص ٤٤٢ - ٤٤٣ . ٣٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو وَ له: ((والله ما صليتها))، وقد فاتته الصلاة بسبب اشتغاله بالكفار أيامَ الخندق. ونظير هذه الترجمة ترجمة الإمام البخاري في ((صحيحه))، على جواز القول: ((فاتتنا الصلاة))، حيث قال: ((باب قول الرجل فاتتنا الصلاة)). قال: وكره ابن سيرين أن يقول: فاتتنا الصلاة، ولكن ليقل: لم ندرك، وقول النبي وَالر أصح. وغرضه الردّ على ابن سيرين تَخّْلهُ، في قوله المذكور بأن النبي وَّر استعمل الفوات، حيث قال: ((إذا أتيتم الصلاة، فعليكم بالسكينة، فما أدركتم، فصلّوا، وما فاتكم فأتمّوا)). والله تعالى أعلم بالصواب. ١٣٦٦- (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِالأَعْلَى، قَالَا: حَدَّثَنَا خَالِدٌ - وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- عَنِ هِشَامٍ، عَنْ يَخْتِى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عُمِّرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، جَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْش، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كِذْتُ أَنْ أُصَلِّيَ، حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ، تَغْرُبُ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ بِّهِ: ((فَوَ اللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا))، فَتَزَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَّهِ إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ)(١) . رجال هذا الإسناد : سبعة: ١- (إسماعيل بن مسعود) الجَخدري، الثقة المذكور قبل باب. ٢- (محمد بن عبدالأعلى) الصنعاني البصري، ثقة [١٠] تقدم ٥/ ٥ . ٣- (خالد بن الحارث) الْهُجيمي البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٤٢ / ٤٧ . ٤- (هشام) بن أبي عبدالله سَنْبَر الدَّسْتُوَائي البصري، ثقة ثبت [٧] تقدم ٣٤/٣٠. ٥- (يحيى بن أبي كثير) اليمامي البصري، ثقة ثبت يدلس، ويرسل (٥) ٢٤/٢٣. ٦ - (أبو سلمة بن عبدالرحمن) بن عوف المدني، ثقة فقيه [٣] تقدم ١/ ١. ٧- (جابر بن عبدالله) بن عمرو بن حَرَام الأنصاري السَّلَمي الصحابي ابن الصحابي رَثها تقدم ٣٥/٣١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه إسماعيل فإنه من أفراده، وأنه مسلسل بالبصريين إلى يحيى، والباقيان مدنيان، (١) ويوجد في النسخة ((الهندية)): ما نصه: ((هذا آخر كتاب التشهد، والسلام، والسهو)) انتهى. ٣٧ ١٠٥ - (بَابّ إِذاَ قِيلَ لِلرَّجُلِ: هَلْ ... - حديث رقم ١٣٦٦ وفيه جابر رضي اللّه تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم . شرح الحديث (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) رَِّ (يَوْمَ الْخَنْدَقِ) متعلق بـ ((جعل)) الآتي، وكذا ما بعده. وأراد بـ ((يوم الخندق)) غزوة الخندق، وتسمَّى ((الأحزاب))، فأما تسميتها بالخندق، فلأجل الخندق(١) الذي حُفر حول المدينة بأمر النبي ◌َّر، وكان الذي أشار بذلك سلمان الفارسي ◌َّه فيما ذكر أصحاب المغازي، حيث قال للنبي وَّر: إنا كنا بفارس إذا حُوصرنا خَندَقنا علينا، فَأَمَرَ النبي ◌َّ بحفر الخندق حولَ المدينة، وعمل فيه بنفسه، ترغيبًا للمسلمين، فسارعوا إلى عمله، حتى فرغوا منه، وجاء المشركون فحاصروهم. وأما تسميتها بـ ((الأحزاب)) فلاجتماع طوائفَ من المشركين على حرب المسلمين، وهم قُريش، وغَطَفَان، واليهود، ومن تبعهم، وقد أنزل الله تعالى في هذه القصّة صدر (سورة الأحزاب))(٢). (بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، جَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ) ((جعل)) هي من أفعال الشروع التي ترفع المبدأ، وتنصب الخبر، واسمها ضمير عمر، وخبرها جملة ((يَسُبّ)). وإنما سبّهم لأنهم كانو السببَ في تأخيرهم الصلاة عن وقتها، إما المختار، كما وقع لعمر رَّه، وإما مطلقًا، كما وقعٍ لغيره. (وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كِذْتُ أَنْ أُصَلِّيَ) لفظة ((كاد)) من أفعال المقاربة، فإذا قلت: كاد زيد يقوم فُهم منه أنه قارب القيام، ولم يقم، قال: والغالب فيها أن لا يقترن خبرها بـ ((أن))، بخلاف ((عسى))، فإن الغالب فيها أن يقترن بها، كما قال في ((الخلاصة)): كَكَانَ كَادَ وَعَسَى لَكِنْ نَدَرْ غَيْرُ مُضَارِعٍ لِهَذَيْنِ خَبَزْ وَكَوْنُهُ بِدُونِ (أَنْ)) بَعْدَ عَسَى نَزْرٌ وَكَادَ الأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا وقد وقع خبرها هنا في رواية المصنف مقترنا بها، وكذا عند مسلم في قوله: ((أن تغرب))، ومثله في رواية البخاريّ في ((غزوة الأحزاب)). قال في ((الفتح)) هو من تصرّف الرواة، وهل تسوغ الرواية بالمعنى في مثل هذا، أولا؟ الظاهر الجواز، لأن المقصود الإخبار عن صلاته العصر، كيف وقعت، لا (١) ((الخندق)) كجعفر: حَفِيرٌ حول أسوار المدن، معرّب كَنْدَه. قاله في ((ق)). (٢) (فتح)) جـ ٨ ص ١٤٨ . ٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو الإخبار عن عمر هل تكلّم بالراجحة، أو المرجوحة. وإذا تقرر أن معنى (كاد)) المقاربة، فقول عمر رَاش: ((ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب)): معناه أنه صلى العصر قُرْب غروب الشمس، لأن نفي الصلاة يقتضي إثباتها، وإثبات الغروب يقتضي نفيه، فتحصّل من ذلك لعمر ثبوت الصلاة، ولم يثبت الغروب. قاله اليعمري رحمه الله تعالى. وقال الكرماني ◌ّْلهُ: لا يلزم من هذا السياق وقوع الصلاة في وقت العصر، بل يلزم منه أن لا تقع الصلاة، لأنه يقتضي أن كيدودته كانت عند كيدودتها، قال: وحاصله عُرفًا ما صليت حتى غربت الشمس انتهى. قال الحافظ ◌َحّْتُهُ: ولا يخفى ما بين التقريرين من الفرق، وما ادعاه من العرف ممنوع، وكذا العندية، للفرق الذي أوضحه اليعمري من الإثبات والنفي، لأن (كاد)) إذا أثبتت نفت، وإذا نفت أثبتت، كما قال فيها الْمَعَرِّيُّ مُلغزًا: إِذَا نُفِيَتْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَثْبَتَتْ وَإِنْ أَثْبَتَتْ قَامَتْ مَقَامَ جُحُودٍ هذا إلى ما في تعبيره بلفظ ((كيدودة)) من الثقل. والله الهادي إلى الصواب. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ من ترجيح قول اليعمريّ، والردّ على الكرماني بناء على القول المرجوح عند النحاة، فما قاله الكرماني هو الموافق للقول الراجح عندهم، وهو أن ((كاد)) كسائر الأفعال، نفيها نفي، وإثباتها إثبات، ودونك عبارة السمين الحلبي في ((تفسيره)) عند قوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرَّقُ يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠]. واعلم أن خبرها إذا كانت هي منفية منفيّ في المعنى، لأنها للمقاربة، فإذا قلت: كاد زيد يفعل كان معناه قارب الفعل، إلا أنه لم يفعل، فإذا نفيت انتفى خبرها بطريق الأولى، لأنه إذا انتفت مقاربة الفعل انتفى هو من باب أولى، ولهذا كان قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَهَا﴾ [النور: ٤٠] أبلغ من أن لو قيل: لم يرها، لأنه لم يقارب الرؤية، فكيف له بها؟. وزعم جماعة، منهم ابن جنّ، وأبو البقاء، وابن عطية أن نفيها إثبات، وإثباتها نفي، حتى ألغز أبو العلاء المعَرّيّ فيها، فقال: جَرَتْ فِي لِسَانَي جُرْهُم وَثَمُودٍ أَنَحْوِيّ هَذَا الْعَصْرِ مَا هِيَ لَفْظَةٌ وَإِنْ أُثْبِتَتْ قَامَتْ مَقَامَ جُحُودٍ إِذَا نُفِيَتْ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَثْبَتَتْ (١) انتهى (١). (١) ((الدُّرُّ المصون في علوم الكتاب المكنون)) جـ ١ ص ١٣٩ - ١٤٠ . ١٠٥ - (بَابِّ إِذاَ قِيلَ لِلرَّجُلِ: هَلْ ... - حديث رقم ١٣٦٦ ٣٩ فتحصل بهذا أن الصحيح في معناها أن إثباتها إثبات، ونفيها نفي، كسائر الأفعال، فعلى هذا فما قاله الكرماني هو الراجح، فظاهر الحديث أن عمر تَظّه لم يصل العصر، مثل النبي ◌ُّر، وبقية الصحابة فقول الحافظ: فإن قيل: الظاهر أن عمر كان مع النبي وَّر، فكيف اختصّ بأن أدرك صلاة العصر قبل غروب الشمس، بخلاف بقية الصحابة، والنبي ◌َّ معهم؟. فالجواب أنه يحتمل أن يكون الشغل وقع بالمشركين إلى قرب غروب الشمس، وكان عمر حينئذ متوضئًا، فبادر، فأوقع الصلاة، ثم جاء إلى النبي ◌ََّ، فأعلمه بذلك في الحال التي كان النبي وَّر فيها قد شرع يتهيأ للصلاة، ولهذا قام عند الإخبار هو وأصحابه إلى الوضوء. مبني على القول المرجوح أيضًا. وقد اختلف في سبب تأخير النبي وَّ الصلاة ذلك اليوم، فقيل: كان ذلك نسيانًا، واستُبعد أن يقع ذلك من الجميع، ويمكن أن يُستدَلّ له بما رواه أحمد من حديث أبي جمعة: أن رسول اللّه وَ لّ صلى المغرب يوم الأحزاب، فلمّا سلّم قال: ((هل علم رجل منكم أني صلّيت العصر؟))، قالوا: لا يا رسول اللَّه، فصلى العصر، ثم صلى المغرب انتھی . وفي صحّة هذا الخبر نظر، لأنه مخالف لما في ((الصحيحين)) من قوله وَّل لعمر: ((والله ما صليتها))، ويمكن الجمع بينهما بتكلّف. وقيل: كان عمدًا، لكونهم شغلوه، فلم يمكّنوه من ذلك، وهو أقرب، لا سيما، وقد وقع عند أحمد، والنسائي من حديث أبي سعيد ◌َظنّه ، أن ذلك كان قبل أن يُنزل اللَّه في صلاة الخوف: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. وقد اختلف في هذا الحكم، هل نسُخ أو لا؟، كما سيأتي في ((كتاب صلاة الخوف))، إن شاء اللَّه تعالى انتهى(١). (حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ، تَغْرُبُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((فَوَ اللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا))) هذا محلّ الترجمة، فإنه يدلّ على أنه إذا قيل للرجل: هل صلّيت، ولم يصلّ يجوز أن يقول: ما صليت. (فَنَزَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بِّهِ إِلَى بُطْحَانَ) قال النووي ◌َخَْتُهُ: هو بضم الباء الموحّدة، وإسكان الطاء، وبالحاء المهملتين، هكذا هو عند المحدّثين في رواياتهم، وفي ضبطهم (١) (فتح)) جـ ٢ ص ٢٦٦ - ٢٦٧ . ٤٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو وتقييدهم، وقال أهل اللغة: هو بفتح الباء، وكسر الطاء، ولم يُجيزوا غير هذا، وكذا نقله صاحب ((البارع)) أبو عُبيد البكري. وهو واد بالمدينة انتهى. (فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ) أي صلاها بهم جماعةً، كما وقع التصريح بذلك في رواية الإسماعيليّ من طريق يزيد بن زُريع، عن هشام، بلفظ: ((فصلّى بنا العصر)). وهذا يقتضي أن الذي فاتهم من الصلاة العصرُ. لكن وقع في ((الموطا)) من طريق أخرى أن الذي فاتهم الظهر والعصر، وفي حديث أبي سعيد أنه الظهر والعصر، والمغرب، وأنهم صلَّوا بعد هُويّ من الليل. وفي حديث ابن مسعود رَانّ: ((أن المشركين شغلوا رسول اللّه وه لتر عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء اللَّه)). وفي قوله: ((أربع)) تجوّز، لأن العشاء لم تكن فاتت. قال اليعمري رحمه الله تعالى: من الناس مَن رجّح ما في ((الصحيحين))، وصرّح بذلك ابن العربي ◌َخْذَّلهُ، فقال: إن الصحيح أن الصلاة التي شُغل عنها واحدة، وهي العصر . قال الحافظ رحمه الله تعالى: ويؤيده حديث عليّ في مسلم: ((شغلونا عن الصلاة الوُسطَى صلاة العصر)). ومنهم من جمع بأن الخندق كانت وقعته أيامًا، فكان ذلك في أوقات مختلفة في تلك الأيام، قال اليعمري: وهذا أولى. قال الحافظ: ويقرّبه أن روايتي أبي سعيد، وابن مسعود رَّما ليس فيهما تعرّض لقصّة عمر ◌َّه ، بل فيهما أن قضاءه للصلاة وقع بعد خروج وقت المغرب، وأما رواية حديث الباب، ففيها أن ذلك كان عقب غروب الشمس(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ما رجحه اليعمري رحمه الله تعالى هو الأرجح عندي . وحاصله أنه وَ له شغل في أيام عن صلوات مختلفة، ففي يوم عن صلاة العصر فقط، وفي يوم عن العصر والمغرب، وفي يوم عن أربع صلوات، فبهذا تجتمع الأحاديث المختلفة في الباب، والجمع مهما أمكن أولى من إهمال بعض الروايات الصحيحة. والله تعالى أعلم. (ثُمَّ صَلّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ) فيه مشروعية الترتيب بين الفائتة والوقتية، وكذلك بين (١) المصدر السابق جـ ٢ ص ٢٦٧ - ٢٦٨ .