Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١ =
٢٢- (مَا یفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ ركْعَتَیْن ... - حديث رقم ١٢٢٤
سياقه حديث أبي هريرة رَّته، قال: ونُبْئتُ عن عمران بن حصين أنه قال: ثم سلم.
فلم يذكر مع السلام تشهّدًا، وهو هنا راوي هذا الحديث، فلو كان محفوظًا عنده لذكره
ولو مرّةً واحدة .
وفي ((صحيح البخاري)) عن حماد بن زيد قال سلمة بن علقمة: قلت لمحمد - يعني
ابن سيرين -: في سجدتي السهو تشهد؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة. ولفظ
الإسماعيلي: لم أحفظ فيه عن أبي هريرة شيئًا، وأحبّ إليّ أن يتشهد.
وفي سنن البيهقي من حديث محمد بن عمران بن أبي ليلى، حدثنا أبي، حدثنا ابن
أبي ليلى، حدثني الشعبي، عن المغيرة بن شعبة: أن النبي ◌ُّ تشهد بعد أن رفع رأسه
من سجدتي السهو.
قال البيهقي: وهذا تفرّد به محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى ، عن الشعبي، ولا
يُفرح بما تفرد به .
ثمّ روى من حديث محمد بن سلمة، عن خُصَيف، عن أبي عُبيدة، عن عبدالله بن
مسعود رَّ: أن رسول اللّه ◌َ يّ قال: ((إذا كنت في صلاة، فشككت في ثلاث، أو
أربع، وأكثر ظنك على أربع تشهدت، ثم سجدت سجدتين، وأنت جالس قبل أن
تسلّم، ثم تشهّدت أيضًا، ثم سلّمت)).
ثم قال البيهقي: وهذا غير قويّ، ومختلف في رفعه ووقفه.
قال العلائي: خُصيف الجزري تقدم أن أحمد بن حنبل ضعّفه، وقال مرّةً: ليس
بقويّ، وقال أبو حاتم: تُكُلّم في سوء حفظه.
وتقدّم أيضًا أن أبا عبيدة بن عبدالله بن مسعود لم يسمع من أبيه شيئًا، لأنه كان
صغيرًا جدًا في حياته، قال عمرو بن مرّة: سألت أبا عبيدة هل تذكر من عبدالله شيئًا؟ ،
قال : لا .
وأما حديث المغيرة، ففيه ابن أبي ليلى، كما قال البيهقي، وهو القاضي الفقيه محمد
بن عبدالرحمن كان يحيى بن سعيد يضعّفه، وقال فيه أحمد بن حنبل: سيء الحفظ
مضطرب الحديث، وفقهه أحبّ إلينا من حديثه، وقال ابن معين: ليس بذاك، وقال
النسائي: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: كان سيء الحفظ شُغل بالقضاء، فساء حفظه،
ومع ذلك فقال فيه: محله الصدق، وكذلك قال فيه العجلي: كان صدوقًا جائز
الحديث، وقد أثنى عليه جماعة .
قال العلائي: فقد يقال: إن هذه الأحاديث الثلاثة باجتماعها ترتقي إلى درجة
الحسن، ويُحتجّ بها، وهذا ليس ببعيد، ولكن قال ابن عبدالبرّ: أما التشهد في سجدتي

٣٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو
السهو فلا أحفظه من وجه صحيح عن النبي بَلّر، وكذلك قال النووي: إنه لا يثبت في
التشهد حديث. فالله أعلم. انتهى كلام العلائي رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لي في تضعيف هذه الأحاديث نظر، ولا سيما رواية
أشعث الحمراني، فقد قال ابن التركماني تَقّْلهُ تعال بعد ذكر من وثقه من أهل العلم:
ما حاصله: وإذا كان كذلك، فلا يضرّه تفرّده بذلك، ولا يصير سكوت من سكت عن
ذكره حجةً على من ذكره وحفظه، لأنه زيادة ثقة، كيف، وقد جاء له الشاهدان اللذان
ذكرهما البيهقي. انتهى ((الجوهر النقي)) جـ٢ ص ٣٥٥. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
المسألة الحادية عشرة: في اختلاف أهل العلم في حكم سجود السهو:
(اعلم): أنهم اختلفوا في سجود السهو، هل هو واجب لا بدّ منه، أو سنة؟:
فمذهب الشافعي ◌ّْثهُ، وكافة أصحابه أنه سنة، وحكاه الشيخ أبو حامد عن جمهور
العلماء .
وقال القاضي عبدالوهاب المالكي: الذي يقتضيه مذهبنا أنه واجب في سهو
النقصان .
وقال القرطبي: من أصحابنا من قال: سجود السهو مندوب، وقال بعض أصحابنا:
السجود للنقص واجب، وللزيادة فضيلة، ثم اختلفوا هل ذلك في كلّ نقص، أو يختص
الوجوب بما كان المسقط فعلاً، ولم يكن قولاً روايتان.
والصحيح من مذهب الحنفية: أن سجود السهو واجب كذلك ، قاله في ((الهداية))،
وكذلك حكاه الشيخ أبو حامد الاسفرايني وغيره عنهم أنه واجب يأثم بتركه، وليس
بشرط لصحّة الصلاة، وهو اختيار الكرخي منهم، وبعض أصحابهم قال: إنه سنة
كمذهب الشافعي .
وأما مذهب أحمد ◌َخَّْتُهُ، فأفعال الصلاة منقسمة عندهم على ثلاثة أنواع:
أحدها: أركان يُبطل الصلاةَ الإخلال بها عمدًا، ويجب تداركها إذا تركت سهوًا،
كتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع والسجود ونحوها.
وثانيها: واجبات، من ترك منها شيئًا عمدا بطلت صلاته، ومن تركه سهوا لم تبطل،
ولم يتداركه، بل يسجد للسهو، كتكبيرات الانتقالات، والتشهد الأول، والجلوس له،
والتسبيح في الركوع، وفي السجود وأشباهها.
وثالثها: سننٌ قوليةٌ، كالاستفتاح، والتعوذ، والتأمين، وقراءة السورة، والجهر،
والإسرار، ونحو ذلك، فهل يُشرَع سجود السهو لتداركها؟ فيه روايتان، وليس سجود

٣٦٣
٢٢- (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ ... - حديث رقم ١٢٢٤
السهو واجبًا في هذا القسم الأخير قطعًا.
وأما في الثاني: فسجود السهو له واجب قطعًا، وكذلك هو أيضًا واجب إذا سها
بزيادة فعل في الصلاة، يُبطلها عمدُهُ، كالكلام والسلام، ونحو ذلك، فإن تعمّد ترك
سجود عن واجب محله قبل السلام بطلت صلاته عندهم، وإن ترك المشروع بعد
السلام لم تبطل، وإذا شكّ في ترك واجب، فهل يلزمه السجود؟ فعلى وجهين، وإن
شكّ في زيادة لم يسجد.
واحتجّ أصحاب الشافعي ◌َّلهُ على أن سجود السهو سنة، وليس بواجب بما روى
أبو داود في ((سننه)) من حديث ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن
أبي سعيد الخُدري رَّه، قال: قال رسول اللّه وَله: ((إذا شكّ أحدكم في صلاته
فليُلق الشكّ، وليبن على اليقين، فإن استيقن التمام سجد سجدتين، فإن كانت صلاته
تامّةً كانت الركعة نافلةً، والسجدتان، وإن كانت ناقصة كانت الركعة تمامًا لصلاته،
وكانت السجدتان مُرغمتي الشيطان)) .
قالوا: فهذا الحديث يدلّ على أن السجدتين نافلة، والحديث حسن، لأن ابن
عجلان روى عنه مالك، وشعبة، ووثقه الجمهور، وأخرج له مسلم في مواضع من
كتابه، لكن يَردُ على هذا أن الحديث رواه جماعة عن زيد بن أسلم، لم يذكروا هذه
الزيادة، وقد تقدم ذلك، وابن عجلان متكلّم في حفظه، وقد أدخله البخاريّ في ((كتاب
الضعفاء))، فعلى تقدير قبوله إذا خالف من هو أوثق منه، وأحفظ، وأكثر عددا في قبوله
نظر .
وأما القائلون بوجوب سجود السهو، فلهم ثلاث مسالك:
الأول: الأمر بذلك في قوله وَالر: ((ثم ليسجد سجدتين))، وهو صحيح ثابت في
حديث ابن مسعود، وأبي سعيد الخدريّ، وغيرهما
والثاني: التمسك بفعله مَّلتر، وسجوده له كما ثبت في أحاديث ذي اليدين، وحديث
ابن بُحينة .
قال العلائي ◌َخّْتُهُ: وهذا إما على القول بأن فعله وَ لّ يدلّ على الوجوب فيما ظهر
فيه قصد القربة، وإما على القول بأن فعله وَله وقع هنا بيانًا لأفعال الصلاة الواجبة، لأنها
مُجملة فيما يتعلق بالسهو فيها أيضًا، لم يتبين ذلك إلا بفعله وَلّر، وبيان الواجب
واجب، وهذا فيما إذا كان قبل السلام واضح.
وأما فيما إذا كان بعد السلام فهو على قول من يقول: إن هذا السلام يحصل به
التحلل من الصلاة، كالحنفية، وبعض المالكية.

٣٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
وأما على طريق الجمع بأن يُضمّ إلى سجوده وَلَّ قوله: ((صلّوا كما رأيتموني
أصلي))، وهو كالذي قبله فيما كان منه قبل السلام أو بعده.
والمسلك الثالث: اعتبار سجود السهو بالمقتضي له الذي يُجبر به.
وقد ناقش هذه المسالك الحافظ العلائي، فانظر كلامه في ((نظم الفرائد)) ص ٣٦٤-
٣٦٥ .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن قول من قال بالوجوب هو الراجح؛ لوروده
بصيغة الأمر، كما مر بيانه والأمر للوجوب إلا إذا وُجد ما يصرفه، ولم يذكروا هنا
ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية عشرة: في اختلا ف أهل العلم في تدارك سجود السهو:
روى ابن أبي شيبة عن سلمة بن نُبيط، قال: قلت للضحاك بن مُزاحم: إني سهوت،
ولم أسجد، قال: ههنا فاسجد، وعن وضّاح، قال: سألت قتادة؟ فقال: يُعيد سجدتي
السهو. وعن الحسن، وابن سيرين قالا: إذا صرف وجهه عن القبلة لم يسجد سجدتي
السهو. وعن إبراهيم النخعي، قال: هما عليه حتى يخرج، أو يتكلّم. وعن حماد بن
أبي سليمان في رجل نسي سجدتي السهو حتى يخرج من المسجد قال: لا يعيد. وقال
ابن شُبرُمة: يعيد الصلاة. وعن الحكم أنه لقي ذلك، فأعاد الصلاة.
وروى عبدالرزاق عن الحسن في رجل نسي سجدتي السهو، قال: إذا لم يذكرهما
حتى ينصرف لم يسجدهما، وقد مضت صلاته على الصحّة، وإن ذكرهما وهو قاعد لم
یقم سجَدَهما .
وعن ابن جريج قال: قلت لعطاء: نسيت سجدتي السهو، فتحدثتُ أو تكلمت، ولم
أقم ؟ قال: فاسجدهما، قلت: فإن قمتُ حين فرغت، ولم أتكلم، ثم ذكرت؟ قال:
فاجلس فاسجدهما .
وعن علقمة أنه صلى، فسها، ثم انفتل عن القبلة، فقال له رجل: إنك لم تسجد
سجدتي السهو، فقال: كذلك ؟ قال: نعم، فانحرف إلى القبلة، فسجدهما.
وأما الأئمة الأربعة ففي مذاهبهم تفاصيل قد استوعبها العلائي ◌َّهُ في كتابه
المذكور ص ٣٦٧ - ٣٧٠ .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يترجح عندي أن المصلي يَتدارَك سجود
السهو، وإن انحرف عن القبلة، أوتكلم، أو خرج من المسجد، ناسيا؛ لأنه ثبت عن
النبي وَل أنه سجد للسهو بعد ما انحرف عن القبلة، وتكلم، ودخل حجرته. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

٣٦٥ =
٢٢- (مَا يُفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْن ... - حديث رقم ١٢٢٤
المسألة الثالثة عشرة :
تضمنت هذه الأحاديث أن الأفعال المنافية للعبادات التي تقتضي بُطلانها إذا وقعت
سهوًا ونسيانًا لا تبطلها، فيؤخذ من ذلك مسألة أصولية، وهي أن المقتضي، وهو اللفظ
الذي لا بد فيه من أحد تقديرات ليستقيم الكلام، هل له عموم في جميعها أم لا؟، ويُمثّل
ذلك بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَهُ﴾ [المائدة: ٣] فإن التحريم لا يضاف إلى
الأعيان، فلا بُدّ من محذوف مقدر، يتم به الكلام.
فيَحتَمل أن يكون المقدّر: حرم عليكم أكل الميتة، وأن يكون بيع الميتة إلى غير
ذلك، فهل يضمر جميع هذه المقدّرات أم لا؟
الذي اختاره الإمام فخر الدين أنه لا يقدّر الكلّ، للاستغناء عنه، وكثرة مخالفته
للأصل، إذ الضرورة تندفع بواحد، ثم أورد على ذلك أنه ليس إضمار أحد الحكمين
أولى من الآخر، فإما أن لا يضمر شيء أصلا، وهو باطل، أو يضمر الكلّ، وهو
المطلوب.
وتوقف الآمدي في المسألة لتعارض المحذورين، أحدهما تكثير الإضمار إذا قيل
بالتعميم، والآخر الإجمال إذا قيل بإضمار حكم مّا.
واختار ابن الحاجب عدم التعميم، ورأى أن التزام الإجمال أقرب من مخالفة الأصل
بتكثير الإضمار، وهذا بعينه اختيار الكرخي في مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَهُ﴾
أي تكون مجملة .
قال العلائي ◌َّتُهُ: والراجح من جهة الدليل القولُ بالتعميم، وأن التزام تكثير
الإضمار أولى من التزام الإجمال، لأن المحذور فيه أقوى من الإضمار، لكثرة وجود
الإضمار في اللغة، وقلّة المجمل، وللإجماع على التزام الإضمار في مواضع،
والاختلاف في وجود المجمل، ولقوله وَله: ((لعن الله اليهود، حرّمت عليهم
الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها)). متفق عليه.
وهو يدلّ على إضمار جميع التصرفات المتعلقة بالشحوم في التحريم، وإلا لما لزمهم
الذمّ ببيعها .
وفي كلام الشافعي رَلَّه ما يقتضي اختلاف قول في أن المقتضي له عموم أم لا؟،
فقد حكى صاحب ((الحاوي)) عنه أنه قال في ((الأم)) في قوله تعالى: ﴿فَنْ كَانَ مِنْكُم فَرِيضًّا
أَوْ بِهِ أَذَّى مِّن رَّأْسِهِ﴾ الآية. [البقرة: ١٩٦] أن يقدر الآية: فمن كان منكم مريضًا،
فتطيب، أو لبس، أو أخذ ظفره لأجل مرضه، أو به أذى من رأسه، فحلقه، فقدية من
صيام. فقدّر جميع ما يضمر في الآية مما يصح الكلام بإضمار واحد منها.

٣٦٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو
وقال في ((الإملاء)): ليس هذا كله مضمرًا في الآية، وإنما الذي تضمنته حلق
الرأس، والبقية مقيس عليه.
والذي يتعلق بهذه المسألة في هذا الحديث الكلامُ في قوله وَلَّ: ((إن الله تجاوز لي
عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه)). أخرجه ابن ماجه، والبيهقي في
((سننهما)) من حديث بشر بن بكر التنيسي، عن الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح، عن
عبيد بن عُمير، عن ابن عباس ◌َّهَا، عنه وَّ. وقال فيه البيهقي: إسناده مستقيم،
ورواته ثقات .
قال العلائي رحمه الله تعالى: وهذا الإسناد على شرط ((الصحيحين)) سوى بشر بن
بكر، فإنه من أفراد البخاري، والحديث أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) مصححًا له.
وذكر ابن أبي حاتم في ((كتاب العلل)) عن أبيه أن محمد بن المصفّى رواه عن الوليد
ابن مسلم، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس من غير ذكر عُبيد بن عُمير، ثم
ذكر له طرقًا أُخَرَ وضعفها .
ولفظه عند ابن أبي حاتم: (( إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان)).
فاختلف العلماء في هذا الحديث، هل المقدر فيه حكم الخطإ، أو إثمه، أو كلّ
منهما جميعًا.
فأبو حنيفة تَخْذَهُ قدّر المضمر الإثم فقط لمّا ذهب إلى أن الكلام ناسيًا في الصلاة
يُبطلها .
والشافعي تَحْذَلُهُ قدر المجموع من الإثم والحكم، ورأى أن الكلام ناسيًا لا يبطل
الصلاة، وكذلك سلام التحلّل، ونية الخروج منها، وكذلك الأكل في الصوم ناسيًا.
فيؤخذ من أحاديث ذي اليدين هذه صحة ما ذهب إليه الشافعي ◌ّْتهُ من تقدير
الجميع، لأن النبي وَلّ بنى على صلاته غير مرّة بعد ما سلّم منها، وتكلم، وفعل أفعالاً
ناسيًّا في ذلك كله، فدلّ على أن المقدّر حكم الخطإ والنسيان وإثمهما أيضًا، إذ لا
خلاف في رفع الإثم، لأن فائدة التكليف، وغايته تَمَيُّزُ المطيع عن العاصي ليهلك من
هلك عن بينة، ويحيى من حيّ عن بينة.
والطاعة والمعصية تستدعيان قصدًا وإرادةً لإيقاعهما، وعليه يترتب الثواب
والعقاب، والمخطىء والناسي لا قصدَ لهما، وكذلك المكره أيضًا، لأنه كالآلة لمن
أكرهه .
ثم هنا تفصيل حسن لأقسام المنسي ينبغي ذكره لما فيه من الفائدة، وهو أن الشيء
المنسي على أقسام :

٢٢- (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْن ... - حديث رقم ١٢٢٤
٣٦٧ =
الأول: نسيان العبادات المأمور بها رأسًا، وذلك على ضربين:
أحدهما: أن تفوت المصلحة التي شُرعت لها العبادةُ، ولا تَقبَلُ التدارك، كالجهاد،
والجمعات، وصلاة الكسوف، وصلاة الجنازة في بعض الصور، فهذه وأمثالها تسقط
بالفوات، ولا يشرع تداركها.
وثانيهما: ما يَقبل التدارك لأن غرض الشرع تحصيل مصلحته، كمن نسي صلاةً أو
صومًا أو حجاً أو عمرة أو نذرًا أو كفارة، فيجب عليه تداركها، قال رسول اللّه ◌َليلٍ:
((من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها)). وهذا لا خلاف فيه بين الأمة.
القسم الثاني: نسيان المنهيات عنها لذواتها إذا فعلت على وجه النسيان، وهو على
ضربين أيضًا:
أحدها: ما لا يتضمن إتلاف حقّ للغير، كمن نسي نجاسة الطعام فأكله، أو كون هذا
الشراب خمرًا فشربه، ونحو ذلك، فلا شكّ أنه لا يتعلق هنا إثم ولا حدّ، ولا تعزير
لنسيانه، ولا تدارك هنا، لأن المنهي إذا وقع، وتحققت مفسدته لم يمكن رفعها، وما
شرع في معاملته من الحدّ أو التعزير إنما شُرع زاجرًا عن المعاودة، وذلك إنما يكون في
حالة الذكر دون النسيان.
والضرب الثاني: ما يتضمن إتلافًا لملك الغير، كمن باع طعامًا، ثم نسي أنه باعه،
فأكله، فلا إثم عليه في ذلك، ولكنه يلزمه ضمانه، إما بالمثل، أو بالقيمة لمالكه، لأن
الضمان من الجوابر، والجوابر لا تسقط بالنسيان.
وينشأ من هذين الضربين ما كان من المنهيات له جهتان، ويتعلق به حقٌّ لله، وحقّ
للعباد، كالقتل والزنا، فإذا قتل خطأ فهو كالنسيان، فلا إثم، والقصاص الذي هو زاجر
سقط لنسيانه، والضمان بالدية لا يسقط، فإنها كبدل المتلف الذي فوّته، وهو حقّ
للآدمي، وكذلك الكفّارة لا تسقط لأنها شرعت جابرة لعدم التحفظ، لا مكفّرة للإثم،
إذ لا إثم هنا.
ومثل هذا الزنا، فإذا أبان زوجته، ثم نسي طلاقها، فوطئها، أو باع جاريته، أو
أعتقها، ثم نسي ذلك فوطئها، فلا إثم لنسيانه، ولا حدّ أيضًا لما تقدّم أن الزجر إنما
يصلح للذكر، ولكن يلزمه ضمان ما أتلف من البضع بمهر المثل، لأنه حق للآدمي
جابر لما أتلفه، ولا يسقط بالنسيان .
القسم الثالث: نسيان الشروط المصححة للعبادة بالترك، أو المفسدة لها بالفعل،
وهذا أيضًا على ضربين :
أحدهما: نسيان المأمورات التي وجودها شرط في صحة العبادة، كالوضوء مثلاً،

٣٦٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ
فالذي يُسقطه النسيان هنا الإثم، والعقوبة في الإقدام على العبادة من غير شرطها،
ويجب عليه إعادة الصلاة تداركًا للمأمور، لأن الغرض من تحصيل مصلحته لم يوجد.
وثانيهما : نسيان المنهيات المنافية، كالكلام في الصلاة، والأكل والأفعال فيها،
والأكل في الصوم، وغير ذلك من منافيات العبادات، فلا يبطلها الإتيان بهذه الأشياء
على وجه النسيان، لأنه لم يقصد إفسادها، وبالأدلة الدالّة على مفردات ذلك، لقوله
وَالر: ((من نسي، وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتمّ صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه))،
وقوله ◌َّه: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان))، على ما تقدّم من تعميم الإضمار المقدّر،
وبنائه وَلّر في أحاديث ذي اليدين هذه على صلاته، مع كلامه وأفعاله المنافية على وجه
النسيان، هذا إذا لم يكثر ذلك، فإن كثر ففيه خلاف يأتي ذكره فيما بعد، إن شاء الله
تعالی .
أما إذا كان ذلك من قبيل الإتلاف، كقتل الصيد في الإحرام، وحلق الشعر، وتقليم
الأظفار، فلا تسقط كفّارته، لما تقدمت الإشارة إليه أنها جابرة، والجوابر لا تسقط مع
النسيان. ولو صلّى ناسيا لنجاسة لا يعفى عن مثلها في حال الاختيار، ففي بطلان
صلاته قولان للعلماء، مأخذهما أن الطهارة عن النجس، هل هي من قبيل المأمورات
كالطهارة عن الحدث، أو أن استصحاب النجاسة في الصلاة من قبيل المنهيات؟
والجديد من قولي الشافعي هو القول الأول، والقديم هو الثاني، وهو مذهب مالك
ريَخْ تُهُ .
فإن قيل: هذا التفصيل يُنافي القول المتقدّم في تعميم الإضمارات المقدّرة في قوله
وَله: ((إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان)) لإيجاب التدارك في صور كثيرة من
نسيان المأمورات، وكذلك إيجاب ضمان المتلفات من الأبضاع والأموال، وكذلك
إيجاب الكفّارات، فكلّ هذا ينافي القول بإضمار حكم الخطأ والنسيان، فيتعين إضمار
الإثم في الحديث ليعمّ جميع الصور، ولا تختلف.
قلنا: ليس كذلك، فإن الحكم المتعلق بالمأمورات إذا تركت عمدًا هو المؤخذة
والعقاب المترتّب عليها، إما حدّا، كقتل تارك الصلاة، أو تعزيرا كتأديب تارك الصوم
ونحوه، وكلّ ذلك ساقط مع النسيان، ولا يترتّب إلا في حال تعمّد الترك، وأما التدارك
وإيجاب القضاء، فغير مأخوذ من النسيان، بل من أمر آخر، وهو تدارك المصلحة التي
شُرع لها ذلك الفعل، وكذلك ضمان الإتلافات، إما بالغرامات، أو بالمهر، أو بالدية،
ونحو ذلك لأمر خارجيّ، لا تعلق له بالنسيان، بل هو من خطاب الوضع، وربط
الحكم بالأسباب، بدليل وجوب ذلك في مال الصبي والمجنون الذين هما غير

٢٢- (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْن ... - حديث رقم ١٢٢٤
=
٣٦٩ =
مكلفين .
فثبت أن الأحكام المتعلقة بترك الفعل في حال العمدية مرفوعة حالة النسيان. والله
سبحانه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة عشرة:
في الكلام على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهو يتضمن بحثين:
أحدهما: جواز السهو عليهم في الأفعال الدينية.
والثاني: ما يتعلق بالأقوال، والعصمة فيها.
والمذكور في هذه المسألة هو البحث الأول:
قال الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى في كتابه ((الفصل)) جـ٤ ص٢-٣:
ذهب جميع أهل الإسلام من أهل السنة، والمعتزلة، والنجارية، والخوارج، والشيعة إلى
أنه لا يجوز البتة أن يقع من نبيّ أصلاً معصيةٌ بعمد، لا صغيرة، ولا كبيرة، وهو قول
ابن مجاهد الأشعري شيخ ابن فورك والباقلاني.
وهذا القول الذي ندين اللَّه تعالى به، ولا يحلّ لأحد أن يدين اللَّه بسواه، ونقول:
إنه يقع من الأنبياء السهو عن غير قصد، ويقع منهم أيضًا قصد الشيء يريدون وجه اللَّه
تعالى، والتقرّب منه، فيوافق خلاف مراد اللَّه تعالى، إلا أنه تعالى لا يُقرّهم على شيء
من هذين الوجهين أصلاً، بل ينبههم على ذلك، ولا يكثر وقوعه منهم، ويُظهر عز
وجلّ ذلك لعباده، ويبين لهم، كما فعل نبيه ◌َّل في سلامه من اثنتين، وقيامه من
اثنتين، وربما عاتبهم على ذلك بالكلام، كما فعل بنبيه ◌َلَّله في أمر زينب أم
المؤمنين، وطلاق زيد لها رَبوثهنا، وفي قصة ابن أم مكتوم رَمَّه . انتهى كلام أبي محمد
رحمه الله تعالى.
وقال الحافظ العلائي رحمه اللّه تعالى:
اتفق جميع أهل الملل والشرائع على وجوب عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
عن تعمد الكذب فيما دلت المعجزة القاطعة على صدقهم فيه، وذلك مما طريقه التبليغ
عن اللَّه سبحانه وتعالى من دعوى الرسالة، وما يُنَزَّل عليهم من الكتب الإلهية، إذ لو
جاز خلاف ذلك لأدَّى إلى إبطال دلالة المعجزة، وهو محال.
وأما السهو والنسيان، فقال سيف الدين الآمديّ: اختلف الناس فيه، فذهب الأستاذ
أبو إسحاق الإسفرايني وكثير من الأئمة إلى امتناعه.
وذهب القاضي أبو بكر الباقلاني إلى جوازه، وادعى الإمام فخر الدين الرازي في
بعض كتبه الإجماع على امتناعه، ونقل الخلاف فيه في بعضها.

٣٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْو
وحاصل الخلاف: يرجع إلى أن ذلك، هل هو داخل تحت دلالة المعجزة على
التصديق؟ فمن جعله غير داخل فيها جوّزه لعدم انتقاض الدلالة.
وفي كلام إمام الحرمين وَخَّتُهُ أن ذلك فيما يتعلق ببيان الشرائع، سواءً كان قولاً أو
فعلاً نازلا منزلة قول في اقتضاء البيان.
وميل كلامه إلى جواز السهو في ذلك، واحتجّ عليه بقصة ذي الیدین.
قال العلائي: وقال شيخنا إمام الأئمة أبو المعالي ابن الزملكاني خّلهُ: الذي يظهر
أن ما طريقه التبليغ فيه ما يُقطع بدخوله تحت دلالة المعجزة على الصدق، فهذا لا نزاع
في أنه لا يجوز فيه التحريف، ولا الخيانة، ولا الكذب، ولا السهو، وما لا يكون
كذلك، وهو مما طريقه التبليغ والبيان للشرائع، فهل يجوز فيه النسيان؟ هذا محلّ
الخلاف .
ويُحمل إطلاق فخر الدين الإجماع في بعض كتبه على القسم الأول، وذكره الخلاف
في بعض كتبه على القسم الثاني، فإنه والآمديّ نَقَلا الخلاف مطلقًا، وهو محمول على
التفصيل الذي أشار إليه إمام الحرمين.
وقد قال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه ((الانتصار)): المعجزة تدلّ على صدق
النبي فيما هو متفكر فيه عامد له، وذهول النفس، وطريان النسيان، وبوادر اللسان لا
تدخل تحت الصدق المقصود الذي هو مدلول المعجزة.
قال: وأما من زعم أن في تجويز ذلك القدحَ في الثقة بتبليغ الأنبياء، فهو قول عري
عن التحصيل، وإنما يلزم هذا إذا جوّز تقريرهم عليه معنى، وذلك ممتنع.
ثم قال: وأما الحديث المشهور في تحللَّه عن اثنتين، فالنسيان فيه ظاهر، وهو حكمة
من اللّه تعالى لظهور السنة فيه.
وأما القاضي عياض ◌َّلهُ، فإنه نقل الإجماع على عدم جواز السهو والنسيان في
الأقوال البلاغية، كما سيأتي ذكره، وخصّ الخلاف بالأفعال.
وحاصل الخلاف يرجع إلى اندراجها تحت دلالة المعجزة، كما ذكرناه.
قال القاضي عياض: ذهب الأكثرون من الفقهاء والمتكلمين إلى أن المخالفة في
الأفعال البلاغية والأحكام الشرعية سهوًا، وعن غير قصد منه جائز عليه وَظّ كما تقرر
من أحاديث السهو في الصلاة، وفرقوا بين ذلك، وبين الأقوال البلاغية بقيام دلالة
المعجزة على الصدق في القول، ومخالفةُ ذلك يُناقضها.
وأما السهو في الأفعال فغير مناقض لها، ولا قادح في النبوّة، بل غلطات الفعل،
وغفلات القلب من سمات البشر، كما قال ◌َالر: ((إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا

٢٢- (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْن ... - حديث رقم ١٢٢٤
٣٧١
نسيت، فذكروني))، نعم، بل حالة النسيان والسهو هنا في حقه وَّ لإفادة علم، وتقرير
شرع، وهي زيادة له في التبليغ، وتمام عليه في النعمة، بعيدة عن سمات النقص،
وأغراض الطعن، إذ البلاغ بالفعل أجلى منه بالقول، وأرفع للاحتمال.
ثم حكى عن طائفة أنهم قالوا :: كان النبي ◌َّ يسهو في الصلاة، ولا ينسى، لأن
النسيان ذهول وغفلة وآفة، والنبي وَلَّ منزّه عنها، والسهو شغلٌ، فكان يسهو في
الصلاة، ويَشغله عن حركتها ما في الصلاة شغلاً بها، لا غفلة عنها.
ثم نقل القاضي عياض عن الإمام أبي المظفّر الإسفرايني وغيره أنهم قالوا: لا يجوز
عليه وَّر السهو أصلاً، وحملوا جميع أحاديث السهو على أنه وَل تعمّد ذلك ليقع البيان
فيه بالفعل .
وهذا قول ضعيف، بل باطل لوجوه:
أحدها: أنه وَ لّ صرّح عن نفسه بالنسيان، فقال في حديث ابن مسعود رَّه المتفق
عليه: ((إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيتُ فذكروني)).
وثانيها: أن الأفعال العمدية تبطل الصلاة.
وثالثها: أن صورة الفعل العمدي والنسياني سواء، وإنما يتميز للغير بالإخبار بذلك.
ورابعها: أن البيان كاف بالقول، فلا ضرورة إلى تعمّد الفعل.
فالحاصل أن الراجح الذي ذهب إليه جمهور العلماء جواز السهو والنسيان على
الأنبياء صلوات اللَّه عليهم في الأفعال، كما دلت عليه هذه الأحاديث، ولكن شرط
ذلك بالاتفاق أن لا يقرّ عليه فيما طريقه البلاغ، لما يؤدي ذلك إليه من فوات المقصود
بالتشريع .
نعم اختلفوا في أنه هل يُشترط التنبيه على ذلك متصلاً بالفعل، أو لا يشترط ذلك،
بل يجوز التراخي إلى أن تنقطع مدة التبليغ، وهو العمر؟ على قولين، ليس هذا موضع
بسطهما .
والجمهور شرطوا أن يتصل التنبيه بالواقعة، وميل إمام الحرمين إلى جواز التأخير،
ولا شكّ أن أحاديث السهو كلها قد وقع فيها البيان على الاتصال.
قال القاضي عياض ◌َخّْلهُ: وأما ما ليس طريقه البلاغ، ولا بيان الأحكام من
أفعاله وََّ، وما يختصّ به من أمور دينه، وأذكار قلبه، مما لم يفعله ليُتَّبَعَ فيه،
فالأكثر من طبقات علماء الأمة على جواز السهو والغلط عليه في ذلك، لما كُلّفَه من
مقاسات الخلق، وسياسات الأمة، ولكن يكون ذلك على سبيل الندور، لا على
سبيل التكرار.

٣٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
ثم حكى عن طائفة أنهم ذهبوا إلى منع السهو والنسيان، والغفلات في هذا أيضًا
جملة .
وذكر الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد تَخّْلهُ أن بعض العلماء خالف القاضي عياضًا
في تقسيمه الفعل إلى ما طريقه البلاغ، وما ليس طريقه البلاغ، وقال: إن أقوال الرسول
وَلّه وأفعاله، وتقريراته كلها بلاغ، واستنتج بذلك العصمة في الكلّ، بناءً على أن
المعجزة تدلّ على العصمة فيما طريقه البلاغ، وهذه كلها بلاغ، فهذه كلها تتعلق بها
العصمة، أعني القول والفعل والتقرير.
قال الشيخ تقي الدين: ولم يُصرّح في ذلك بالفرق بين عمد وسهو، فإن كان يقول:
إن العمد والسهو سواءٌ في الأفعال، فهذا الحديث يردّ عليه. والله تعالى أعلم. انتهى
كلام العلائي رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: تلخص مما ذكر أن الراجح هو ما عليه جمهور أهل
العلم من جواز السهو والنسيان على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الأفعال، لوضوح
الأدلة وصراحتها في ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة عشرة:
في الكلام على البحث الثاني، وهو ما يتعلق بأقواله وَله .
قال القاضي عياض رحمه اللّه تعالى: وأما أقواله ربَّ، فقامت الدلائل الواضحة
بصحة المعجزة على صدقه، وأجمعت الأمة فيما كان طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من
الإخبار عن شيء منها بخلاف ما هو به، لا قصدًا، وعمدًا، ولا سهوا وغلطًا.
أما تعمّد الخُلْف في ذلك فمنتف، بدليل المعجزة القائمة مقام قول الله تعالى:
صدقت، اتفاقًا بإطباق أهل الملّة إجماعًا.
وأما وقوعه على جهة الغلط في ذلك فبهذه السبيل عند الأستاذ أبي إسحاق
الإسفرايني، ومن قال بقوله، ومن جهة الإجماع فقط، وورود الشرع بانتفاء ذلك،
عصمة النبي ◌ّ، لا من مقتضى المعجزة نفسها عند القاضي أبي بكر الباقلاني، ومن
وافقه لاختلاف بينهم في مقتضى دليل المعجزة.
فلنعتمد على ما وقع عليه إجماع المسلمين أنه لا يجوز عليه خلف في القول في إبلاغ
الشريعة، والإعلام بما أخبر عن ربه، وما أوحاه إليه من وحيه، لا على وجه العمد،
ولا غير وجه العمد، ولا في حال الرضا والسخط، والصحة والمرض.
ثم احتجّ على ذلك بقول عبدالله بن عمرو بن العاص رؤيتها: يا رسول اللَّه أكتب
كل ما أسمع منك؟ قال: ((نعم))، قال: في الرضا والغضب؟ قال: ((نعم))، فإني لا

٢٢- (مَا يُفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْن ... - حديث رقم ١٢٢٤
٣٧٣ =
أقول إلا حقًا(١).
ثم قرّر أن المعجزة دالّة على صدقه وَّل﴿ فيما يدّعيه، ويبلّغه عن اللّه تعالى، وأنه لا
يقول إلا حقًّا، وأن المعجزة قائمة مقام قول الله تعالى له: ((صدقت))، فلو جوّزنا عليه
الغلط والسهو فيما يبلغه عن اللَّه لاختلط الحق بالباطل، وحصل ضد المقصود من
البعثة الذي دلّت عليه المعجزة، فتنزيه النبي ◌َّر عن ذلك كله واجب شرعًا، وإجماعًا،
كما قال الأستاذ.
قال العلائي تَخْذَّلهُ: وفي كلام إمام الحرمين ما يشعر بخلاف في ذلك، وهو مؤول
على إرادة القسم الثاني الذي ليس طريقه البلاغ، كما سيأتي.
وكذلك قال فخر الدين في ((تفسيره)): أما ما يتعلق بالتبليغ فقد أجمعت الأمة على
عصمتهم فيه عن الكذب والتحريف، لا عمدًا ولا سهوًا، ومن الناس من جوّز ذلك
سهوًا .
قال العلائي: وهذا كلام متناقض كما تراه، لأن هذا القائل إن كان ممن يعتدّ بخلافه،
فكيف يكون إجماعًا؟، وإن لم يُعتدّ بخلافه، فلا أثر لقوله، وهو محجوج بالإجماع،
فالصواب ما قاله القاضي عياض ◌َّتْهُ .
ثم قال القاضي عياض بعد ذلك: أما ما ليس سبيله سبيلَ البلاغ من الأخبار التي لا
مستند لها إلى الأحكام، ولا أخبار المعاد، ولا تضاف إلى وحي، بل في أمور الدنيا،
وأحوال نفسه، فالذي يجب اعتقاده تنزيه النبي ◌ّلّ عن أن يقع خبره في شيء من ذلك
بخلاف مُخْبَره، لا عمدًا ولا سهوًا، ولا غلطًا، وإنه بَّر معصوم من ذلك في حال
رضاه وغضبه، وجدّه ومزاحه.
ودليل ذلك اتفاق المسلمين، وإجماعهم عليه، وذلك أنا نعلم من دين الصحابة
وعادتهم مبادرتهم إلى تصديق جميع أحواله، والثقة بجميع أخباره في أي باب كانت،
وعن أي شيء وقعت، وأنه لم يكن لهم توقف، ولا تردد في شيء منها، ولا استثبات
عن حالة ما، هل وقع فيها سهو، أم لا؟.
وأيضًا فإن أخباره وَلّر، وآثاره، وسيره، وشمائله معتنى بها، مستقصّى تفاصيلها،
ولم يرد أصلاً في شيء منها استدراكه عليه الصلاة والسلام لغلط في قول قاله، ولا
اعترافه بوهم في شيء أخبر به، ولو كان ذلك لنُقل كما نقل من قصته معلِّلُ في رجوعه
عما كان أشار به في تلقيح النخل، وكان ذلك رأيًا دنيويًا، لا خبرًا، ولا تشريعًا،
(١) أخرجه أحمد، وأبو داود، والحاكم، وغيرهم بإسناد صحيح.

٣٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
وكذلك قوله وَليه: ((لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفّرت عن يميني،
وفعلت الذي هو خير)).
وأيضًا فإن الكذب متى عُرف من أحد في شيء من الأخبار حصلت الريبة به، واتهم
في حديثه، ولم يقع قوله في النفوس موقعًا، ولهذا ما ترك المحدثون الحديث عمن
عرف بالوهم والغفلة، وسوء الحفظ، وكثرة الغلط مع ثقته في التعمد.
وأيضًا فإن تعمّد الكذب في أمور الدنيا معصية، والإكثار منه كبيرة بإجماع، مسقط
للمروءة، وكلّ هذا مما يُنزّه عنه منصب النبوّة، وأما المرّة الواحدة منه فما كانت شنيعةً
يُستبشع صاحبها، وتُخُلّ به، فهي كذلك أيضًا، وما لا تقع هذا الموقع، فإن عددناها من
الصغائر فهل تجري على حكمها من الخلاف؟ هذا مختلف فيه.
ثم قال رحمه الله تعالى: والصواب تنزيه النبوّة عن قليله وكثيره، سهوه وعمده، إذ
عمدة النبوّة الإبلاغ، والإعلام، والتبيين، وتصديق ما جاء به، وتجويز شيء من هذا
قادح في ذلك، ومشكك فيه، ومناقض للمعجزة، فلنقطع عن يقين بأنه لا يجوز على
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام خلف في القول في وجه من الوجوه، لا بقصد، ولا بغير
قصد، ولا نتسامح مع من تسامح في تجويز ذلك عليهم في حال السهو فيما ليس طريقه
البلاغ.
هذا كله كلام القاضي عياض. قال العلائي: وهو الصواب الحقّ، إن شاء الله
تعالى .
وحينئذ فيشكل على ذلك حديث ذي اليدين هذا، وقوله بَّ له: ((كل ذلك لم يكن))
نافيًا لما كان قد وقع، وقد ذكر الأئمة عن هذا أجوبةً كثيرةً.
أحدها: التزام تجويز السهو والنسيان فيما ليس طريقه الإبلاغ من الأقوال، وهو القول
الذي أشار إليه القاضي عياض وضعفه، فلا تفريع عليه.
ثانيها: أن المراد أن القصر والنسيان لم يكونا معًا، بل كان أحدهما، فيكون النفي
للمجموع، لا للأفراد، أو لا يلزم من نفي الكلية نفي كلّ جزء من أجزائها. وهذا حكاه
النووي ◌َخْذَّلهُ عن جماعة من الشافعية، وهو ضعيف لوجهين:
أحدهما: القاعدة المستقرّة عند أرباب المعاني والبيان أن ((كلّا) إذا تقدمت،
وخرجت من حيّز النفي، ثم كان بعدها، فإنها تقتضي نفي كلّ فرد فرد، لا نفي
المجموع، ويدلّ عليه جواب ذي اليدين رَّه بقوله: قد كان بعض ذلك. فدلّ على أن
النبي ◌ُّ نفى كل فرد، لا الكلية.
وثانيهما: أن قوله ◌َّر في الرواية: ((لم أنس، ولم تقصر)) يبطل هذا الوجه، فإنه

٢٢- (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ ... - حديث رقم ١٢٢٤
٣٧٥
صريح في نفي كلّ منهما، وهو صحيح ثابت كما تقدّم.
ثالثها: أن قوله وَلّ: (لم أنس)) راجع إلى السلام، أي سلّمت قصدًا، وسهوت عن
العدد، فكأنه نفى السهو في نفس السلام، لا في غيره. ولا شكّ أن هذا كلام صحيح،
وهذا وجه محتمل، ولكنه بعيد من جهة أن مقتضاه أن النبي وَلّ حين قال: هذا مُريدًا
لهذا المعنى كان عالمًا بسهوه في العدد، ولو كان كذلك لم يسأل القوم الحاضرين
مُستثبتًا منهم، هل سها، أم لا؟.
رابعها: الفرق بين السهو والنسيان، وأن النبي ◌َّ كان يسهو، ولا ينسى، ولذلك
نفى عن نفسه النسيان، وقد سبقت الإشارة إلى هذا القول، وأن الفرق بين السهو
والنسيان من حيث اللغة بعيد.
وحاصل ما يقول هذا القائل أن النسيان عدم الذكر الأمر لا يتعلق بالصلاة، والسهو
عدم الذكر لأمر يتعلق بها، أو نقول: النسيان الإعراض عن تفقد أمور الصلاة حتى
يحصل عدم الذكر، والسهو عدم الذكر لا لأجل الإعراض.
وكل من هذين تخصيص للّفظ بلا دليل، ثم إنه يبطل من أصله بما ثبت عنه وَلّر، أنه
قال: ((إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت، فذكّروني)).
خامسها: ذكره القاضي عياض، وقال: ويظهر لي أنه أقرب من هذه الوجوه أن قوله
وَّر: ((لم أنس)) إنكار منه للّفظ الذي نفاه عن نفسه، وأنكره على غيره بقوله: ((بئسما
لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل هو أُنسي))، فلمّا قال له السائل: أقصرت
الصلاةُ أم نسيتَ؟)) أنكر قصرها كما كان، ونسيانه هو من قبل نفسه، وإنه وإن كان
جرى شيء من ذلك، فقد نُسّي، حتى سأل غيره، فتحقق أنه نُسّي، فكأنه قال: لم أنس
حقيقةً، ولكن اللَّه نَسّانِي لأَسُنَّ.
وأيد هذا القول بمارُوي أنه وَّ قال: ((لستُ أنسى، ولكن أُنَسّى لأسنّ)).
فقوله وَّ هنا: ((كلُّ ذلك لم يكن))، أو ((لم أنس، ولم تقصر)) حقٍّ وصدقٌ، لا خلف
فيه أصلاً، فإن الصلاة لم تقصر حقيقة، ولم ينس هو رَّر حقيقة، ولكنه نسي.
وهذا الوجه أيضًا فيه نظر من وجوه :
أحدها: ما ثبت من قوله وَله: ((إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيتُ،
فذكّروني))، فقد أضاف هنا النسيان إلى نفسه.
وثانيهما: أن هذا القول لم يصدر من النبي وَّر على جهة الزجر والإنكار، بل على
جهة النفي لما قال ذو اليدين، ولذلك سأل الصحابة ، واستثبت منهم، ولو كان
هذا الكلام منه على جهة الزجر عن إضافة النسيان إليه، أو الإنكار لذلك لم يكن ذلك

٣٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْو
جوابًا لذي الیدین.
وثالثها: أن الذي ذمّه النبي وَله في قوله: ((بئسما لأحدهم)) ونهى عنه هو إضافة
نسيان الآية من القرآن إلى نفسه، وليس يلزم من النهي عن إضافة النسيان للآية إلى نفسه
النهي عن إضافته إلى كلّ شيء، فإن الآية من كلام اللَّه المعظم، ويقبُحُ بالمرء أن
يضيف نسيان كلام اللّه تعالى إلى نفسه، ولا يلزم من ذلك تعديه إلى غير كلام الله، لأنه
لا يلزم من النهي عن الخاصّ النهي عن العامّ مع قيام الفرق بينهما، لأن إضافة نسيان
الآية إلى نفسه يُشعر بتهاونه في استذكاره وبحفظه، ولذلك أتبع النبي وَّر قوله: ((بئسما
لأحدهم أن يقول: نسيتُ آيَة كيتَ وكَيتَ، بل هو نُسّي)) بقوله: ((استذكروا القرآن، فو
الذي نفسي بيده، لهو أشدُّ تفلّتًا من صدور الرجال من الثَّعَم من عُقُلها)).
فلا يلتحق غير القرآن به في كراهة إضافة النسيان إليه.
وسادسها: وهو الأصح الذي اختاره المحققون: أن نفيه وَلّ إنما كان بناءً على ما في
اعتقاده وظنه، وهو أنه لم يفعل شيئًا من ذلك، فأخبر بحقّ، إذ خبره موافق لما في نفسه
وَلَه، وكأنّ النطق مقدّر بذلك، وإن كان محذوفًا، لأنه لو صرّح به، وقال: لم تقصر
الصلاة، وليس في ظني أني نسيتُ، ثمّ تبين أنه كان في خلافه في نفس الأمر كان
إخباره صدقًا، ولم يقتض ذلك أن يكون خلافه في ظنه، فكذلك إذا كان مقدّرًا مُرادًا
ليس فيه خُلف ولا كذبٌ.
وهذا أولى الأوجه بالصواب، وأحسنها، وهو خارج على مذهب من يقول: إن
مدلول اللفظ الخَبَريّ هو الأمور الذهنية، فإنه وإن لم يُذكر في اللفظ، فهو الثابت في
نفس الأمر.
ولهذا ذهب أكثر العلماء إلى عدم تحنيث الجاهل، ومن جملة صوره أن يحلف على
شيء يعتقده، فيظهر أنه بخلاف ما حلف عليه، فتلك اليمين لا غية لا حنث فيها، لأنه
لم يقصد انتهاك الاسم المعظم بالمخالفة مع القسم به، وهي التي لم يُضفها اللَّه إلى
كسب القلب، حيث قال: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٥](١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: إنما أطلت الكلام في هذا الحديث، لكثرة فوائده،
وغزارة عوائده، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال: [من البسيط]
لَقَدْ أَطَالَ ثَنَائِي طُولُ لَابِسِهِ إِنَّ الثَّنَاءَ عَلَى الشِّثْبَالِ تِئْبَالُ
والتنبال بالكسر: القصير. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
(١) راجع ((نظم الفرائد)) صـ ١٧١ - ١٨٥ .

٢٢- (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْن ... - حديث رقم ١٢٢٦
٣٧٧ =
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٢٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكِ، قَالَ: حَدَّثَنِي
أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ انْصَرَفَ مِنِ اثْنَيْنِ،
فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ، أَمْ نَسيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَصَّدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟))، فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَزِ، فَصَلَّى
اثْنَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ سَجَدَ مِثْلَ
سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن سلمة) المرادي الجَمَلي، أبو الحارث المصري، ثقة ثبت [١١] تقدم
٢٠/١٩ .
٢- (ابن القاسم) عبدالرحمن العُتَقي المصري الفقيه، صاحب مالك، ثقة، من كبار
[١٠] تقدم ٢٠/١٩ .
٣- (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الثبت الفقيه المشهور [٧] تقدم ٧/ ٧ .
٤- (أيوب) بن أبي تميمة / كيسان السختياني، أبو بكر البصري، ثقة ثبت حجة،
من كبار الفقهاء العُبّاد [٥] تقدم ٤٨/٤٢ .
والباقيان تقدما في السند الماضي.
والحديث متفق عليه، وقد تقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به في الحديث
الماضي، فلا حاجة إلى إعادتها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٢٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ
◌َبِي أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَِّ صَلَاةَ الْعَصْرِ،
فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنٍ، فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمْ نَسِيتَ؟،
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ: ((كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ))، فَقَالَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ،
فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: ((أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟))، فَقَالُوا: نَعَمْ، فَأَتَمَّ
رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَقِيَ مِنَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنٍ، وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ
التَّسْلِيم).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت [١٠] تقدم ١/ ١.
٢- (داود بن الحُصين) الأموي مولاهم، أبو سليمان المدني، ثقة إلا في عكرمة،

٣٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
ورمي برأي الخوارج [٦].
روى عن أبيه، وعكرمة، وأبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، وغيرهم. وعنه مالك،
وابن إسحاق، وإبراهيم بن أبي يحيى، وغيرهم.
قال ابن ابن معين: ثقة. وقال علي بن المديني: ما روى عن عكرمة فمنكر. قال:
وقال ابن عُيينة: كنا نتقي حديث داود، وقال أبو زرعة: لين، وقال أبو حاتم: ليس
بالقوي، ولو لا أن مالكا روى عنه لَتُرك حديثه. وقال أبو داود: أحاديثه عن شيوخه
مستقيمة، وأحاديثه عن عكرمة مناكير. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عديّ:
صالح الحديث إذا روى عنه ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان يذهب
مذهب الشُّرَاةُ(١) وكلُّ مَنْ تَرَكَ حديثَهُ على الإطلاق وَهِمَ؛ لأنه لم يكن بداعية. وقال
ابن سعد، والعجلي: ثقة. وقال الساجي: منكر الحديث، يُتّهم برأي الخوارج. وقال
العُقَيليّ: قال ابن المديني: مرسل الشعبي أحبّ إلى من داود، عن عكرمة، عن ابن
عباس. وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال أحمد ابن صالح: هو من أهل الثقة
والصدق. وقال الجوزقاني: لا يَحْمَدُ الناس حديثَه، وقال ابن أبي خيثمة: حدثني أبي،
ثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني داود بن الحصين، وكان
ثقة. وعاب غير واحد على مالك الرواية عنه، وتركه الرواية عن سعد بن إبراهيم.
وذكره ابن المديني في الطبقة الرابعة من أصحاب نافع. قال ابن نُمَير، وغير واحد:
مات سنة (١٣٥). زاد الواقدي: وهو ابن (٧٢) سنة. روى له الجماعة، وله في هذا
الكتاب (٥) أحاديث.
٣- (أبو سفيان مولى ابن أبي أحمد) الأسدي، هو مولى عبدالله بن أبي أحمد بن
جحش، وقيل: كان مولى بني عبدالأشهل، وانقطع إلى ابن أبي أحمد، فنسب إليه،
ثقة [٣].
قال الدارقطني: اسمه وهب، وقال غيره: اسمه قُزْمان - بضم القاف، وسكون
الزاي - .
روى عن أبي هريرة، وأبي سعيد، وعبدالله بن زيد بن عاصم، وغيرهم. وعنه ابنه
عبدالله، وداود بن الحُصين، وخالد بن رباح.
قال إبراهيم بن أبي حبيب، عن داود بن الحُصين: كان أبو سفيان يؤم بني
(١) الشُّرَاةُ بالضم: جمع شَارٍ من شَرَى يَشْرِي: إذا باع، وهم فرقة من الخوارج سموا بذلك لأنهم
زعموا أنهم شَرَوْا دنياهم بالآخرة: أي باعُوها. ويجوز أن يكون من الْمُشَارَّةِ: أي المُلَاجَّة: أفاده
في ((النهاية)) جـ٢ ص ٤٦٩.

٢٢- (مَا يُفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْن ... - حديث رقم ١٢٢٧
٣٧٩=
عبدالأشهل، وفيهم ناس من الصحابة. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وذكره
ابن حبان في ((الثقات)). وقال الدارقطني: ثقة. وقال ابن عبدالبرّ: قيل: اسمه قُزْمان،
ولا يصح له اسم غير كنية. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان، هذا،
وحديث رقم (٤٥٤٣).
وما لك، وأبو هريرة تقدما في السند الماضي.
والحديث صحيح، وقد تقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به في الحديث الذي
قبله. وباللَّه سبحانه وتعالى التوفيق.
[فائدة]: قوله وَالر: ((كل ذلك لم يكن))، وجواب ذي اليدين رَّه له بقوله: قد
كان بعض ذلك، فيه دليلٌ لقاعدة اتفق عليها أهل ((المعاني والبيان))، وهي:
أن النفي إذا تسلط على ((كلّ))، أو كانت في خَيّزه تكون ((كلّ)) حينئذ لنفي الشمول
عن المجموع، لا لنفي الحكم عن كلّ فرد فرد.
وإن أخرجت ((كل)) من حيّز النفي، بأن قدّمت عليه لفظًا، ولم تكن معمولةً للفعل
المنفي توجه النفي إلى أصل الفعل، وعمّ كل ما أضيفت إليه ((كل))، فكان السلب عن
کل فرد فرد.
قال العلائي تَخْذَّلهُ : والاحتجاج لهذه القاعدة بهذا الحديث من وجهين:
أحدهما: أن السؤال بـ((أم)) عن أحد الأمرين لطلب التعيين بعد ثبوت أحدهما عند
المتكلم على وجه الإبهام، فجوابه إما بالتعيين، أو بنفي كل واحد منهما، فلما قال النبي
وَ الر: ((كل ذلك لم يكن)) كان جوابه لنفي كل واحد منهما بالنسبة إلى ظنه وَلخير، فلو كان
تقديم ((كلّ)) على المنفي إنما يفيد نفي الكلية، لا نفي الحكم عن كل فرد فرد لكان قوله
وَالر: ((كل ذلك لم يكن)) غير مطابق للسؤال، ولا ريب في بطلانه.
والوجه الثاني: قول ذي اليدين في جواب هذا الكلام: ((قد كان بعض ذلك))، وهو من
العرب الفصحاء، فدلّ على أن المراد بـ((كل ذلك لم يكن)» سلب الحكم عن كلّ فرد فرد، لا
عن المجموع، لأن الإيجاب الجزئي يقتضيه السلب الكلي (١). انتهى كلام العلائي رحمه الله
تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٢٧- (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ، يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ اَلـ
(١) هكذا نسخة ((نظم الفرائد)) ((يقتضيه السلب الكلي))، ولعل الصواب: ((نقيضه السلبُ الكليُّ))،
فليتأمل .

٣٨٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو
صَلَّى صَلَاةَ الظُهْرِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَالُوا: أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ؟(١)، فَقَامَ، وَصَلَّى
رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (سليمان بن عُبيدالله) بن عمرو بن جابر الغَيْلانيّ المازني، أبو أيوب البصري،
صدوق [١١] تقدم ٧٢٩/٣٦ .
٢- (بهز بن أسد) العَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقة ثبت [٩] تقدم ٢٨/٢٤.
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] تقدم ٢٦/٢٤.
٤- (سَعْد بن إبراهيم) بن عبدالرحمن بن عوف الزهري المدني القاضي، ثقة فاضل
عابد [٥] تقدم ١١/ ٥١٨ .
٥٠- (أبو سلمة) بن عبدالرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم
١/١ .
٦٠- (أبو هريرة) وظّه تقدم في السند الماضي.
[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من ((المجتبى)) في هذا السند خطأ في موضعين:
أحدهما: قوله: ((سليمان بن عَبْداللَّه))، والصواب: ((سليمان بن عُبيد الله)) بتصغير
الاسم الثاني، كما في ((الهندية)) و((السنن الكبرى)).
الثاني: قوله: ((سعيد بن إبراهيم))، والصواب: (سَعْد بن إبراهيم))، كما في
((الهندية))، و((السنن الكبرى)) أيضًا. فليُتنبه. والحديث متفق عليه، وقد مضى شرحه،
والمسائل المتعلقة به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٢٨- (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ
عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولُ اللّهِ وَهِ صَلَّى يَوْمًا،
فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأَدْرَكَهُ ذُوَ الشِّمَالَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْقِصَتِ
الصَّلَاةُ، أَمْ نَسِيتَ، فَقَالَ: ((لَمْ تَنْقُصِ الصَّلَاةُ، وَلَمْ أَنْسَ))، قَالَ: بَلَى، وَالَّذِي بَعَثَّكَ
بِالْحَقِّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَالَ: ((أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟))، قَالُوا: نَعَمْ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ
رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد : ستة :
١٠٠- (عيسى بن حمّاد) أبو موسى التجيبي المصري الملقّب زُغْبَة، ثقة [١٠] تقدم
(١) وفي نسخة: ((قصرت الصلاة)) بحذف همزة الاستفهام.
،