Indexed OCR Text
Pages 101-120
٤٨- (بَاب التَّمْجِيدِ، وَالصَّلاَةِ عَلَى ... - حديث رقم ١٢٨٤ ١٠١ ٣- (أبو هانىء) حُميد بن هانىء الْخَوْلانيّ المصري، لا بأس به [٥]. أدرك سليم بن عمرو، ورَوَى عن عمرو بن حُرَيث، وأبي عبدالرحمن الْحُبُليّ، وأبي علي الْجَنبي، وغيرهم. وعنه ابن وهب، والليث، وابن لَهيعة، وغيرهم. قال أبو حاتم: صالح. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين. وقال ابن شاهين في ((الثقات)): هو أكبر شيخ لابن وهب، رَفَعَ به أحمدُ بن صالح المصريّ. وقال الدارقطني: لا بأس به ثقة. وقال ابن عبدالبرّ: هو عندهم صالح الحديث، لا بأس به. وقال ابن يونس: توفي سنة (١٤٢). أخرج ه البخاري في ((الأدب المفرد))، والباقون، وله في هذا الكتاب (٥) أحاديث. ٤- (أبو عليّ الْجَنْبِيّ) عَمْرو بن مالك الْهَمْدَاني المرادي، مصريّ ثقة [٣]. رَوَى عن فَضَالة بن عبيد، وأبي سعيد الخدري، وأبي ريحانة على خلاف فيه. وعنه أبو هانىء، ومحمد بن شُمَير الرُّعَيني. قال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: روى عن عُقبة بن عامر الْجُهنيّ. ووثقه العجليّ، والدراقطني. قال ابن يونس: توفي سنة (١٠٣) وقال الحسن بن علي العَدَّاس: مات سنة (١٠٢). أخرج ه البخاري في ((الأدب المفرد))، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث . [فائدة]: ((الْجَنّبي)) -بفتح الجيم، وسكون النون، آخره باء موحّدة -: نسبة إلى جَنْب قبيلة من اليمن. قاله في ((اللباب)) ج١ ص ٢٩٤-٢٩٥ . ٥- (فَضَالة بن عُبَيد) بن نافذ بن قيس بن صُهَيبة، ويقال: صُهيب بن الأصرم بن جَحْجَبًا بن كُلْفَة بن عَوْف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، أبو محمد الأنصاريّ الأوسيّ، صاحب النبي بَّل، شهد أحدًا، وبايع تحت الشجرة، وشهد خيبر مع النبي وَخَّر، وولّاه مُعاوية على الغَزْو، ثم ولّاه قضاء دمشق، وكان خليفة معاوية على دمشق إذا غاب عنها، وابتنى بها دارًا. روى عن النبي ◌َّر، وعن عمر بن الخطّاب، وأبي الدرداء. وعنه أبو عليّ الجنبي، وثُمَامة بن شُفيّ، وحَنَش الصنعاني، وغيرهم. قال الواقدي: قدم رسول اللّه وَّر المدينة، وهو ابن ست سنين، ومات رسول الله وَّر، وهو ابن سبع عشرة سنة. وقال خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه: كان أبو الدّرداء على القضاء بدمشق، فلمّا حضرته الوفاة قال له معاوية: من ترى لهذا الأمر؟، قال: فَضالة بن عُبيد، فلمّا ١٠٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ مات أرسل معاوية إلى فضالة، فولّاه القضاء، فقال له: أما إني لم أَحْبُكَ بها، ولكنني استترت بك من النار، فاستتر منها ما استطعت. وقال أبو الحسن المدائنيّ، وغير واحد: مات سنة (٥٣)، وقيل: سنة (٦٧)، قال الحافظ المزّيّ: والصحيح الأوّل. وقال ابن حبّان في ((الصحابة)): سكن مصر، والشام، ومات في ولاية معاوية، وكان معاوية ممن حَمَلَ سريرَه، وقال ابن يونس: شهد فتح مصر، وولي بها البحر والقضاء لمعاوية. رضي اللّه تعالى عنهما. أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والباقون، وله في هذا الكتاب (٨) أحاديث. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى، وأن رجاله كلهم موثقون، وأنه مسلسل بالمصريين، وأن فيه رواية تابعيّ، عن تابعي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي هانىء) حُميد بن هانىء (أن أبا عليّ الْجنبي) عمرو بن مالك الْهَمْدَاني (حدّثه) أي أبا هانىء (أنه سمع فضالة بن عبيد) بفتح الفاء، وتخفيف الضاد المعجمة، و((عُبيد)) بصيغة التصغير رضي الله تعالى عنه (يقول: سمع رسول اللَّه ◌َل رجلاً يدعو في صلاته) وفي نسخة ((في الصلاة)). ولفظ الترمذي: بينا رسول اللّه وَ ل قاعد، إذ دخل رجل، فصلى، فقال: اللَّهم اغفرلي، وارحمني، فقال رسول اللَّه ◌َلّ: ((عجلت أيها المصلي، إذا صليت، فقعدت، فاحمد الله بما هو أهله، وصلّ عليّ، ثم ادعه))، قال: ثمّ صلى رجل آخرٍ بعد ذلك، فحمد الله، وصلى على النبي وَّ، فقال له النبي ◌َّرَ: ((أيها المصلي ادع تُجب)). قال: هذا حديث حسن. ورواية المصنف صريحة في كون دعاء ذلك الرجل داخلَ الصلاة. (لم يمجّد الله) تعالى، أي لم يصفه بصفات العظمة والكبرياء، ولم يُثْن عليه بما هو أهله. وفي نسخة ((لم يحمد الله)) بالحاء المهملة، من الحمد (ولم يصلّ على النبي ◌َّ، فقال رسول اللّه ◌َّر: عجلت أيها المصلي) - بفتح العين المهملة، وكسر الجيم- من باب علم، ويجوز تشديد الجيم مع الفتح، أي أسرعت إلى الدعاء، وعَرَضْتَ السؤال قبل تقديم الوسيلة من التمجيد والثناء على الله تعالى بما هو أهله، والصلاة على النبي · 醬 ٤٨- (بَأَبِ التَّمْجِيدِ، وَالصَّلاَةِ عَلَى ... - حديث رقم ١٢٨٤ E ١٠٣ وفيه إشارة إلى أن حقّ السائل أن يتقرّب إلى المسؤول منه قبل طلب الحاجة بما يوجب له الزُّلْفَى عنده، ويتوسّل بشفيع له بين يديه، ليكون أطمعَ في الإسعاف، وأحقَّ بالإجابة، فمَن عَرَضَ السؤالَ قبل تقديم الوسيلة، فقد استعجل. (ثم علّمهم رسول اللَّه وََّ) فيه حذف المفعول الثاني، أي آدابَ الدعاء، ولم يُبَيَّن في رواية المصنف هنا ما ذا علّمهم؟، وقد بُيِّنَ في رواية الترمذي المتقدّمة، وكذا في رواية أبي داود، ولفظه: ثم دعاه، فقال له، أو لغيره: ((إذا صلّى أحدكم، فليبدأ بتمجيد ربّه، والثناء عليه، ثمّ يصلّي على النبي وَّر، ثم يدعو بما شاء)). (فسمع رسول اللَّه وَّ) - بالفاء- وفي نسخة ((وسمع)) بالواو، والأول يفيد أن الرجل إنما سمعه النبي ◌َ ◌ّ بعد أن علّمهم، وأصرح من هذا رواية الترمذي المتقدّمة، حيث قال: ((ثمّ صلى رجل آخر بعد ذلك، فحمد الله)) ... (رجلاً يصلي) الجملة في محلّ نصب صفة ل((رجلاً)) (فمجّد الله، وحمده) وفي رواية الترمذي: ((فحمد الله بما هو أهِلِه)) ... (وصلى على النبي وَّل، فقال رسول اللَّه ◌َله: ادع) فعل أمر من الدعاء (تُجب) فعل مضارع مغيّر الصيغة، مجزوم على أنه جواب الأمر، كما قال ابن مالك رحمه الله تعالى: وَبَعْدَ غَيْرِ النَّفْي جَزْمًا اعْتَمِدْ إِنْ تَسْقُطِ الْفَا وَالْجَزَاءُ قَدْ قُصِدْ (وسَلْ) أمر من سأل يسأل، والأصل (اسأل)) بهمزة وصل، لكن خُفّف، وفيه لغة أخرى سال يسال، كخاف يخاف، وعلى هذه اللغة فالأمر ((سَلْ))، ولا تخفيف فيها. أفاده الفيّومي (تعط) فعل مضارع مغيّر الصيغة مجزوم على أنه جواب الأمر، كسابقه، وفي رواية أبي داود: ((ثم يدعو بماشاء)) . والحديث دليل على مشروعية ما ذكر من التمجيد، والصلاة على النبي ◌َّر، والدعاء بما شاء، وهو موافق لحديث ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه، وغيره، لأن أحاديث التشهد تتضمّن ما ذُكر من الحمد والثناء، وهي مبيّنة لما أجمله هذا الحديث، وسيأتي الكلام على اختلاف أهل العلم في ذلك في الباب التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته : حديث فَضَالة بن عُبيد رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٤٨ / ١٢٨٤ - وفي ((الكبرى)) - ١٢٠٧/٨٣ - عن محمد بن سلمة، عن ١٠٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ ابن وهب، عن أبي هانىء حُمَيد بن هانىء، عن أبي علي الْجَنْبي عمرو بن مالك، عنه. [تنبيه]: وقع في ((تحفة الأشراف)): ما نصه: ((عن ابن وهب، عن حَيوَة ابن شُرَيح)) الخ، بزيادة ((حيوة بن شُريح)) بين ابن وهب وأبي هانىء، وهذا غلط، لأن ابن وهب يروي عن أبي هانىء بدون واسطة، فلا ذكر لـ((حيوة بن شُريح)) في سند المصنف رحمه الله تعالى. وإنما وقع ((حيوة)) في سند أبي داود، حيث رواه عن أحمد بن حنبل، عن أبي عبدالرحمن المقرىء، عن حيوة بن شُريح، عن أبي هانىء به، وكذا في سند الترمذي، حيث رواه عن محمود بن غَيْلانَ، عن المقرىء، عن حيوة به. فتنبه. والله تعالى وليّ التوفيق . وأخرجه (د) رقم - ١٤٨١ - و(ت)، ٣٤٧٦ و٣٤٧٧ - (وأحمد) ١٨/٦ (وابن خزيمة) ٧٠٩ و٧١٠. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو مشروعية تمجيد اللَّه سبحانه وتعالى، والصلاة على النبي ◌َّ في الصلاة. ومنها: مشروعية الدعاء في الصلاة. ومنها: أن تقديم التمجيد والصلاة على النبي ◌َّر من أسباب قبول الدعاء، فينبغي للداعي أن يقدم ذلك أمام طلب حاجته من الله سبحانه وتعالى. ومنها: بيان شرف النبي وَلّه، وعظمة منزلته عند الله تعالى، حيث كانت الصلاة عليه سببًا لاستجابة الدعاء. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في معنى الصلاة على النبي ◌َّ - : (اعلم): أنه كتب الإمام المحقق ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه النفيس ((جَلَاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام)) بحثا نفيسًا في معنى الصلاة على النبي وَلّ، أبان فيه عن سعة علمه، وبراعة فهمه، أحببت إيراده هنا تتميمًا للفوائد، ونشرًا للعوائد. قال رحمه الله تعالى: أصل هذه اللفظة في اللغة، يرجع إلى معنيين: (أحدهما): الدعاء والتبريك. (والثاني): العبادة، فمن الأوّل قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةُ تُطَهِّرُهُمْ وَنُزَيْبِهِم ◌ِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة]: ١٠٣]. وقوله تعالى في حقّ المنافقين: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا وَلَ نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِةٍ﴾ الآية [التوبة: ٨٤]. وقولُ النبي ◌ِّ: ((إذا دُعي أحدُكم إلى الطعام، فليجب، فإن كان صائما، فليُصلِّ)). رواه مسلم. فُسّر بهما، ٤٨- (باب التَّمْجِيدِ، وَالصَّلاَةِ عَلَى ... - حديث رقم ١٢٨٤ ١٠٥ = قيل: فليدع لهم بالبركة، وقيل: يُصلي عندهم بدل أكله. وقيل: إن الصلاة في اللغة معناها الدعاء، والدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، والعابد داع، كما أن السائل داع، وبهما فُسّر قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، قيل: أطيعوني ◌ُثبكم، وقيل: سلوني أُعطكم، وفُسّر بهما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِّ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [البقرة: ١٨٦]. والصواب أن الدعاء يعمّ النوعين، وهذا لفظ متواطىء، لا اشتراك فيه، فمن استعماله في دعاء العبادة قوله تعالى: ﴿قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّقْ فِى السَّمَوَتِ وَلَا فِ اُلْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اَللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَؤُاُ بِكُتْ رَبِّ لَوَلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]. والصحيح من القولين لولا أنكم تدعونه وتعبدونه، أي أيّ شيء يعبأ بكم لولا عبادتكِم إياه، فيكون المصدر مضافًا إلى الفاعل، وقال تعالى: ﴿آدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلَا نُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا وَأَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعَاً﴾ [الأعراف: ٥٥-٥٦]، وقال تعالى إخبارًا عن أنبيائه ورسله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَا﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وهذه الطريقة أحسن من الطريقة الأولى، ودعوى الاختلاف في مسمى الدعاء، وبهذا تزول الإشكالات الواردة على اسم الصلاة الشرعية، هل هو منقول عن موضوعه في اللغة، فيكون حقيقة شرعيّةً، أو مجازا شرعيًا فعلى هذا تكون الصلاة باقية على مسماها في اللغة، وهو الدعاء، والدعاء: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، والمصلي من حين تكبيره إلى سلامه بين دعاء العبادة، ودعاء المسألة، فهو في صلاة حقيقية، لا مجاز فيها، ولا منقولة، لكن خُصَّ اسم الصلاة بهذه العبادة المخصوصة كسائر الألفاظ التي يخصّها أهل اللغة والعرف ببعض مسماها، كالدآبة، والرأس، ونحوهما، فهذا غايته تخصيص اللفظ وقصره على بعض موضوعه، وهذا لا يوجب نقلاً، ولا خروجًا عن موضوعه الأصلي. والله أعلم. قال العلامة ابن القيّم تَخّْثهُ: هذه صلاة الآدميّ، وأما صلاة اللَّه سبحانه على عبده فنوعان: عامّة، وخاصّة: أما العامّة فهي صلاته على عباده المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَئِكَتُهُ﴾ الآية، ومنه دعاء النبي ◌َّ بالصلاة على آحاد المؤمنين، كقوله: ((اللَّهمّ صلّ ١٠٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ على آل أبي أوفى))(١). وفي حديث آخر أن امرأةً قالت له: صلّ عليّ، وعلى زوجي، قال: ((صلّى اللَّه عليك، وعلى زوجك))(٢). النوع الثاني: صلاته الخاصّة على أنبيائه ورسله، خصوصًا على خاتمهم وخيرهم محمد رَّل*، فاختلف الناس فيه على أقوال: (أحدها): أنها رحمته، أخرج إسماعيل القاضي، عن الضّخاك، قال: صلاة الله رحمته، وصلاة الملائكة الدعاء. وقال المبرّد: أصل الصلاة الرُّخْمُ، فهي من الله رحمة، ومن الملائكة رقّة، واستدعاء للرحمة من الله. وهذا القول هو المعروف عند كثير من المتأخرين. والقول الثاني: أن صلاة اللَّه مغفرته، أخرج إسماعيل القاضي عن الضحاك أيضًا، قال: صلاة اللَّه مغفرته، وصلاة الملائكة الدعاء(٣). وهذا القول من جنس الذي قبله، وهما ضعيفان لوجوه: (أحدها): أن الله سبحانه فرّق بين صلاته على عباده ورحمته، فقال تعالى: ﴿وَبَشِّرٍ الصَبرين أُوْلَّكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ ١٥٦ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ ١٥٥ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥-١٥٧]، فعَطَفَ الرحمةَ على الصلاة، فاقتضى ذلك تغايرهما، هذا أصل العطف، وأما قولهم: وَأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبَا وَمَيْنًا فهو شاذّ نادر لا يُحمَلُ عليه أفصح الكلام، مع أن الْمَيْن أخصّ من الكذب. (الوجه الثاني): أن صلاة اللَّه سبحانه خاصّةٌ بأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين، وأما رحمته فوسعت كلّ شيء، فليست الصلاة مرادفةً للرحمة، لكن الرحمة من لوازم الصلاة وموجباتها وثمراتها، فمن فسّرها بالرحمة، فقد فسّرها ببعض ثمراتها ومقصودها، وهذا كثيرًا ما يأتي في تفسير ألفاظ القرآن، والرسول ◌َل يفسّر اللفظة بلازمها وجزء معناها، كتفسير الريب بالشكّ، والشكُّ جزء مسمى الريب، وتفسير المغفرة بالستر، وهو جزء مسمّى المغفرة، وتفسير الرحمة بإرادة الإحسان، وهو لازم الرحمة، ونظائر ذلك كثيرة. (الوجه الثالث): أنه لا خلاف في جواز الترحم على المؤمنين، واختَلَفَ السلفُ (١) متفق عليه . (٢) أخرجه الدارمي من حديث جابر مطولًا جـ ١ ص ٢٤ بسند رجاله ثقات. (٣) ((فضل الصلاة على النبي ◌َ﴾)) ص ٨٠ - ٨١. ٤٨- (بَآب التَّمْجِيدِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى ... - حديث رقم ١٢٨٤ ١٠٧ == والخلفُ في جواز الصلاة على غير الأنبياء على ثلاثة أقوال، سنذكرها فيما بعد، إن شاء الله تعالى، فعلم أنهما ليسا بمترادفين. (الوجه الرابع): أنه لو كانت الصلاة بمعنى الرحمة، لقامت مقامها في امتثال الأمر، وأسقطت الوجوب عند من أوجبها، إذا قال: اللَّهم ارحم محمدًا، وآل محمد، وليس الأمر كذلك. (الوجه الخامس): أنه لا يقال: لمن رحم غيره، ورقّ عليه، فأطعمه، أو سقاه، أو کساه: إنه صلّی علیه، ويقال : إنه قد رحمه. (الوجه السادس): أن الإنسان قد يرحم من يُبغضه ويعاديه، فيجد في قلبه له رحمةً، ولا يصلي عليه. (الوجه السابع): أن الصلاة لا بدّ فيها من كلام، فهي ثناء من المصلي على من يُصلي عليه، وتنويه به، وإشارة لمحاسنه ومناقبه وذكره. ذكر البخاري تَخْذَلُهُ في ((صحيحه)) تعليقاً ج٨ ص٤٠٩ - عن أبي العالية، قال: صلاة الله على رسوله ثناؤه عليه عند الملائكة. وصله إسماعيل القاضي في ((فضل الصلاة على النبي (وَّ)) عن نصر بن عليّ، عن خالد بن يزيد، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، قال: صلاة اللَّه عزّ وحلّ ثناؤه عليه، وصلاة الملائكة عليه الدعاء(١). (الوجه الثامن): أن اللَّه سبحانه فرّق بين صلاته وصلاة ملائكته، وجمعهما في فعل واحد، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَئِكَتَّهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيَّ﴾، وهذه الصلاة لا يجوز أن تكون هي الرحمة، وإنما هي ثناؤه سبحانه، وثناء ملائكته عليه، ولا يقال: الصلاة لفظ مشترك، ويجوز أن يستعمل في معنييه معًا، لأن في ذلك محاذير متعدّدة: (أحدها): أن الاشتراك خلاف الأصل، بل لا يعلم أنه وقع في اللغة من واضع واحد، كما نصّ على ذلك أئمّة اللغة، منهم المبرّد وغيره، وإنما يقع وقوعًا عارضًا اتفاقيًّا بسبب تعدد الواضعين، ثم تختلط اللغة، فيقع الاشتراك. (الثاني): أن الأكثرين لا يجوّزون استعمال اللفظ المشترك في معنييه، لا بطريق الحقيقة، ولا بطريق المجاز، وما حُكي عن الشافعي تَّثُ من تجويز ذلك، فليس بصحيح عنه، وإنما أخذ من قوله: إذا أوصى لمواليه، وله موال من فوقُ، ومن أسفلُ (١) راجع رقم ٩٥ وهو موقوف حسن، ولهذا علّقه البخاري بصيغة الجزم. - ١٠٨ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ تناول جميعهم، فظن من ظنّ أن لفظ ((المولى)) مشترك بينهما، وأنه عند التجرّد يحمل عليهما، وهذا ليس بصحيح، فإن لفظ ((المولى)) من الألفاظ المتواطئة، فالشافعيّ في ظاهر مذهبه، وأحمد يقولان بدخول نوعي الموالي في هذا اللفظ، وهو عنده عامّ متواطىء، لا مشترك. وأما ما حُكي عن الشافعي ◌َّهُ أنه قال في مفاوضة جرت له في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ﴾ الآية [المائدة: ٦]، وقد قيل له: قد يراد بالملامسة المجامعة، قال: هي محمولة على الجسّ باليد حقيقةً، وعلى الوقاع مجازًا، فهذا لا يصحّ عن الشافعي، ولا هو من جنس المألوف من كلامه، وإنما هذا من كلام بعض الفقهاء المتأخرين. فإذا كان معنى الصلاة هو الثناء على الرسول وَلهول، والعناية به، وإظهار شرفه وفضله وحرمته، كما هو المعروف من هذه اللفظة لم يكن لفظ ((الصلاة)) في الآية مشتركًا محمولاً على معنييه، بل قد يكون مستعملاً في معنى واحد، وهذا هو الأصل. (الوجه التاسع): أن الله سبحانه أمر بالصلاة عليه عقب إخباره بأنه وملائكته يُصلّون عليه، والمعنى أنه إذا كان اللَّه وملائكته يُصلّون على رسوله وَّرَه فصلوا أنتم أيضًا عليه، فأنتم أحقّ بأن تُصلّوا عليه، وتسلموا تسليمًا، لما نالكم ببركة رسالته، ويُمن سِفَارته من شرف الدنيا والآخرة. ومن المعلوم أنه لو عبّر عن هذا المعنى بالرحمة لم يحسن موقعه، ولم يحسن النظم، فينتقض اللفظ والمعنى، فإن التقدير يصير إلى: إن الله وملائكته ترحّم، ويستغفرون لنبيه، فادعوا أنتم له، وسلموا، وهذا ليس مراد الآية قطعًا، بل الصلاة المأمور بها فيها هي الطلب من الله ما أخبر به عن صلاته، وصلاة ملائكته، وهي ثناءٌ عليه، وإظهارٌ لفضله وشرفه، وإرادةُ تكريمه وتقريبه، فهي تتضمّن الخبر والطلب، وسُمِّيَ هذا السؤالُ والدعاءُ منّا نحن صلاةً عليه لوجهين: (أحدهما): أنه يتضمن ثناء المصلي عليه، والإشادةً بذكر شرفه وفضله، والإرادةَ والمحبّةَ لذلك من اللَّه تعالى، فقد تضمنت الخبر والطلب. (والوجه الثاني): أن ذلك سمي منّا صلاةً، لسؤالنا من اللَّه أن يصلي عليه، فصلاة اللّه عليه ثناؤه، وإرادته لرفع ذكره وتقريبه، وصلاتُنا نحن عليه سؤالنا اللَّه تعالى أن يفعل ذلك به، وضدّ هذا في لعنة أعدائه الشانئين لما جاء به، فإنها تُضاف إلى اللَّه، وتضاف إلى العبد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنَزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدٍ مَا بَيِّشَهُ لِلنَّاسِ فِىِ الْكِنَبِّ أُوْلَكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَُّهُمُ الَّعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]، فلعنة الله تعالى لهم تتضمّن ذمّه وإبعاده وبغضه لهم، ولعنة العبد تتضمّن سؤال اللَّه تعالى أن ١٠٩ = ٤٨- (بَأَب التَّمْجِيدِ، وَالصَّلاَةِ عَلَى ... - حديث رقم ١٢٨٤ يفعل ذلك بمن هو أهل للعنته. وإذا ثبت هذا فمن المعلوم أنه لو كانت الصلاة هي الرحمة، لم يصحّ أن يقال لطالبها من اللّه مصليًا، وإنما يقال له: مسترحمًا، كما يقال لطالب المغفرة مستغفرا له، ولطالب العطف مستعطفًا، ونظائره كثيرة، ولهذا لا يقال لمن سأل الله المغفرة لغيره: قد غَفَر له، فهو غافر، ولا لمن سأله العفو عنه: قد عفا عنه، وهنا قد سمي العبد مصليًا، فلو كانت الصلاة هي الرحمة لكان العبد راحما لمن صلى عليه، وكان قد رحمه برحمة، ومن رحم النبي ◌َّر مرّة رَّلهُ بها عشرًا، وهذا معلوم البطلان. (فإن قيل): ليس معنى صلاة العبد عليه وَّل رحمته، وإنما معناها: طلب الرحمة له من الله. (قيل): هذا باطل من وجوه : (أحدها): أن طلب الرحمة مطلوب لكل مسلم، وطلب الصلاة من اللَّه يختص رسله صلوات الله وسلامه عليهم عند كثير من الناس، كما سيأتي، إن شاء اللّه تعالى. (الثاني): أنه لو سمي طالب الرحمة مصليًا، لسمي طالب المغفرة غافرًا، وطالب العفو عافيا، وطالب الصفح صافحًا، ونحوه. (فإن قيل): فأنتم قد سمّيتم طالب الصلاة من اللَّه مصليًا. (قيل): إنما سُمّي مصلّيًا لوجود حقيقة الصلاة منه، فإن حقيقتها الثناء، وإرادة الإكرام، والتقريب، وإعلاء المنزلة، وهذا حاصل من صلاة العبد، لكن العبد يريد ذلك من الله عزّ وجلّ، والله سبحانه وتعالى يريد ذلك من نفسه أن يفعله برسوله وَ له . وأما على الوجه الثاني، وأنه سمي مصلًّا لطلبه ذلك من اللَّه، فلأن الصلاة نوع من الكلام الطلبي والخبريّ والإرادة، وقد وجد ذلك من المصلي، بخلاف الرحمة والمغفرة، فإنها أفعال لا تحصل من الطالب، وإنما تحصل من المطلوب منه. والله تعالى أعلم. (الوجه العاشر): أنه قد ثبت عن النبي ◌ّ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: ((أنه من صلى عليه مرّة صلى الله عليه بها عشرًا))(١) وأنه سبحانه وتعالى قال له: ((إنه من صلى عليك من أمتك مرّةً صلّيتُ عليه بها عشرًا))، وهذا موافق للقاعدة المستقرّة في الشريعة أن الجزاء من جنس العمل، فصلاة الله على المصلي على رسوله جزاء لصلاته هو عليه، ومعلوم أن صلاة العبد على رسول اللَّه ◌َليل ليست هي رحمة من العبد، لتكون (١) رواه مسلم رقم (٣٨٤). ١١٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ صلاة اللّه عليه من جنسها، وإنما هي ثناءٌ على الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وإرادة من الله تعالى أن يُعلي ذكره، ويزيده تعظيمًا وتشريفًا، والجزاء من جنس العمل، فمن أثنى على رسول اللّه وَ ل جزاه الله من جنس عمله بأن يُثني عليه، ويزيد تشريفه وتكريمه، فصحّ ارتباط الجزاء بالعمل، ومشاكلته له، ومناسبته له، كقوله: ((من يسّر على معسر يسّر اللّه عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن نفّس عن مؤمن كربة من كُرَب الدنيا نفْس اللّه عنه كربةً من كرب يوم القيامة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة)). و((من سُئل عن علم يعلمه، فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار)). و((من صلّى على النبي وَلّ مرّةً صلّى الله عليه بها عشرًا))، ونظائره كثيرة. (الوجه الحادي عشر): أن أحدًا لو قال: عن رسول اللَّه ◌َخّْثهُ، أو قال رسول الله ◌َخْتُ بدل (ٌَّ)) لبادرت الأمّة إلى الإنكار عليه، وسمّوه مبتدعًا، غير موقِّر للنبي وَلِّ، ولا مُصلّ عليه، ولا مُثْن عليه بما يستحقّه، ولا يستحقّ أن يصلي الله عليه بذلك عشر صلوات، ولو كانت الصلاة من اللّه الرحمة، لم يمتنع شيء من ذلك. (الوجه الثاني عشر): أن اللَّه سبحانه وتعالى قال: ﴿لَا تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، فأمر سبحانه أن لا يُدعَى رسولُهُ بما يدعو الناس بعضُهم بعضًا، بل يقال: يا رسول الله، ولا يقال: يا محمد، وإنما كان يُسمّيه باسمه وقت الخطاب الكفّار، وأما المسلمون، فكانوا يخاطبونه يا رسول الله، وإذا كان هذا في خطابه، فهكذا في مغیبه لا ينبغي أن يجعل ما يدعی به له من جنس ما يدعو به بعضنا لبعض، بل يُدعى له بأشرف الدعاء، وهو الصلاة عليه، ومعلوم أن الرحمة يُدعى بها لكلّ مسلم، بل ولغير الآدميّ من الحيوانات، كما في دعاء الاستسقاء ((اللَّهم ارحم عبادك وبلادك وبهائمك)). (الوجه الثالث عشر): أن هذه اللفظة لا تعرف في اللغة الأصلية بمعنى الرحمة أصلاً، والمعروف عند العرب من معناها إنما هو الدعاء، والتبريك، والثناء، قال: وَإِنْ ذُكِرَتْ صَلَّى عَلَيْهَا وَزَمْزَمَا أي برّك عليها ومدحها، ولا تعرف العرب قطّ ((صلى عليه)) بمعنى الرحمة، فالواجب حمل اللفظة على معناها المتعارف في اللغة. (الوجه الرابع عشر): أنه يسوغ، بل يستحبّ لكلّ أحد أن يسأل الله تعالى أن يرحمه، فيقول: اللَّهمّ ارحمني، كما علَّمَ النبيُّ نَ لور الداعيَ أن يقول: ((اللَّهم اغفر لي، ٤٨- (باب التَّمْجِيدِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى ... - حديث رقم ١٢٨٤ ١١١ == وارحمني، وعافني، وارزقني))، فلما حفظها قال: ((أمّا هذا فقد ملأ يديه من الخير)). أخرجه مسلم . ومعلوم أنه لا يسوغ لأحد أن يقول: اللَّهمّ صلّ عليّ، بل الداعي بهذا مُعْتد في دعائه، والله لا يحبّ المعتدين، بخلاف سؤال الرحمة، فإن الله تعالى يُحبّ أن يسأله عبده مغفرته ورحمته، فعلم أنه ليس معناهما واحدًا. (الوجه الخامس عشر): أن أكثر المواضع التي تستعمل فيها الرحمة لا يحسن أن تقع فيها الصلاة، كقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] وقوله: ((إِن رحمتي سبقت غضبي)) متفق عليه. وقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] وقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] وقوله: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧]، وقول النبي وَّرَ: ((لَلَّهُ أرحم بعباده من الوالدة بولدها)). متفق عليه، وقوله: ((ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)) (١) وقوله: (( من لا يَرحَم لا يُرحَم)) متفق عليه. وقوله: ((لا تُنزع الرحمة إلا من شقيّ)) أخرجه أبو داود، والترمذي بسند حسن. وقوله: ((والشاة إن رحمتها رحمك الله)). أخرجه أحمد، والبخاري في ((الأدب المفرد)) بسند صحيح. فمواضع استعمال الرحمة في حقّ اللّه، وفي حقّ العباد لا يحسن أن تقع الصلاة في كثير منها، بل في أكثرها، فلا يصحّ تفسير الصلاة بالرحمة. والله تعالى أعلم. وقد قال ابن عبّاس ◌َوِيّهَا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَبِكَتَهُ يُصَلُونَ عَلَى النَّبِيَّ﴾ قال: يباركون عليه، وهذا لا يُنافي تفسيرها بالثناء، وإرادة التكريم والتعظيم، فإن التبريك من اللَّه يتضمن ذلك، ولهذا قُرن بين الصلاة عليه والتبريك عليه، وقالت الملائكة لإبراهيمَلَّلام: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَتُهُ, عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣]، وقال المسيحَلَِّرُّ: ﴿وَجَعَلَتِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ [مريم: ٣١] قال غير واحد من السلف: معلّمًا للخير أينما كنت، وهذا جزء المسمى، فالمبارك كثير الخير في نفسه الذي يُحصّله لغيره تعليمًا، وإقدارًا ونُصحًا، وإرادة واجتهادًا، ولهذا يكون العبد مباركًا، لأن اللَّه بارك فيه، وجعله كذلك، والله تعالى متبارك، لأن البركة كلها منه، فعبده مبارك، وهو المتبارك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ (١) رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص تعطيبتا، وفي سنده أبو قابوس مولى عبد الله بن عمرو لا يُعْرَف، لكن توبع عليه عند أحمد وابن حميد، وله شواهد كثيرة، منها: حديث جرير مرفوعًا: ((من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء)). أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) ٢/١١٨/١ ورواته ثقات، فالحديث صحيح، صححه الترمذيّ، والحاكم، والذهبي، والخطيب البغدادي، وغيرهم. ١١٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ اَلْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] وقوله: ﴿تَبَرَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلُْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١]. وقد ردّ طائفة من الناس تفسير الصلاة من اللَّه بالرحمة بأن قال: الرحمة معناها رقّة الطبع، وهي مستحيلة في حقّ اللّه سبحانه وتعالى، كما أن الدعاء منه سبحانه مستحيل، وهذا الذي قاله عرقٌ جَهْميّ ينضح من قلبه على لسانه، وحقيقته إنكار رحمة الله جملةً، وكان جهم يخرج إلى الْجَذْمَى، ويقول: أرحم الراحمين يفعل هذا؟! إنكارًا لرحمته سبحانه. وهذا الذي ظنّه هذا القائل هو شُبهَةُ منكري صفات الرّبّ سبحانه وتعالى، فإنهم قالوا: الإرداة حركة النفس لجلب ما ينفعها، ودفع ما يضرّها، والربّ تعالى يتعالى عن ذلك، فلا إرادة له، والغضب غَلَيَان دم القلب طلبًا للانتقام، والربّ منزه عن ذلك، فلا غضب له، وسلكوا هذا المسلك الباطل في حياته، وكلامه، وسائر صفاته، وهو من أبطل الباطل، فإنه أخذ في مسمى الصفة خصائص المخلوق، ثم نفاها جملةً عن الخالق، وهذا في غاية التلبيس والإضلال، فإن الخاصّة التي أخذها في الصفة لم يثبت لها لذاتها، وإنما يثبت لها بإضافتها إلى المخلوق الممكن، ومعلوم أن نفي خصائص صفات المخلوقين عن الخالق لا يقتضي نفي أصل الصفة عنه سبحانه، ولا إثباتُ أصل الصفة له يقتضي إثبات خصائص المخلوق له، كما أن ما نُفي عن صفات الربّ تعالى من النقائص والتشبيه لا يقتضي نفيه عن صفة المخلوق، ولا ما ثبت لها من الوجوب والقدم والكمال يقتضي ثبوته للمخلوق، ولا إطلاق الصفة على الخالق والمخلوق، وهذا مثل الحياة والعلم، فإن حياة العبد تعرض لها الآفات المضادة لها، من المرض والنوم والموت، وكذلك علمه يعرض له النسيان والجهل المضاد له، وهذا محال في حياة الربّ وعلمه، فمن نفى علم الرّبّ، وحياته لما يعرض فيهما للمخلوق، فقد أبطل، وهو نظير من نفى رحمة الرّبّ وعلمه، فمن نفى رحمة الرّبّ عنه لما يعرض في رحمة المخلوق من رقّة الطبع، وتوهم المتوهم أنه لا تعقل رحمة إلا هكذا، نظير توهّم المتوهّم أنه لا يعقل علم، ولا حياة، ولا إرادة إلا مع خصائص المخلوق. وهذا الغلط منشؤه إنما هو توهّم صفة المخلوق المقيّدة به أوّلاً، وتوهّم أن إثباتها لله هو مع هذا القيد، وهذان وهمان باطلان، فإن الصفة الثابتة للَّه مضافة إليه لا يتوهّم فيها شيء من خصائص المخلوقين، لا في لفظها، ولا في ثبوت معناها، وكلّ من نفى عن الرّبّ تعالى صفة من صفاته لهذا الخيال الباطل لزمه نفي جميع صفات كماله، لأنه لا يعقل منها إلا صفة المخلوق، بل ويلزمه نفي ذاته، لأنه لا يعقل من الذوات إلا الذوات المخلوقة، ومعلوم أن الرّبّ سبحانه وتعالى لا يشبهه شيء منها، وهذا الباطل قد التزمه ٤٨- (بَبِ التَّمْجِيدِ، وَالصَّلاَةِ عَلَى ... - حديث رقم ١٢٨٤ ١١٣ غُلاة المعطّلة، وكلّما أوغل النافي في نفيه كان قوله أشدّ تناقضًا، وأظهر بطلانًا، ولا يسلم على مِحكّ العقل الصحيح الذي لا يكذب إلا ما جاءت به الرّسل صلوات الله وسلامه عليهم، كما قال تعالى: ﴿سُبْحَنَ اَللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٥٩]، فنزّه سبحانه وتعالى عما يصفه كلّ أحد إلا المخلصين من عباده، وهم الرسل، ومن تبعهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَاْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الصّافّات: ١٨٠-١٨٢] فنزّه نفسه وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ١٨٠ عمّا يصفه به الواصفون، وسلَّمَ على المرسلين، لسلامة ما صفوه به من كلّ نقص وعيب، وحمد نفسه، إذ هو الموصوف بصفات الكمال التي يستحقّ لأجلها الحمدَ، ومنزّه عن كلّ نقص يُنافي كمال حمده. انتهى كلام المحقق العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى ببعض تصرف (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد حقّق العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى هذا البحث تحقيقًا نفيسًا، فأجاد وأفاد، وأسهب وأعاد، جزاه الله على ذلك خيرًا. وخلاصته ترجيح تفسير الصلاة على النبي ◌َّر بالثناء عند ملائكته، كما نقل عن أبي العالية، وتضعيف تفسير من فسّرها بالرحمة. وقال في ((الفتح)) بعد ما ذكر الاختلاف: ما حاصله: وأولى الأقوال ما تقدّم عن أبي العالية أن معنى صلاة اللَّه على نبيّه وَّ ثناؤه عليه، وتعظيمه، وصلاة الملائكة وغيرهم عليه طلب ذلك من الله تعالى، والمراد طلب أصل الصلاة. ونقل عياض عن بكر القُشيريّ، قال: الصلاة على النبي وَّ من اللَّه تشريف، وزيادة تكرمة، وعلى من دون النبي رحمة، وبهذا التقرير يظهر الفرق بين النبي ◌َّل، وبين سائر المؤمنين، حيث قال اللّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيَّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٦]، وقال قبل ذلك: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلِى عَلَيْكُمْ وَمَلَتَبِكَتُهُ﴾ الآية [الأحزاب: ٤٣]، ومن المعلوم أن القدر الذي يليق بالنبي ◌ّر من ذلك أرفع مما يليق بغيره، والإجماع منعقد على أن في هذه الآية من تعظيم النبي بَّر، والتنويه به ما ليس في غيرها. وقال الْحَليميّ في (الشُّعَب)): معنى الصلاة على النبي ◌ِّ تعظيمه، فمعنى قولنا: اللّهمّ صل على محمد: عَظُمْ محمدًا، والمراد تعظيمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دينه، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بإجزال مثوبته، وتشفيعه في أمته، وإبداء فضيلته بالمقام المحمود، وعلى هذا فالمراد بقوله: ﴿صَلُّوا﴾ ادعوا ربّكم بالصلاة عليه. انتهى. (١) ((جَلَاءُ الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام)) ص ١٠٦ - ١٢٢ . ١١٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ ولا يعكر عليه عطف آله وأزواجه وذرّيته عليه، فإنه لا يمتنع أن يُدْعَى لهم بالتعظيم، إذا تعظيم كلّ أحد بحسب ما يليق به. وما تقدم عن أبي العالية أظهر؛ فإنه يحصل به استعمال لفظ الصلاة بالنسبة إلى الله، وإلى ملائكته، وإلى المؤمنين المأمورين بذلك بمعنى واحد، ويؤيده أنه لا اختلاف في جواز الترحم على غير الأنبياء، واختُلف في جواز الصلاة على غير الأنبياء، ولو كان معنى قولنا: اللَّهم صل على محمد: اللَّهم ارحم محمدًا، أو ترحم على محمد لجاز لغير الأنبياء، وكذا لو كانت بمعنى البركة والرحمة لسقط الوجوب في التشهد عند من يوجبه بقول المصلي في التشهد: ((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)). ويمكن الانفصال بأن ذلك وقع بطريق التعبد، فلا بد من الإتيان به ولو سبق الإتيان بما يدل عليه. انتهى ما في ((الفتح)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما تقدم أن أرجح الأقوال في معنى صلاة الله على نبيه وَل قول من قال: إنه ثناء اللَّه تعالى عليه في الملا الأعلى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٤٩- (بَابُ الأَمْر بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ عَلانه) ١٢٨٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجَمِّرِ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ الأَنْصَارِيَّ - وَعَبْدُاللَّهِ بْنُ زَيْدِ الَّذِي أُرِيَ النّدَاءَ بِالصَّلَاةِ - أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي مَسْعُودِ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ بَلَ فِي مَجْلِسٍ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: أَمَرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ، ثُمَّ قَالَ: ((قُولُوا: اللّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلٍ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، فِي الْعَالَمِينَ، إِنَّكَّ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَالسَّلَامُ كَمَا عَلِمْتُمْ)). ٤٩- (بِأَبُ الأَمْرِ بِالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ نٌَّ) - حديث رقم ١٢٨٥ ١١٥ رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (محمد بن سلمة) المراديّ المصريّ المذكور في الباب الماضي. ٢- (الحارث بن مسكين) المصري الحافظ الثقة [١٠] تقدم ٩/٩. ٣- (ابن القاسم) هو عبدالرحمن العُتَقيّ المصريّ الفقيه الثقة، من كبار [١٠] تقدّم ٢٠/١٩ . ٤- (مالك) بن أنس الإمام الثبت الحجة الفقيه المدني [٧] تقدم ٧/ ٧ . ٥- (ثُعَيم بن عبدالله المجمر) المدني، ثقة [٣] تقدّم ٩٠٥/٢١. ٦- (محمد بن عبدالله بن زيد) بن عبد ربه الأنصاري الخزرجيّ المدني، ثقة [٣] . رَوَى عن أبيه، وأبي مسعود الأنصاريّ. وعنه ابنه عبدالله بن محمد، وأبو سلمة بن عبدالرحمن، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، ومحمد بن جعفر بن الزبير، ونعيم بن عبدالله المجمر. ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال العجلي: مدني تابعيّ ثقة، وقال ابن منده: وُلد في عهد النبي بَّر. له عند مسلم، وأبي داود، والترمذيّ، والمصنف حديث الباب فقط، وعند البخاريّ في ((خلق أفعال العباد)) وأبي داود، والترمذي، وابن ماجه حديث الأذان، فقط . ٧- (أبو مسعود الأنصاريّ) عُقبة بن عمرو بن ثعلبة البدريّ صحابيّ مشهور، تقدّم ٦/ ٤٩٤. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سداسيات المصنّف رحمه اللَّه تعالى، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخيه، وابن قاسم، فمصريّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه محمد بن عبدالله بن زيد من المقلّين، ليس له في الكتب المذكورة إلا حديثان فقط. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن نعيم بن عبدالله المجمر) بصيغة اسم الفاعل، من التجمير، أو الإجمار، صفة العبد الله، لأنه كان يجمّر مسجد رسول اللّه وَّل، أي يُبخّره، ويطلق على ابنه نُعيم أيضًا مجازًا (أن محمد بن عبدالله بن زيد الأنصاري - وعبدالله بن زيد) بالرفع على الابتداء، وخبرُهُ قوله (الذي أُري) بالبناء للمفعول (النداءَ بالصلاة) بالنصب على أنه مفعول ثان ((أُري))، أى أراه اللَّه الأذان في منامه، وجملة المبتدأ والخبر معترضة بين اسم ((أنّ)) ١١٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ وخبرها، أتى بها لبيان أن والد محمد هو عبدالله بن زيد بن عبد ربّه، رائي الأذان، لا عبدالله بن زيد بن عاصم المازني، راوي صفة الوضوء وصلاة الاستسقاء، وغيرهما. وإنما بيّن ذلك لأنهما يلتبسان على من لا معرفة له بعلم الرجال، إذ هما يتفقان في الاسم، واسم الأب، والنسبة إلى الأنصار، ثمّ إلى الخزرج، وكذا في الصحبة، والرواية، ويفترقان في الجدّ، والبطن الذي من الخزرج، لأن حفيد عاصم من مازن، وحفيد عبدربه من بَلْحَارث بن الخزرج. أفاده في ((الفتح))(١). وقد تقدّمت ترجمة عبدالله بن زيد بن عاصم في ٨٠/ ٩٧ . وأما عبدالله بن زيد المذكور هنا فهو ابن عبدربّه بن ثعلبة بن زيد بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، أبو محمد المدني، وقيل في نسبه: غير ذلك، شهد العقبة وبدرًا، والمشاهد، وكانت رؤياه للنداء في السنة الأولى من الهجرة بعد بناء المسجد النبوي. رَوَى عن النبي ◌ُّر، وعنه ابنه محمد، وابن ابنه عبدالله بن محمد على خلاف فيه، وسعيد بن المسيّب، وعبدالرحمن بن أبي ليلى، وقيل: لم يسمع منه، وأبو بکر بن محمد بن عمرو بن حزم، ولم یدرکه. قال الترمذي عن البخاري: لا يعرف له إلا حديث الأذان، وكذا قال نحوَه ابنُ عديّ. وأطلق غيرُ واحد أنه ليس له غيره. قال الحافظ في ((الإصابة)): وهو خطأ، فقد جاءت أحاديث، ستة، أو سبعة، جمعتها في جزء مفرد، وجزم البغوي بأنه ما له غير حديث الأذان، وحديثه عند الترمذي، من رواية ابنه محمد بن عبدالله، وصححه، وفي النسائي له حديث: أنه تصدّق على أبويه، ثمّ توضّأ، وقد أخرج البخاري في ((التاريخ))، من طريق يحيى بن أبي كثير أن أبا سلمة حدّثه أن محمد بن عبدالله بن زيد حدّثه أن أباه شهد النبي ◌َّر عند الْمَنْحَر، وقد قسم النبي ◌َّر الضحايا، فأعطاه من شعره ... الحديث . قال المدائني، عن كثير بن زيد، عن المطّللب بن حَنطب، عن محمد بن عبدالله بن زيد، قال: مات أبي سنة (٣٢)، وهو ابن (٦٤)، وصلّى عليه عثمان. وقال الحاكم: الصحيح أنه قُتل بأحد، فالرواية كلها منقطعة. انتهى، وخالف ذلك في ((المستدرك)). وفي ((الحلية)) في ترجمة عمر بن عبدالعزيز بسند صحيح، عن عبدالله العمريّ: دَخَلَت ابنة عبدالله بن زيد بن ثعلبة على عمر بن عبدالعزيز، فقالت: أنا ابنة عبدالله ابن زيد شهد أبي بدرًا، وقُتل بأحد، فقال: سليني ما شئت، فأعطاها. انتهى(٢). (١) ((فتح)) في ((كتاب الاستسقاء)) جـ ٣ ص ١٩٠. (٢) ١١٧ ٤٩- (بابُ الأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ێ) - حديث رقم ١٢٨٥ (عن أبي مسعود الأنصاري) عُقبة بن عمرو رضي اللّه تعالى عنه (أنه قال: أتانا رسول اللَّهِ وَّ في مجلس سعد بن عُبَادة) بن دُلَيم بن حارثة بن أبي خُزيمة، ويقال: خُزيمة بن أبي خُزيمة، ويقال: حارثة بن حَرَام بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طَريف بن الخزرج الأنصاريّ سيد الخزرج، أبو ثابت، ويقال: أبو قيس المدني. وأمه عَمْرة بنت مسعود، كانت لها صُخبة، وماتت في زمن النبي ◌َّر. روى عن النبي وَّر. وعنه أولاده: قيس، وإسحاق، وسعيد، وابن ابنه شُرحبيل بن سعيد على خلاف فيه، وابن عبّاس، وابن المسيّب، وغيرهم. شهد العَقَبَةَ، وغيرها من المشاهد، واختُلِفَ في شهوده بدرًا، فذكر البخاريّ، وأبو حاتم، وأبو أحمد الحاكم أنه شهد بدرًا، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى ممن لم يشهد بدرا، وقال: كان ممن تهيّا للخروج إلى بدر، فنُهش، فأقام. وقال ابن سعد أيضًا كان سعد في الجاهلية يَكتب بالعربية، ويحسن العَوْم والرّمي، وكان مَنْ أحسنَ ذلك يُسمّى الكامل، وكان هو وعدّةٌ من آبائه في الجاهلية يُنادَى على أَطُمهم مَن أحبّ الشحم واللحم فليأت أُطُم دُليم بن حارثة، قال: وكانت جَفْنة سعد تدور مع رسول اللَّه وَلّ في بيوت أزواجه، وقال مقسم عن ابن عباس رَويّا: كانت راية رسول اللّه ◌َّر في المواطن كلّها مع عليّ راية المهاجرين، ومع سعد بن عُبَادة راية الأنصار. وقال محمد بن سيرين كان سعد بن عبادة يرجع كلّ ليلة إلى أهله بثمانين من أهل الصُّفّة، يُعَشّيهم. وقال ابن عبدالبرّ: تَخَلّف سعد عن بيعة أبي بكر الصدّيق ◌َويّ، وخرج عن المدينة، فمات بحَوْران(١) من أرض الشام سنة (١٥) وقيل: سنة (١٤) وقيل: سنة (١١) ولم يختلفوا أنه وُجد ميتًا في مُغتَسَله. وقال ابن جُريج، عن عطاء: سمعتُ أنّ الجنّ قتلته. وقال عمرو بن عليّ وغيره: مات سنة (١٦). له ذكر في غير موضع من الصحيحين، ورَوَى له الأربعة. (فقال له بشير بن سَغد) بن ثعلبة بن الْجُلَاس(٢) بن زيد بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأكبر الأنصاري الخزرجيّ، والد النعمان، شهد بدرًا، وهو أوّل من بایع أبا بكر الصّدّيق ◌َّهَا من الأنصار. رَوَى عن النبي وَّ حديثًا واحدًا في النُّخل على خلاف فيه(٣) . (١) (٢) بضم الجيم، وتخفيف اللام، وضبطه الدارقطنيّ بفتح الخاء المعجمة، وتثقيل اللام. أفاده في ((الإصابة)) ج١ ص ٢٦٢ . (٣) سيأتي للمصنف برقم ٦ / ٢٥٨ - ٢٥٩. = ١١٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو وروى عنه ابنه النعمان، وابن ابنه محمد، وعروة، وحُميد بن عبدالرحمن بن عوف. ذكره ابن أبي حاتم فيمن مات سنة (١٣) فتكون رواية هؤلاء عنه سوى النعمان مرسلة. وقد رَوَى حديث حميد بن عبدالرحمن، عن النعمان، عن أبيه، فتعیّن إرساله، إن كان رواه عن بشير بلا واسطة، وذكر ابنُ إسحاق، والواقديُّ أنه قُتل يوم عين التمر مع خالد بن الوليد مُنصَرَفه من اليمامة سنة (١٢)، لكن روى البخاريّ في ((تاريخه)) من طريق الزهريّ عن محمد بن النعمان بن بشير، عن أبيه أنّ عمر بن الخطّاب قال يومًا، وحَوله المهاجرون والأنصار: أرأيتم لو ترخّصتُ في بعض الأمر ما ذا كنتم فاعلين؟، قال: فقال له بشير بن سعد: لو فعلتَ قَوَّمناك تقويمَ القادح، فقال عمر: أنتم إذا أنتم، فهذا يدلّ على أنه بقي إلى خلافة عمر، وفي كتاب ((الطبقات)) لابن سعد أنه كان يكتب بالعربية في الجاهلية، وبعثه النبي ◌َّر في بعض السرايا، واستعمله على المدينة في عمرة القضاء، وله ذكر في ((صحيح مسلم)) وغيره في حديث عُقبة بن عمرو المذكور في هذا الباب. انفرد به النسائي بحديث النُّخلة المذكور فقط . (أمرنا اللَّه عزّ وجل أن نصلي عليك يا رسول اللَّه) وفي بعض النسخ: ((بأن نصلي عليك)) بزيادة الباء، وحذفُها جائز في مثل هذا، كما قال ابن مالك رحمه اللّه تعالى: وَعَدْ لَازِمَا بِحَرْفِ جَرْ وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرُ نَقْلاَ وَفِي أَنَّ وَأَنْ يَطَّرِدُ مَعْ أَمْنٍ لَبْسٍ كَعَجِبْتُ أَنْ يَدُوا يعني أن اللَّه سبحانه أمر عباده المؤمنين بالصلاة عليه والسلام، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَِّكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ بَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. (فكيف نصلي عليك؟) اختُلِفَ في المراد بقوله: ((كيف))، فقيل: المراد السؤال عن معنى الصلاة المأمور بها بأيّ لفظ يُؤَدَّى. وقيل: عن صفتها. قال القاضي عياض رَحْذَلَهُ: لمّا كان لفظ الصلاة المأمور بها في قوله تعالى: ﴿صَلُّواْ عَلَيْهِ﴾ يحتمل الرحمة والدّعاء والتعظيم سألوا بأيّ لفظ تُؤدّى؟. هكذا قال بعض المشايخ. ورجّح الباجيّ أن السؤال إنما وقع عن صفتها، لا عن جنسها. قال في ((الفتح)): وهو الأظهر، لأن لفظ ((كيف)) ظاهر في الصفة، وأما الجنس، فيُسأل عنه بلفظ ((ما)، وبه جزم القرطبي، فقال: هذا سؤال من أشكلت عليه كيفيّة ما فُهم أصلُهُ، وذلك أنهم عرفوا المراد بالصلاة، فسألوا عن الصفة التي تليق بها، ليستعملوها انتهى. والحامل لهم على ذلك أن السلام لمّا تقدّم بلفظ مخصوص، وهو ((السلام عليك أيها النّبيّ ورحمة الله وبركاته)) فهموا منه أن الصلاة أيضًا تقع بلفظ مخصوص، وعدَلُوا ٤٩- (بَأَبُ الأَمْرِ بِالصَّلاَةِ عَلَى النَِّيِّ نَّد) - حديث رقم ١٢٨٥ ١١٩ = عن القياس لإمكان الوقوف على النصّ، ولا سيّما في ألفاظ الأذكار، فإنها تجيء خارجةً عن القياس غالبًا، فوقع الأمر كما فهموا، فإنه لم يقل لهم: قولوا: الصلاة عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ولا قولوا: الصلاة والسلام عليك الخ، بل علّمهم صيغةً أخرى(١). (فسكت رسول اللَّه وَ ل﴿) أي منتظرًا للوحي (حتى تمنّينا أنه لم يسأله) إنما تمنّوا ذلك خشية أن يكون النبيّ وَّ لم يعجبه السؤال المذكور، لما تقرّر عندهم من النهي عن ذلك في قوله تعالى: ﴿لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآية [المائدة: ١٠١]. ووقع عند الطبراني: فسكت حتى جاءه الوحي، فقال: ((تقولون)) ... (ثمّ قال) أي النبي ◌َّ بعد أن سكت منتظرًا للوحي، فنزل عليه (قولوا: اللَّهمّ) هذه الكلمة كثر استعمالها في الدعاء، وهي بمعنى يا ألله، والميم عوض عن حرف النداء، فلا يقال: اللَّهم غفور رحيم مثلاً، وإنما يقال: اللَّهمّ اغفر لي، وارحمني، ولا يدخلها حرف النداء إلّا في نادر، كقول الراجز: إِنِّي إِذَا مَا حَدَثْ أَلَمَّا أَقُولُ يَا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّا واختصّ هذا الاسم بقطع الهمزة عن النداء، ووجوب تفخيم لامه، وبدخول حرف النداء عليه مع التعريف. وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك في ((خلاصته))، فقال: وَبَاضْطِرَارِ خُصَّ جْعُ يَا وَأَلْ إِلَّا مَعَ اللهِ وَمَحْكِيْ الْجُمَلْ وَالأَكْثَرُ اللَّهُمَّ بِالشَّغْوِيضِ وَشَذَّ يَا اللَّهُمَّ فِي قَرِيضِ وذهب الفرّاء، ومن تبعه من الكوفيين إلى أن أصله يا اللَّه، فحُذف حرف النداء تخفيفًا، والميم مأخوذة من جملة محذوفة أصله أُمَّنَا بخير، وقيل: بل زائدة، كما في زُرْقُم للشديد الزُّزقة، وزيدت في الاسم العظيم تفخيمًا. وقيل: بل هو كالواو الدّالّة على الجمع، كأن الداعي قال: يا من اجتمعت له الأسماء الحُسنى، ولذلك شددت الميم، لتكون عوضًا عن علامتي الجمع، وهي الواو والنون في ((مسلمون)) ونحوه. وقد جاء عن الحسن البصريّ: اللَّهم مَجْمَعُ الدعاء. وعن النضر بن شُمَيل: من قال: اللَّهمّ، فقد سأل الله بجميع أسمائه. وقد أفاض العلامة ابن القيم في هذا البحث في كتابه المتقدّم الذكر بما لا تجده في غيره، فراجعه ص ٩٤ -١٠٦ . (١) راجع ((الفتح)) جـ ١٢ ص ٤٤٤ . ١٢٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ (صلّ) تقدّم معنى الصلاة قريبًا (على محمد) هو أشهر أسمائه وَّ، وهو اسم منقول من الحمد، وهو في الأصل اسم مفعول من الحمد، وهو يتضمّن الثناء على المحمود. ومحبّته وإجلاله وتعظيمه، وبُني على زنة مُفَعَّل لأن هذا البناء موضوع للتكثير، فمُحمَّد هو من كثُر حمد الحامدين له مرّة بعد أخرى، أو الذي يستحقّ أن يُحمد مرّة بعد أخرى، وهو عَلَمّ وصفة اجتمع فيه الأمران في حقّه وََّ، وإن كان علمًا محضًا في حقّ كثير ممن تسمّى به غيره. وهذا شأن أسماء الرّبّ تعالى، وأسماء كتابه، وأسماء نبيه وَ له، فإنها أعلام دالّة على معان بها أوصاف، فلا تُضادّ فيها العلميةُ الوصفَ، بخلاف غيرها من أسماء المخلوقين. فتسميته والر بهذا الاسم لما اشتمل عليه من مسمّاه، وهو الحمد، فإنه وَ ل محمود عند الله، ومحمود عند ملائكته، ومحمود عند إخوانه من المرسلين، ومحمود عند أهل الأرض كلهم، وإن كفر به بعضهم، فإن ما فيه من صفات الكمال محمودة عند كلّ عاقل، وإن کابر عقلهُ جحودًا، أو عنادًا، أو جهلاً باتصافه بها، ولو علم اتصافه بها لحمده، فإن من يَحمد من اتصف بصفات الكمال، ويجهل وجودها فيه، فهو في الحقيقة حامد له، وهو ◌َلّ اختصّ من مسمّى الحمد بما لم يجتمع لغيره، فإن اسمه محمد وأحمد، وأمته الحمّادون، يحمدون اللَّه على السّرّاء والضرّاء، وصلاة أمته مفتتحة بالحمد، وخطبته مفتتحة بالحمد، وكتابه مفتتح بالحمد، هكذا عند الله في اللوح المحفوظ أن خلفاءه وأصحابه يكتبون المصحف مفتتحًا بالحمد، وبيده وَلّ لواء الحمد يوم القيامة ولمّا يسجدُ بين يدي ربّه عزّ وجلّ للشفاعة، ويؤذن له فيها يحمد ربّه بمحامد يفتحها عليه حينئذ، وهو صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولولون والآخرون، قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. (وعلى آل محمد) قيل: أصل ((آل)) أهل، قلبت الهاء همزةً، ثمّ سُهّلت، ولهذا إذا صُغّر ردّ إلى الأصل، فقالوا: أُهيل. وقيل: بل أصله أَوَلِ، من آل: إذا رجع، سمّي بذلك من يؤول إلى الشخص، ويُضاف إليه، ويقوّيه أنه لا يضاف إلّا إلى مُعظّم، فيقال: آل القاضي، ولا يقال آل الحَجّام، بخلاف أهل، ولا يضاف آل أيضًا غالبًا إلى غير العاقل، ولا إلى المضمر عند الأكثرين، وجوّزه بعضهم بقلّة، وقد ثبت في شعر عبدالمطّلب في قوله في قصّة أصحاب الفيل من أبيات: آلَكْ وَانْصُرْ عَلَى آلِ الصَّلِي بٍ وَعَابِدِيهِ الْيَوْمَ وقد يطلق آل فلان على نفسه، وعليه وعلى من يضاف إليه جميعًا، وضابطه أنه إذا