Indexed OCR Text
Pages 221-240
٥٨- (بَأَبُ الدُّعَاء بَعْدَ الذكْر) - حديث رقم ١٣٠١ ٢٢١ = والثناء على الله تعالى. ومنها: بيان فضل هذا الدعاء، وأن فيه اسم الله الأعظم الذي يستجيب به دعاء الداعي، فينبغي تقديمه قبل طلب الحاجة حتى يستجاب الدعاء. ومنها: أن بعض أسماء الله تعالى فيه من السر ما ليس في غيره، وإن كانت أسماؤه كلها عظيمة مقدسة، إلا أن لبعضها تأثيرًا في قضاء الحاجة، واستجابة الدعوة أكثر وأعظم، وهذا لا يُعلم إلا عن طريق الوحي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٣٠١- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ أَبُو بُرَيْدِ الْبَصْرِيُّ، عَنْ عَبْدِالصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ الْمُعَلِّمُ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَنْظَلَةُ بْنُ عَلِيٌّ، أَنَّ مِحْجَنَ بْنَ الأَدْرَعِ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وََّهِ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، إِذَا رَجُلٌ قَدْ قَضَى صَلَاتَهَ، وَهُوَ يَتَشَهَدُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا أَاللَّهُ بِأَنْكَ الْوَاحِدُ الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِذْ، وَلَمْ يُولَذْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَ: ((قَدْ غُفِرَ لَهُ)) ثَلَاثَا). رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (عمرو بن يزيد أبو بُريد (١) البصري) الْجَزمي، صدوق [١١] من أفراد المصنف، تقدم ١٠٠/ ١٣٠ . ٢- (عبدالصمد بن عبدالوارث) التّنُّوري البصري، صدوق ثبت في شُعبة [٩] تقدم ١٢٢ / ١٧٤ . ٣- (أبوه) عبدالوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبَري مولاهم أبو عُبيدة التّنّوري البصري، ثقة ثبت، رمي بالقدر، ولم يثبت عنه [٨] تقدم٦ / ٦. ٤- (حُسين المعلم) هو ابن ذكوان العَوْذيّ البصري، ثقة ربّما وهم [٦] تقدم ١٢٢ / ١٧٤ . ٥- (ابن بريدة) هو عبدالله بن بريدة بن الحُصيب الأسلمي، أبو سهل المروزي قاضيها، ثقة [٣] تقدم ٢٥/ ٣٩٣ . ٦- (حنظلة بن عليّ) بن الأسقع الأسلميّ، ويقال: السلميّ المدني، ثقة [٣]. روى عن حمزة بن عمرو، وخُفَاف بن إيماء، ورافع بن خديج، وربيعة بن كعب، ومِحْجَن بن الأدرع، وأبي هريرة. وعنه عبدالله بن بُريدة، وعبدالرحمن بن حرملة، (١) (بُرَيد)) بالموحدة والدال المهملة بينهما تحتانية مصغرًا. ٢٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ والزهري، وغيرهم. قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). أخرج ه البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والباقون، سوى الترمذي، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، وحديث رقم (٢٣٠٠) وأعاده برقم (٢٣٠١). ٧- (مِخْجَن بن الأدرع) -بكسر أوله، ثم حاء مهملة ساكنة، ثم جيم مفتوحة- الأسلميّ. روى عن النبي وَّر. وعنه حنظلة بن عليّ الأسلميّ، ورجاء بن أبي رجاء الباهليّ، وعبدالله بن شقيق، سكن البصرة، وهو الذي اختطّ مسجدها، وكان قديم الإسلام، وهو الذي قال فيه النبي وَلّ: ((وأنا مع ابن الأدرع)). فقد ذكر ابن إسحاق في ((المغازي)) عن سفيان بن فَرْوة الأسلمي، عن أشياخ من قومه من الصحابة، قالوا: مرّ رسول اللّه وَله، ونحن نتناضل، فبينا محجن بن الأدرع يُناضل رجلاً منّا من أسلم، قال: ((ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميًا، ارموا، وأنا مع ابن الأدرع))، فألقى نَضْلَة قَوْسَهُ من يده، وقال: والله لا أرمي معه، وأنت معه، فإنه لا يُغلب من كنت معه، فقال: ((ارموا، وأنا معكم كُلّكم)). قال أبو عمر: يقال: إنه مات في أواخر خلافة معاوية رَبؤيها. أخرج ه البخاري في ((الأدب المفرد))، وأبو داود، والمصنف، وليس له عندهما غير حديث الباب، كما قال الحافظ المزّيّ رحمه الله تعالي(١) . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين إلى حسين المعلم، وابن بريدة مروزي، والباقيان مدنيان، وفيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن حنظلة بن علي الأسلميّ رحمه اللّه تعالى (أن محجن بن الأدرع) رضي الله تعالى عنه (حدّثه) أي حنظلةَ بن علي (أن رسول اللَّه وَ لير دخل المسجد، إذا رجل) وفي رواية أحمد ج٤ ص ٣٣٨ - ((فإذا هو برجل))، ومثله في ((المعجم الكبير)) للطبراني جـ٢٠/ ٢٩٦ - (قد قضى صلاته، وهو يتشهد، فقال) ولأحمد: ((وهو يقول)) (اللَّهم إني أسألك يا الله) ((اللَّهم أصله ((يا اللَّه))، وإنما كرره لإظهار الذلّة والافتقار (بأنك الواحد الأحد) ولأبي داود: ((يا اللَّه الأحد)). و((الأحد)) بمعنى الواحد، كما ذكره ابن عبّاس، وأبو (١) التهذيب الكمال))﴾. ٢٧ ص ٢٦٧ - ٢٦٩ . ٥٨- (بأبُ الدُّعَاءِ بَعْدَ الذكْر) - حديث رقم ١٣٠١ ٢٢٣ = عبيدة، ويؤيّده قراءة الأعمش: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾. وهو تعالى واحد في ذاته، وصفاته، وأفعاله. وقد يفرّق بين ((الواحد)) و((الأحد)) بأن الأحد في النفي نصّ في العموم، بخلاف الواحد، فإنه محتمل للعموم وغيره. (الصمد) قال ابن الأنباريّ: لا خلاف بين أهل اللغة أنه السيّد الذي ليس فوقه أحد، الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم وأمورهم. وقال قتادة: هو الذي یحکم ما يريد، ويفعل ما يشاء، لا معقّب لحكمه، ولا راد لقضائه (١). وقيل: تفسيره ما بعده، وهو قوله (الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد) وفيه التوسل بأسماء الله تعالى الحسنى، وصفاته العليا (أن تغفر لي ذنوبي) في تأويل المصدر مفعول ((أسأل)) (إنك أنت الغفور الرحيم) تعليل للمسألة، أي إنما سألتك مغفرة ذنوبي لكونك متصفًا بالمغفرة والرحمة (فقال رسول اللَّه وَله) وفي النسخة ((الهندية)) ((النبي))، ولأحمد: (( قال: فقال نبي الله وَلَّ)) (قد غفر له ثلاثا) أي قالها ثلاث مرّات. ولفظ أحمد: ((قد غُفر له، قد غفر له، قد غفر له ثلاث مرّات)). ونحوه للطبراني في (الكبير)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسألتان تتعلقان بهذا الحديث : المسألة الأولى: في درجته: حديث محجن بن الأدرع رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا-١٣٠١/٥٨ - وفي ((الكبرى)) ١٢٢٤/٩٢- بالسند المذكور. وأخرجه (د) ٩٨٥ - (أحمد) ٣٣٨/٤ - (ابن خُزيمة) ٧٢٤. وفوائد الحديث تعلم مما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلّا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)) . (١) راجع ((لسان العرب)) جـ ٤ ص ٢٤٩٥ - ٢٤٩٦. و((المنهل العذب المورود)) ج ٦ ص ٩٨ - ٩٩. ٢٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ ٥٩- (نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الدُّعَاءِ) ١٣٠٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ه، أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَلَّهِ: عَلَّمْنِي دُعَاءَ أَدْعُو بِهِ فِي صَلَائِي، قَالَ: ((قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْلِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ))). رجال هذا الإسناد: ستة : ١- (قتيبة بن سعيد) تقدم في الباب الماضي. ٢- (الليث) بن سعد الإمام الفقيه الحجة المصريّ [٧] تقدم ٣٥/٣١. ٣- (يزيد بن أبي حبيب) المصري، ثقة فقيه [٥] تقدّم ١٣٤ / ٢٠٧. ٤- (أبو الخير) مرثد بن عبداللَّه اليَزَني المصري، ثقة فقيه [٣] تقدّم ٥٨٢/٣٨. ٥- (عبدالله بن عمرو) بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعَيد بن سَعْد ابن سَهْم السَّهْميّ، أبو محمد، وقيل: أبو عبدالرحمن، أحد السابقين المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة الفقهاء، مات في ذي الحجة ليالي الْحَرَّة على الأصح، بالطائف على الراجح، رُّ، تقدم ٠١١١/٨٩ ٦- (أبو بكر الصّدّيق) عبدالله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم ابن مرّة التيمي، الصديق الأكبر، خليفة رسول اللّه وَّهِ، وصاحبه في الغار، وقيل: اسمه عتيق، وأمه أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب، أسلم أبواه، رَوَى عن النبي ◌َّ. وعنه عمر، وعثمان، وعلي، وعبدالرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، وأولاده: عبدالرحمن، وعائشة، ومحمد، وابن عباس، وابن الزبيروغيرهم. قال إبراهيم النخعي: كان يُسمّى الأوّاه لمراقبته، وقال ميمون بن مهران: لقد آمن أبو بكر بالنبي ◌َّله زمانَ بَحِيراء الراهب، واختلف بينه وبين خديجة حتى تزوّجها، وذلك قبل أن يولد عليّ. وقال أبو أحمد العسكريّ: كانت إليه الأشناق(١) في الجاهلية، وهي الديات، كان إذا حمل شيئًا، فسأل فيه قُريشًا صدّقوه، وأمضوا حَمَالته(٢)، وإن احتملها غيره لم يصدّقوه، وخَذَلوه. وذكر ابن سعد عن ابن شهاب أن (١) ((الأَشْنَاقُ)) بفتح الهمزة جمع شَنَقِ محركةً: هو الأرش، أي الدية. أفاده في ((ق)). (٢) ((الحَمَالة)) بالفتح كالسحابة: الدية. قاله في ((ق)). ٢٢٥ == ٥٩- (نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الدُّعَاءِ) - حديث رقم ١٣٠٢ أبا بكر، والحارث بن كَلَدَة أكلا حَريرة أُهديت لأبي بكر، فقال الحارث -وكان طبيبًا -: ارفع يدك، والله إن فيها لسمّ سنة، فلم يزالا عليلين حتى ماتا عند انقضاء السنة في يوم واحد . ولي الخلافة بعد النبي وَّل سنتين وشيئًا، وقيل: عشرين شهرًا. توفي رضي اللّه تعالى عنه يوم الاثنين في جمادى الأولى سنة (١٣) عن (٦٣) سنة، وصلی علیه عمر، ودُفن مع رسول الله ێ. ومناقبه وفضائله كثيرة جدّا، مدوّنة في كتب العلماء، وهي في مجلّد لطيف في (تاريخ ابن عساكر)). أخرج له الجماعة، له (١٤٢) اتفق الشيخان على (٦) وانفرد البخاري بـ(١١) ومسلم بحديث، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثًا. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة. ومنها: أنه مسلسل بالمصريين. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وصحابي عن صحابي. ومنها أن فيه الصديق الأكبر رضي اللّه تعالى عنه، وهذا أول باب ذُكر فيه من هذا الكتاب. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عبدالله بن عمرو، عن أبي بكر الصديق رَؤيهنا) هكذا النسخ بتثنية الضمير، والأولى أن يكون بلفظ ((عنهم)) بالجمع؛ لأن عمرو بن العاص والد عبد اللَّه صحابي أيضًا، فليُتنبه . قال في ((الفتح)): مقتضى هذا أن الحديث من مسند الصدّيق تظلّه، وأوضح من ذلك رواية أبي الوليد الطيالسي، عن الليث، فإن لفظه عن أبي بكر، قال: ((قلت: يا رسول اللَّه)). أخرجه البزار من طريقه، وخالف عمرُو بن الحارث الليثَ، فجعله من مسند عبدالله بن عمرو، ولفظه: ((عن أبي الخير أنه سمع عبدالله بن عمرو، يقول: إن أبا بكر قال للنبي وَّ))، هكذا رواه ابن وهب، عن عمرو، ولا يقدح هذا الاختلاف في صحة الحديث انتهى(١). أنه (قال لرسول اللّه ◌َله: عملني دعاء أدعو به في صلاتي) الظاهر أنه يريد عقب التشهد الأخير، والصلاة على النبي ◌َّر، والاستعاذةِ من الأربع، وإليه جنح البخاريّ في (١) ((فتح)) جـ ٢ ص ٥٨٥ . = ٢٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ ((صحيحه)) حيث قال: ((باب الدعاء قبل السلام))، ثم ذكر حديث أبي بكر هذا. قال ابن دقيق العيد يَخّْلهُ في الكلام على هذا الحديث: يقتضي الأمر بهذا الدعاء في الصلاة من غير تعيين محلّه، ولعل الأولى أن يكون في أحد موطنين، إما السجود، وإما بعد التشهد، لأنهما أَمِرَ فيهما بالدعاء، ولعله يترجح كونه فيما بعد التشهد بظهور العناية بتعليم دعاء مخصوص في هذا المحلّ. ونازعه الفاكهاني ◌َّْتْهُ، فقال: الأولى الجمع بينهما في المحلّين المذكورين، أي السجود والتشهد. وقال النووي رَخْذَلهُ: استدلال البخاريّ صحيح، لأن قوله: ((في صلاتي)) يعمّ جميعها، ومن مظانّه هذا الموطن. قال الحافظ نَخْذَلَهُ: ويحتمل أن يكون سؤال أبي بكر عن ذلك كان عند قوله: لما علّمهم التشهّد: ((ثم ليتخيّر من الدعاء ما شاء))، ومن ثم أعقب المصنف -يعني البخاريّ - الترجمةَ بذلك . -يعني قوله: ((باب ما يتخيّر من الدعاء بعد التشهد، وليس بواجب)»- انتهى . وقال العيني ◌َّلهُ: ظاهر الحديث عموم جميع الصلاة، ولكن المراد بعد التشهد الأخير قبل السلام، لأن لكل مقام من الصلاة ذكرًا مخصوصًا، فتعيّن أن يكون مقامه بعد الفراغ من الكلّ، وهو آخر الصلاة، وبيانه أن للصلاة قيامًا، وركوعًا، وسجودًا، وقُعُودًا، فالقيام محلّ قراءة القرآن، والركوع والسجود لهما دعاءان مخصوصان، والقعود محلّ التشهد، فلم يبق للدعاء محل إلا بعد التشهد قبل السلام انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يؤيّد هذا ما تقدم من قوله بَّر: ((ثم ليتخيّر من الدعاء ما شاء))، لكن الأولى ما تقدم عن الفاكهاني، فينبغي الدعاء به في السجود أيضًا، لأنه محل الدعاء أيضًا، لأنه ◌َّ أمر بالاجتهاد في الدعاء فيه. والله تعالى أعلم. [فائدة]: المواضع التي صح عن النبي ◌َلّ أنه كان يدعو فيها في الصلاة سبعة كما قال ابن القيم رَّتُهُ في ((زاد المعاد))، ونظمها الصنعاني ◌ََّتهُ بقوله [من الطويل]: مَوَاضِعُ كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ لِأَحْمَدِ إِذَا مَا دَعَا قَدْ خَصَّصُوهَا بِسَبْعَةِ وَحَالَ رُكُوعٍ وَأَعْتِدَالِ وَسَجْدَةٍ عَقِيبَ افْتِتَاحِ ثمَّ بَعْدَ قِرَاءَةٍ مَوَاضِعُ تُرْوَى عَنْ ثِقَاتٍ بِصِحَّةٍ وَبَيْنَهُمَا بَعْدَ التّشَهُّدِ هَذِهِ انتهى ((العدّة حاشية العمدة)) جـ ٣ ص ٤٠. وزاد في ((الفتح)) ثامنًا، وهو أنه كان يدعو في حال القراءة إذا مرَّ بآية رحمة سأل، وإذا مرّ بآية عذاب استعاذ. انتهى ((فتح)) جـ ١٢ ص ٤١٧ . ٢٢٧ ٥٩- (نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الدُّعَاءِ) - حديث رقم ١٣٠٢ قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد نظمت الثامن بقولي: وَمَرَّ بِآيَةٍ بَهَا ذِكْرُ رَحْمَةٍ وَزِدْ نَامِنًا وَهْوَ الدُّعَاءُ إِذَا تَلَا فَيَسْأَلُ رَحْمَةً وَإِنْ آيَةٌ بَهَا تَغْذِيبُ لأُمَّةٍ أَنَابَ بِعَوْذَةٍ (قال: قل: اللَّهم إني ظلمت نفسي) أي بملابسة ما يوجب العقوبة، أو ينقص الحظّ والأجر (ظلمًا كثيرًا) يُروَى بالمثلّثة، وبالموحّدة، فيتخير الداعي بين اللفظين، ولا يجمع بينهما، لأنه لم يُروَ إلا أحدهما، والأولى أن يأتي بهذا مرّة، وبهذا مرّة، فيكون قد أتى بما نطق به النبي ◌َّ بيقين، وقد تقدم البحث في هذا مستَوفَّى في المسألة السادسة برقم - ١٢٩٤/٥٤- فراجعه تستفد . قال العلامة المحقق ابن دقيق العيد خْذَلهُ: في الحديث دليل على أن الإنسان لا يَعْرَى من ذنب وتقصير، كما قال عليه الصلاة والسلام: ((استقيموا، ولن تُحصوا ... )) وفي الحديث: ((كلّ ابن آدم خطّاء، وخير الخطائين التوّابون))، وربما أخذوا ذلك من حيث الأمر بهذا القول مطلقًا من غير تقييد بحالة، فلو كان ثمّة حال لا يكون فيها ظلم ولا تقصير لما كان هذا الإخبار مطابقًا للواقع، فلا يؤمر به انتهى (١). وقال الحافظ تَخّْتُهُ: فيه أن الإنسان لا يعرى عن تقصير، ولو كان صدّيقًا. وقال السندي رَحْذَلهُ بعد نقل كلام الحافظ: بل فيه: أن الإنسان كثير التقصير، وإن كان صديقًا، لأن النعم عليه غير متناهية، وقوّته لا تطيق أداء أقلّ قليل من شكرها، بل شكره من جملة النعم أيضًا، فيحتاج إلى شكره هو أيضًا كذلك، فما بقي إلا العجز والاعتراف بالتقصير الكثير، كيف، وقد جاء في جملة أدعيته بَّر (ظلمت نفسي)) انتھی (٢). (ولا يغفر الذنوب إلا أنت) هو مثل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ، ففيه الإقرار بوحدانية الباري سبحانه وتعالى، واستجلاب لمغفرته بهذا الإقرار، كما قال تعالى: ((علم عبدي أن له ربّا يغفر الذنب، ويأخذ به))(٣) وقد وقع في هذا الحديث امتثال لما أثنى الله تعالى عليه في قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْاْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّ فَأَسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١) ((إحكام الأحكام)) جـ ٣ ص ٤٠ - ٤١. (٢) ((شرح السندي)) جـ ٣ ص ٥٣ . (٣) هو ما أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة رَّه قال: سمعت رسول اللّه وَّل يقول: ((إن عبدًا أصاب ذنبًا، فقال: يا رب إني أذنبت ذنبًا، فاغفر لي، فقال له ربه: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب، ويأخذ به، فغفر له ... )) الحديث. = ٢٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ [آل عمران: ١٣٥]، فأثنى على المستغفرين، وفي ضمن ثنائه بالاستغفار لوّح بالأمر به، كما قيل: إن كلّ شيءٍ أَثنى اللَّهُ على فاعله، فهو آمر به، وكلّ شيءٍ ذَمَّ فاعلَه فهو ناه عنه. قاله في ((الفتح)). (فاغفر لي مغفرة من عندك) قال الطيبي ◌َّلهُ: دلّ التنكير على أن المطلوب غُفران عظيم، لا يدرك كُنْهُهُ، ووَصَفَهُ بكونه من عنده سبحانه وتعالى مُريدًا لذلك العِظَم، لأن الذي يكون من عند اللَّه لا يُحيط به وصف. وقال ابن دقيق العيد تَخْذَلهُ : يحتمل وجهين: (أحدهما): الإشارة إلى التوحيد المذكور، كأنه قال: لا يفعل هذا إلا أنت، فافعله لي أنت . (الثاني) : - وهو أحسن- أنه إشارة إلى طلب مغفرة مُتَفَضَّل بها، لا يقتضيها سبب من العبد، من عَمَل حَسَن، ولا غيره، فهي رحمة من عنده بهذا التفسير، ليس للعبد فيها سبب، وهذا تبرّؤْ عن الأسباب، والإدلال بالأعمال، والاعتقاد في كونها موجبة للثواب وجوبًا عقلياً انتهى(١). قال في ((الفتح)): وبهذا الثاني جزم ابن الجوزيّ، فقال: المعنى: هَبْ لي المغفرة تفضّلاً، وإن لم أكن لها أهلاً بعملي انتهى. (وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم) هما صفتان ذكرتا ختمًا للكلام على جهة المقابلة لما قبله، فـ(الغفور)) مقابل لقوله: ((اغفر لي))، و((الرحيم)) مقابل لقوله: (ارحمني))، وقد وقعت المقابلة ههنا للأول بالأول، والثاني بالثاني، وقد يقع على خلاف ذلك بأن يُراعَى القربُ، فيجعل الأول للأخير، وذلك على حسب اختلاف المقاصد، وطلب التفنن في الكلام، ومما يُحتاج إليه في علم التفسير منا سبة مقاطع الآي لما قبلها. قاله ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي بكر الصدّيق رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٣٠٢/٥٩ - وفي ((الكبرى)) -١٢٢٥/٩٣- بالسند المذكور. (١) ((إحكام الأحكام)) بحاشية ((العدّة)) جـ ٣ ص ٤١ - ٤٣ . ٦٠ - (نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الدُّعَاءِ) - حديث رقم ١٣٠٣ ٢٢٩ = وأخرجه (خ) ٢١١/١، و٨٩/٨. و(م) ٧٤/٨ (ت) رقم ٣٥٣١ - (ق) ٣٨٣٥ . و(أحمد) ٣/١، و٧/١. و(عبد بن حُميد - ٥- و(ابن خُزيمة - ٨٤٥. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: استحباب طلب التعليم من العالم، خصوصًا في الدعوات المطلوب فيها جوامع الكلم(١) . قال الكرماني - تَخّْلهُ: هذا الدعاء من الجوامع، لأن فيه الاعترافَ بغاية التقصير، وطلبَ غاية الإنعام، فالمغفرة ستر الذنوب ومحوها، والرحمة إيصال الخيرات، ففي الأول طلب الزحزحة عن النار، وفي الثاني طلب الجنة، وهذا هو الفوز العظيم. ومنها: أن فيه ردًا على من زعم أنه لا يستحقّ اسم الإيمان إلا من لا خطيئة له، ولا ذنب، لأن الصدّيق من أكبر أهل الإيمان، وقد علّمه النبي ◌َّ أن يقول: ((إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت)). قاله الطبريّ رحمه الله تعالى. ومنها: أن فيه مشروعيّةَ الدعاء في الصلاة، وفضلَ هذا الدعاء على غيره، وطلبَ التعليم من الأعلى، وإن كان الطالب يعرف ذلك النوع، وخص الدعاء بالصلاة لقوله وَخّر: ((أقرب ما يكون العبد من ربّه، وهو ساجد)). وفيه أن المرء ينظر في عبادته إلى الأرفع، فيتسبب في تحصيله، وفي تعليم النبي وَّر لأبي بكر هذا الدعاء إشارة إلى إيثار أمر الآخرة على أمر الدنيا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٦٠- (نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الدُّعَاءِ) ١٣٠٣ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حَيْوَةَ، يُحَدِّثُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيّ، عَنِ الصُّنَابِحِيّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ ◌ِِّ، فَقَالَ: ((إِنِّي لأُحِبُّكَ يَا مُعَاذُ))، فَقُلْتُ: وَأَنَا أُحِبُّكَ يَا رَّسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ ◌َّ: ((فَلَا تَدَعْ أَنْ تَقُولَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ: رَبِّ أَعِنِّي عَلَى : : (١) راجع ((الفتح)) جـ ١٢ ص ٤١٦ . ٢٣٠ == شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ))). رجال هذا الإسناد : سبعة: ١- (يونس بن عبدالأعلى) بن مَيْسَرة الصَّدَفي، أبو موسى المصريّ، ثقة، من صغار [١٠] تقدم ٤٤٩/١ . ٢- (ابن وهب) عبدالله المصري، ثقة حافظ عابد [٩] تقدم٩/٩. ٣- (حَيْوة) بن شُريح بن صفوان التُّجِيبي، أبو زرعة المصري، ثقة ثبت فقيه زاهد [٧] تقدم ١٧ / ٤٧٨. ٤- (عُقبة بن مسلم) التُّجِيبي، أبو محمد المصري القاصّ، إمام المسجد العتيق بمصر، ثقة [٤]. روى عن ابن عمر، وابن عمرو، وعقبة بن عامر الجهني، وأبي عبدالرحمن الحُبُليّ، وغيرهم. وعنه حيوة بن شُريح، والوليد بن أبي الوليد، وجعفر بن ربيعة، وغيرهم. قال العجلي: مصريّ تابعي ثقة، ووثقة يعقوب بن سفيان، وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال ابن يونس: توفي قريبًا من سنة (١٢٠). أخرج له البخاري في ((الأدب المفرد))، وأبو داود، والترمذي، والمصنف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٥ - (أبو عبدالرحمن الْحُبُليّ) - بضم المهملة والموحّدة- عبدالله بن يزيد الْمَعَافري المصري، ثقة [٣]. روى عن عبدالله بن عمرو، وعبدالله بن عمر، وعقبة بن عامر، والصُّنابحي، وغيرهم. وعنه عقبة بن مسلم، وحُميد بن هانىء، وشُرَحبيل بن شَريك، وغيرهم. قال عثمان الدارميّ عن ابن معين: ثقة. وقال ابن سعد، والعجلي: ثقة، وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). قال ابن يونس: يقال: توفي بإفريقية سنة (١٠٠) وكان صالحًا فاضلاً. وقال ابن خلفون: يقال: إنه توفي بقُرْطُبة. وقال أبو بكر المالكي في ((تاريخ القيروان)): بعثه عمر ابن عبدالعزيز إلى إفريقية ليفقههم، فَبَثّ فيها علمًا كثيرًا، ومات بها، ودفن بباب تونس. أخرج ه البخاري في ((الأدب المفرد)) والباقون، وله في هذا الكتاب (٨) أحاديث. ٦- (الصُّنَابحيّ) عبدالرحمن بن عُسَيلة - بمهملتين مصغّرًا- ابن عِسْل بن عسال المراديّ، أبو عبدالله الصُّنَابحي، ثقة، من كبار التابعين [٢]. ٦٠ - (نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الدُّعَاءِ) - حديث رقم ١٣٠٣ ٢٣١ = رحل إلى النبي ◌َّة، فوجده قد مات قبله بخمس ليال، أو ستّ، ثمّ نزل الشام. رَوَى عن النبي ◌ُّر مرسلاً، وعن أبي بكر، وعمر، وعليّ، وبلال، ومعاذ بن جبل، وغيرهم. وعنه أسلم مولى عمر، وأبو الخير مَرْتَد بن عبدالله اليزني، وأبو عبدالرحمن الحُبُليّ، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقةً قليل الحديث. وقال يعقوب بن شيبة: هؤلاء الصُّنَابحيون الذين يُروَى عنهم في العدد ستة، وإنما هما اثنان فقط، الصّنَابحي الأحمسي، وهو الصُّنَابح الأحمسي، هذان واحد، من قال فيه: الصنابحي، فقد أخطأ، وهو الذي يَروى عنه الكوفيّون، والثاني: عبدالرحمن بن عُسَيلة، كنيته أبو عبداللَّه، لم يدرك النبي وَّ، بل أرسل عنه، وروى عن أبي بكر، وغيره، فمن قال: عن عبدالرحمن الصُّنّابحيّ فقد أصاب اسمه، ومن قال: عن أبي عبدالله الصنابحيّ، فقد أصاب كنيته، وهو رجل واحد، ومن قال: عن أبي عبدالرحمن، فقد أخطأ، قلب اسمه، فجعله كنيته، ومن قال: عن عبداللّه الصنابحيّ، فقد أخطأ، قلب كنيته، فجعلها اسمه، هذا قول علي ابن المدينيّ، ومن تابعه، وهو الصواب عندي. وذكر ابن حبّان في ((الثقات)» عبدالرحمن بنَ عُسيلة نحو ما ذكره ابن سعد، وقال ابن يونس: شهد فتح مصر. وقال ابن معين: تأخر إلى زمن عبدالملك بن مروان، وكان عبدالملك يجلسه معه على السرير. وقال العجلي: شامي تابعي ثقة. وكان كثير المناقب، فمن أجلها ما أخرجه الطبراني في مسند عبادة من طريق ابن مُحَيريز، قال: عُذْنا عبادة بن الصامت، فأقبل أبو عبدالله الصنابحي، فقال عبادة: من سرّه أن ينظر إلى رجل عرج به إلى السماء، فنظر إلى أهل الجنّة، وأهل النار، فرجع، وهو يعمل على ما رأى، فلينظر إلى هذا. وذكره البخاريّ في ((التاريخ الأوسط)) في فصل من مات ما بين السبعين إلى الثمانين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٧- (معاذ بن جبل) بن عمرو بن أوس الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو عبدالرحمن، الصحابي الشهير ◌َّه، تقدم ٥٨٧/٤٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، وعقبة بن مسلم، فانفرد بهما هو، وأبو داود، وابن ماجه، وعقبة أيضًا أخرج له البخاري في ((الأدب المفرد)». = ٢٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ ومنها: أنه مسلسل بالمصريين إلى الصّنابحي، فإنه ومعاذًا شاميان. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، عقبة، والحبلي، والصّنابحي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن معاذ بن جبل) رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: أخذ بيدي رسول اللّه وَله) فيه إشارة إلى تمام المحبّة بينهما، وفي رواية ((عمل اليوم والليلة)) رقم-١٠٩ -: ((أن رسول اللَّهِ وَ لّ أخذ بيده يومًا ... ))، ونحوه لأحمد، وفي رواية له: ((قال: لقيني رسول الله وَ له، فقال: يامعاذ ... )) (فقال: إني لأحبك يا معاذ) وفي ((عمل اليوم والليلة)): ((يا معاذ والله إني لأحبك)). وفيه مزيد تشريف منه وَّل﴿ لمعاذ رضي اللّه تعالى عنه، وترغيب له فيما يريد أن يلقيه عليه من الذكر (فقلت: وأنا أحبك يا رسول الله) وفي رواية لأحمد: ((فقلت: يا رسول اللَّه وأنا والله أحبّك))، وفي رواية له، وهي رواية ((عمل اليوم والليلة)): ((فقال له معاذ: بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه، وأنا أحبك)) (فقال رسول اللَّه بِّهِ: فلا تَدَعْ) أي فلا تترك، وهو مما هُجر ماضيه في الأكثر، استغناءً عنه بـ(تَرَكَ))، وقد ورد قليلاً، وقُرىء ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ . أي إذا كنت تحبني، أو إذا أردت ثبات هذه المحبّة، حتى تؤتي ثمرتها، وهي كون المحب مع محبوبه في الجنة، فلا تترك أن تقول الخ. وفي رواية لأحمد: (( فإني أوصيك بكلمات تقولهنّ في كلّ صلاة ... ))، وفي ((عمل اليوم والليلة)): ((أوصيك يا معاذ، لا تدعنّ في دبر كلّ صلاة أن تقول ... )) (أن تقول) في تأويل المصدر مفعول («تدع)) (في كلّ صلاة) أي في آخرها قبل الخروج منها، وهذا هو الظاهر من هذه الرواية، وهو الذي مال إليه المصنف حيث أورده في جملة الدعوات التي يُدعَى بها في الصلاة قبل التحلل منها. وقيل: يدعو بها بعد الخروج من الصلاة، لما تقدّم في رواية ((عمل اليوم والليلة))، بلفظ: ((في دبر كل صلاة))، وهي عند أحمد، وأبي داود أيضًا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنه لا تخالف بين الروايتين، إذ الدبر يطلق على المتصل بالشيء، كدبر الحيوان، فيكون المعنى في آخر الصلاة قبل الخروج منها، أو يحمل على الحالتين، فيدعو بها في الصلاة، قبل السلام، وبعده، لكن المعنى الأول هو الأشبه بظاهر الحديث. والله تعالى أعلم .. (ربّ أعنّي) وفي ((عمل اليوم والليلة)): ((اللَّهم أعني))، وهي التي في رواية أحمد، ٦٠ - (نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الدُّعَاءِ) - حديث رقم ١٣٠٣ ٢٣٣ = وأبي داود(على ذكرك) أي على إكثار ذكرك، والمداومة عليه. قال الطيبي تَخّْلهُ: هو قريب من معنى حديث ربيعة بن كعب الأسلمي نَّه - يعني الذي تقدّم في ((باب فضل السجود)) - ١١٣٨/١٦٩ - حين سأله مرافقته وَ لّ في الجنّة، فقال: ((أعنّي على نفسك بكثرة السجود)) حيث علّق المحبة به بملازمة الذكر، والمرافقة بكثرة السجود. والمراد من الإعانة على ذكره شرحُ الصدر، وتيسيرُ الأمر، وإطلاقُ اللسان، وإليه يلمح قول الكليم عليه الصلاة والسلام: ﴿قَالَ رَبِّ ◌ٌشْرَعْ لِ صَدْرِى وَبَسِرْ لِّ أَثْرِى وَاَحْلُلْ عُقْدَةٌ مِّن لِّسَانِىٌ يَفْقَهُواْ قَوْلِ﴾ إلى قوله: ﴿كَنْ نُيِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٢٥ -٣٤]. (وشكرك) أي وأعني على إدامة شكرك. والمراد به توالي النعم الْمُستَجلِية لتوالي الشكر، وإنما طلب الإعانة عليه لأنه عَسِرٌ جدًا إلا لمن وفقه الله تعالى، ولذلك قال اللّه تعالى: ﴿وَقَلِلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] (وحسن عبادتك) أي وأعني على أن أُخسِنَ عبادتك التي أمرتني بها. والمراد التجردُ عما يَشْغَلُهُ عن اللَّه تعالى، ويُلهيه عن ذكره، وعن عبادته، ليتفرّغ لمناجاته سبحانه وتعالى، كما أشار إليه النبي وَلّ بقوله: ((وجعلت قُرَّة عيني في الصلاة))(١)، وأخبر عن هذا المقام حينما فَسّر الإحسان بقوله: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك))(٢). زاد في ((عمل اليوم والليلة)): ((وأَوصَى بذلك معاذ الصّنَابحيَّ، وأوصى به الصّنابحي أبا عبدالرحمن، وأوصى به أبو عبدالرحمن عُقْبة بن مسلم)). وهو عند أحمد، وأبي داود أيضًا. وسيأتي الكلام عليه. ووجه تخصيص الوصيّة بهذه الكلمات الثلاث كونها مشتملة على جميع خيرات الدنيا والآخرة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: (١) حديث صحيح أخرجه أحمد، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي من حديث أنس رَّه مرفوعًا، ولفظه: ((حُبِّبَ إليّ من دنياكم: النساء، والطيب، وجُعِلَتْ قُرّةُ عيني في الصلاة)). (٢) متفق عليه . ٢٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ أخرجه هنا-١٣٠٣/٦٠ - وفي ((الكبرى)) - ١٢٢٦/٩٤ - عن يونس بن عبدالأعلى، عن ابن وهب، عن حَيْوَة بن شُريح، عن عُقبة بن مسلم، عن أبي عبدالرحمن الحُبُلي، عن الصنابحي، عنه. وفي ((عمل اليوم والليلة)) -١٠٩ - عن محمد بن عبدالله بن یزید، عن أبيه، عن حيوة به. وأخرجه (د) -١٥٢٢ - (أحمد) ٢٤٤/٥، و٢٤٧/٥ (ابن خزيمة) ٧٥١. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة : قد تقدّم في رواية ((عمل اليوم والليلة)) من طريق عبدالله بن يزيد المقرىء زيادة ((وأوصى بذلك معاذ الصُّنَابحيَّ ... )) الحديث. وهذا هو النوع المسمى في فنّ ((المصطلح)) بـ((المُسَلْسَل))، وهو: ما تتابع رجال إسناده على صفة، أو حالة للرّواة تارةً، وللرواية تارةً أخرى. وصفات الرجال إما أقوال، أو أفعال. فالمسلسل بأحوال الرواة القولية، كحديث معاذ رضي الله تعالى عنه هذا، حيث تتابع الرواة بقولهم: ((وأنا أحبك، فقل ... ))، فقد تسلسل ذلك حتى وصل إلينا من طريق بعض شيوخنا . والمسلسل بأحوال الرواة الفعلية كمسلسل التشبيك باليد، وهو حديث أبي هريرة رَّهِ (شبّك بيدي أبو القاسم وَ لهر، وقال: خلق الله الأرض يوم السبت ... )) الحديث، فقد تسلسل تشيبك كلّ واحد من رواته بيد من رواه عنه حتى وصل إلينا عن طريق بعض شيوخنا أيضًا. وله أنواع كثيرة، وأفضله ما دلّ على الاتصال، ومن فوائده زيادة الضبط . وتفاصيله مذكورة في ((التدريب)) وغيره من كتب المصطلح. وقدأشار إليه الحافظ العراقي ◌َمّلهُ في ((ألفية المصطلح)): مُسَلْسَلُ الْحَدِيثِ مَا تَوَارَدَا فِيهِ الرُّوَاةُ وَاحِدًا فَوَاحِدَا حَالاً لَهُمْ أَوْ وَضْفًا أَوْ وَضْفَ سَنَدْ كَقَوْلِ كُلْهِمْ سَمِعْتُ فَاتَّذْ وَقَلَّمَا يَسْلَمُ ضُغْفًا يَخْصُلٍ وَقَسْمَهُ إِلَى ثَمَانِ مُثُلٍ وَمِنْهُ ذُو نَقْصٍ بِقَطْعِ السَّلْسَلَةِ كَأَوَّلِيَّةٍ وَبَغْضٌ وَصَلَةْ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في فوائده : ٦١- (نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الدُّعَاءِ) - حديث رقم ١٣٠٤ = ٢٣٥ = منها: مشروعية الدعاء بهذا الدعاء في الصلاة. ومنها: بيان فضل معاذ رضي اللَّه تعالى عنه، حيث كان يحبه رسول اللّه وَله. ومنها: أنه ينبغي لمن قيل له: أُحبّك أن يقول للقائل: وأنا أحبك، إذ بذلك تتقوّى المحبّة وتدوم. ومنها: أنه ينبغي للعبد أن يطلب من ربه العون على طاعته، فإنه لا حول، ولا قوّة له إلا به سبحانه وتعالى، فالموفق من وفقه الله تعالى لطاعته، واستعمله في مرضاته. وفقنا الله تعالى لما يحبه، ويرضاه. ((ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمةً، إنك أنت الوهاب))، ((ربنا أتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٦١- (نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الدُّعَاءِ) ١٣٠٤ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوِدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنْ شَدَّادِ ابْنِ أَوْسٍ، أَنَّ رَسُولَ النَّبِيَّ ◌َِله كَانَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ قَلْبَا سَلِيمًا، وَلِسَانَا صَادِقًا، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ))). رجال هذا الإسناد : ستة : ١- (أبو داود) سليمان بن مَعْبد بن كوسجان(١) المروزي السُّنْجِيّ(٢) النحوي، مولى إسحاق القراب، ثقة صاحب حديث رَحّال أديب [١١]. رَوَى عن عبدالرزاق، والنضر بن شُميل، وسليمان بن حرب، وغيرهم. وعنه (١) ((كوسجان)) بمهملة، ثم جيم. (٢) ((السنجيّ)) بكسر المهملة، بعدها نون ساكنة، ثم جيم: نسبة إلى سِنْج قرية بمرو. قاله في ((لب اللباب)) جـ ٢ ص ٣١ . ٢٣٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ مسلم، والترمذي، والنسائي، وأبو حاتم، وغيرهم. قال النسائي: ثقة، وقال الخطيب: رحل في طلب العلم إلى العراق، والحجاز، واليمن، ومصر، وقدم بغداد، وذاكر الحُفّاظ بها. وقال الحازمي: كان أديبًا شاعرًا، وله تاريخ. وقال مسلمة: مروزي ثقة، ونقل الصريفيني عن ابن خراش توثيقه. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: مات سنة (٢٥٩) زاد غيره ((في ذي الحجة)). انفرد به مسلم، والترمذي، والنسائي. وقال صاحب ((الزهرة)): روى عنه مسلم تسعة أحاديث(١). ٢- (سليمان بن حرب) الأزدي الواشحي، أبو أيوب البصري، نزيل مكة وقاضيها، ثقة إمام حافظ [٩] تقدّم ٢٨٨/١٨١. ٣- (حماد بن سلمة) أبو سلمة البصري، ثقة عابد، تغير حفظه بآخره، من كبار [٨] تقدم ٢٨٨/١٨١ . ٤- (سعيد الْجُرَيري) هو ابن إياس، أبو مسعود البصري، ثقة اختلط قبل موته بثلاث سنين(٢) [٥] تقدّم ٣٢/ ٦٧٢ . ٥- (أبو العلاء) بن الشِّخِير هو: يزيد بن عبدالله بن الشِّخِير العامري البصري، ثقة [٢] تقدّم ٣٢ /٦٧٢ . ٦- (شدّاد بن أوس) بن ثابت الأنصاريّ، أبو يعلى الصحابي، ابن أخي حسّان بن ثابت رَّا، تقدّم ١١٤١/١٧٢. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن شداد بن أوس) رضي اللَّه تعالى عنه (أن رسول اللَّه مَليل كان يقول في صلاته) أي بعد التشهد. قاله القاري. وقال ابن حجر الهَيتمي: أي في آخرها. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن حجر والقاري رحمهما الله هو الذي يقتضيه صنيع المصنف ◌ّْثهُ حيث أورده في جملة الدعوات التي يُدعى بها بعد التشهد، والصلاة على النبي وَل . لكن لا يقتضيه لفظ الحديث، فإنه مطلق، ولذا قال الشوكاني ◌َخْذَ هُ: هذا الدعاء ورد مطلقًا في الصلاة، غير مقيّد بمكان مخصوص انتهى. (١) لم يذكر في برنامج الحديث مرويات النسائي عنه؛ لأنه ترجم لسليمان بن سبق خطأ، فليتنبه. (٢) لكن سماع حماد بن سلمة عنه قبل اختلاطه، فحديثه صحيح. راجع ((تهذيب الكمال)) جـ ٤ ص ٧ . ٢٣٧ ٦١- (نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الدُّعَاءِ) - حديث رقم ١٣٠٤ اللَّهم إلا أن يقال: إن أمر النبي وَ لَّ بالدعاء بعد التشهد يؤيد كونه فيه، وإن كان لا يستلزمه . والحاصل أن محله لا يخلو أن يكون إما في حال السجود، وإما بعد التشهد، وإما فيهما، فحصلت المناسبة لذكره في هذا الموضع. والله تعالى أعلم. وعند أحمد في رواية: ((كان رسول اللَّه ◌َ له يعلّمنا كلمات ندعو بهنّ في صلاتنا، أو قال: في دبر صلاتنا)) . (اللَّهمّ إني أسألك الثبات) وفي ((الهندية)) ((الثبوت)) (في الأمر) أي الدوام على جميع أمور الدين، ولزوم الاستقامة عليها. وسؤال الثبات في الأمر من جوامع الكلم النبوية، لأن من ثبّته اللَّه في أموره عُصم عن الوقوع في الموبقات، ولم يصدر منه أمر خلاف ما يرضاه الله تعالى. قاله في ((النيل)). (والعزيمة على الرشد) ((العزيمة)): تكون بمعنى إرادة الفعل، وبمعنى الجدّ في طلبه، والمناسب هنا هو الثاني. قاله في ((النيل)) أيضًا. وفي ((المرعاة)): ((العزيمة)): عَقدُ القلب على إمضاء الأمر، يقال: عَزَمَ الأمرَ، وعليه: عقد ضميره على فعله، وعزم الرجلُ: جدّ في الأمر. و ((الرشد)-بفتحتين، أو بضم، فسكون -: بمعنى الصلاح، والفلاح، والصواب، والاستقامة على طريق الحقّ. قيل: المراد لزوم الرشد ودوامه، وفي رواية الترمذي: ((أسألك عزيمة الرشد)) يعني الجدّ في أمر الرشد بحيث يُنجز كلّ ما هو رشد من أموره. (وأسألك شكر نعمتك) أي التوفيق لشكر نعمتك (وحسن عبادتك) أي إيقاعها على الوجه الحسن المرضيّ عندك (وأسألك قلبًا سليمًا) أي من العقائد الفاسدة، والميل إلى الشهوات العاجلة ولذّاتها، وتتبع ذلك الأعمالُ الصالحات، إذ من علامة سلامة القلب تأثيرها إلى الجوارح، كما أن صحة البدن عبارة عن حصول ما ينبغي من استقامة المزاج، والتركيب، والاتصال، ومرضه عبارة عن زوال أحدها. وقيل: المراد سليمًا من الغلّ والغش، والحقد، والإحن، وسائر الصفات الرديّه، والأحوال الدنيّة . (ولسانًا صادقًا) أي محفوظًا من الكذب، لا يبرز منه إلّ الحقّ المطابق للواقع (وأسألك من خير ما تعلم) قال الطيبي ◌َخْذّثهُ: ((ما)) موصولة، أو موصوفة، والعائد محذوف، و((من)) يجوز أن تكون زائدة على مذهب من يزيدها في الإثبات، أو بيانية، والْمُبَيِّن محذوف، أي أسألك شيئًا هو خير ما تعلم، أو تبعيضية، سأله إظهارًا لهضم ٢٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْو النفس، وأنه لا يستحقّ إلّا يسيرًا من الخير انتهى (وأعوذ بك من شرّ ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم) أي لأجل ما تعلمه مني من الذنوب والتقصير في طاعتك. وفي رواية الترمذي ((مما تعلم) أي من الذي تعلمه. وزاد الترمذي: ((إنك أنت علام الغيوب)). وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في ((تحفة الذاكرين)) في شرح هذا الحديث: ما نصّه : سأل النبيُّ وَجله ربّه الثبات في الأمر، وهي صيغة عامّة، يندرج تحتها كلّ أمر من الأمور، وإذا وقع الثبات للإنسان في كلّ أموره أجراها على السداد والصواب، فلا يَخشى من عاقبتها، ولا تعود عليه بضرر. وسأله عزيمة الرشد، وهي الجدّ في الأمر بحيث يُنجز كلّ ما هو رشد من أموره. و((الرشد)): هو الصلاح، والفلاح، والصواب. ثم سأله شكر نعمته، وحسن عبادته، لأن شكر النعمة يوجب مزيدها، واستمرارها على العبد، فلا تُنزِع منه، وحسن العبادة يوجب الفوز بسعادة الدنيا والآخرة. وسأله اللسان الصادق، لأن الصدق هو ملاك الخیر کله. وسأله سلامة القلب، لأن من كان كذلك يَسلَم عن الحقد، والغلّ، والخيانة، ونحو ذلك. وسأله أن يُعيذه من شرّ ما يعلم سبحانه. وسأله من خير ما يعلم، لإحاطة علمه سبحانه بكلّ دقيقة وجليلة بما يعلمه البشر، وبما لا يعلمونه، فلا يبقى خير ولا شرّ إلا وهو داخل في ذلك. واستغفره مما يعلمه سبحانه، لأنه يعلم بكلّ ذنب، مما يعلمه العبد، ومما لا يعلمه، وما أوقع تتميم هذا الدعاء بهذه الجملة الواقعة موقع التأكيد لما قبلها، وهي قوله: ((إنك أنت علام الغيوب)) انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته : حدیث شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه حسن. (اعلم): أن هذا الحديث، وإن كان رجاله ثقات، إلا أنه منقطع، سقط من إسناده رجل من بني حنظلة بين العلاء وبين شداد بن أوس، فقد أخرجه أحمد ٤/ ٥٤ و (١) ((تحفة الذاكرين)) ص ٢٨٥ - ٢٨٦ . ٢٣٩ ٦١- (نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الدُّعَاءِ) - حديث رقم ١٣٠٤ الترمذيّ - ٣٤٠٧ - في الدعوات، والطبراني - ٧١٧٥، و،٧١٧٦ و٧١٧٧ - من طرق عن سعيد الجريري، عن أبي العلاء، عن الحنظليّ، أو عن رجل من بني حنظلة، عن شدّاد بن أوس، وأخرجه الطبراني-٧١٧٨- وقال: عن رجل من بني مجاشع. والحنظلي لا يعرف. وأخرجه ابن حبّان برقم -، ٩٣٥ والطبراني - ٧١٥٧ - من طريق هشام بن عمّار، عن سُويد بن عبدالعزيز، عن الأوزاعيّ، عن حسّان بن عطيّة، عن مسلم بن مشكم، عن شدّاد . وسويد بن عبدالعزيز ضعيف، وباقي رجاله ثقات. وأخرجه أحمد ١٢٣/٤ - من طريق روح، وابن أبي شيبة ٢٧١/١٠، والخرائطي في ((فضيلة الشكر)) ص ٣٤ من طريق عيسى بن يونس، كلاهما عن الأوزاعيّ، عن حسّان ابن عطية، قال: كان شدّاد بن أوس ... ورجاله ثقات، إلّا أن حسّان بن عطية لم يُدرك شدّادًا . وأخرجه الحاكم في ((المستدرك)) ٥٠٨/٢- من طريق عمر بن يونس بن القاسم اليمامي، عن عكرمة بن عمّار، سمعت شدّادًا أبا عمّار يحدّث عن شدّاد بن أوس. وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وفي عكرمة بن عمّار كلام يحطّه عن رتبة الصحيح إلى الحسن. وأخرجه الطبراني -٧١٣٥ - من طريق جعفر بن محمد الفريابي، وسليمان بن أيوب ابن حذلم الدمشقي، قالا: حدثنا سليمان بن عبدالرحمن الدمشقيّ، حدثنا إسماعيل بن عيّاش، حدّثني محمد بن يزيد الرحبيّ الدمشقيّ، عن أبي الأشعث الصنعاني - شراحيل ابن آدة- عن شدّاد بن أوس، قال: قال لي رسول اللَّه ◌ُ له: ((يا شدّاد إذا رأيت الناس قد اكتنزوا الذهب والفضّة، فاكنز هؤلاء الكلمات: اللّهمّ إني أسألك الثبات في الأمر ... )). وهذا سند حسن، رجاله ثقات، غير محمد بن يزيد، فقد أورده ابن أبي حاتم ٨/،١٢٧ ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً، وروى عنه جمع، فمثله يكون حسن الحديث(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: فهذه الطرق يشدّ بعضها بعضًا، فيتقوّى الحديث بها، فيكون حسنا، بل لا يبعد أن يكون صحيحًا لغيره، كما صححه ابن حبّان، والحاكم، كما مرّ. (١) راجع تخريج ((صحيح ابن حبان)) للشيخ شعيب الأرنؤط جـ ٥ ص ٣١١ - ٣١٢ . == ٢٤٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ والحاصل أن هذا الحديث لا ينزل عن درجة الحسن لما ذكر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا- ١٣٠٤/٦١ - وفي ((الكبرى)) -٩٥-١٢٢٧ بالسند المذكور. وتقدم تخريجه في المسألة السابقة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللّه، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٦٢- (نَوْعٌ آخَرُ ) ١٣٠٥ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: صَلَّى بِنَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرِ صَلَاةٌ، فَأَوْجَزَ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ: لَقَدْ خَقَّفْتَ، أَوْ أَوْجَزْتَ الصَّلَاةَ!، فَقَالَ: أَمَّا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ دَعَوْتُ فِيهَا بِدَعَوَاتٍ، سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وََّ، فَلَمَّا قَامَ تَبِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ -هُوَ أَبِي، غَيْرَ أَنَّهُ كَنَى عَنْ نَفْسِهِ - فَسَأَلَهُ عَنِ الدُّعَاءِ؟، ثُمَّ جَاءَ، فَأَخَبَرَ بِهِ الْقَوْمَ: ((اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَِّي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرَا لِي. اللَّهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنِ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَزْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ الَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةً، وَلَا فِتَْةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيْنَا بِزِينَةِ الإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (يحيى بن حبيب بن عربيّ) البصري، ثقة [١٠] تقدم ٦٠/ ٧٥. ٢- (حمّاد) بن زيد بن درهم الحافظ الثبت الحجة [٨] تقدم ٣/٣ . ٣- (عطاء بن السائب) الثقفي الكوفي، صدوق اختلط، لكن رواية حماد بن زيد عنه قبل الاختلاط [٥] تقدم ١٥٢/ ٢٤٣ . ٤- (أبوه) السائب بن مالك، ويقال: ابن يزيد، ويقال: ابن زيد، أبو يحيى، ويقال: أبو كثير الكوفي، والد عطاء ثقة [٢].