Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
٢٢- (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ ... - حديث رقم ١٢٢٤
قال الحافظ ابن رجب رحمه اللّه تعالى: والظاهر أن النبي ◌َّر كان في حال الصلاة
مشغول البال بأمر أوجب له ذلك الغضب، وهو الذي حمله على أن صلى ركعتين،
وسلم، ولم يشعر بذلك. انتهى(١).
(وخرجت السَّرَعَانُ) هم أوائل الناس خروجا من المسجد، وهم أصحاب الحاجات
غالبا .
وقال ابن الأثير: هم أوائل الناس الذين يتسارعون إلى الشيء، ويُقبلون عليه بسرعة.
وقال الحافظ ابن رجب: وسرعان الناس: هم الذين أسرعوا الخروج من المسجد،
فظنوا أن الصلاة قصرت، فتحدثوا بذلك، وهذا يدلّ على أنه لم يخف ذلك على عامّة
من كان في المسجد أو كلّهم. انتهى (٢).
قال القاضي عياض: رويناه بفتح السين والراء عن مُتقني شيوخنا، وهو قول
الكسائي، وغيرُهُ يسكن الراء.
وقال الخطابي: ويقال لهم: سرعان - بكسر السين، وسكون الراء - وهو جمع سريع،
كقولهم: رَعيل ورعلان(٣).
وقال عياض: ورويناه في البخاري من طريق الأصيلي بضم السين، وإسكان الراء،
وكذا وجدته بخطه في أصله. ووجهه أنه جمع سريع، كقفيز وقُفْزان، وكَثيب وكُثبان.
قال الحافظ العلائي: الذي قاله جمهور أهل اللغة هو القول الأول، بفتح السين والراء
معًا. لكن فرق أبو العباس المبرّد، فقال: إذا كان السَّرَعان من الناس قيل: بفتح الراء
وسكونها، وإن كان من غيرهم فالفتح أفصح، ويجوز الإسكان(٤).
(فقالوا: أقصرت الصلاة؟) بهمزة الاستفهام، وفي نسخة ((قصرت الصلاة؟)) بدون
الهمزة، فتكون مقدّرة.
وفيه دليل على ورعهم، إذ لم يجزموا بوقوع شيء بغير علم، وهابوا النبي وَيُّ أن
يسألوه، وإنما استفهموا، لأن الزمان زمان النسخ.
و((قصرت)) -بضم القاف، وكسر المهملة- على البناء للمفعول، أي إن اللَّه قَصَرَها،
(١) انظر ((فتح الباري في شرح البخاري)) للحافظ ابن رجب جـ ٩ ص ٤٤٢ .
(٢) (شرح البخاري)) جـ ٩ ص ٤٤٢ - ٤٤٣ .
(٣) هكذا قال الخطابي في ((معالم السنن)) ج١ ص ٣٣٤ لكن قال في ((غريب الحديث)) جـ ٣ ص ٢٢٦
- ٢٢٧ يرويه العامة سرعان الناس - مكسورة السين، ساكنة الراء - وهو غلط، والصواب
سرعان الناس - بنصب السين، وفتح الراء - هكذا يقول الكسائي، وقال غيره: سرعان - ساكنة
الراء - والأول أجود. انتهى.
(٤) راجع ((نظم الفرائد)) ص ١٢٧ - ١٢٨ .

٣٠٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھو
و-بفتح، ثم ضم- على البناء للفاعل، أي صارت قصيرة. قال النووي تَخْذَهُ: هذا أكثر
وأرجح. انتهى (١).
وقال الحافظ العلائي: وقوله: ((أقصرت الصلاة)) فيه روايتان، إحداهما بضم القاف،
وكسر الصاد على البناء لما لم يسم فاعله. والثانية: بفتح القاف، وضم الصاد، والفعل
لازم ومتعدّ، فاللازم مضموم الصاد التي هي عين الكلمة، لأنه من الأمور الخَلْقيّة،
كحَسُنَ وقَبُحَ، والمتعدي بفتح الصاد، ومنه قَصَرَ الصلاةَ وقَصَّرَها، وأقصرها على
السواء. حكاه الأزهري.
ولا يقال: إن ((قَصَرَ)) إذا كان مخففًا لا يتعدّى إلا بحرف الجرّ، كقوله تعالى: ﴿أَنْ
نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ [النساء: ١٠١] لأنا نقول تعديه بنفسه ثابت ومنقول، حكاه أيضا
الجوهري وغيره.
وأما ((من)) في الآية فزائدة عند الأخفش، وصفة لمحذوف عند سيبويه، تقديره ((شيئا
من الصلاة)). انتهى بتصرف.
(وفي القوم أبو بكر، وعمر رَنِيّا) أي وكان مع القوم الذين صلَّا مع النبي ◌َّ أبو
بكر الصديق، وعمر بن الخطاب رَوّها (فهاباه أن يكلماه) وفي بعض النسخ ((فهابا))
بإسقاط الضمير المنصوب.
و ((الهيبة)): إجلالٌ ومخافةٌ ناشئة عن إعظام.
والمعنى أنهما غلب عليهما احترامه، وتعظيمه عن الاعتراض عليه، وأما ذو اليدين،
فغلب عليه حرصه على تعلم العلم.
وقال الحافظ ابن رجب تَخْذَلهُ: وأما هيبة أبي بكر وعمر أن يكلماه مع قربهما منه،
واختصاصهما به فلشدّة معرفتهما بعظمته وحقوقه، وقوةُ المعرفة توجب الهيبة، كما أن
أشد الناس معرفة باللّه أشدهم له خشيةً وهيبةً وإجلالاً، كما كان النبي وَّر كذلك.
انتھی .
وقال الحافظ العلائي ◌َّلهُ: معنى الحديث: أن أبا بكر وعمر رَّت لما غَلَبَ
عليهما من احترام النبي وَ الر، وتعظيمه، وإكبار مقامه الشريف امتنعا من تكليمه.
هذا مع ما روى الترمذي في ((جامعه)) بسند جيّد عن أنس رَّ، قال: كان النبي ◌َّ
يخرج على أصحابه، فلا ينظر إليه أحد سوى أبي بكر وعمر توريثها، فإنهما كانا ينظران
إليه، وينظر إليهما، ويبتسمان إليه، ويبتسم إليهما.
(١) (فتح)) جـ ٣ ص ٤٣١ .
-

٢٢- (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْن ... - حديث رقم ١٢٢٤
٣٠٣ =
=
ففي هذا المقام غلبت عليهما الهيبة له وَلّر مع علمهما بأنه سيتبين أمرُ مَا وقع.
وأما إقدام ذي اليدين على السؤال والفحص ابتداءً، فهو لشدة حرصه على تعلم
العلم، واعتنائه بأمر الصلاة. انتهى(١).
وقوله: ((أن يكلماه)) في موضع نصب بدل من الهاء في ((هاباه))، بدل ظاهر من
مضمر، وهو بدل اشتمال، والتقدير ((فهاباه تكليمه))، والمعنى ((هابا تكليمه))، لأن البدل
هو المقصود بالنسبة. أفاده العلائي رحمه الله تعالى.
(وفي القوم رجل) مبتدأ وخبر (في يديه طول) مبتدأ وخبر أيضًا، والجملة في محلّ
رفع صفة ((رجل))، أو في محلّ نصب حال منه، وإن كان نكرة، لتقدم الخبر، الجاز
والمجرور عليه.
والمعنى: أنه كان مع القوم رجل موصوف بطول اليدين. وهو محمول على
الحقيقة، ويحتمل أن يكون كناية عن طولهما بالعمل، أو بالبذل. قاله القرطبي. وجزم
ابن قتيبة بأنه كان يعمل بيديه جميعا. وحكي عن بعض شُرّاح ((التنبيه)) أنه قال: كان قصير
اليدين، فكأنه ظن أنه حميد الطويل، فهو الذي فيه الخلاف.
والصواب التفرقة بين ذي اليدين وذي الشمالين، وذهب الأكثر إلى أن اسم ذي
اليدين الخرباق- بكسر المعجمة، وسكون الراء، بعدها موحّدة، وآخره قاف- اعتمادًا
على ما وقع في حديث عمران بن حصين تَويت عند مسلم، ولفظه ((فقام رجل، يقال
له: الخرباق، وكان في يده طول))، وهذا صنيع من يُوَحِّدُ حديثَ أبي هريرة بحديث
عمران، قال الحافظ: وهو الراجح في نظري، وإن كان ابن خزيمة، ومن تبعه جَنَحُوا
إلى التعدد، والحامل لهم على ذلك الاختلاف الواقع في السياقين، ففي حديث أبي
هريرة أن السلام وقع من اثنتين، وأنه بَّر قام إلى خشبة في المسجد، وفي حديث
عمران أنه سلم من ثلاث ركعات، وأنه دخل منزله لمّا فرغ من الصلاة.
فأما الأول: فقد حكى العلائي أن بعض شيوخه حمله على أن المراد به أنه سلّم في
ابتداء الركعة الثالثة، واستبعده. ولكن طريق الجمع يُكتفى فيها بأدنى مناسبة، وليس
بأبعد من دعوى تعدد القصّة، فإنه يلزم منه كون ذي اليدين في كلّ مرّة استفهم النبي وَل
عن ذلك، واستفهم النبيُّ وَّةَ الصحابةَ عن صحّة قوله.
وأما الثاني: فلعلّ الراوي لمّا رآه تقدم من مكانه إلى جهة الخشبة ظن أنه دخل
منزله، لكون الخشبة كانت في جهة منزله، فإن كان كذلك، وإلا فرواية أبي هريرة
(١) ((نظم الفرائد)) ص ١٢٦ - ١٢٧.

٣٠٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
أرجح لموافقة ابن عمر له على سياقه، كما أخرجه الشافعي، وأبو داود، وابن ماجه،
وابن خزيمة، ولموافقة ذي اليدين نفسه له على سياقه، كما أخرجه أبو بكر الأثرم،
وعبدالله بن أحمد في زيادات ((المسند))، وأبو بكر بن أبي خيثمة، وغيرهم.
وقد ورد ما يدلّ على أن محمد بن سيرين راوي الحديث عن أبي هريرة كان يرى
التوحيد بينهما، وذلك أنه قال في آخر حديث أبي هريرة: ((نُبِّئت أن عمران بن حُصَين
قال: ثم سلّم)). انتهى كلام الحافظ رحمه اللّه تعالى ببعض تصرف(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي رجحه الحافظ رحمه اللّه تعالى من دعوى
الاتحاد بين حديث أبي هريرة، وحديث عمران بن حُصَين *** فيه نظر، و الذي ذكره
في وجه الجمع ظاهر التكلف، فالذي يظهر أن ما رجحه ابن خزيمة، ومن تبعه هو
الصواب، إذ لا تكلف فيه. فتأمل. وسيأتي تمام الكلام عند ذكر كلام الحافظ العلائي
رحمه اللَّه تعالى في المسائل. إن شاء الله تعالى.
(قال) أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه (كان يسمّى ذا اليدين) فيه دليل على أنه يجوز
دعاء الإنسان بغير اسمه، ولا سيما إذا كان ليس من الألقاب المكروهة، وربما كان
يُدعى بذلك من باب الفكاهة والمزاح، كما قال النبي ◌ّر لرجل: ((يا ذا الأذنين)». قاله
الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى.
(فقال: يارسول اللَّه أنسيت، أم قصرت الصلاة؟) استفهام عن سبب تسليمه على
رأس الركعتين .
(قال) وَيّر (لم أنس، ولم تقصر الصلاة) قال في ((الفتح))(٢): كذا في أكثر الطرق،
وهو صريح في نفي النسيان، ونفي القصر، وفيه تفسير للمراد بقوله في رواية أبي
سفيان، عن أبي هريرة: (( كلُّ ذلك لم يكن))، وتأييد لما قاله أصحاب المعاني: إن لفظة
(كلّ)) إذا تقدمت، وعقبها النفي كان نفيًا لكلّ فرد، لا للمجموع، بخلاف ما إذا
تأخرت، كأن يقول: لم يكن كلّ ذلك، ولهذا أجاب ذو اليدين في رواية أبي سفيان
بقوله: ((قد كان بعض ذلك))، وأجابه في رواية بقوله: ((بلى قد نسيتَ))، لأنه لمّا نفى
الأمرين، وكان مقرّرا عند الصحابة أن السهو غير جائز عليه في الأمور البلاغية جزم
بوقوع النسيان، لا القصر.
وهو حجة لمن قال: إن السهو جائز على الأنبياء فيما طريقه التشريع، وإن كان
عياض نقل الإجماع على عدم جواز دخول السهو في الأقوال التبليغية، وخص الخلاف
(١) ((فتح)) جـ ٣ ص ٤٣٢ .
(٢) راجع ((الفتح)) جـ٣ ص ٤٣٢ - ٤٣٣.

٣٠٥ =
٢٢- (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْن ... - حديث رقم ١٢٢٤
بالأفعال، لكنهم تعقبوه.
نعم اتفق من جوز ذلك على أنه لا يُقَرُّ عليه، بل يقع له بيان ذلك، إما متصلاً
بالفعل، أو بعده، كما وقع في هذا الحديث من قوله: ((لم أنسَ، ولم تُقْصَر))، ثم تبيّن
أنه نسي.
ومعنى قوله: لم أنس، أي في اعتقادي، لا في نفس الأمر. ويستفاد منه أن الاعتقاد
عند فقد اليقين يقوم مقام اليقين. وفائدة جواز السهو في مثل هذا بيانُ الحكم الشرعي،
إذا وقع مثله لغيره.
وأمّا من منع السهو مطلقًا، فأجابوا عن هذا الحديث بأجوبة:
فقيل: قوله: ((لم أنس)) نفي للنسيان، ولا يلزم منه نفي السهو، وهذا قول من فرق
بينهما، وهو مردود، ويكفي في ردّه قوله في الحديث: ((بلى قد نسيتَ))، وأقرّه على
ذلك.
وقيل: قوله: ((لم أنسَ)) على ظاهره، وحقيقته، وكان يتعمّد ما يقع منه من ذلك
ليقع التشريع منه بالفعل، لكونه أبلغ من القول، وتُعُقّب بحديث ابن مسعود رَمَّه الآتي
عند النسائي -١٢٥٦/٢٦ - ففيه: ((إنما أنا بشر أنسى كما تنسون))، فأثبت العلة قبل
الحكم، وقيد الحكم بقوله: ((إنما أنا بشر))، ولم يكتف بإثبات وصف النسيان حتى
دفع قول من عساه يقول: ليس نسيانه كنسياننا، فقال: ((كما تنسون)).
وبهذا الحديث يردّ أيضًا قول من قال: معنى قوله: ((لم أنسَ)) إنكارٌ للّفظ الذي نفاه
عن نفسه، حيث قال: ((إني لا أنسى، ولكن أَنَسَّى))، وإنكارٌ للّفظ الذي أنكره على
غيره، حيث قال: ((بئسما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كذا وكذا)).
وقد تعقبوا هذا أيضا بأن حديث (( إني لا أنسى))، لا أصل له، فإنه من بلاغات مالك
التي لم توجد موصولة بعد البحث الشديد، وأما الآخر فلا يلزم من ذمّ إضافة نسيان
الآية ذمّ إضافة نسيان كلّ شيء، فإن الفرق بينهما واضح جدًا.
وقيل: إن قوله: ((لم أنسَ)) راجع إلى السلام، أي سلّمت قصدًا بانيا على ما في
اعتقادي أني صليت أربعًا، وهذا جيّد، وكأن ذا اليدين فهم العموم، فقال: ((بلى قد
نسيت))، وكأن هذا القول أوقع شكًا احتاج معه إلى استثبات الحاضرين.
وبهذ التقرير يندفع إيراد من استشكل كون ذي اليدين عدلاً، ولم يُقبَل خبره بمفرده،
فسبب التوقف فيه كونه أخبر عن أمر يتعلق بفعل المسؤول، مغاير لما في اعتقاده.
وبهذا يجاب من قال: إن من أخبر بأمر حسّيّ بحضرة جمع، لا يَخْفَى عليهم، ولا
يجوز عليهم التواطؤ، ولا حاملَ لهم على السكوت عنه، ثم لم يُكَذِّبُوه أنه لا يقطع

=
٣٠٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو
بصدقه، فإن سبب عدم القطع كون خبره معارَضًا باعتقاد المسؤول خلاف ما أخبر به.
(قال) أي أبو هريرة رَميه (وقال) أي النبي ◌َليّ (أكما قال ذو اليدين) الهمزة
للاستفهام، أي هل الأمر كما قال ذو اليدين من وقوع الخلل في هذه الصلاة؟. (قالوا:
نعم) وفي رواية أبي داود: فقال: ((أصدق ذو اليدين؟))، فأو مأوا، أي نعم. وفي رواية
لمسلم: نظر وَل يمينا وشمالا، فقال: ((ما يقول ذو اليدين؟»، قالوا: صدق، لم تصلّ
إلا ركعتين.
قيل: ولا منافاة بين هذه الروايات، لإمكان الجمع بينها بأن بعض الرواة جمع بين
الإشارة والكلام، وبعضهم أشار، وبعضهم تكلم.
(فجاء) ◌َّل من عند الخشبة المعترضة إلى مصلاه (فصلى الذي كان تركه) وفي رواية
أبي داود: ((فرجع رسول اللّه وَ لهول إلى مقامه، فصلى الركعتين الباقيتين)).
(ثم سلم) قال الحافظ العلائي وَخْذّلهُ: جميع رواياته وطرقه لم يختلف فيه شيء منها
أن السجود بعد السلام. كذا في شرح ابن رسلان لسنن أبي داود، وهذا يهدم قاعدة
المالكية، ومن وافقهم أنه إذا كان السهو بالنقصان يسجد قبل السلام.
(ثم كبر) أي بعد السلام للسجود. قال في ((الفتح)): اختلف في سجود السهو بعد
السلام، هل يشترط له تكبيرة الإحرام، أو يُكتفى بتكبيرة السجود؟ فالجمهور على
الاكتفاء، وهو ظاهر غالب الأحاديث.
وحكى القرطبي أن قول مالك لم يختلف في وجوب السلام بعد سجدتي السهو،
قال: وما يتحلل منه بسلام، لا بدّ له من تكبيرة إحرام، ويؤيده ما رواه أبو داود من
طريق حماد بن زيد، عن هشام بن حسّان، عن ابن سيرين في هذا الحديث، قال:
((فكبر، ثم كبر، وسجد للسهو)). قال أبو داود: لم يقل أحد: ((فكبر، ثم كبر)) إلا حماد
ابن زيد، فأشار إلى شذوذ هذه الزيادة.
وقال القرطبي أيضًا: قوله -يعني في رواية مالك -: (( فصلى ركعتين، ثم سلم، ثم
كبر، ثم سجد)) يدلّ على التكبيرة للإحرام، لأنه أتى بـ(ثمّ)) التي تقتضي التراخي، فلو
كان التكبير للسجود لكان معه .
وتعقّب بأن ذلك من تصرّف الرواة، فقدرواه ابن عون، عن ابن سيرين بلفظ:
((فصلى ما ترك، ثم سلم، ثم كبر، وسجد))، فأتى بواو المصاحبة التي تقتضي المعية .
والله أعلم. انتهى (١) .
(١) (فتح)) جـ ٣ ص ٤٣٠ - ٤٣١ .

٣٠٧ ==
٢٢ - (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ ... - حديث رقم ١٢٢٤
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الراجح عندي قول الجمهور، وهو أنه لا يحتاج
لتكبيرة الإحرام، بل التكبير للسجود فقط، لظاهر هذه الأحاديث الصحيحة. والله
تعالى أعلم.
(فسجد) أي للسهو (مثل سجوده) الذي يسجده للصلاة (أو أطول) منه (ثم رفع
رأسه، وكبر) أي للرفع من السجود(ثم كبر) أي للسجود الثاني (ثم سجد) ثانيا (مثل
سجوده) الأول، أو مثل سجوده للصلاة، والأول أقرب لفظا، والثاني معنى (أو أطول)
منه (ثم رفع رأسه) أي من السجدة الثانية (ثم كبر) ((ثم)) بمعنى الواو، وفي ((الكبرى))
((فكبر)) بالفاء، وفي رواية البخاري: ((و کبر)) بالواو.
وفي رواية الشيخين: فربما سألوه -أي ابن سيرين- ((ثم سلّم))؟ قال: نُبِئت عن
عمران بن حصين أنه قال: ((وسلّم)).
وأخرج البخاري عن سلمة بن علقمة، قال: قلت لمحمد -يعني ابن سيرين -: في
سجدتي السهو تشهد؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة.
قال في ((الفتح)): وقد يفهم من قوله: ليس في حديث أبي هريرة أنه ورد في حديث
غيره، وهو كذلك، فقد رواه أبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم من طريق
أشعث بن عبدالملك، عن محمد بن سيرين، عن خالد الحذّاء، عن أبي قلابة، عن أبي
المهلّب، عن عمران بن حصين، ((أن النبي ◌َّ صلى بهم، فسها، فسجد سجدتين، ثم
تشهد، ثم سلم)). قال الترمذي: حسن غريب، وصححه الحاكم على شرط الشيخين،
وضعفه البيهقي، وابن عبدالبرّ، وغيرهما، وسيأتي تمام الكلام عليه في كلام الحافظ
العلائي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته :
حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا- ٢٢ / ١٢٢٤ - وفي ((الكبرى)) - ١١٤٧- عن حُمَيد بن مسعدة، عن
يزيد بن زيع، عن عبدالله بن عون، عن محمد بن سيرين، عنه. وفي -١٢٢٥ -
و(الكبرى)) -١١٤٨ - عن محمد بن سلمة، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن مالك، عن
أيوب، عن ابن سيرين به، عنه. وفي - ١٢٢٦ - ((الكبرى)) - ١١٤٩- عن قتيبة، عن
مالك، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان مولى بن أبي أحمد، عنه. وفي -١٢٢٧ -

٣٠٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ
و ((الكبرى)) - ٥٦٠ و١١٥٠ - عن سليمان بن عبيدالله، عن بهز بن أسد، عن شعبة، عن
سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عنه.
زاد في ((الكبرى)): (( قال أبو عبدالرحمن: لا أعلم أحدا ذكر عن أبي سلمة في هذا .
الحديث (( ثم سجد سجدتين)) غير سعد.
وفي - ١٢٢٨ - و((الكبرى)) - ٥٦١و١١٥١ - عن عيسى بن حماد، عن الليث بن
سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عنه. وفي -
١٢٢٩ - و ((الكبرى)) - ٥٦٤ و١١٥٢ - عن هارون بن موسى الفَرَوي، عن أبي ضمرة /
أنس بن عياض، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عنه. وفي - ١٢٣٠ -
و((الكبرى)) - ٥٦٥ و١١٥٣- عن محمد بن رافع، عن عبدالرزّاق، عن معمر، عن
الزهري، عن أبي سلمة، وأبي بكر بن سليمان، بن أبي حثمة، كلاهما عنه. وفي -
١٢٣١ - و((الكبرى)) - ٥٦٦ و١١٥٤ - عن أبي داود الحرّاني، عن يعقوب بن إبراهيم بن
سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حَثْمة، أنه بلغه،
فذكره مرسلا. وفي ٢٣/ ١٢٣٢ - و ((الكبرى)) - ٥٦٨ و١١٥٥ - عن محمد بن عبدالله
ابن عبدالحكم، عن شعيب بن الليث، عن الليث بن سعد، عن عُقيل، عن ابن شهاب،
عن سعيد، وأبي سلمة، وأبي بكر بن عبدالرحمن، وأبي بكر بن أبي حثمة، كلهم عنه.
وفي - ١٢٣٣ - و((الكبرى)) - ٥٧١ و ١١٥٦- عن عمرو بن سَوَّاد، عن عبدالله بن
وهب، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك،
عنه. وفي - ١٢٣٤ - و((الكبرى)) - ٥٧٢ و١١٥٧ - عن عمرو بن سوّاد، عن ابن
وهب، عن عمرو بن الحارث، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عنه. وفي - ١٢٣٥ -
و((الكبرى)) - ١١٥٨- عن عمرو بن عثمان بن سعيد، عن بقية بن الوليد، عن شعبة،
عن ابن عون، وخالد الحذّاء، كلاهما عن ابن سيرين عنه. وفي ((الكبرى)) ١١٤ / ٥٦٢-
عن إبراهيم بن يعقوب، عن الحسن بن موسى، عن شيبان، عن يحيى بن أبي كثير،
عن أبي سلمة، عنه. وفي -٥٦٣ - من ((الكبرى)) عن أحمد بن سعيد، عن حَبَّان بن
هلال، عن أبان بن يزيد العطار، عن يحيى بن أبي كثير به. وفي- ١٣٣٠/٧٦ -
و((الكبرى)) - ٥٦٩- عن سُويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن عكرمة بن عَمّار، عن
ضَمْضَم بن جَوْس، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فیمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ١٨٣/١ عن عبدالله بن مسلمة، عن مالك به. و١٢٩/١ - عن
إسحاق، عن النضر بن شُميل، عن ابن عون به. و٨٦/٢- عن إسماعيل، عن مالك
:

٣٠٩ =
٢٢ - (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْن ... - حديث رقم ١٢٢٤
به. و٨/ ٢٠- عن حفص بن عمر، عن يزيد بن إبراهيم، عن ابن سيرين به. و٨٦/٢-
عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن سلمة بن علقمة، قال: قلت لمحمد:
في سجدتي السهو تشهد؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة. و١٨٣/١- عن أبي
الوليد، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، به. و٨٥/٢ - عن آدم، عن شعبة به.
(م) ٢ / ٨٦- عن عمرو الناقد، وزهير بن حرب، جميعا عن ابن عيينة- (ح) وعن
أبي الرَّبيع الزَّهْراني، عن حماد بن زيد- كلاهما عن أيوب به. و-٢/ ٨٧- عن قتيبة،
عن مالك به. وعن حجاج بن الشاعر، عن هارون بن إسماعيل الخزاز، عن علي بن
المبارك- (ح) وعن إسحاق بن منصور، عن عُبيدالله بن موسى، عن شيبان- كلاهما
عن يحيى بن أبي كثير به.
(د) رقم ١٠٠٨- عن محمد بن عُبيد، عن حماد بن زيد - ١٠٠٩ - عن عبد الله بن
مسلمة، عن مالك- كلاهما عن أيوب به. و١٠١٠ - عن مسدد، عن بشر بن المفضل،
عن سلمة بن علقمة به. و-١٠١١ - عن علي بن نصر، عن سليمان بن حرب، عن
حماد ابن زيد، عن أيوب، وهشام، ويحيى بن عتيق، وابن عون، كلهم عن ابن سيرين
به. و-١٠١٢ - عن محمد بن يحيى بن فارس، عن محمد ابن كثير، عن الأوزاعي،
عن الزهري، عن ابن المسيب، وأبي سلمة، وعبيدالله بن عبداللّه، كلهم عنه.
و-١٠١٣ - عن حجاج بن أبي يعقوب، عن يعقوب بن إبراهيم به. و-١٠١٤ - عن ابن
معاذ، عن أبيه، عن شعبة به. و-١٠١٥ - عن إسماعيل بن أسد، عن شبابة، عن ابن
أبي ذئب، عن سعيد المقبري به. و-١٠١٦ - عن هارون بن عبدالله، عن هاشم بن
القاسم، عن عكرمة بن عمّار به.
(ت) رقم - ٣٩٩- عن إسحاق بن موسى الأنصاري، عن معن بن عيسى، عن مالك
به .
(ق) رقم - ١٢١٤ - عن علي بن محمد، عن أبي أسامة، عن ابن عون به.
وأخرجه مالك في ((الموطإ)) ص٧٩ و٨٠ (والحميدي) رقم ٩٨٣ و٩٨٤ (وأحمد)
٢٤٧/٢ و٢٨٤/٢ و٢٣٤/٢ و٤٤٧/٢ و٤٥٩/٢ و٢/ ٥٣٢ ٣٨٦/٢ و٤٢٣/٢
و٢٧١/٢ و٤٦٨/٢ و٤٢٣/٢ (والدارمي) رقم ١٥٠٤ و١٥٠٥ (وابن خزيمة) رقم
٨٦٠ و ١٠٣٥ و١٠٣٦ و١٠٣٨ و١٠٤٢ و١٠٤٣ و١٠٥١ و١٠٤٦ و١٠٤٠ و ١٠٤٤
و ١٠٤٥ و١٠٤٧ و١٠٤٨ و١٠٤٩ و١٠٤١ . والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في ذكر فوائد الحديث، وإن كان تقدم ذكر بعضها، إلا أن ذكرها
مجموعة في موضع واحد أنفع :

٣١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان الفعل الذي يفعله من سلّم من الركعتين،
وتكلم ناسيًا، وذلك أن يكمل ما بقي من صلاته، ثم يسجد سجدتين لسهوه.
ومنها: أن الثقة إذا انفرد بزيادة خبر، وكان المجلس متحدًا، ومنعت العادة غفلتهم
عن ذلك أن لا يقبل خبره، لأن النبي ◌َّ لم يقبل خبر ذي اليدين، بل سأل الصحابة،
((أصدق ذو اليدين؟))، فلما وافقوه رجع إلى قولهم.
ومنها: العمل بالاستصحاب، لأن ذا اليدين استصحب حكم الإتمام، فسأل، مع
كون أفعال النبي ◌َّر للتشريع، والأصل عدم السهو، والوقتُ قابل للنسخ، وبقية
الصحابة ترددوا بين الاستصحاب، وتجويز النسخ، فسكتوا، والسرعان هم الذين بنوا
على النسخ، فجزموا بأن الصلاة قصرت، فيؤخذ منه جواز الاجتهاد في الأحكام.
ومنها: جواز البناء على الصلاة لمن أتى بالمنافي سهوًا، قال سحنون: إنما يبني من
سلْمَ من ركعتين، كما في قصة ذي اليدين، لأن ذلك وقع على غير القياس، فيُقتصر به
على مورد النصّ، وألزمَ بقصر ذلك على إحدى صلاتي العشيّ، فيمنعه مثلاً في
الصبح. والذين قالوا: يجوز البناء مطلقًا قيّدوه بما إذا لم يطل الفصل، واختلفوا في
قدر الطول، فحدّه الشافعي ◌َّلُهُ في ((الأمّ)) بالعرف، وفي ((البويطي)) بقدر ركعة، وعن
أبي هريرة رَاتَّه قدر الصلاة التي يقع السهو فيها.
ومنها: أن الباني لا يحتاج إلى تكبيرة الإحرام، وأن السلام، ونيةَ الخروج من
الصلاة سهوًا لا يقطع الصلاة.
ومنها: أن سجود السهو يكون بعد السلام، وسيأتي تمام البحث فيه، إن شاء الله
تعالی.
ومنها أن سجود السهو سجدتان كسجدتي الصلاة، وبينهما جلسة فاصلة، وهذا أمر
مجمع عليه .
ومنها: أن سجود السهو لا يكون إلا في آخر الصلاة، لأنه وقّ لم يسجد إلا في
آخرها. وقد قيل: الحكمة في ذلك أنه شُرع جابرًا لما يقع في الصلاة من الخلل، إما
بزيادة أو نقص، فاقتضت الحكمة كونَه آخرًا ليجبر جميع ما تقدمه من الخلل، إذ لو فُعل
في الوسط ربما تجدد بعده سهو آخر، فيستدعي تكرار سجود السهو، ولم يُشرع إلا
سجدتان، ولو تعدد السهو. والله تعالى أعلم.
ومنها: مشروعية التكبير لسجود السهو في الهُويّ والرفع منه، كما في سجود
الصلاة .
ومنها: مشروعية الجهر بتكبير سجود السهو، ليعلم المأمومون بانتقالات الإمام،

- حديث رقم ١٢٢٤
٢٢- (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ ..
٣١١
فيأتموا به.
ومنها: أن الكلام سهوًا لا يبطل الصلاة، خلافًا للحنفية.
قال الحافظ رحمه الله تعالى(١): وأما قول بعضهم: إن قصة ذي اليدين كانت قبل
نسخ الكلام في الصلاة، فضعيف، لأنه اعتمد على قول الزهري: إنها كانت قبل بدر،
وقد قدمنا أنه إما من وهم الزهري في ذلك، أو تعددت القصة لذي الشمالين المقتول
ببدر، ولذي اليدين الذي تأخرت وفاته بعد النبي وَلّ، فقد ثبت شهود أبي هريرة ◌َّه
للقصة، كما تقدم، وشهدها عمران بن حُصين، وإسلامه متأخر أيضًا، وروى معاوية بن
حُدَيج -بمهملة وجيم مصغّرًا- قصة أخرى في السهو، ووقع فيها الكلام، ثم البناء،
أخرجها أبو داود، وابن خزيمة، وغيرهما، وكان إسلامه قبل موت النبي وَطلّ بشهرين.
وقال ابن بطال رحمه الله تعالى: يحتمل أن يكون قول زيد بن أرقم رَّه: ((ونهينا
عن الكلام)) أي إلا إذا وقع سهوًا، أو عمدًا لمصلحة الصلاة، فلا يعارض قصة ذي
اليدين. انتهى.
ومنها: أنه يستدلّ به على أن المقدّر في حديث «رُفعَ عن أمتي الخطأ والنسيان)»، أي
إثمهما وحكمهما، خلافا لمن قصره على الإثم.
ومنها: أنه استَدَلّ به من قال: إن الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطلها، وتعقب بأنه مَل
لم يتكلم إلا ناسيًا، وأما قول ذي اليدين له: ((بلى قد نسيت))، وقول الصحابة له:
((صدق ذو اليدين))، فإنهم تكلموا معتقدين النسخ في وقت يمكن وقوعه فيه، فتكلموا
ظنًّا أنهم ليسوا في صلاة، كذا قيل، وهو فاسد، لأنهم كلموه بعد قوله ◌َّ: ((لم
تُقصر)).
وأجيب بأنهم لم ينطقوا، وإنما أومأوا، كما عند أبي داود في رواية، ساق مسلم
إسنادها، وهذا اعتمده الخطابي، وقال: حملُ القول على الإشارة مجازًا سائغٌ، بخلاف
عكسه، فينبغي رد الروايات التي فيها التصريح بالقول إلى هذه.
قال الحافظ: وهو قويّ، وهو أقوى من قول غيره: يُحمّلُ على أن بعضهم قال
بالنطق، وبعضهم بالإشارة، لكن يبقى قول ذي اليدين: ((بلى قد نسيت))، ويجاب عنه،
وعن البقية على تقدير ترجيح أنهم نطقوا بأن كلامهم كان جوابًا للنبي وَّ، وجوابه لا
يقطع الصلاة، كما تقدم في حديث أبي سعيد بن المعَلَّى رَفيه -٩١٣/٢٦.
وتعقب بأنه لا يلزم من وجوب الإجابة عدمُ قطع الصلاة.
(١) راجع ((الفتح)) جـ ٣ ص ٤٣٤.

٣١٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
وأجيب بأنه ثبت مخاطبته وَّر في التشهد، وهو حيّ بقولهم: (( السلام عليك أيها
النبي))، ولم تفسد الصلاة. والظاهر أن ذلك من خصائصه.
ويَحتَمل أن يقال: ما دام النبي ◌َّرِ يراجع المصلي، فجائز له جوابه حتى تنقضي
المراجعة، فلا يختص الجواز بالجواب، لقول ذي اليدين: ((بلى قد نسيتَ))، ولم تبطل
صلاته. والله تعالى أعلم.
ومنها: أن سجود السهو لا يتكرر بتكرر السهو، ولو اختلف الجنس، خلافًا
للأوزاعي، ورَوَى ابن أبي شيبة عن النخعي أن لكلّ سهو سجدتين، وَوَرَدَ على وفقه
حديثُ ثوبان رَّ عند أحمد، وإسناده منقطع، وحمل على أن معناه أن من سها بأي
سهو كان شُرع له السجود، أي لا يختصّ بما سجد فيه الشارع. وروى البيهقي من
حديث عائشة رعايتها: ((سجدتا السهو تُجزئان من كلّ زيادة ونقصان)). وفيه أنه انفرد به
حكيم بن نافع الرّقّي، وثقه ابن معين، وقال أبو زرعة: ليس بشيء. قال العلائي: هو
شاذْ بمرة لتفرد حكيم به من بين أصحاب هشام بن عروة، ولا يُحتمل منه مثل هذا
(١)
التفرّد. انتهى .
ومنها: أنه لا فرق بين الفرض والنفل في سجود السهو، لأن الذي يحتاج إليه
الفرض من الجبر يحتاج إليه النفل، وهذا مذهب الجمهور، وذهب ابن سيرين، وقتادة
إلى أن التطوع لا يُسجَد للسهو فيه. واختلف القول عن عطاء بن أبي رباح، وقد نقل
هذا جماعة من الشافعية قولا قديما للشافعي.
ومنها: أن المأموم يلزمه السجود مع الإمام بسهو الإمام، وإن لم يسهُ هو، لأن النبي
وَلرسها وسجد، وسجد القوم معه. وهذا مذهب كافة العلماء، إلا ابن سيرين، فقد
حُكي عنه أنه قال: لا يسجد معه. وقيل: المنقول عنه أنه إذا أدرك المأموم بعضَ صلاة
الإمام، ثم سها الإمام، فسجد للسهو لم يلزم المأموم متابعته، لأنه ليس موضع سجود
المأموم(٢) .
ومنها: أن اليقين لا يُترك إلا باليقين، لأن ذا اليدين كان على يقين أن فرضهم
الأربع، فلما اقتصر فيها على اثنتين سأل عن ذلك، ولم ينكر عليه سؤاله .
ومنها: أن الظنّ قد يصير يقينًا بخبر أهل الصدق، وهذا مبني على أنه بَّ رجع لخبر
الجماعة .
وبه قال مالك، وأحمد، وغيرهما، ومنهم من قيّده بما إذا كان الإمام مجوّزا لوقوع
(١) ((نظم الفرائد)) ص ٣٧٥ .
(٢) ((نظم الفرائد)) ص ٣٨٠ - ٣٨١.

٢٢- (مَا يُفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْن ... - حديث رقم ١٢٢٤
٣١٣
السهو منه، بخلاف ما إذا كان متحققًا لخلاف ذلك، أخذًا من ترك رجوعه وَلّر الذي
اليدين، ورجوعه للصحابة، ومن حجتهم قوله في حديث ابن مسعود رَّه: ((فإذا
نسيت فذكروني)).
وقال الشافعي ◌َّلهُ: معنى قوله: ((فذكّروني))، أي لأتذكّر، ولا يلزم منه أن يرجع
لمجرّد إخبارهم، واحتمال كونه تذكّر عند إخبارهم لا يُدفَعُ .
وفرق بعض المالكية والشافعية بين ما إذا كان المخبرون ممن يحصل العلم بخبرهم،
فيقبل، ويقدم على ظن الإمام أنه قد كمّل الصلاة، بخلاف غيرهم.
قال الجامع عفا الله عنه تعالى: الذي يظهر لي أن الراجح ما ذهب إليه مالك،
وأحمد رحمهما الله من رجوع الإمام إلى قول المأمومين مطلقا، ولو لم يتذكر، لظاهر
حديث الباب، وعدم ورود ما يدلّ على اشتراط التذكر، وهو مذهب الإمام البخاري
رَخْهُ في ((صحيحه)). والله تعالى أعلم.
ومنها: أنه استنبط منه بعض العلماء القائلين بالرجوع إلى قول المأمومين اشتراط
العدد في مثل هذا، وألحقوه بالشهادة، وفرّعوا عليه أن الحاكم إذا نسي حكمه، وشهد
به شاهدان أنه يعتمد عليهما .
ومنها: أنه استدلّ به الحنفية على أن الهلال لا يُقبَل بشهادة الآحاد، إذا كانت السماء
مصحيةً، بل لا بدّ فيه من عدد الاستفاضة.
وتعقب بأن سبب الاستثبات كونه أخبر عن فعل النبي وَلّ بخلاف رؤية الهلال، فإن
الأبصار ليست متساوية في رؤيته، بل متفاوتة قطعًا.
ومنها: أن من سلّم معتقدًا أنه أتم، ثم طرأ عليه شكّ، هل أتمّ، أو نقص أنه يكتفي
باعتقاده الأول، ولا يجب عليه الأخذ باليقين، ووجهه أن ذا اليدين لمّا أخبر أثار خبره
شكا، ومع ذلك لم يرجع النبي ◌ُّر حتى استثبت.
ومنها: أن البخاري تَخّْلهُ استدلّ به على جواز تشبيك الأصابع في المسجد، وعلى
أن الإمام يرجع لقول المأمومين إذا شك، وعلى جواز التعريف باللقب، وعلى الترجيح
بكثرة الرواة .
وتعقبه ابن دقيق العيد بأن المقصود كان تقوية الأمر المسؤول عنه، لا ترجيح خبر
على خبر .
ومنها: قوله: ((أكما يقول ذو اليدين)) فيه جواز التلقيب بما لا يراد به الشين والعيب.
قال الحافظ العلائي رحمه الله تعالى: قال الإمام البخاري تَخّْتُهُ في ((صحيحه)) :
(باب ما يجوز من ذكر الناس، نحو قولهم: الطويل والقصير، وقال النبي وَلِّ: ((ما

٣١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
يقول ذو اليدين؟))، وما لا يُراد به شَيْنُ الرجل، ثم ساق حديث ذي اليدين بسنده،
مشيرًا به إلى أن مثل هذه الألقاب والصفات التي لا يُراد بها وصف الرجل بما فيه نقص
عليه، ولا يتأذى منه يجوز، وأن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَرُواْ بِالْأَلْقَبٍ﴾ [الحُجُرات: ١١]
عامّ مخصوص بما لا يتأذى به الملقَّبُ كما في هذا الحديث، وكقوله وَّ لعليّ رَّه:
((قم أبا تراب))، ونحو ذلك، أو هو عامّ أريد به الخصوص بدليل قوله تعالى عَقب
ذلك: ﴿ِئْسَ الِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَنّ﴾ الآية: [الحجرات: ١١].
ففي الآية إشارة إلى أن المنهيّ عنه التلقيب بالفسق ونحو ذلك، وهكذا قال قتادة
وعكرمة في تفسير الآية: هو الرجل يقول للرجل: يا فاسق، يا منافق، يا كافر.
وقال الحسن: کان اليهودي والنصراني يسلم، فيُقال له بعد إسلامه: یا يهوديّ، يا
نصراني، فنُهُوا عن ذلك.
وعن ابن عباس رَّت: التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عملَ بالسيّآت، ثم تاب
منها، وراجَعَ الحقَّ، فنهى الله تعالى أن يُعيّر بما سلف من عمله(١).
وكلّ هذه التفاسير راجعة إلى ما دلّت عليه تمام الآية.
وروى الإمام الترمذي ◌َخْلُهُ في ((جامعه)) عن أبي جُبيرة بن الضحاك الأنصاري
رَبانيه، قال: كان الرجل منا يكون له الاسمان والثلاثة، فيُدعا ببعضها، فعسى أن
يكره، فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا نَنَابَرُواْ بِالْأَلْقَبٍ﴾(٢).
والحاصل: أن الألقاب على ثلاثة أقسام:
قسم منها لا يُشعر بذمّ ولا نقص، ولا يَكره صاحبه تسميته به، فلا رَيبَ في جوازه،
كما في قول النبي وَلّ: ((أصدق ذو اليدين؟))، فقد تقدم أن هذا الصحابي ◌َّه كانت
يداه طويلتين، وأنه يَحتمل أن يكون ذلك كنايةً عن طولهما بالبذل والعمل، وأيًّا ما
كان، فليس ذلك مما يقتضي ذمّا ولا نقصًا.
وثانيهما: يُشعر بتنقيص المسمّى به وذمّه، وليس ذلك بوصف خَلْقيّ، فلا ريب في
تحريم ذلك، لدلالة الآية الكريمة، ولا يزول التحريم برضى المُسمى به بذلك، كما لا
يرتفع تحريم القذف والكذب برضى المقول فيه بذلك، واستدعائه من قائله.
وثالثها: ما يشعر بوصف خَلْقي، كالأعمش، والأعرج، والأصم، والأشلّ،
والأثرم، وأشباه ذلك، فما غلب منه على صاحبه حتى صار كالعلم له بحيث أنه يَنفكّ
عنه قصد التنقص عند الإطلاق غالبًا، فليس بمحرّم، ولعلّ إجماع أهل الحديث قديمًا
(١) أخرجه ابن جرير، وإسناده ضعيف جدًّا.
(٢) قال الترمذيّ رقم ٣٢٦٨: هذا حديث حسن صحيح.

٢٢- (مَا يُفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْن ... - حديث رقم ١٢٢٤
٣١٥
وحديثًا على استعمال مثل ذلك، ولا يضرّ كون المقول فيه يكرهه، لأن القائل لذلك لم
يقصد تنقّصه، وإنما قصد تعريفه، فجاز هذا للحاجة، كما جاز جرح الرواة، وذكر
مثالبهم للحاجة إليه، وما كان غير غالب على صاحبه، ولا يُقصد به العلميةُ والتعريفُ
له، فلا يسمّى لقبًا، ولكنه إذا علم رضى المقول فيه بذلك، ولم يُقْصَد تنقّصه بهذا
الوصف لم يحرم، ومتى وُجد أحد هذين كان حرامًا. والله تعالى أعلم. انتهى كلام
العلائي رحمه الله تعالى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في بيان ما يتعلق بذي اليدين:
لقد أجاد البحثَ في هذا الموضوع الحافظ أبو سعيد صلاح الدين خليل بن كيكلدي
العلائي - ٦٦٤ - ٧٦٣ هـ- في مؤلف لا نظير له في بابه، سماه «نظم الفرائد لما تضمنه
حديث ذي اليدين من الفوائد))، فأتى فيه بالعجب العُجاب، فلذا أحببت إيراد هذا البحث
مما كتبه ◌َخْذّلهُ، تتميما للفائدة، ونشرا للعائدة. قال رحمه اللّه تعالى:
للناس فيه خلاف في موضعين:
أحدهما: في أنه ذو الشمالين، أو غيره.
والثاني: في أن ذا اليدين هل هو الخرباق المذكور في حديث عمران بن حصين، أم
هما اثنان؟ .
أما الأول فجمهور العلماء على أن ذا اليدين المذكور في حديث السهو هذا من رواية
أبي هريرة ◌َّه غير ذي الشمالين، وهذا هو الصحيح الراجح إن شاء الله.
والحجة لذلك: ما ثبت من طرق كثيرة أن أبا هريرة رَظمه كان حاضرا هذه القصة
يومئذ خلف رسول الله آلڑ .
كذلك رواه حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة
رَّه، قال: صلى بنا رسول اللَّه ◌َله إحدى صلاتي العشيّ. أخرجه مسلم.
وكذلك رواه سفيان بن عيينة، عن أيوب. أخرجه ابن الجارود في ((المنتقى)).
وكذلك رواه ابن عون عن محمد بن سيرين بهذا اللفظ. أخرجه النسائي، وابن
خزيمة في (صحيحه)).
وكذلك أيضًا رواه هشام بن حسّان، عن ابن سيرين. رواه الأثرم في ((سننه)) عن
عبدالله بن بكر السهمي عنه.
ورواه ابن خزيمة، وأبو داود أيضًا كذلك من حديث سلمة بن علقمة، عن ابن
(١) ((نظم الفرائد)» ص ٤١٨ - ٤٢١ .

۔
= ٣١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھو
سيرين به .
ورواه مالك في ((الموطأ)) عن داود بن الحُصَين، عن أبي سفيان مولى ابن أبي
أحمد، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: صلى بنا رسول اللَّه ◌َ ل صلاة العصر، فسلّم في
ركعتين، فقام ذو اليدين، فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ ... وذكر
الحدیث.
وأخرجه من هذا الوجه مسلم، والنسائي بهذا اللفظ .
وأخرجه مسلم أيضًا من حديث شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن
أبي هريرة ◌َاثيه، قال: بينا أنا أُصلي مع رسول اللَّه وَلّل صلاة الظهر سلّم رسول الله
وَلخير من الركعتين، فقام رجل من بني سُلَيم ... واقتص الحديث.
وأخرجه البخاري في ((صحيحه)) من حديث شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي
سلمة، عن أبي هريرة رَني، قال: صلى بنا رسول اللَّه وَ ل الظهر، أو العصر، فسلم،
فقال ذو اليدين :... وذكر الحديث.
وروى عكرمة بن عمّار، ويحيى بن أبي كثير، عن ضَمْضَم بن جَوْس، أنه سمع أبا
هريرة ◌َّه يقول: صلّى بنا رسول اللَّه وَ له إحدى صلاتي العشيّ، وذكر الحديث.
رواه ابن عبدالبرّ في ((التمهيد)) .
ثم قال: وكذا رواه العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ◌َّهِ ، وابنُ أبي
ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة ◌َّه هذا الحديث: صلى بنا رسول اللّه وَله .
قال الحافظ العلائي تَخّْلهُ: فهذه طرق صحيحة ثابتة، يفيد مجموعها العلم
النظريّ، أن أبا هريرة رَبانيه كان حاضرًا القصّةَ يومئذ.
ولا خلاف أن إسلامه كان سنة سبع، أيام خيبر، ثم لا خلاف بين أهل السير أن ذا
الشمالين استشهدَ يوم بدر سنة اثنتين رَظمي. كذلك قاله سعيد بن المسيب، وعروة بن
الزبير، وموسى بن عُقبة، وابن إسحاق، وغيرهم.
قال ابن إسحاق: ذو الشمالين هو عُمير بن عبدعمرو بن نَضْلَة بن عمرو بن غَبشان
ابن سليم بن مالك بن أفصى بن خزاعة، حليف بني زهرة.
قال أبو بكر الأثرم: سمعت مسدد بن مسرهد يقول: الذي قُتل بيدر هو ذو الشمالين
ابن عبد عمرو، حليف لبني زهرة، وذو اليدين رجل من العرب كان يكون بالبادية،
فيجيء، فيصلي مع النبي ◌َلّ.
قال أبو عمر بن عبدالبرّ: قول مسدد هذا هو قول أئمة الحديث والسير، وأهل
الحذق والفهم من أهل الحديث والفقه.

٢٢- (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْن ... - حديث رقم ١٢٢٤
٣١٧ ===
قال العلائي تَخّْلهُ: وثبت أيضا عن أبي هريرة من طرق في الحديث: فقام رجل من
بني سُليم، يقال له: ذو اليدين. وذو الشمالين خُزَاعيّ، كما قال ابن إسحاق.
وأيضًا فقد جاء ما يدلّ على تأخر وفاة ذي اليدين، وروايته هذه القصةً نفسها.
قال أبو بكر الأثرم: وأخبرني زُهير(١) ، والحسن بن عليّ بن بحر جميعًا، حدثنا علي
بن بحر بن برّيّ، وهو والد الحسن، قال: حدثنا مَعْديّ بن سُليمان السَّعْديّ البصري،
حدثني شُعَيث بن مُطير - ومطيرٌ حاضر يصدّقه بمقالته- قال: يا أبتاه أخبرتني أن ذا
اليدين لقيك بذي خُشُب(٢) فقال: إن رسول اللَّه ◌َ ل صلى بهم إحدى صلاتي العشيّ،
وهي العصر، فصلى ركعتين، ثم سلّم، فقام رسول اللَّه ◌َّل، وتبعه أبو بكر وعمر،
وخرج سرعان الناس، فلحقه ذو اليدين، فقال: يا رسول اللَّه أقصرت الصلاة، أم
نسيت؟، قال: ((ما قصرت الصلاة، ولا نسيتُ))، ثم أقبل رسول اللّه وَ لل على أبي بكر
وعمر، فقال: (( ما يقول ذو اليدين؟))، قالا: صدق يا رسول الله، فرجع رسول اللَّه
وَ لـ، وثاب الناس، فصلى ركعتين، ثم سلّم، ثم سجد سجدتي السهو.
تابعه محمد بن بشار بندار، والعباس بن يزيد البصري، عن معدي بن سليمان.
ومعدي هذا هو صاحب الطعام، بصري، يكنى أبا سليمان، روى عنه أيضا نصر بن
علي الجهضمي، وأبو موسى محمد بن المثنى، وقال فيه سليمان الشاذكوني: كان من
أفضل الناس، وكان يُعدّ من الأبدال.
وقد ضعفه أبو زرعة، وأبو حاتم، الرازيّان، وأبو حاتم ابن حبّان.
ومُطیر بن سلیم من أهل وادي القرى، قال ابن عبدالبر: روى عن ذي اليدين، وذي
الزوائد، وأبي الشموس البلوي، وغيرهم، وروى عنه ابناه: شُعيث، وسُليم، وهو
معروف عند أهل العلم، لم يذكره أحد بجرحة.
قال العلائي: وذكره ابن حبّان في كتاب ((الثقات)). فهذا السند حسن لا بأس به،
وهو يقتضي تأخر ذي اليدين صاحب القصّة، وأنه ليس ذا الشمالين المقتول يوم بدر
وفي كلام البيهقي ما يقتضي أن الحاكم أبا عبدالله الحافظ صحح هذا الحديث من
رواية ذي الیدین، واحتجّ به.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في تحسين هذا الإسناد، أو تصحيح هذا الحديث نظر
لا يخفى، فإن مُطيرا هذا قال عنه في ((ت)): مجهول الحال، وقال الذهبي ◌َّلُّهُ في
((الكاشف)) جـ٣ ص١٥١: لم يصح حديثه. وقال ابن التركماني ◌َخْذَ للهُ: وشعيث لم
(١) لعله أحمد بن زهير. انظر ما كتبه محقق ((نظم الفرائد)) ص ٦٧ .
(٢) اسم وادٍ على مسير ليلة من المدينة. قاله في ((معجم البلدان)) جـ٢ ص ٣٧٢ .

٣١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
أقف على حاله. انتهى. والله تعالى أعلم.
قال العلائي: وقد قال الترمذي في ((جامعه)) بعد سياقه حديث أبي هريرة المتقدّم:
وفي الباب عن ابن عمر، ومعاوية بن حديج، وذي الیدین.
قال ابن عبد البرّ وَّلهُ: وقد قيل: إن ذا اليدين عمّر إلى خلافة معاوية، وأنه توفي
بذي خُشُب. والله أعلم.
فأما رواية الزهري الحديث، وتسميته فيه ذا الشمالين بن عبد عمرو، فللعلماء في
ذلك طريقان :
أحدهما: تغليط الزهري في ذلك، لأنه اضطرب في هذا الحديث كثيرًا، فقال معمر
عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن
أبي هريرة ◌َّه، قال: صلى رسول اللّه وَّل الظهر، أو العصر، فسها في ركعتين،
وانصرف، فقال له ذو الشمالين بن عبد عمرو، وكان حليفا لبني زهرة: أخْفَفَت
الصلاة، أم نسيت؟، فقال رسول اللَّه وَله: ((ما يقول ذو اليدين؟))، قالوا: صدق يا نبي
الله، فأتمّ بهم الركعتين اللتين نقص.
قال الزهري: وكان ذلك قبل بدر، ثم استحكمت الأمور. رواه عبدالرزاق في
((جامعه)) عن معمر. وأخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)) عن عبدالرزاق دون قول الزهري
الذي في آخره.
وروى الأوزاعي عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبدالرحمن،
وعبيدالله بن عبدالله، عن أبي هريرة تعظمثي، قال: سلم رسول اللّه وَ ل من ركعتين،
فقال له ذو الشمالين من خُزاعة، حليف لبني زُهْرة: أقصرت الصلاةُ ... ؟ فذكره
بنحوه .
وفي آخره: ولم يسجد سجدتي السهو حين يَقَّنَه الناس. أخرجه ابن خزيمة هكذا من
حديث محمد بن يوسف الفريابي، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد بن
المسيب، وأبي سلمة، وعبيدالله بن عبدالله بالقصة مرسلة، وليس في آخرها نفي
سجود السهو.
وكذلك رواه عبدالحميد بن حبيب، عن الأوزاعي أيضًا مرسلا. ذكره ابن عبدالبرّ في
((التمهيد)» .
ورواه مالك في («الموطإ)) عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة،
قال: بلغني أن رسول اللّه ◌َلل ركع ركعتين من إحدى صلاتي النهار، الظهر، أو
العصر، فسلّم من اثنتين، فقال له ذو الشمالين رجل من بني زُهرة بن كلاب: أقصرت

٢٢- (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْن ... - حديث رقم ١٢٢٤
٣١٩=
الصلاة؟ ... فذكر الحديث.
ثم رواه مالك أيضا عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن
عبدالرحمن، مثل ذلك مرسلاً.
وأخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) من حديث شُعيب بن أبي حمزة، وصالح بن
كيسان، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن النبي وَلّ مرسلاً
كرواية مالك.
وكذلك رواه أبو داود، والنسائي من حديث صالح بن كيسان، وزادا في آخره: قال
ابن شهاب: أخبرني هذا الخبر سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رَّه . قال:
وأخبرني أبو سلمة بن عبدالرحمن، وأبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام،
وعبيدالله بن عبدالله لم يزيدا على ذلك، فكأنه مرسل.
قال أبو داود: ورواه الزُّبَيديّ، عن الزهري، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة،
عن النبي وَلّر.
قال العلائي: ورواه يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سعيد، وأبي سلمة، وأبي
بكر بن عبدالرحمن، وعُبيداللَّه بن عبدالله، أن أبا هريرة رَزّه، قال: صلى رسول الله
وَّر ... فذكره، وفيه: فقال له ذو الشمالين بن عبدعمرو بن نَضْلَة الخُزَاعي، حليف
بني زهرة: أقصرت الصلاة، أم نسيت؟)) ... الحديث. وفي آخره: قال الزهري: ولم
يحدثني أحد منهم أن رسول اللّه وَله سجد سجدتين، وهو جالس في تلك الصلاة،
وذلك فيما نرى- والله أعلم- من أجل أن الناس يَقُّنُوا رسول اللّه بَّ حتى استيقن.
رواه ابن خزيمة أيضا.
ورواه ابن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبي
بكر بن سليمان بن أبي حثمة، قال: كلِّ حدثني بذلك، قالوا: صلى رسول اللَّه
وَالر ... فذكر الحديث نحو رواية يونس بما في آخره. ذكره ابن عبدالبرّ.
وفي ((جامع عبدالرزاق)) عن ابن جريج: حدثني ابن شهاب، عن أبي بكر بن سليمان
ابن أبي حثمة، وأبي سلمة بن عبدالرحمن، عمن يَقْتَنعان بحديثه: أن النبي ◌َّر ...
فذكره .
فهذه الروايات كلها تدلّ على اضطراب عظيم من الزهري في هذا الحديث، وعلى
أنه لم يتقن حفظه.
قال ابن عبدالبرّ: لا أعلم أحدا من أهل العلم بالحديث المصنفين فيه عوّل على
حديث ابن شهاب في قصة ذي اليدين، وكلهم تركه، لاضطرابه فيه، وأنه لم يقم إسنادا

٣٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ
ولا متنا، والغلط لا يسلم منه أحد، والكمال ليس لمخلوق، وكلّ أحد يؤخذ من قوله،
ويترك، إلا قول النبي صلى الله عليه، فليس قول ابن شهاب أنه المقتول يوم بدر
بحجة، لأنه قد تبين غلطه في ذلك.
قال العلائي: وأخرج ابن خزيمة في ((صحيحه)) عن محمد بن يحيى الذهلي، حدثنا
أبو سعيد الجُعْفي، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، حدثني سعيد بن
المسيب، وعبيدالله بن عبدالله، وأبو سلمة بن عبدالرحمن، وأبو بكر بن عبدالرحمن،
أن أبا هريرة، قال: صلى بنا رسول اللّه عليه وسلم الظهر، أو العصر، فذكر الحديث.
وكذلك رواه البيهقي عن الحاكم أبي عبدالله، عن الحسن بن سفيان، عن حرملة،
عن ابن وهب.
فكيف يمكن الجمع بين قول الزهري: إن هذه القصة كانت قبل بدر، وإن ذا
الشمالين الذي أذكر النبي وَلّ بالسهو قُتل يوم بدر، وبين حضور أبي هريرة تَّه لها،.
كما ذكره هو في هذه الرواية، وإنما كان إسلام أبي هريرة بعد بدر بخمس سنين، أو
نحوها؟ !!.
فإن قيل: لم ينفرد الزهري بتسميته ذا الشمالين، بل قد رواه غيره.
أخرج عبدالرزاق في ((جامعه)) عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة
وَظّه، قال: صلى رسول اللَّه ◌َ له الظهر، أو العصر، فسلّم في ركعتين، ثم انصرف،
وخرج سرعان الناس، فقالوا: خُففت الصلاة، فقال ذو الشمالين: يا رسول الله
أخففت الصلاة، أم نسيت؟ وذكر بقيته.
ورواه أحمد بن حنبل في ((المسند)) عن عبدالرزاق هكذا.
وأخرج النسائي في ((سننه)) من حديث الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن
عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة تَظنّه: أن رسول اللّه وَ ل صلى
يوما، فسلم في ركعتين، فأدركه ذو الشمالين، فقال: يا رسول اللَّه أنقصت الصلاة، أم
نسيت؟ ... الحديث(١).
قلت(٢): هذه الروايات وَهَم - والله أعلم - لكثرة الرواة الحفاظ الذين رووا هذا
الحديث من طرق متعددة، وكلهم يقول فيه: ذو اليدين، وكأن معمرا اشتبه عليه رواية
أيوب برواية الزهري، لأنه روى الحديث عنهما جميعًا، وفي حديث الزهري: ذو
الشمالين كما تقدم، فحمل معمر عليها رواية أيوب، وخصوصًا رواية سفيان بن
(١) يأتي للنسائي رقم ١٢٢٨ .
(٢) القائل هو العلائي رحمه الله تعالى.