Indexed OCR Text

Pages 401-420

٩٢- (نَوْعٌ آخَرُ مِنْ عَدَدِ التَّسْبيح) - حديث رقم ١٣٤٩
٤٠١ =
وقال في ((الفتح)): وقد بالغ القرافي رَخّْلْلُهُ في ((القواعد))، فقال: من البدع المكروهة
الزيادة في المندوبات المحدودة شرعًا، لأن شأن العظماء إذا حَدُّوا شيئًا أن يوقف
عنده، ويُعدّ الخارج عنه مسيئًا للأدب انتهى.
وقد مثله بعض العلماء بالدواء، يكون مثلاً فيه أُوقيّة سكّر، فلو زيد فيه أوقيّة أخرى
لتخلف الانتفاع به، فلو اقتصر على الأوقيّة في الدواء، ثم استعمل من السكّر بعد ذلك
ما شاء لم يتخلّف الانتفاع .
ويؤيّد ذلك أن الأذكار المتغايرة إذا ورد لكلّ منها عدد مخصوص مع طلب الإتيان
بمجموعها متوالية لم تحسن الزيادة على العدد المخصوص، لما في ذلك من قطع
الموالاة، لاحتمال أن يكون للموالاة في ذلك حكمة خاصة، تفوت بفواتها. والله أعلم
انتهى ما في ((الفتح))(١) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي الأرجح أن لا يزاد على العدد المخصوص،
تأذّبًا مع الشارع، ولأن الثواب المعلّق بذلك العدد المعيّن لا يوجد يقينًا إلا بالمقدار
الذي علّق عليه، فإذا زيد عليه كان محلّ شكّ، ولأن الظاهر أن التعبد يكون بالعدد كما
يكون بالألفاظ، وقد أنكر النبي وَسّر على البراء ظنّه قوله: ((ورسولك الذي أرسلت))،
فقال: ((لا، ونبيك الذي أرسلت))، فتفريق الشوكاني ◌َخّْلهُ بين الألفاظ والعدد في ذلك
محلّ نظر.
وأما استدلالهم بحديث ((الصحيحين)) حيث قال: ((إلا أحد عمل أكثر من ذلك))،
فمن أبعد الاستدلال، لأنه نُصّ فيه على أن الزيادة مطلوبة، وإنما المائة أقلّ ما يحصل
به الأجر المذكور، فكيف يقاس عليه ما حُدّ بعدد معين من غير إشارة إلى الزيادة،
فهيهات هيهات؟ .
والحاصل أن الوقوف عند التعليم النبوي كيفًا أوكَمًّا هو المتعيّن، لكونه محلّ يقين
في الامتثال، وحصول الأجر المرتّب عليه، وأما المخالفة في الكيف، أو في الكمّ،
فمحلّ شك، والعاقل يبني أمره على اليقين، لا على الشك. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه
أنيب)).
(١) (فتح)) جـ ٢ ص ٥٩٨ - ٥٩٩ .

٤٠٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
٩٣- (نَوْعٌ آخَرُ مِنْ عَدَدِ التَّسْبِيح)
١٣٥٠- (أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ حِزَامِ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ آدَمَ، عَنْ ابْنِ
إِذْرِيسَ، عَنْ هِشَام بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ
ثَابِتٍ، قَالَ: أُمِرُواْ أَنَ يُسَبِّحُوا دُبُرَ كُلِّ صَلَاَةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيَحْمَدُوا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ،
وَيُكَبِّرُوا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، فَأْتِيَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فِي مَنَامِهِ، فَقِيلَ لَهُ: أَمَرَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَّ
أَنْ تُسَبِّحُوا دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدُوا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرُوا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ؟،
قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاجْعَلُوهَا خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَاجْعَلُوا فِيهَا التَّهْلِيلَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ
وَهِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: ((اجْعَلُوهَا كَذَلِكَ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (موسى بن حزام الترمذي) أبو عمران نزيل بَلْخَ، ثقة فقيه عابد [١١] تقدّم ٤٥/
٩٥٢ .
٢- (يحيى بن آدم) بن سليمان الكوفي، ثقة حافظ فاضل، من كبار [٩] تقدّم ١ / ٤٥١.
٣- (ابن إدريس) عبدالله الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة فقيه عابد [٨] تقدّم ٨٥٪
١٠٢ .
٤- (هشام بن حَسّان) الأزدي القُردوسيّ، أبو عبدالله البصريّ، ثقة من أثبت الناس
في ابن سيرين [٦] تقدم ٣٠٠/١٨٨.
٥- (محمد بن سيرين) الأنصاري، أبو بكر بن أبي عمرة البصري، ثقة ثبت عابد
كبير القدر [٣] تقدم ٤٦ / ٥٧ .
٦- (كثير بن أفلح) المدني مولى أبي أيوب الأنصاري، وكان أحد كُتّاب المصاحف
التي كتبها عثمان رَّ ثقة [٢].
روَى عن أبيه، وعمر، وعثمان، وزيد بن ثابت، وأبيّ بن كعب، وأبي سعيد
الخدريّ، وابن عمر ﴾. وعنه محمد بن سيرين، والزهريّ.
قال النسائي: ثقة. وقال العجلي: تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وكناه
أبو أحمد الحاكم أبا يحيى، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو عبدالرحمن.
وقال البخاريّ: أُصيب يوم الْحَرّة. انفرد به الترمذي، والمصنف، وله في هذا
الكتاب هذا الحديث فقط .
٧- (زيد بن ثابت) بن الضّخاك الأنصاري النّجّاري الصحابي المشهور رَّه ، تقدّم

٤٠٣
٩٣- (نَوْعٌ آخَرُ مِنْ عَدَدِ التّسْبیح) - حديث رقم ١٣٥٠
١٧٩/١٢٢. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن زيد بن ثابت) رضي اللّه تعالى عنه، أنه (قال: أُمروا) بالبناء للمفعول، والآمر
هو النبي ◌َّر، كما يأتي في الحديث (أن يُسبّحوا دُبُر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، ويحمدوا
ثلاثًا وثلاثين، ويُكبّروا أربعا وثلاثين) قال في ((الفتح)) في شرح حديث أبي هريرة
رَّه، عند قوله: ((تسبّحون، وتَحَمَدون، وتكبرون)): كذا وقع في أكثر الأحاديث
تقديم التسبيح على التحميد، وتأخير التكبير، وفي رواية ابن عجلان تقديم التكبير على
التحميد خاصّة، وفيه أيضًا قول أبي صالح: ((يقول: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد
للَّه))، ومثله لأبي داود من حديث أم الحكم، وله من حديث أبي هريرة: ((تكبّر،
وتحمد، وتسبح))، وكذا في حديث ابن عمر.
وهذا الاختلاف دالٌ على أن لا ترتيب فيها، ويُستأنس لذلك بقوله في حديث
الباقيات الصالحات: ((ولا يضرّك بأيّهنّ بدأت)).
لكن يمكن أن يقال: الأولى البداءة بالتسبيح، لأنه يتضمّن نفي النقائص عن الباري
سبحانه وتعالى، ثم التحميد لأنه يتضمّن إثبات الكمال له، إذ لا يلزم من نفي النقائص
إثبات الكمال، ثم التكبير، إذ لا يلزم من نفي النقائص وإثبات الكمال أن لا يكون(١)
هناك كبير آخر، ثم يختم بالتهليل الدّالّ على انفراده سبحانه وتعالى بجميع ذلك
(٢)
انتھی(٢) .
(فأتى رجل) أي أتاه ملك. وفي نسخة: ((فَأُري)) أي أراه اللَّه ذلك (من الأنصار) بيان
لـ ((رجل)) (في منامه) يحتمل أن يكون مصدرًا ميميًا، أي في نومه، ويحتمل أن يكون
ظرفًا، أي في وقت نومه، أو محله (فقيل له) أي قال الآتي للرجل الأنصاريّ (أمركم
رسول اللّه وَ له) بتقدير همزة الاستفهام، أي أأمركم رسول اللَّه وَله؟.
وهذا فيه بيان القاعدة المعروفة، وهي أن الصحابي إذا قال: أُمِرنا، أو أُمِر الناسُ، أو
أُمِرُوا، أو نحو ذلك يكون مرفوعًا حُكمًا، حيث إن زيدًا قال: في كلامه: ((أمروا))، فبيّن
الآتي في سؤاله أن الآمر هو النبي بَّ.
(أن تُسبّحوا) في تأويل المصدر مجرور بحرف جرّ محذوف قياسًا، أي أمرهم
بالتسبيح، وقد تقدم نظيره غير مرّة.
(١) وقع في نسخ ((الفتح)) ((أن يكون)) والظاهر أن الصواب ((أن لا يكون)) بزيادة ((لا)).
(٢) (فتح)) جـ ٢ ص ٥٩٦ .

٤٠٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
(دبر كل صلاة) ظرف متعلّق بما قبله.
قال الأزهري: دُبُر الأمر -يعني بضمتين، ودَبْرَهُ -يعني بفتح، ثم سكون- آخره،
وادّعى أبو عمرو الزاهد أنه لا يقال: بالضمّ إلا للجارحة، ورُدّ بمثل قولهم: أعتق غلامه
عن دبر .
قال في (الفتح)): ومقتضى الحديث أن الذكر المذكور يقال عند الفراغ من الصلاة،
فلو تأخّر ذلك عن الفراغ، فإن كان يسيرًا بحيث لا يُعدّ مُعرضًا، أو كان ناسيًا، أو
متشاغلاً بما ورد أيضًا بعد الصلاة، كآية الكرسيّ، فلا يضرّ.
وظاهر قوله: ((كلّ صلاة)) يشمل الفرض والنفل، لكن حمله أكثر العلماء على
الفرض، وقد وقع في حديث كعب بن عُجرة رَظّه عند مسلم التقييد بالمكتوبة،
وكأنهم حملوا المطلقات عليها، وعلى هذا، هل يكون التشاغل بعد المكتوبة بالراتبة
بعدها فاصلاً بين المكتوبة والذكر، أولا؟ محلّ نظر، والله أعلم انتهى(١).
(ثلاثا وثلاثين) منصوب على أنه مفعول مطلق على النيابة لـ ((تسبحوا))، أي تسبيحا
ثلاثا وثلاثين، وقد تقدّم نظيره قريبًا (وتحمدوا ثلاثا وثلاثين، وتكبّروا أربعًا وثلاثين)
هكذا في حديث زيد بن ثابت رَّ ((أربعا وثلاثين))، ومثله في حديث ابن عمر الآتي
بعده، وحديث أبي الدرداء عنده في ((عمل اليوم والليلة)) رقم ١٤٧-١٥١ - وكذا لمسلم
من حديث كعب بن عجرة، ونحوه لابن ماجه من حديث أبي ذرّ ◌َظَّه ، لكن شكّ
بعض رواته في أنهنّ أربع وثلاثون.
ويخالف ذلك ما في رواية محمد بن أبي عائشة عن أبي هريرة تَّه عند أبي داود،
ففيه ((ويختم المائة بلا إله إلا الله، وحده لا شريك له الخ))، وكذا لمسلم في رواية
عطاء بن يزيد، عن أبي هريرة، ومثله لأبي داود في حديث أم الحكم، ولجعفر الفريابي
في حديث أبي ذرّ.
قال النووي تّْلهُ: ينبغي أن يجمع بين الروايتين بأن يكبّر أربعًا وثلاثين، ويقول
معها: ((لا إله إلا الله وحده الخ)).
وقال غيره: بل يجمع بأن يختم مرّة بزيادة تكبيرة، ومرّة بلا إله إلا اللَّه، على وفق ما
وردت به الأحادیث. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله النووي غير صحيح؛ لأنه خروج عن التعليم
النبوي، وإحداث صيغة أخرى، فالصواب ما قاله غيره، فيجعلها أحيانًا أربعًا وثلاثين،
(١) ((فتح)) جـ ٢ ص ٥٩٦ .

٤٠٥
٩٣- (نَوْعٌ آخَرُ مِنْ عَدَدِ التَّسْبِيح) - حديث رقم ١٣٥٠
وأحيانًا ثلاثًا، ويختمها بـ ((لا إله إلا الله وحده الخ)»، فبهذا يحصل العمل بكلّ ما ورد،
من غير مخالفة لتعليم النبي وَلّر. والله تعالى أعلم.
(قال) أي ذلك الأنصاري الذي أُتي في منامه (نعم) أي أَمَرَنا بذلك (قال) أي ذلك
الآتي (فاجعلوها) أي الأذكار (خمسا وعشرين، واجعلوا فيها التهليل) أي قولوا في
ضمنها، أو معها: ((لا إله إلا الله)) خمسا وعشرين، لتكمّلوا المائة، لأنه أفضل الأذكار.
قال الطيبيّ نَخّْلهُ: الفاء للتسبب، مقرّرة من وجه، ومغيّرة من وجه، أي إذا كانت
التسبيحات هذه، والعدد مائة، فقرّروا العدد، وأدخلوا فيها التهليل انتهى.
(فلمّا أصبح) أي دخل ذلك الأنصاري في الصباح (أتى النبيّ وَّرَ، فذكر ذلك له) أي
ذكر إتيان الملك له، وما جرى بينه وبينه من السؤال والجواب، والتعليم (فقال) أي
النبي ◌َّ (اجعلوها كذلك) أي اجعلوا الأذكار المذكورة كما أمر ذلك الآتي كلَّ واحدة
منها خمسا وعشرين، وزيدوا عليها التهليل حتى تكون مائة كاملة.
قال السنديّ نَّتْهُ: قوله: ((فقال: اجعلوها كذلك))، هذا يقتضي أنه الأولى، لكن
العمل على الأول لشهرة أحاديثه. والله أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((لكن العمل الخ))، إن أراد عمل كثير من الناس،
فمسلّم، ولكن لا قيمة له، وإن أراد العمل بالسنة، ففيه نظر، لأن الحديث صحيح، فلا
ينبغي الاقتصار على الأحاديث الأخرى، بل يعمل بهذا أيضًا أحيانا، فيجعلها كلها
خمسا وعشرين، ويزيد التهليل كذلك. والله تعالى أعلم.
وقال أيضًا: وليس هذا من العمل برؤيا غير الأنبياء، بل هو من العمل بقوله: وَالقتل،
فيمكن أنه علم بحقيقة الرؤيا بوحي، أو إلهام، أو بأيّ وجه كان، والله تعالى أعلم
انتھی
(١)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله مما لا شكّ فيه فهو نظيرُ رؤيا عبدالله
بن زيد بن عبدر به رَّه الأذان، وقول النبي وَلّ: ((إنها لرؤياحق))، فثبت الأذان
بذلك، فهو مما وافق رؤيا الصحابي للوحي السماوي، فثبوته بالوحي، لا بمجرد
الرؤيا .
ونظيرُ ذلك موافقات عمر رضي اللَّه تعالى عنه للوحي، في قوله: ((يا رسول الله
يدخل عليك البرّ والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية
الحجاب))
(١) ((شرح السندي)) جـ ٢ ص ٧٦ - ٧٧ .

٤٠٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
وقوله: ((لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلّى؟ فنزلت الآية))، إلى غير ذلك، من
موافقاته المعروفة، وقد نظمها السيوطيّ تَخْذَلُهُ في أبيات سماها («قطف الثمر في
موافقات عمر))، وهي ضمنَ كتابه ((الحاوي للفتاوي))(١).
والحاصل أن العمل بأمر النبي اللّه صلّى عليه وسلم، لا بمجرّد رؤياذلك الصحابي.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث زيد بن ثابت رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه -١٣٥٠/٩٣ - وفي ((الكبرى)) -١٢٧٣/١٢٧ - وفي ((عمل اليوم والليلة))
رقم -١٥٧ - بالإسناد المذكور.
وأخرجه (ت) ٣٤١٣ (أحمد)١٨٤/٥ و١٩٠/٥ (عبد بن حميد) ٢٤٥ (الدارمي)
١٣٦١ (ابن خزيمة) ٧٥٢. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان نوع آخر من عدد التسبيح.
ومنها: مشروعية الأذكار بهذه الألفاظ عقب الصلاة.
ومنها: أن قول الصحابي: أُمرنا، أو أُمر الناسُ، أو أمروا من المرفوع حكما، على
ما عليه جمهور أهل العلم، من المحدثين، وغيرهم، وخالف في ذلك طائفة من
العلماء، وقد تقدّم البحث عن هذا غير مرّة.
ومنها: بيان منزلة رؤيا المؤمن، وكونه جزءا من النبوّة، كما ثبت ذلك في الحديث
المتفق عليه: ((رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءا من النبوّة))، فلذا صدقه النبي
وَلجر، حيث أمرهم على وفق ما رآه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٥١- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُاللَّهِ بْنِ عَبْدِالْكَرِيمِ أَبُوزُرْعَةَ الرَّازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ يُونَسَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي
رَوَّادٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا رَأَى فِيمَا يَرَىَ النَّائِمُ، قِيلَ لَهُ: بِأَيِّ شَيْءٍ أَمَرَكُمْ
نَبِيُّكُمْ وَ؟، قَالَ: أَمَرَنَا أَنْ نُسَبِّحَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنَحْمَدُثَّلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَّبْرَ أَرْبَعًا
(١) قد ذكرتها في موضع آخر من هذا الشرح.

٤٠٧
٩٣- (نَوْعٌ آخَرُ مِنْ عَدَدِ التَّسْبِيح) - حديث رقم ١٣٥١
وَثَلَاثِينَ، فَتِلْكَ مِائَةٌ، قَالَ: سَبِّحُوا خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَاحْمَدُوا خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَكَبِرُوا
خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَهَلْلُوا خَمْسًا وَعِشْرِينَ، فَتِلْكَ مِائَةٌ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِّ وَّ،
فَقَالَ رَسُولِ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((افْعَلُواَ كَمَا قَالَ الأَنْصَارِيُّ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (عُبيدالله بن عبدالكريم) بن يزيد بن فَرُوخ المخزومي، مولى عيّاش ابن
مُطَرِّف، أبو زُرعة الرازيّ، إمام حافظ ثقة مشهور [١١].
روى عن أبي عاصم، وأبي نُعيم، وقبيصة، ومسلم بن إبراهيم، وخلق كثير.
وعنه مسلم، والترمذي، والنسائيّ، وابن ماجه، وإسحاق بن موسى الأنصاريّ،
وأبو حاتم، وأبو زرعة الدمشقي، وآخرون.
قال النسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: إمام. وقال الخطيب: كان إماما ربّانيّا، حافظًا
مكثرًا صادقًا. وقال عبدالله بن أحمد: لمّا قدم أبو زرعة: نزل عند أبي، وكان كثير
المذاكرة له، فسمعت أبي يقول يومًا: ما صلّيت غير الفرض، استأثرت بمذاكرة أبي
زرعة. وقال عبدالله بن أحمد في موضع آخر: قلت لأبي: ياأبت، مَن الحُفّاظ؟ قال:
يا بُنيّ شباب كانوا عندنا من أهل خُراسان، وقد تفرّقوا، قلت: مَن هم؟، قال: محمد
ابن إسماعيل، وعُبيد الله بن عبدالكريم، وعبدالله بن عبدالرحمن، والحسن بن شُجاع.
وقال عبدالله بن أحمد: سمعت أبي يقول: ما جاوز الجسر أفقه من إسحاق، ولا أحفظ
من أبي زرعة. وقال الحسن بن أحمد بن الليث: سمعت أحمد يدعو الله لأبي زرعة.
وقال فَضْلَك الرازيّ، عن أبي مصعب: ما رأيت مثله بعينيّ. وقال فضلك أيضًا، عن
الربيع: إن أبا زرعة آية. وقال عبدالواحد بن غياث: ما رأى أبو زرعة مثل نفسه. وقال
ابن وَارَة: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: كلُّ حديث لا يعرفه أبو زرعة ليس له
أصل. وقال أبو حاتم: رأيت في كتاب إسحاق بخطّه إلى أبي زُرعة: إني أزداد بك كلّ
يوم سُرورًا. وقال البردعي: سمعت محمد بن يحيى يقول: لا يزال المسلمون بخير ما
أبقى اللَّه لهم مثل أبي زرعة. وقال صالح بن محمد، عن أبي زرعة: أنا أحفظ عشرة
آلاف حديث في القراءات. وقال أيضًا: سمعت أبا زرعة يقول: كتبت عن إبراهيم بن
موسى الرازي مائة ألف حديث، وعن أبي بكر بن أبي شيبة مائة ألف حديث. قال:
فقلت له: بلغني أنك تحفظ مائة ألف حديث، تقدر أن تملي علي ألف حديث من
حفظك؟ قال: لا، ولكن إذا ألقي عليّ عرفت. وقال أبو يعلى الموصليّ: ما سمعنا
يُذكر أحد في الحفظ إلا كان اسمه أكبر من رؤيته، إلا أبو زرعة، فإن مشاهدته كانت
أعظم من اسمه. وقال أبو جعفر التُّسْتَريُّ: سمعت أبا زرعة يقول: ما سمع أذني شيئا

٤٠٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
من العلم إلا وعاه قلبي، وإن كنت لأمشي في سوق بغداد، فأسمع من الغُرَف صوت
المغنّيات، فأضع أصبعي في أذني، مخافة أن يعيه قلبي. وقال أبو حاتم: حدثني أبو
زرعة، وما خلّف بعده مثله علمًا وفقهًا وفهمًا وصيانةً وصدقًا، ولا أعلم في المشرق
والمغرب مَنْ كان يَفهَم هذا الشأن مثلَه. قال: وإذا رأيت الرّازيّ ينتقص أبا زرعة،
فاعلم أنه مبتدع .
وروى البيهقي، عن ابن وَارَة، قال: كنّا عند إسحاق بنيسابور، فقال رجل: سمعت
أحمد يقول: صحّ من الحديث سبعمائة ألف حديث وكسر، وهذا الفتى -يعني أبا
زرعة- قد حفظ ستمائة ألف حديث.
قال البهقيّ: وإنما أراد ما صحّ من حديث رسول اللّه وَلّر، وأقاويل الصحابة،
وفَتَاوَى مَن أَخَذَ عنهم من التابعين.
وقال محمد بن جعفر بن حكمويه: قال أبو زرعة: أحفظ مائة ألف حديث، كما
يحفظ الإنسان ﴿قُلّ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ .
وقال أبو جعفر التُّسْتَريّ: سمعت أبا زرعة يقول: إن في بيتي ما كتبته منذ خمسين
سنة، ولم أطالعه منذ كتبته، وإني أعلم في أيّ كتاب هو؟ في أيّ ورقة هو؟ في أيّ صفح
هو؟ في أيّ سطر هو؟.
وقال عبدالرحمن بن أبي حاتم: حضر عند أبي زرعة محمد بن مسلم -يعني ابن
وارة- والفضل بن العباس المعروف بفَضْلَك، فجرى بينهم مذاكرة، فذكر محمد بن
مسلم حديثًا، فأنكره فضلك الصائغ، فقال: يا أبا عبدالله، ليس هكذا هو، فقال: كيف
هو؟ فذكر رواية أخرى، فقال محمد بن مسلم لأبي زرعة: أَيْشٍ تقول؟ فسكت، فألخ
عليه، فقال: هاتوا أبا القاسم ابن أخي، فدُعي به، فقال: اذهب، فادخل بيت الكتب،
فدَعِ القِمَطْر الأوّل والثاني، والثالث، وعُدَّ ستة عشر جزءًا، وائتني بالجزء السابع عشر،
فذهب، فجاء بالدفتر، فتصفّح أبو زرعة، وأخرج الحديث، فدفعه إلى محمد بن
مسلم، فقرأه، وقال: نعم، غَلِطْنَا.
قال أبو سعيد بن يونس: مات بالرّيّ آخر يوم من ذي الحجة سنة (٢٦٤)، وقال ابن
المنادي كان مولده سنة مائتين.
وقال ابن حبّان في ((الثقات)): كان أحد أئمة الدنيا في الحديث، مع الدين والورع
والمواظبة على الحفظ، والمذاكرة، وترك الدنيا، وما فيه الناس، توفي سنة (٢٦٨) كذا
قال. روى عنه مسلم، والترمذيّ، والمصنف، وابن ماجه، وفي ((الزهرة)): روى عنه
مسلم حديثين. وله في هذا الكتاب هذا، و(٢٢٨١) حديث: ((أتدري ما وضع اللّه عن

٤٠٩
٩٣- (نَوْعٌ آخَرُ مِنْ عَدَدِ التَّسْبيح) - حديث رقم ١٣٥١
المسافر ... )).
٢- (أحمد بن عبدالله بن يونس) بن عبدالله بن قيس التميمي اليَرْبُوعيّ الكوفيّ، وقد
ينسب لجده ثقة حافظ، من كبار [١٠].
روى عن الثوريّ، وابن عيينة، وزائدة، والليث، ومالك، وعلي بن الفضيل،
وغيرهم.
وعنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والباقون بواسطة، وحجاجُ بن الشاعر، وعبد
ابن حُميد، وأبو زرعة الرّازيّ، وغيرهم.
قال أحمد بن حنبل لرجل: اخرج إلى أحمد بن يونس، فإنه شيخ الإسلام. وقال أبو
حاتم: كان ثقة متقنًا، آخر من روى عن الثوريّ.
وتَعَقّبه بعضهم بأن آخر من روى عن الثوريّ علي بن الجَعّد، وقد تأخر بعده.
وقال النسائي: ثقة. وقال عثمان بن أبي شيبة: كان ثقة، وليس بحجة. وقال ابن
سعد: كان ثقة صدوقًا، صاحب سنة وجماعة. وقال العجليّ: ثقة صاحب سنة. وقال
أبو حاتم: كان من صالحي أهل الكوفة، وسُنّيها. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال
ابن قانع: كان ثقة مأمونًا ثبتًا .
وقال ابن يونس: أتيت حماد بن زيد، فسألته أن يُملي عليّ شيئًا من فضائل عثمان
رَوّه، فقال: من أين أنت؟ قلت: من أهل الكوفة، فقال: كوفيّ يطلب فضائل عثمان!
والله لا أمليتها عليك، إلا وأنا قائم، وأنت جالس. وقال أبو داود: هو أنبل من ابن أبي
فُديك .
قال البخاريّ: مات بالكوفة في ربيع الآخر سنة (١٩٤). وقال أبو عبيد الآجرّيّ،
عن أبي داود: سمعته يقول: مات الأعمش، وأنا ابن (١٤) سنة، ورأيت أبا حنيفة،
ومسعرًا، وابن أبي ليلى يقضي خارج المسجد من أجل الْحُيَّض.
وقال أبو داود: كان مولده سنة (١٣٤). وقال مطيّن: سنة (١٣٣). روى له
الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث.
٣- (علي بن الفُضَيل بن عياض) بن مسعود بن بِشْر التميميّ اليربوعيّ، ثقة عابد
[٩].
روى عن عبّاد بن منصور، وعبدالعزيز بن أبي رَوّاد، وليث بن أبي سُليم، وغيرهم.
وعنه أبوه، وابن عيينة، وأبو بكر بن عيّاش، وشهاب بن عبّاد، وأحمد بن يونس،
وغيرهم.
قال النسائي: ثقة. وقال الخطيب: كان من الوَرَع بمحلّ عظيم، ومات قبل أبيه

٤١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
بمدّة، وكان سبب موته أنه سمع آية تُقْرَأ، فغُشي عليه، وتوفّي في الحال. وقال أبو بكر
ابن أبي الدنيا: حدثني عبدالصمد بن يزيد، عن فُضيل بن عياض، قال: بكى عليّ
ابني، فقلت: يا بُنيّ ما يُبكيك؟ قال: أخاف أن لا تجمعنا القيامة. وقال فُضيل: وقال لي
عبدالله بن المبارك: يا أبا عليّ ما أحسن حال من انقطع إلى ربّه!، فسمع ذلك عليّ
ابنه، فسقط مغشيًا عليه. وقال ابن عيينة: ما رأيت أخوف من الفُضيل وابنه. وقال
عبدالله بن أحمد بن حنبل: حدثنا الحسن بن عبدالعزيز الْجَزويّ، حدثني محمد بن أبي
عثمان، عن فُضيل بن عياض: كانت لنا شاةٌ بالكوفة، فأكلتْ شيئًا يسيرًا من عَلَف
لبعض الأمراء، فما شرب -يعني ابنه عليّا- لها لبنّا بعد ذلك. وقال ابن المبارك: خير
الناس -يعني في ذلك الوقت- فُضيل بن عياض، وابنه عليّ خير منه.
وأخباره في الخوف شهيرة، وفضائله كثيرة جدًّا. روى له المصنف حديثًا واحدًا،
وهو حديث الباب فقط .
٤- (عبدالعزيز بن أبي رَوّاد) -بفتح الزّاء، وتشديد الواو- واسمه ميمون، وقيل:
أيمن، وقيل: يُمْن بن بدر المكيّ مولى المهلّب بن أبي صُفْرة. صدوق ربما وَهِمَ،
ورُمي بالإرجاء [٧].
روى عن نافع، وعكرمة، وسالم بن عبدالله، وغيرهم.
وعنه ابنه عبدالمجيد، وابن مهديّ، ويحيى القطّان، وعلي بن الفُضيل، وغيرهم.
قال يحيى القطّان: عبدالعزيز ثقة في الحديث، ليس ينبغي أن يُترَك حديثه لرأي أخطأ
فيه. وقال أحمد: كان رجلاً صالحًا، وكان مرجئًا، وليس هو في التثبت مثل غيره.
وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة في الحديث، متعبِّدٌ. وقال النسائي:
ليس به بأس. وقال يحيى بن سُليم الطائفيّ: كان يرى الإرجاء. وقال ابن المبارك: كان
يتكلّم، ودموعه تسيل على خدّه. وقال ابن عديّ: وفي بعض أحاديثه ما لا يُتَابَع عليه.
وقال ابن أبي حاتم: يروي عن محمد بن كعب القُرظيّ وغيره، روى عنه شعبة.
وقال عليّ بن الجُنيد: كان ضعيفًا، وأحاديثه منكرات. وقال الحاكم: ثقة عابد مجتهد
شريفٌ في النسب. وقال الساجيّ: صدوق يرى الإرجاء. وقال الدارقطنيّ: هو متوسّط
في الحديث، وربّما وَهِم في حديثه. وقال العجليّ: ثقة. وقال الْجُوزجاني: كان غاليًا
في الإرجاء. وقال شُعيب بن حرب: كنتُ إذا نظرتُ إلى عبدالعزيز رأيت كأنه يطّلع إلى
القيامة. وقال حفص بن عمرو بن رُفيع: كنّا عند ابن جُريج، فطلع عبدالعزيز، وكان
ابن جُريج يوقّره ويعظمه، فقال له قائل: يا أبا عبدالمجيد، مَن الرافضيّ؟ فقال: من كره
أحدًا من أصحاب محمد بَّه، فقال ابن جُريج: الحمد لله، كان الناس يقولون، في

٩٤- (نَوْعٌ آخَرُ مِنْ عَدَدِ التَّسْبِيح) - حديث رقم ١٣٥٢
٤١١
هذا الرجل، ولقد كنت أعلم.
قال ابن قانع: مات بمكة سنة (١٥٩). وكذا قال عمرو بن علي الفلاس في
((تاريخه))، وابن سعد في ((الطبقات))، وقال: وله أحاديث، وكان مرجئًا، وكان معروفًا
بالورع والصلاح والعبادة. وخليفةُ في ((التاريخ))، و((الطبقات))، وابنُ أبي عاصم،
ويعقوبُ بن سفيان، وابنُ حبّان في ((الضعفاء))، وقال: يكنى أبا عبدالرحمن، يروي عن
عطاء، كان يحدّث على الوهم والحسبان، فسقط الاحتجاج به.
وقال البخاري: قال لي بعض آل أبي رَوّاد: مات قريبًا من سنة (٥٥)، ولا أراه أنا إلا
بعده، لأن أبا نعيم، وخلّادًا سمعا منه، ولم يسمعا من ابن جريج، قال: وقال ابن
بكير: مات سنة (٥٩). علق عنه البخاريّ، وأخرج له الباقون، إلا مسلمًا، وله في هذا
الكتاب (٥) أحاديث.
٥ - (نافع) مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه مشهور[٣] تقدم ١٢ / ١٢ .
٦- (ابن عمر) عبداللّه رَوَّها، تقدم ١٢/١٢. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا صحيح،
وهو من أفراد المصنف تَخْذّلهُ، أخرجه هنا - ١٣٥١/٩٣ - وفي ((الكبرى)) - ١٢٧/
١٢٧٣ - بالسند المذكور. وأخرجه الطبراني في ((الدعاء)) رقم (٧٣٠). وشرحه تقدّم في
الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٩٤- (نَوْعٌ آخَرُ مِنْ عَدَدِ التَّسْبِيحِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: إيراد المصنف ◌َعْدَتهُ لحديث الباب خلال الأذكار
التي تقال دبر الصلاة يدلّ على أنه مما يقال دبرها، وفيه نظر، إذليس فيه ما يدلّ على
ذلك، فإنه ذكر مطلق غير مقيّد بزمن مخصوص.
ويمكن أن يقال: إنه لمّا بين النبي ◌َّ فضل هذا الذكر، وأنه يُفَضَّل على كثير من
الأذكار، وكان ما بعد الصلوات من أشرف الأوقات، كما بيّن في حديث أبي أمامة:
((قيل: يا رسول الله، أي الدعاء أسمع؟، قال: جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات

=
٤١٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
المكتوبات))(١) كان من الأفضل أن يقال دبر الصلوات.
وأيضًا إنه وَّرُ علّمه لجويرية رَّها حينما جلست تذكر اللَّه عقب صلاة الصبح،
وطوّلت في ذلك، فعلّمها هذا الذكر، فكأنه قال لها: إن أولى ما تشتغلين به بعد الصلاة
من الأذكار هو هذا الذكر. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٣٥٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدٍ
بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ كُرَيْبًا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ جُوَيْرِيَّةَ بِنْتِ
الْحَارِثِ، أَنَّ النَّبِيِّ وَ مَرَّ بِهَا، وَهِيَ فِي الْمَسْجِدِ، تَذْعُوَ، ثُمَّ مَرَّ عَلَيْهَا قَرِيبًا مِنْ نِصْفٍ
النَّهَارِ، فَقَالَ لَهَا: ((مَا زِلْتَ عَلَى حَالِكِ؟))، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: أَلَا أَعَلِّمُكِ - يَعْنِي
كَلِمَاتٍ- تَقُولِيهِنَّ، سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ
خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ
اللَّهِ زِئَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ زِئَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ زِئَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ،
سُبْحَانَ اللَّهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ).
رجال هذا الإسناد : سبعة:
١- (محمد بن بشّار) بُنْدَار البصريّ، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٢٤/ ٢٧.
٢- (محمد) بن جعفر غُنْدَر البصري، ثقة [٩] تقدم ٢٢/٢١ .
٣- (شعبة) بن الحجّاج الإمام الحجة المشهور [٧] تقدم ٢٦/٢٤.
٤- (محمد بن عبدالرحمن) بن عُبيد القُرشيّ، مولى آل طلحة، كوفيّ ثقة [٦].
روى عن السائب بن يزيد، وعيسى، وموسى ابني طلحة، وكريب، وغيرهم. وعنه
شعبة، ومسعر، والثوريّ، وغيرهم.
قال البخاريّ: قال لنا عليّ، عن ابن عيينة: كان أعلم مَنْ عندنا بالعربيّة. وقال عبّاس
الدُّوريّ، وغيره، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود: صالح
الحديث. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال الترمذيّ، وأبو عليّ الطّوسيّ، ويعقوب
ابن شيبة: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد))،
والباقون، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث.
٥- (كُريب) بن أبي مسلم مولى ابن عباس، أبو رِشْدين المدني، ثقة [٣] تقدم
٢٥٣/١٦١ .
٦- (ابن عبّاس) عبدالله البحر الحبر رَ ثبتا، تقدم ٣١/٢٧.
(١) أخرجه الترمذيّ، وقال: حديث حسن.

٤١٣
٩٤- (نَوْعٌ آخَرُ مِنْ عَدَدِ التَّسْبِيح) - حديث رقم ١٣٥٢
٧- (جُوَيرية بنت الحارث) بن أبي ضِرَار الْخُزَاعِيّة الْمُصْطَلِقية، سباها رسول اللّه وَله
في غزوة الْمُرَيْسِع، وكان اسمها بَرَّة، فسماها رسول اللّه ◌َلْ جُوَيرية، وتزوّجها.
روت عن النبي بَّر. وروى عنها عبدالله بن عباس، وعُبيد بن السّبّاق، وأبو أيوب
الْمَرَاغِيّ، ومجاهد بن جبر، وكريب، وكُلُوم بن المصطلق، وعبدالله بن شدّاد بن
الهاد .
وقال ابن سعد في «الطبقات)»: أخبرنا عبدالله بن جعفر، أخبرنا عُبيدالله بن عمر،
عن أيوب، عن أبي قلابة أن النبي وَّر سبا جُويرية، فجاء أبوها، فقال: إن ابنتي لا
يُسبَى مثلها، فخلّ سبيلها، فقال: أرأيت إن خيّرتُها، أليس قد أحسنتُ؟ قال: بلى،
فأتاها أبوها، فذكر لها ذلك، فقالت: أختار رسول اللَّه وَله .
قال الحافظ تَخْذَلهُ: هذا مرسل صحيح الإسناد.
قال الواقديّ: توفّيت في ربيع الأول سنة ست وخمسين، وصلى عليها مروان بن
الحكم، وقال غيره: ماتت سنة خمسين، ولها ست وخمسون سنة. أخرج لها
الجماعة، ولها في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سباعيات المصنف، وأن رواته كلهم من رجال الصحيح، وأن شيخه
أحد مشايخ الستة بلا واسطة، وفيه رواية صحابي، عن صحابية. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ) رضي اللَّه تعالى عنها (أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ مَرَّ عَلَيْهَا) وفي رواية
مسلم -٨٣/٨- ((خرج من عندها بُكْرةً، حين صلى الصبح))، وفي رواية أحمد من
طريق الحجاج، عن شعبة قالت: أتى عليّ رسول اللّه وَلَ غَدوةً، وأنا أسبّح، ثم انطلق
لحاجته، ثم رجع قريبًا من نصف النهار)) (وَهِيَ فِي الْمَسْجِدِ) جملة في محلّ نصب على
الحال من الضمير المجرور في ((عليها)). أي والحال أنها جالسةٌ في الموضع الذي صلّت
فيه الصبح، وفي رواية مسلم: ((وهي في مسجدها)) (تَدْعُو) وفي ((عمل اليوم والليلة)):
((فمرّ بها تقرأ في مصلاها، تسبّح، وتذكر اللَّه)) (ثُمَّ مَرَّ عَلَيْهَا قَرِيبًا) منصوب على
الظرفية بالنيابة، والأصل: وقتا قريبًا، أي في وقت قريب (مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ) وفي رواية
مسلم: ((ثم رجع بعد أن أضحى، وهي جالسةٌ)) (فَقَالَ لَهَا: مَا زِلْتِ عَلَى حَالِكِ؟)
ولمسلم: ((فقال: ما زلت على الحال الذي فارقتك عليها)) (قَالَتْ: نَعَمْ) وفي ((عمل
اليوم والليلة)): قالت: ما زلت في مكاني منذ تَعْلَمُ)) (قَالَ: أَلَا أُعَلْمُكِ - يَغْنِي كَلِمَاتٍ-)

٤١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
وفي نسخة بإسقاط لفظة ((يعني)) (تَقُولِيهِنَّ) جملة في محلّ جر صفة لـ ((كلمات)) (سُبْحَانَ
اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ رِضَا نَفْسِهِ،
سُبْحَانَ اللَّهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ زِئَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ زِئَةَ
عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ،
سُبْحَانَ اللَّهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ).
قوله: ((سبحان اللَّه الخ)) بدل من ((كلمات))، أو عطف بيان، أوخبر المحذوف، أي
هي ((سبحان الله الخ)).
واختار الحافظ السيوطيّ رَّتُهُ في رسالته ((رفع السِّنَّة في نصب الزّنَة)) أن هذه
الكلمات الأربع منصوبات على تقدير الظرف، والتقدير: قدرَ عدد خلقه، وهكذا
البواقي، فلما حذف الظرف قام المضاف إليه مقامه في إعرابه. قال: فهذا الإعراب هو
المتّجه المطرد السالم من الانتقاض.
وذكر أيضًا من الوجوه الممكنة في إعرابها أربعة :
أحدها: أن يجعل مفعولا به لفعل، أو وصف مقدّر، أي يبلغ عدد خلقه، أو بالغًا
عدد خلقه .
الثاني: أن يكون القول مقدّرًا، و ((سبحان اللَّه)) مفعولٌ أولُ، و«عدد خلقه)» مفعولٌ
ثانٍ، على لغة من يُجري القول مُجرَى الظنّ بلا شرط.
الثالث: أن يكون خبرًا لـ ((كان)) مقدّرة هي واسمها ضميرًا راجعًا إلى التسبيح،
وتقديره إما بصيغة المضارع، أو اسم الفاعل.
الرابع: وهو خاصّ بـ ((رضا نفسه)) أن يُجعل مفعولاً له، على جعل الرضا بمعنى
الإرضاء، كقولك: سبّختُ ابتغاءَ وجه الله.
قال: وكلها لا يعوّل عليها، والعمدة على الأول. والله أعلم انتهى المقصود من
كلام السيوطي ◌ّثهُ باختصار، وتصرّف. وقد أشبع الكلام في هذا البحث في الرسالة
المذكورة بما لا تجده في كتاب غيره (١) .
وقال في شرحه المسمى ((زهر الربى في شرح المجتبى)): قال الشيخ أكمل الدين في
((شرح المشارق)): تقديره: عددًا كعدد خلقه.
ومعنى: ((رضا نفسه)): غير منقطع، فإن رضاه عمن رضي عنه من الأنبياء،
والأولياء، وغيرهم لا ينقطع، ولا ينقضي.
(١) راجع ((رفع السنة في نصب الزنة)) ضمن كتاب ((الحاوي للفتاوي)) جـ ٢ ص ٢٨٤ - ٢٨٨ .

٤١۵
٩٤- (نَوْعٌ آخَرُ مِنْ عَدَدِ التَّسْبِيح) - حديث رقم ١٣٥٢
ومعنى: ((وزنة عرشه)) أي بمقدار وزنه، يريد عِظَمَ قدره .
وقوله: ((ومداد كلماته)): يجوز أن يكون المراد قطر البحار، لقوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ
كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبٍِ﴾ الآية [الكهف: ١٠٩]، ويجوز أن يكون المراد مصدر مَدَّ،
ومداد الكلمات: المدد الواصل من الفيض الإلهي على أعيان الممكنات واحدًا،
فواحدًا، بحسب ما يتعلّق بشخصه.
وقال في ((النهاية)): ((مداد كلماته))، أي مثل عددها، وقيل: قدر ما يوازيها في
الكثرة، عيار كيل، أو وزن، أو ما أشبهه، وهذا تمثيل، يراد به التقريب، لأن الكلام لا
يدخل في الكيل والوزن، وإنما يدخل في العدد. والمداد مصدر، كالمدد، وهو ما
یکثّر به، ویزاد.
وقال الخطابي: المداد بمعنى المدد، وقيل: جمعه(١).
وقال السنديّ ◌َخّْلهُ في ((شرحه)): ((عدد خلقه)) هو وما عطف عليه منصوبات بنزع
الخافض، أي بعدد جميع مخلوقاته، وبمقدار رضا ذاته الشريفة، أي بمقدار يكون سببا
لرضاه تعالى، أو بمقدار يرضى به لذاته، ويختاره، فهو مثل ما جاء ((وملءَ ما شئت من
شيء بعدُ))، وفيه إطلاق النفس عليه تعالى من غير مشاكلة. وبمقدار ثقل عرشه،
وبمقدار زيادة كلماته، أي بمقدار يساويهما، يساوي العرش وزنًا، والكلمات عددًا.
وقيل: نصب الكلّ على الظرفّة بتقدير ((قَدْرَ))، أي قدر عدد مخلوقاته، وقدر رضا
ذاته .
فإن قلت: كيف يصحّ تقييد التسبيح بالعدد المذكور، مع أن التسبيح هو التنزيه عن
جميع ما لا يليق بجنابه الأقدس، وهو أمر واحد في ذاته، لا يقبل التعدد، وباعتبار
صدوره عن المتكلّم لا يمكن اعتبار هذا العدد فيه، لأن المتكلّم لا يقدر عليه، ولو
فُرض قدرته عليه أيضًا لما صحّ هذا العدد بالتسبيح إلا بعد أن صدر منه هذا العدد، أو
عزم على ذلك، وأما بمجرد أنه قال مرّةً: سبحان اللَّه لا يحصل منه هذا العدد؟.
قلت: لعلّ التقييد بملاحظة استحقاق ذاته الأقدس الأطهر أن يصدر من المتكلّم
التسبيحُ بهذا العدد.
فالحاصل أن العدد ثابت لقول المتكلّم، لكن لا بالنظر إلى الوقوع، بل بالنظر إلى
الاستحقاق، أي هو تعالى حقيق بأن يقول المتكلّم التسبيحَ في حقّه بهذا العدد. والله
تعالى أعلم انتهى كلام السندي رحمه اللّه تعالى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
(١) ((زهر الربى)) جـ ٣ ص ٧٧ - ٧٨ .
(٢) ((شرح السنديّ)) جـ ٣ ص ٧٧ - ٧٨ .

٤١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث جويرية بنت الحارث رضي اللَّه تعالى عنها هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٩٤/ ١٣٥٢- وفي ((الكبرى))-١٢٧٥/١٢٨ - وفي «عمل اليوم والليلة))
رقم ١٦٤ عن محمد بن بشّار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن محمد بن
عبدالرحمن مولى آل طلحة، عن كريب، عن ابن عباس، عنها. وفي ((عمل اليوم
والليلة)) -١٦٤- عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن شُعبة به. و-
١٦٥- عن محمود بن غيلان، عن أبي أسامة، عن مسعر، عن محمد بن عبدالرحمن
عن أبي رِشدین به.
قال أبو عبدالرحمن: أبو رشدین هو گُريب مولى ابن عبّاس، وابنه رشدین بن کریب
ضعيف، وأخوه محمد بن كريب ليس بالقويّ، إلا أنه أصلح قليلاً، وکریب ثقة، ولیس
في موالي ابن عباس ضعيف، إلا شعبة مولى ابن عباس، فإن مالكًا قال: لم يكن يُشبه
القرّاء انتهى.
وأخرجه (م) ٨٣/٨ (ت) ٣٥٥٥ (ق) ٣٨٠٨ (أحمد) ٣٢٤/٦ و٤٢٩/٦ (البخاري
في الأدب المفرد) ٦٤٧ (ابن خزيمة) ٧٥٣ .
وفي رواية سفيان بن عيينة في ((الأدب المفرد))، و ((صحيح ابن خُزيمة)) زاد في أول
الحديث: ((عن ابن عباس - رَّهَا - قال: قالت جُويرية بنت الحارث، وكان اسمها بَرّة،
فَحَوّلَ النبيِّ بَ لّ اسمها، وسمّاها جُويرية، وكره أن يقال: خرج من عند بَرّة ... )).
والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان نوع آخر من عدد التسبيح.
ومنها: بيان ما كانت عليه النساء في عهد النبي ◌َّ من الاجتهاد في العبادات.
ومنها: استحباب كثرة الذكر من صلاة الصبح إلى أن يرتفع النهار.
ومنها: أن بعض الأذكار يُفضّل على بعضها.
قال الشيخ عزّالدين بن عبدالسلام في ((فتاواه)) قد يكون بعض الأذكار أفضل من
بعض، لعمومها وشمولها، واشتمالها على جميع الأوصاف السلبية والذاتية، والفعليّة،
فيكون القليل من هذا النوع أفضل من الكثير من غيره، كما جاء في قوله ◌َطّر: ((سبحان

٤١٧ =
٩٥- (نَوْعٌ آخَرُ) - حديث رقم ١٣٥٣
اللَّه عدد خلقه)) انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلّا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٩٥ - (نَوْعٌ آخَرُ)
١٣٥٣ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَتَّابٌ - هُوَ ابْنُ بَشِيرِ -(١) عَنْ خُصَيْفٍ،
عَنْ عِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنٍ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ الْفُقَرَاءُ إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَِّ، فَقَالُوا: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الأَغْنِيَاءَ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ أَمْوَالٌ،
يَتَصَدَّقُونَ، وَيُنْفِقُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((إِذَا صَلَّيْتُمْ، فَقُولُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ،
وَالْحَمّدُ لِلَّهِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثَا وَثَلَاثِينَ، وَلَا إِلَهَ إِلَّ اللّهُ عَشْرًا، فَإِنَّكُمْ
تُدْرِكُونَ بِذَلِكَ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ مَنْ بَعْدَكُمْ))).
رجال هذا الإسناد : ستة :
١- (عليّ بن حُجْر) المروزي، ثقة حافظ، من صغار [٩] تقدم ١٣/ ١٣.
٢- (عَّاب بن بشير)- بفتح أوله- الجَزَريّ، أبو الحسن، أو أبو سهل الحَرّانيّ،
مولى بني أُميّة، صدوق يُخطىء [٨].
روى عن خُصَيف، وإسحاق بن راشد، وثابت بن عجلان، وغيرهم. وعنه رَوْح بن
عُبَادة، والعلاء بن هلال، وعلي بن حُجر، وغيرهم.
قال أبو طالب عن أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس، روى بأَخَرَة أحاديث منكرة،
وما أرى أنها إلا من قبل خُصيف. وقال الجوزجاني، عن أحمد: أحاديث عَتّاب عن
خُصيف منكرة. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين ثقة. وقال ابن أبي حاتم: قيل
لأبي زرعة: عتّاب أحبّ إليك، أو محمد بن سَلَمَة؟ قال: عتّاب. وقال الآجرّي، عن
أبي داود: سمعت أحمد يقول: تركه ابن مهديّ بآخره، قال: ورأيت أحمد كفّ عن
حديثه، وذلك أن الخطّابي حدّثه عنه بحديث، فقال لي أحمد: أبو جعفر -يعني
النفيلي- يحدث عنه؟ قلت: نعم، قال: أبو جعفر أعلم به. وقال ابن أبي حاتم: ليس
به بأس. وقال الساجي: عنده مناكير، حدّث أحمد، عن وكيع، عنه. وقال ابن
(١) قوله: ((هو ابن بشير)) ساقط من بعض النسخ.

٤١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ
المدينيّ: حدثتُ أعلى حديثه. وقال الحاكم، عن الدارقطني: ثقة. وقال ابن عديّ:
روى عن خُصَيف نسخةً فيها أحاديث أُنكرت، فمنها: عن مقسم، عن عائشة، حديث
الإفك، وزاد فيه ألفاظًا، لم يقلها إلّا عتّاب، عن خُصيف، ومع ذلك فأرجو أن لا بأس
به. وقال النسائي في ((كتاب الجرح والتعديل)): ليس بالقويّ.
وقال أيضًا: ليس بذاك. وكذا قال ابن سعد، وذكر أنه مات سنة (١٩٠)، وكذا أرّخه
ابن حبّان في ((الثقات)). وقال أبو داود: مات سنة (١٨٨).، وكذا أرخه أبو عروبة، عن
إسحاق بن زيد، عن النفيليّ. روى له الجماعة، سوى مسلم، وابن ماجه، وله في هذا
الكتاب هذا الحديث فقط.
٣- (خُصَيف) -بالصاد المهملة مصغّرًا- ابن عبدالرحمن الجَزَريّ، أبو عون
الحَضْرميّ الحرّاني الأمويّ مولاهم، صدوق سيء الحفظ خلط بآخره، ورُمي بالإرجاء
[٥].
رأى أنسًا، وروى عن عطاء، وعكرمة، ومجاهد، وغيرهم. وعنه السفيانان، وابن
جريج، وعتّاب بن بشير، وغيرهم.
قال أبو طالب عن أحمد ضعيف الحديث. وقال حنبل عنه: ليس بحجة، ولا قويّ
في الحديث. وقال عبدالله بن أحمد، عن أبيه: ليس بقويّ في الحديث، قال: وقال
مرّةً: ليس بذاك، قال أبي: خُصيفٌ شديد الاضطراب في المسند. وقال ابن معين:
ليس به بأس، وقال مرّةً: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح يخلط، وتُكلّم في سوء حفظه.
وقال النسائيّ: عتّاب بن بشير ليس بالقويّ، ولا خُصيفٌ، وقال مرّةً: صالح. وقال ابن
عديّ: ولِخُصَيف نُسَخٌ، وأحاديثُ كثيرة، وإذا حدّث عن خُصيف ثقة، فلا بأس بحديثه
ورواياته، إلّا أن يروي عنه عبدالعزيز بن عبدالرحمن، فإن رواياته عنه بواطيل، والبلاء
من عبدالعزيز، لا من خُصيف. وقال ابن المدينيّ: كان يحيى بن سعيد يُضعّفه. وقال
الدار قطنيّ: يُعتبر به، بِهِم. وقال الساجيّ: صدوق. وقال الآجريّ عن أبي داود: قال
أحمد: مضطرب الحديث. وقال جرير: كان خُصيف متمكنا في الإرجاء، يَتَكَلَّم فيه.
وقال أبو طالب: سئل أحمد عن عتّاب بن بشير، فقال أرجو أن لا یکون به بأس، روى
أحاديث بآخره منكرة، وما أرى إلا أنها من قبل خصيف. وقال ابن معين: إنا كنا نتجنّب
حديثه. وقال ابن خُزيمة: لا يُحتجّ به. وقال يعقوب بن سُفيان: لا بأس به. وقال أبو
أحمد الحاكم: ليس بالقويّ. وقال الأزديّ: ليس بذاك. وقال ابن حبّان: تركه جماعةمن
أئمتنا، واحتج به آخرون، وكان شيخًا صالحًا فقيهًا عابدًا، إلا أنه كان يُخطىء كثيرًا فيما
يروي، ويتفرّد عن المشاهير بما لا يُتابع عليه، وهو صدوق في روايته، إلا أن الإنصاف

٤١٩
٩٥- (نَوْعٌ آخَرٌ) - حديث رقم ١٣٥٣
فيه قبول ما وافق الثقات في الروايات، وترك ما لم يُتابع عليه، وهو ممن أستخير الله
تعالى فيه. وقد حدّث عبدالعزيز عنه، عن أنس بحديث منكر، ولا يعرف له سماع من
أنس .
وقال ابن سعد: كان ثقة، مات سنة (١٣٧)، وكذا قال البخاريّ. وقال النفيليّ:
مات سنة (٦). وقال أبو عبيد وغيره: مات سنة (٨). وقال خليفة بن خيّاط: مات سنة
(٩) وقيل: غير ذلك في تاريخ وفاته. روى له الأربعة، وله في هذا الكتاب (٥)
أحاديث .
٤- (عكرمة) مولى ابن عباس، ثقة ثبت مُفسّر [٣] تقدم ٣٢٥/٢ .
٥- (مجاهد) بن جبر، أبو الحجاج المخزوميّ مولاهم المكيّ، ثقة إمام [٣] تقدم
٣١/٢٧ .
٦- (ابن عباس) عبدالله البحر رَطين، تقدّم٣١/٢٧. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: جَاءَ الْفُقَرَاءُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلِ).
وفي نسخة: ((إلى النبي ◌َّ)).
قال في ((الفتح)): سُمّي منهم في رواية محمد بن أبي عائشة، عن أبي هريرة أبو ذرّ
الغفاريّ. أخرجه أبو داود، وأخرجه جعفر الفريابيّ في ((كتاب الذكر)) له من حديث أبي
ذرّ نفسه، وسُمّي منهم أبو الدرداء عند النسائي(١) وغيره من طرق عنه، ولمسلم من
رواية سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه عن أبي هريرة أنهم قالوا: ((يا رسول اللَّه))، فذكر
الحديث، والظاهر أن أبا هريرة منهم، وفي رواية النسائي(٢)، عن زيد بن ثابت، قال:
((أمرنا أن نسبّح)) الحديث، وهذا يمكن أن يقال فيه إن زيد بن ثابت كان منهم، ولا
يعارضه قوله في رواية ابن عجلان عن سُمَيّ عند مسلم: ((جاء فقراء المهاجرين))، لكون
زيد بن ثابت من الأنصار، لاحتمال التغليب انتهى (٣).
(فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الأَغْنِيَاءَ يُصَلُونَ كَمَا نُصَلّي) وفي حديث أبي هريرة ◌َُّه
وغيره: ((ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العُلَى، والنعيم المقيم، يصلون الخ))
(وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ) زاد في حديث أبي الدرداء ◌َّه: (ويذكرون كما نذكر))،
-
(١) ((عمل اليوم والليلة)) رقم ١٤٧ - ١٥١ .
(٢) هو الحديث الماضي برقم ٩٣/ ١٣٥٠ .
(٣) (فتح)) جـ ٢ ص ٥٩٤ .

٤٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
وللبزّار من حديث ابن عمر رَضِّها: ((صدّقوا تصديقنا، وآمنوا إيماننا)) (وَلَهُمْ أَمْوَالٌ،
يَتَصَدَّقُونَ) زاد في نسخة ((بها)) (وَيُنْفِقُونَ) وفي ((الهندية)): ((ويُعتقون)) من الإعتاق، أي
يحرّرون الرقاب.
وعند البخاري من حديث أبي هريرة: ((ولهم فضل أموال، يحجون بها، ويعتمرون،
ويجاهدون، ويتصدقون».
قال في (الفتح)): قوله: ((يحجون بها)) أي ولا نحجّ، يشكل عليه ما وقع في رواية
جعفر الفريابي من حديث أبي الدرداء: ((ويحجون كما نحجّ))، ونظيره ما وقع هنا:
((ويجاهدون))، ووقع في الدعوات من رواية ورقاء، عن سُميّ: ((وجاهدوا كما
جاهدنا)) .
لكن الجواب عن هذا الثاني ظاهر، وهو التفرقة بين الجهاد الماضي، فهو الذي
اشتركوا فيه، وبين الجهاد المتوقّع، فهو الذي تقدر عليه أصحاب الأموال غالبًا،
ويمكن أن يقال مثله في الحجّ، ويحتمل أن يقرأ ((يحجون بها)) بضم أوله من الرباعي،
أي يُعينون غيرهم على الحج بالمال انتهى(١).
(فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((إِذَا صَلَّيْتُمْ) أي فرغتم من الصلاة، وَسَلّمْتُم منها.
والظاهر أنه يشمل الفرض والنفل، لكن حمله أكثر العلماء على الفرض، لوقوعه في
حديث كعب بن عُجْرة ◌َّه عند مسلم مقيّدًا بالمكتوبة. قاله في ((الفتح)).
(فَقُولُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَالْحَمّدُ لِلَّهِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا
وَثَلَاثِينَ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللّهُ عَشْرًا) زيادة التهليل منكرة لأن روايات الثقات الحفّاظ خالية
منها. والله تعالى أعلم (فَإِنَّكُمْ تُذْرِكُونَ بِذَلِكَ مَنْ سَبَقَكُمْ) أي من أهل الأموال الذين
امتازوا عليكم بالصدقة، والسبقية هنا يحتمل أن تكون معنوية، وأن تكون حسّيّة، قال
الشيخ تقي الدين: والأول أقرب.
وقال السنديّ: قوله: ((من سبقكم)) أي فضلاً، وكذا ((مَن بعدكم))، أي فضلاً، ولا
عبرة بالسبق والتأخر الزمانيين، والله تعالى أعلم انتهى.
(وَتَسْبِقُونَ مَنْ بَعْدَكُمْ) وفي حديث أبي هريرة تَظَّ عند الشيخين: ((قال: ألا
أحدثكم بما إن أخذتم به أدركتم من سبقكم، ولم يدرككم أحد بعدكم، وكنتم خير من
أنتم بين ظهرانيهم، إلا من عمل مثله، تسبحون، وتحمدون، وتكبرون خلف كلّ
صلاة، ثلاثًا ثلاثين)).
(١) ((فتح)) جـ ٢ ص ٥٩٥ .
-