Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١ =
٢٠- (الكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ) - حديث رقم ١٢١٨
والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي جاءت في الصفات؟ فقالوا: أمرّوها كما جاءت
بلا كيف .
وذكر عباس الدوري، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: شهدت زكريا بن عديّ
سأل وكيع بن الجرّاح، فقال: يا أبا سفيان هذه الأحاديث، يعني مثل الكرسيُّ موضع
القدمين، ونحو ذلك؟ فقال: أدركت إسماعيل بن أبي خالد، وسفيان، ومسعرًا يحدثون
بهذه الأحاديث، ولا يفسرون شيئا.
قال عباس بن محمد الدُّوري: وسمعت أبا عبيد القاسم بن سَلّام، وذُكر له عن رجل
من أهل السنة أنه كان يقول: هذه الأحاديث التي تروى في الروية، والكرسيُّ موضع
القدمين، وضحك ربنا من قنوط عباده، وإن جهنم لتمتلئ، وأشباه هذه الأحاديث،
وقالوا: إن فلانا يقول: يقع في قلوبنا أن هذه الأحاديث حق، فقال: ضَعَّفْتم عندي
أمره، هذه الأحاديثُ حقّ، لا شك فيها، رواها الثقات بعضهم عن بعض، إلا أنّا إذا
سئلنا عن تفسير هذه الأحاديث لم نفسرّها، ولم نذكر أحدا يفسرها.
وقد كان مالك ينكر على من حدث بمثل هذه الأحاديث، ذكره أصبغ، وعيسى، عن
القاسم، قال: سألت مالكا عمن يحدّث الحديثَ ((إن الله خلق آدم على صورته))،
والحديثَ ((إن اللَّه يكشف عن ساقه يوم القيامة))، وإنه يدخل في النار يده حتى يخرج
من أراد، فأنكر إنكارا شديدا، ونهى أن يحدث به أحدا.
وإنما كره ذلك مالك خشية الخوض في التشبيه بكيف ههنا.
وأخرج عن ابن وضاح، أنه سأل يحيى بن معين عن التنزل؟ فقال: أقرَّ به، ولا تحدّ
بقول، كلُّ من لقيت من أهل السنة يصدّق بحديث التَّنَزُّلِ، قال: وقال لي ابن معين
صَدِقْ، ولا تصفه.
وأخرج عن مهديّ بن جعفر، عن مالك بن أنس أنه سأله عن قول اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -:
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ قال: فأطرق مالك، ثم قال: استواءه
مجهول(١)، والفعل منه غير معقول، والمسألة عن هذه بدعة.
وأخرج عن أيوب بن صلاح المخزومي، قال: كنا عند مالك، إذْ جاءه عراقي، فقال
له: يا أبا عبد الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ قال: سألت عن غير
مجهول، وتكلمت في غير معقول، إنك امرؤ سوء، أخرجوه، فأخذوا بضبعيه،
فأخرجوه .
(١) هكذا نسخة ((التمهيد)) ((استوؤه مجهول))، والظاهر أن الصواب ((الاستواء غير مجهول)) بدليل
الرواية التالية. والله أعلم.

٢٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
وقال يحيى بن إبراهيم بن مزين: إنما كره مالك أن يتحدث بتلك الأحاديث لأنها فيها
حدّا، وصفة، وتشبيها، والنجاة في هذا الانتهاء إلى ما قاله اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -، ووصف
به نفسه بوجه، ويدين، وبسط، واستواء، وكلام، فقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾
[البقرة: ١١٥]، وقال: ﴿بَلّ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانٍ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقال: ﴿وَاُلْأَرْضُ جَمِيعًا
قَبْضَتُهُ يَوْمَ اٌلْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَتْ بِيَمِينِهِ ﴾ [الزمر: ٦٧]، وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى
اَلْعَرْشِ أَسْتَوَى﴾، فليقل قائل بما قاله الله، ولينته إليه، ولا يعدوه، ولا يفسره، ولا
يقل: كيف؟، فإن في ذلك الهلاك، لأن اللَّه كلّف عبيده الإيمان بالتنزيل، ولم يكلفهم
الخوض في التأويل الذي لا يعلمه غيره.
وقد بلغني عن ابن القاسم أنه لم ير بأسا برواية الحديث: إن اللَّه ضحك، وذلك لأن
الضحك من اللَّه، والتنزل، والملالة، والتعجب منه ليست على جهة ما يكون من
عباده .
قال أبو عمر: الذي أقول: إنه من نظر إلى إسلام أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي،
وطلحة، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وسائر المهاجرين والأنصار، وجميع الوفود
الذين دخلوا في دين الله أفواجا علم أن الله - عَزَّ وَجَلَّ - لم يعرفه أحد منهم إلا بتصديق
النبيين بأعلام النبوّة، ودلائل الرسالة، لا من قبيل حركة، ولا من باب الكل والبعض، ولا
من باب كان ويكون، ولو كان النظر في الحركة والسكون عليهم واجبا، وفي الجسم
ونفيه، والتشبيه ونفيه لازما ما أضاعوه، ولو أضاعوا الواجب ما نطق القرآن بتزكيتهم،
وتقديمهم، ولا أطنب في مدحهم وتعظيمهم، ولو كان ذلك من علمهم مشهورا، أو من
أخلاقهم معروفا لاستفاض عنهم، ولشهروا به، كما شهروا بالقرآن والروايات.
وقولُ رسول اللَّه وَله: ((ينزل ربنا إلى السماء الدنيا)) عندهم مثل قول الله - عَزَّ
وَجَلَّ -: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، ومثل قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَاَلْمَلَّكُ
صَفًّا صَفًا﴾ [الفجر: ٢٢] كلهم يقول: ينزل، ويتجلى، ويجيء بلا كيف، لا يقولون:
كيف يجيء؟، وكيف يتجلّى؟، وكيف ينزل؟، ولا من أين جاء؟، ولا من أين تجلى؟،
ولا من أين ينزل؟، لأنه ليس كشيء من خلقه، وتعالى عن الأشياء، ولا شريك له.
وفي قول اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ دلالة واضحة أنه لم يكن قبل
ذلك متجليا للجبل، وفي ذلك ما يفسر حديث التنزل، ومن أراد أن يقف على أقاويل
العلماء في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿فَلَمَّا تَجَلَى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾، فلينظر في تفسير بَقيّ بن
مخلد، ومحمد بن جرير، وليقف على ما ذكرا من ذلك، ففيما ذكرا منه كفاية، وبالله
العصمة والتوفيق.

٢٨٣
٢٠- (الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ) - حديث رقم ١٢١٩
انتهى كلام الحافظ أبي عمر بن عبد البر رحمه الله - تَعَالَى - بتصرف واختصار.
ولقد أجاد في هذا الموضوع، وأفاد، لمن أراد اللَّه - تَعَالَى - له السعادة بفهم
النصوص كما فهمه السلف - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، ووفقه لاتباع منهجهم.
فإن أردت زيادة الاستفادة فراجع كتاب ((التمهيد)) ج-٧ص ١٢٨ - ١٥٩. وبالله -
تَعَالَى - التوفيق، ومنه الهداية لأقوم الطريق.
﴿رَبَّنَا لَا تُعْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَابُ﴾، اللَّهُمَّ فاطر
السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه
يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط
مستقيم. اللَّهُمَّ أرنا الحق حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه،
برحمتك يا أرحم الراحمين، وأنت حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢١٩- (أخبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُود، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعيد، قَالَ: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِد، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ شُبَيْلٍ، عَنْ أَبِي عَمْرِ الشَئََّانِيّ، عَنْ
زَيْدِ بْنَ أَرْقَمَ، قَالَ: ((كَانَ الرَّجُلُ يُكَلِّمُ صَاحِبَهُ فِي الصَّلَاَةِ بالْحَاجَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ
وَِّ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الضََّلَوَتِ وَالضَلَوَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾
[البقرة: ٢٣٨]، فَأَمِزْنَا بِالَسُّكُوتِ)) ).
رجال هذا الإسناد : ستة :
١- (إسماعيل بن مسعود) الْجَخدري البصري، ثقة [١٠] تقدم ٤٢ / ٤٧.
٢- (يحيى بن سعيد) القطان الإمام الحجة الناقد الثبت البصري [٩] تقدم ٤/ ٤ .
٣- (إسماعيل بن أبي خالد) البجلي الأحمسي، أبو عبد اللَّه الكوفي، ثقة ثبت [٤]
تقدم ١٣ / ٤٧١ .
٤- (الحارث بن شُبيل) - بالمعجمة واللام مصغرا - ابن عوف البجلي، أبو
الطفيل، ويقال: الكوفي، ثقة [٥].
روى عن أبي عمرو الشيباني، وعبد الله بن شداد، وطارق بن شهاب. وعنه
إسماعيل بن أبي خالد، وسعيد بن مسروق، والأعمش.
قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: لا يُسأل عن مثله، يعني لجلته. وقال
النسائي: ثقة. وحديثه عن علي مرسل، لم يدركه.
أخرج له الجماعة إلا ابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
[تنبيه]: قال في ((ت)) بعد ذكر ترجمة الحارث بن شُبَيل هذا: ما نصه: الحارث بن
شبل كالأول، لكن بلا تصغير، بصري ضعيف من [٦] أخطأ الكلاباذي في خلطه بالذي
قبله، وردّ ذلك الباجي، وحرّر القول فيه في ((رجال البخاري)). انتهى.

٢٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
٥ - (أبو عمرو الشيباني) سعد بن إياس الكوفي، ثقة مخضرم [٢] تقدم ٦١٠/٥١.
٦- (زيد بن أرقم) بن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي، صحابي مشهور، أول
مشاهده الخندق، وأنزل الله - تَعَالَى - تصديقه في ((سورة المنافقين)) تقدم ١٣/١٣.
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف ◌َخّْثهُ، وأن رجاله كلم ثقات، ومن رجال
الجماعة، سوى شيخه، فمن أفراده، والحارث شُبيل، فما أخرج له ابن ماجه، وأن
شيخه والقطان بصريان، والباقون كوفيون، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن
بعض، إسماعيل، عن الحارث، عن أبي عمرو. والله - تَعَالَى - أعلم.
شرح الحديث
(عن زيد بن أرقم) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وفي رواية البخاري ((عن أبي عمرو
الشيباني، قال: قال لي زيد بن أرقم))، فصرّح بالسماع من زيد نَّه.
(قال: كان الرجل يكلم صاحبه) وفي رواية البخاري: ((إن كنا لنتكلم))، قال في
(الفتح)) ج-٣ص٣٩٧:؛ وهذا حكمه الرفع، وكذا قوله: ((وأمرنا)) لقوله: ((على عهد
رسول اللّه وَّ))، حتى ولو لم يقيد بذلك لكان ذكر نزول الآية كافيًا في كونه مرفوعا.
انتهى (في الصلاة بالحاجة) قال في ((الفتح)): والذي يظهر أنهم كانوا لا يتكلمون فيها
بكل شيء، وإنما يقتصرون على الحاجة من رد السلام ونحوه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التقييد يحتاج إلى دليل، بل الذي يظهر أنه على
عمومه، في كلّ حاجة. فتأمل. واللَّه - تَعَالَى - أعلم.
(على عهد رسول اللّه وَ ﴿) أي في زمانه (حتى نزلت هذه الآية) هذا ظاهر في أن نسخ
الكلام في الصلاة وقع بهذه الآية، فيقتضي أن النسخ كان بالمدينة، لأن الآية مدنية
باتفاق، فيشكل على قول ابن مسعود رَّه: إن ذلك وقع لمّا رجعوا من عند
النجاشي، وكان رجوعهم من عنده إلى مكة، وذلك أن بعض المسملين هاجر إلى
الحبشة، ثم بلغهم أن المشركين أسلموا، فرجعوا إلى مكة، فوجدوا الأمر بخلاف
ذلك، واشتدّ الأذى عليهم، فخرجوا إليها أيضا، فكانوا في المرّة الثانية أضعاف
الأولى، وكان ابن مسعود مع الفريقين.
واختلف في المراد بقوله: «فلما رجعنا»، هل أراد الرجوع الأول، أو الثاني؟.
فجنح القاضي أبو الطيب الطبري وآخرون إلى الأول، وقالوا: كان تحريم الكلام

٢٠- (الْكَلَمُ فِي الصَّلَاةِ) - حديث رقم ١٢١٩
٢٨٥ ===
بمكة، وحملوا حديث زيد بن أرقم على أنه وقومه لم يبلغهم النسخ، وقالوا: لا مانع
أن يتقدم الحكم، ثم تنزل الآية بوفقه.
وجنح آخرون إلى الترجيح، فقالوا: يترجح حديث ابن مسعود رَظ ◌ّه بأنه حكى لفظ
النبي وَّر، بخلاف زيد بن أرقم تظلّه ، فلم یحکه.
وقال آخرون: إنما أراد ابن مسعود رجوعه الثاني، وقد ورد أنه قدم المدينة، والنبي
وَالر يتجهز إلى بدر، وفي ((مستدرك الحاكم)) من طريق أبي إسحاق، عن عبد الله بن
عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود رَّ، قال: ((بعثنا رسول اللّه وَلّه إلى النجاشي ثمانين
رجلا)) .. فذكر الحديث بطوله، وفي آخره ((فتعجل عبد الله بن مسعود، فشهد بدرا)).
وفي السير لابن إسحاق: ((إن المسلمين بالحبشة لما بلغهم أن النبي وَّ هاجر إلى
المدينة رجع منهم إلى مكة ثلاثة وثلاثون رجلا، فمات منهم رجلان بمكة، وحبس
منهم سبعة، وتوجه إلى المدينة أربعة وعشرون رجلا، فشهدوا بدرا)).
فعلى هذا كان ابن مسعود من هؤلاء، فظهر أن اجتماعه بالنبي وَلير بعد رجوعه كان
بالمدينة. وإلى هذا الجمع نحا الخطابي، ولم يقف من تعقب كلامه على مستنده.
ويقوي هذا الجمع رواية كلثوم الخزاعي لحديث ابن مسعود الآتي بعد هذا، فإنها
ظاهرة في أن كلا من ابن مسعود، وزيد بن أرقم حكَى أن الناسخ قوله - تَعَالَى -:
﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ .
وأما قول ابن حبان: كان نسخ الكلام بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين، قال: ومعنى
قول زيد بن أرقم ((كنا نتكلم)) أي كان قومي يتكلمون، لأن قومه كانوا يصلون قبل
الهجرة مع مصعب بن عمير الذي كان يعلمهم القرآن، فلما نسخ تحريم الكلام بمكة بلغ
ذلك أهل المدينة، فتركوه، فهو متعقّب بأن الآية مدنية باتفاق، وبأن إسلام الأنصار،
وتوجه مصعب بن عمير إليهم إنما كان قبل الهجرة بسنة واحدة، وبأن في حديث زيد بن
أرقم ((كنا نتكلم خلف رسول اللّه وَّ))، وكذا أخرجه الترمذي، فانتفى أن يكون المراد
الأنصار الذين كانوا يصلون بالمدينة قبل هجرة النبي ◌َّ إليهم.
وأجاب ابن حبان في موضع آخر بأن زيد بن أرقم أراد بقوله: ((كنا نتكلم)) مَنْ كان
يصلي خلف النبي وَّ بمكة من المسلمين.
وهو متعقب أيضا بأنهم ما كانوا بمكة يجتمعون إلا نادرا، وبما روى الطبراني من
حديث أبي أمامة، قال: ((كان الرجل إذا دخل المسجد، فوجدهم يصلون، سأل الذي
إلى جنبه، فيخبره بما فاته، فيقضي، ثم يدخل معهم، حتى جاء معاذ يوما، فدخل في
الصلاة))، فذكر الحديث، وهذا كان بالمدينة قطعا، لأن أبا أمامة ومعاذ بن جبل إنما

٢٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْو
أسلما بها .
قال الجامع عفا الله - تَعَالَى - عنه: قد تبين مما ذكر أن الراجح أن نسخ الكلام كان
بالمدينة، لا بمكة. والله - تَعَالَى - أعلم.
(﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ﴾) بدل من اسم الإشارة، أو خبر لمحذوف، أي هي
((حافظوا الخ))، أو مفعول لفعل محذوف، أي ((أعني)).
أمر الله سبحانه وتعالى عباده بالمحافظة على الصلوات الخمس بأدائها في أوقاتها،
وحفظ حدودها وآدابها (والصلاة الوسطى) بالجرّ عطفا على ((الصلوات)) من عطف
الخاصّ على العامّ، تنبيها بشأنها .
و(الوُسْطَى)) فُعْلى مؤنثة الأوسط، وهي من الوَسَط الذي هو خيار الشيء، لا من
الوَسَط بمعنى متوسط بين شيئين، لأن فُعلى هنا للتفضيل، ولا يبنى التفضيل إلا مما
يقبل الزيادة والنقص، والوسط بمعنى الخيار هو الذي يقبل ذلك، لا الذي بمعنى
المتوسط بين شيئين. وقد تقدم تحقيق ذلك في أوائل الصلاة - ١٤/ ٤٧٢ - فراجعه
تستفد، وباللَّه - تَعَالَى - التوفيق.
(وقوموا لله قانتين) اختلف في معنى القنوت في هذه الآية على أقوال، أرجحها ما
دلّ عليه حديث زيد بن أرقم ◌َّه هذا، وهو السكوت، وقد استوفيت الكلام على
اختلاف العلماء في معنى القنوت بالرقم المذكور.
(فَأُمِرْنَا بالسكوت) ببناء الفعل للمفعول، أي أمرنا اللَّه - تَعَالَى - بأن نَسْكُتَ عن
كلام الناس، لا عن مطلق الكلام، فإن الصلاة ليست محل سكوت، بل فيها قراءة
القرآن، والتسبيح، والتكبير، والدعاء ونحو ذلك.
زاد في رواية مسلم: ((ونهينا عن الكلام)). قال في ((الفتح)) ج-٣ ص٣٩٩: استدلّ
بهذه الزيادة على أن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضدّه، إذ لو كان كذلك لم يحتج إلى
قوله: ((ونهينا عن الكلام))، وأجيب بأن دلالته على ضدّه دلالة التزام، ومن ثَمَّ وقع
الخلاف، فلعله ذكر لكونه أصرح. واللّه - تَعَالَى - أعلم. انتهى. واللّه - تَعَالَى - ولي
التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته :
حديث زيد بن أرقم تظني هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا - ١٢١٩/٢٠ - و((الكبرى)) ١١٤٢/٥٥- عن إسماعيل بن مسعود، عن

٢٨٧ ==
٢٠- (الكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ) - حديث رقم ١٢١٩
يحيى بن سعيد القطان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شبيل، عن أبي
عمرو الشيباني، عنه. وفي ((الكبرى)) في ((التفسير)) رقم ١١٠٤٧ - عن سُويد بن نصر،
عن ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبي خالد به. واللَّه - تَعَالَى - أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه :
أخرجه (خ) ٢/ ٧٢ - وفي ((جزء القراءة)) رقم ٢٤٢ - عن إبراهيم بن موسى، عن
عيسى بن يونس، وفي ٣٨/٦- وفي ((جزء القراءة)) - ٢٤١ - عن مسدد، عن يحيى
القطان به .
(م) ٢ / ٧١ - عن يحيى بن يحيى، عن هُشَيم - (ح) وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن
عبد الله بن نمير، ووكيع - (ح) وعن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس -
أربعتهم عن إسماعيل به .
(د) ٩٤٩ - عن محمد بن عيسى، عن هشيم به. (ت) ٤٠٥ و٢٩٨٦ - عن أحمد بن
منيع، عن هُشيم به. و٢٩٨٦- عن أحمد بن منيع، عن مروان بن معاوية، ويزيد بن
هارون، ومحمد بن عبيد، کلهم عن إسماعيل به .
وأخرجه (أحمد) ٣٦٨/٤ (وعبد بن حميد) رقم ٢٦٠ (وابن خزيمة) ٨٥٦ و٨٥٧.
والله - تَعَالَى - أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رَخَّلهُ، وهو تحريم الكلام في الصلاة.
ومنها: بيان أن هذه الآية نزلت في النهي عن الكلام في الصلاة بعد أن كان مباحا.
ومنها: ما قاله الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله: إن هذا اللفظ أحد ما يستدلّ به على
الناسخ والمنسوخ، وهو ذكر الراوي تقدمَ أحَدٍ الحكمين على الآخر، وهذا لا شك
فيه، وليس كقوله: هذا منسوخ من غير بيان التاريخ، فإن ذلك قد ذكروا فيه أنه لا يكون
دليلا، لاحتمال أن يكون الحكم بالنسخ عن طريق اجتهادي منه.
ومنها: أن لفظ الراوي يشعر بأن المراد بالقنوت في الآية السكوت، لما دلّ عليه لفظ
((حتى)) التي للغاية، والفاء التي تشعر بتعليل ما سبق عليها لما يأتي بعدها.
ومنها: أن قوله: ((ونهينا عن الكلام)) يقتضي أن كل ما يسمى كلاما فهو منهي عنه،
وما لا يسمى كلاما فدلالة الحديث قاصرة عنه .
وقد اختلف الفقهاء في أشياء، هل تبطل الصلاة أم لا؟ كالنفخ، والتنحنح بغير علة
وحاجة، وکالبكاء.
قال ابن دقيق العيد رحمه الله: والذي يقتضيه القياس أن ما يسمى كلاما، فهو داخل

٢٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
تحت اللفظ، وما لا يسمى كلامًا، فمن أراد إلحاقه به كان ذلك بطريق القياس، فلْيُرَاعَ
شرطُهُ في مساواة الفرع للأصل، أو زيادته عليه، واعتبر أصحاب الشافعي ظهور
حرفین، وإن لم يكونا مُفهمین، فإن أقلّ الكلام حرفان ..
ولقائل أن يقول: ليس يلزم من كون الحرفين يتألف منهما الكلام أن يكون كل
حرفين كلاما، وإذا لم يكن كلاما فالإبطال به لا يكون بالنصّ، بل بالقياس على ما
ذكرنا، فليراع شرطه، اللَّهُمَّ إلا أن يريد بالكلام كل مركب، مفهما كان، أو غير مفهم،
فحينئذ يندرج المتنازع فيه تحت اللفظ، إلا أن فيه بحثاً(١).
والأقرب أن ينظر إلى مواقع الإجماع والخلاف حيث لا يسمى الملفوظ به كلاما، فما
أجمع على إلحاقه بالكلام ألحقناه به، وما لم يجمع عليه مع كونه لا يسمى كلاما فيقوى
فيه عدم الإبطال.
ومن هذا استُبْعد القولُ بإلحاق النفخ بالكلام، ومن ضعيف التعليل فيه قولُ من علّل
البطلان به بأنه يشبه الكلام، وهذا ركيك، مع ثبوت السنة الصحيحة أن النبي وَلّ نفخ
في صلاة الكسوف في سجوده. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه - تَعَالَى - عنه: الراجح أن المراد بالكلام هو التخاطب الذي
يجري بين الناس، إذ قول الراوي: ((يخاطب بعضنا بعضا))، وكذا الحديث الآتي: ((لا
يصلح فيها شيء من كلام الناس)) ظاهران في كون المراد مخاطبة بعضهم لبعض، فلا
يدخل فيه التنحنح، والأنين، والتأوه والنفخ، لأنها ليست من هذا الجنس. فتبصر.
والله - تَعَالَى - أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٢٠ - (أخبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد اللَّه بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي غَنِيَّةَ - وَاسْمُهُ
يَحْيَى بْنُ عَبْدَ الْمَلِك - وَالْقَاسَمُ بْنُ يَزِيدَ الْجَرْمِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْن عَدِيٍّ، عَنْ
كُلْثُومَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهَ بْنِ مَسْعُودَ، وَهَذَّا حَدِيثُ الْقَاسمِ، قَالَ: كُنْتُ آتِي النَّبِيَّ وََّ، وَهُوَ
يُصَلِّي، فَأَسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَيَرُدُّ عَلَيَّ، فَأَتَيْتُهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَهُوَ يُصَلِي، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَلَمَّا
سَلَّمَ أَشَارَ إِلَى الْقَوْمِ، فَقَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - يَعْنِي أحْدَثَ - في الصَّلَاةِ أنْ لَا
تَتَكَلَّمُوَا إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ، وَمَا يَنْبَغِي لَكُمْ، وَأَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ)) ).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (محمد بن عبد الله بن عَمَّار) بن سوادة الأزدي الغامدي، أبو جعفر البغدادي
(١) قال الصنعاني رحمه الله: كأنه يريد أن غير المفهم لا يُسَلَّمُ دخوله تحت قوله: ((ونهينا عن
الكلام))، إذ المتبادر منه الظاهر هو الكلام المعروف. اه- عدة ج٢ ص ٤٨٠.
(٢) ((إحكام الأحكام)) ج ٢ ص ٤٧٧ - ٤٨١. بنسخة الحاشية ((العدة)).

٢٨٩ =
٢٠- (الكَلَامُ فِي الصَّلاَةِ) - حديث رقم ١٢٢٠
الْمُخَرِّميّ(١) نزيل الموصل، ثقة حافظ [١٠].
روى عن عيسى بن يونس، وعبد الله بن إدريس، ويحيى بن عبد الملك بن أبي غَنية،
وغيرهم. وعنه النسائي، وعلي بن حرب الموصلي، ويعقوب بن سفيان، وغيرهم.
قال علي بن أحمد بن النضر الأزدي: رأيت علي بن المديني يقدمه. وقال ابن
عُقدة: سمعت محمد بن غالب يقول: حدثني محمد بن عبد الله بن عمّار الثقة، كان
من أهل الحديث. قال ابن عقدة: وسألت عبد الله بن أحمد عنه؟، فقال: كان ثقة.
وقال أبو زكرياء يزيد بن محمد بن إياس الأزدي في ((تاريخ الموصل)»: كان ابن عمّار
فهما بالحديث وعِلَلِهِ، رحّالا فيه، ثم قال: حدثني عُبِيدٌ العجْلُ، قال: سمعت أبا
يوسف القُلُوسي، يقول لإسماعيل القاضي: ابنُ عمار مثلُ علي بن المديني، يعني في
علم الحديث، قال: ورأيت عُبيدا يعظم أمره، ويرفع قدره. وقال يعقوب بن سفيان:
ثقة. وقال صالح بن محمد: ثقة كيس. وقال النسائي: ثقة صاحب حديث. وقال أبو
حاتم: لا بأس به. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال ابن عديّ: رأيت أبا يعلى يُسيء
القول فيه، وكان يشتد عليه إذا قرئ عليه عنه بشيء، ويقول: شهد على خالي بالزور،
قال ابن عديّ: وابن عَمَّار ثقة حسن الحديث عن أهل الموصل: مُعَافى بن عمران
وغيره، وعنده عنهم أفراد وغرائب، وقد شهد أحمد بن حنبل أنه رآه عند يحيى القطان،
ولم أر أحدا من مشايخنا يذكره بغير الجميل، وهو عندهم ثقة. وقال الخطيب: كان من
أهل الفضل المتحققين بالعلم، حسن الحفظ، كثير الحديث، وكان تاجرا. وقال
الدار قطني: ثقة. وقال مسلمةَ بن قاسم: ثقة صاحب حديث.
قال الحسين بن إدريس عنه: ولدت سنة (١٦٢) وقال أبو زكرياء الأزدي: توفي سنة.
(٢٤٢) .
انفرد به النسائي روى عنه في هذا الكتاب عشرة أحاديث.
٢- (ابن أبي غنية) - بفتح المعجمة، وكسر النون، وتشديد التحتانية - هو يحيى بن
عبد الملك بن حُميد بن أبي غنية الخزاعي، أبو زكرياء الكوفي، أصله من أصفهان،
صدوق له أفراد، من كبار [٩].
روى عن أبيه، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وسفيان الثوري، وغيرهم.
وعنه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وابن المديني، ومحمد بن عبد الله بن
عمّار، وغيرهم.
(١) بضم الميم، وفتح الخاء المعجمة، وكسر الميم المشددة: نسبة إلى مُخَرِّم محلة ببغداد. قاله في
«ق)) .

٢٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: كان شيخا ثقة، له هيبة، رجلا صالحا. وقال عثمان
الدارمي، عن ابن معين: ثقة. وقال العجلي: ثقة رجل صالح، حدثني أبي، قال: قيل
ليحيى بن عبد الملك: دواء عينيك ترك البكاء، قال: فما خيرهما إذا؟. قال أبو داود: ثقة.
وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال الدار قطني: ثقة، وأبوه
ثقة. وقال ابن عديّ: بعض حديثه لا يتابع علیه، وهو ممن یکتب حديثه.
قال الواقدي: مات سنة (٦) أو (١٨٧) وقال مطيّن: مات سنة (١٨٨).
أخرج له الجماعة، إلا أبا داود، فأخرج له في ((المراسيل))، وله في هذا الكتاب
حديثان هذا و٥٦٧٠ حديث (من شرب الخمر ... )).
٣- (القاسم بن يزيد الجَزمي) أبو يزيد الموصلي، ثقة عابد [٩] تقدم ١٠٢ /١٣٥.
٤- (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الحجة الثبت [٧] تقدم ٣٧/٣٣ .
٥- (الزبير بن عديّ) الهَمْداني اليامي، أبو عدي الكوفي، ولي قضاء الرّيّ، ثقة [٥]
تقدم ١ / ٤٥١ .
٦- (كُلْثوم) بن علقمة بن ناجية بن المصطلق الخزاعي، وقد ينسب إلى جد أبيه،
ويقال: هما اثنان، ثقة [٢]، ويقال: له صحبة. قاله في ((ت)).
وفي ((تهذيب الكمال)): (كلثوم) بن المصطلق، وهو كلثوم بن علقمة بن ناجية بن
المصطلق، ويقال: كلثوم بن الأقمر، ويقال: كلثوم بن عامر بن الحارث بن أبي ضرار
ابن المصطلق الخزاعي المصطلقي الكوفي، يقال: له صحبة.
روى عن النبي ◌َّر، وعن أسامة بن زيد، وعبد الله بن مسعود، وجويرية بنت
الحارث بن أبي ضرار بن المصطلق، ويقال: إنها عمته، وزينب بنت جحش، وابن
مسعود، وأم سملة، أزواج النبي ◌َّ.
روى عنه أبو صخرة جامع بن شدّاد، والزبير بن عديّ، وعمران بن عُمير، ومهاجر
أبو الحسن. ذكره ابن حبان في التابعين من كتاب ((الثقات)). انتهى.
وقال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)): قلت: ذكر ابن حبان في ثقات التابعين ثلاثة:
(كلثوم) بن المصطلق الخزاعي، وهو الراوي عن ابن مسعود، وعنه الزبير بن عدي،
وعمران بن عمير.
(وكثلوم) بن عامر، وهو الراوي عن عمته جويرية بنت الحارث، وعنه مهاجر، أبو
الحسن .
(وكلثوم) بن الأقمر، روى عن زرّ بن حُبَيش، وعنه الأسود بن قيس. وكذا فرق
بينهم البخاري في ((تاريخه))، وابن أبي خيثمة، وابن أبي حاتم.

=
٢٩١
٢٠- (الْكَلَامُ فِي الصَّلاةِ) - حديث رقم ١٢٢٠
والذي يظهر أن كلثوم بن المصطلق هو كلثوم بن عامر، وإنما نسب إلى جد أبيه.
وأما كلثوم بن الأقمر، فهو غيره قطعًا، فقد ذكره عمران بن محمد الهمداني في
الطبقة الثالثة من الهمدانيين، وقال: له أحاديث صالحة.
وأما كلثوم بن علقمة بن ناجية، فذكره أبو نعيم في ((الصحابة))، وقال: لا تصح له
صحبة، وأحاديثه مرسلة، والصحبة لأبيه علقمة. انتهى.
أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٧- (عبد الله بن مسعود) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، تقدم ٣٩/٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف، رحمه اللَّه - تَعَالَى -، وأن رجاله كلهم ثقات،
وفيه رواية تابعي عن تابعي، أو صحابي عن صحابي، إن ثبت كون كلثوم صحابيا.
ومنها: أنه يُقَدَّر قبل قوله: ((عن سفيان)) لفظ ((كلاهما))، أي أن كلا من ابن أبي غَنيّة،
والقاسم بن يزيد يرويان عن سفيان الثوري. واللَّه - تَعَالَى - أعلم.
شرح الحديث
(عن عبدالله بن مسعود) رضي اللّه تعالى عنه (وهذا حديث القاسم) جملة معترضة بيّن
بها أن اللفظ الآتي للقاسم بن يزيد، وأما ابن أبي غنيّة فرواه بالمعنى (قال) أي عبدالله بن
مسعود (كنت آتي النبي ◌َّ، وهو يصلي) جملة حالية من المفعول، أي حال كونه مصليا
(فَأَسَلِّم عليه، فيردّ علي) أي بالقول، وهذا قبل هجرته إلى الحبشة، حين كان الكلام
مباحًا كما ترشد إليه الرواية التالية (فأتيته، فسلّمت عليه، وهو يصلي، فلم يردّ عليّ) أي
لكون الكلام ممنوعا إذ ذاك (فلما سلّم أشار إلى القوم) أي الحاضرين لديه بالإصغاء إلى
ما يُبَيِّن لهم من حكم الكلام في الصلاة (فقال: إن اللَّه عزّ وجلّ - يعني أحدث في
الصلاة-) هذه العناية من بعض الرواة، ولم يتبين لي من هو؟ (أن لا تكلموا) في تأويل
المصدر مفعول ((أحدث))، يعني أنه أحدث عدم الكلام في الصلاة و((تكلموا)) بفتح
التاء، مضارع ((تكلم)) بحذف إحدى التاءين، ويحتمل أن يكون بضم التاء مضارع
((كلَّمَ))، ومفعوله محذوف، أي ((أحـ)) (إلا بذكر اللَّه) من التكبير، والتسبيح،
والتحميد، وقراءة القرآن (وما ينبغي لكم) من عطف العام على الخاص، أي وإلا بما
ينبغي لكم أن تتكلموا به في الصلاة، كالدعاء (وأن تقوموا لله) عطف على ((أن لا
تكلموا)»، أي وأحدث أن تقوموا في صلاتكم لله (قانتين) أي ساكتين عما لا ينبغي لكم
من الكلام، وهذا الحديث تفسير لقوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَنِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]،
وقد قدمنا أن أصح الأقوال في معنى القنوت هو السكوت لحديث زيد بن أرقم رَمّيه
المتقدم، ولهذا الحديثِ. والله تعالى أعلم بالصواب.

٢٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو
قال الجامع عفا الله عنه: حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٢٠/ ١٢٢٠ - وفي (الكبرى))
١١٤٣/٥٥- بالإسناد المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٢١- (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِم، عَنْ أَبِي
وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ◌ََّ، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا السَّلَامَ،َ حَتَّى قَدِمْنَا
مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ بِرُدَّ عَلَيَّ، فَأَخَذَنِي مَا قَرُبَ، وَمَا بَعُدَ، فَجَلَسْتُ،
حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ، قَالَ: ((إِنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنْهُ قَدْ أَحْدَثَ
مِنْ أَمْرِهِ أَنْ لَا يُتَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (الحسين بن حُرَيث) المروزي، ثقة [١٠] تقدم ٤٤ / ٥٢ .
٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة المشهور [٨] تقدم ١/١ .
٣- (عاصم) بن أبي النَّجُود الأَسَدي مولاهم، وهو ابن بُهْدَلة الكوفي، أبو بكر
المقرىء، صدوق له أوهام، [٦] تقدم ١٢٦/٩٨ .
٤- (أبو وائل) شقيق بن سَلَمَة الأسدي الكوفي، ثقة مخضرم [٢] تقدم ٢/ ٢ .
٥٠- (ابن مسعود) رضي اللّه تعالى عنه المذكور في السند السابق. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى.
(ومنها): أن رجاله رجال الصحيح. ومنها: أنهم كوفيون، غير شيخه، فمروزي،
وسفيان، فمكي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن مسعود) رضي اللّه تعالى عنه، أنه (قال: كنا نسلم على النبي ◌َّ، فيرة
علينا السلامَ حتى قدمنا) بكسر الدال المهملة، يقال: قدم الرجلُ البلدَة يقدمها، من باب
تعب قُدُومًا، ومَقْدَمًا - بفتح الميم والدال -: إذا دخلها (من أرض الحبشة) من إضافة
العام إلى الخاص، كشجر أرَاك، إن كان المراد بـ((الحبشة)) البلدَ، أو بمعنى اللام، إن
كان المراد الجيلَ.
قال الفيومي ◌َّلهُ: الحبشُ - أي بالتحريك- جيل من السُّودان، وهو اسم جنس،
ولهذا صغّر على حُبَيش، والحبشة لغة فاشية، الواحد حبشي. انتهى بتصرف.

٢٩٣
٢٠- (الْكَلَمُ فِي الصَّلَاةِ) - حديث رقم ١٢٢١
(فسلمت عليه، فلم يردّ عليّ، فأخذني ما قَرُبَ، وما بَعُدَ) - بضم عين الفعل فيهما-
أي تفكرت فيما يصلح للمنع من الوجوه القريبة، أو البعيدة أَيُّاكان سببا لترك رد
السلام .
وفي رواية أبي داود من طريق أبان العَطّار، عن عاصم: ((فأخذني ما قَدُم وما حَدُث))
- بضم الدال فيهما، ، مراده غلب علي التفكر في أحوالي السابقة واللاحقة، أيها كان سببا
لتركه وَلوردّ السلام عليّ.
ويحتمل أن يكون المراد أخذني ما تقدم من التكلم في الصلاة، وما حدث فيها من
عدم التكلم. قاله في ((المنهل))(١).
(فجلست، حتى إذا قضى الصلاةَ قال) أي النبي ◌َّ (إن الله عزّ وجلّ يحدث) -بضم
الياء- من الإحداث، أي يُظهر ويُجَدِّد (من أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث من أمره أن لا
يُتَكَلَّمَ في الصلاة) ببناء الفعل للمفعول، وهو في تأويل المصدر مفعول ((أحدث)).
يعني أن للَّه سبحانه وتعالى تجديدَ الأحكام بحسب ما اقتضته حكمته، وإن مما أحدثه
من الأحكام عدم جواز الكلام في الصلاة.
وفي رواية الشيخين: ((إن في الصلاة شُغلا)).
قال في ((الفتح)): والتنكير في ((شغلا)) للتنويع، أي بقراءة القرآن والذكر والدعاء، أو
للتعظيم، أي شغلاً، وأيَّ شغل، لأنها مناجاة مع اللّه، تستدعي الاستغراق بخدمته، فلا
يصلح فيها الاشتغال بغيره.
وقال النووي: معناه أن وظيفة المصلي الاشتغال بصلاته، وتدبر ما يقوله، فلا ينبغي
أن يعرّج على غيرها، من ردّ السلام ونحوه. انتهى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا-١٢٢١/٢٠ - وفي ((الكبرى)) ١١٤٤/٥٥- بالسند المذكور. والله تعالى
أعلم .
(١) ((المنهل العذب المورود)) جـ ٦ ص ٢١ .
(٢) ((فتح)) جـ٣ ص ٣٩٧ .

٢٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) - ٩٢٤ - عن موسى بن إسماعيل، عن أبان بن يزيد العطار، عن عاصم
به .
وأخرجه الشيخان من رواية علقمة عن ابن مسعود تظلّه بلفظ: كنا نسلم على النبي
وَّر، وهو في الصلاة، فيردّ علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي، سلمنا عليه، فلم يردّ
علينا، وقال: ((إن في الصلاة شُغْلًا)).
وأخرجه (الحميدي) ٩٤- (وأحمد) - ٣٧٧/١ - و٤٣٥/١ ٤٦٣/١. والله تعالى
أعلم.
وبقية المسائل تقدمت في الكلام على حديث معاوية بن الحكم السَّلَميّ رضي اللَّه
تعالى عنه، فلترَاجَعْ هناك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)).
٢١- (مَا يَفْعَلُ مَنْ قَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ
نَاسِيًّا، وَلَمْ يَتَشَهَّدْ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على الفعل الذي يفعله الشخص الذي نسي التشهد
الأول، فقام إلى أداء الركعة الثالثة.
فقوله: ((من اثنتين)) على حذف مضاف، أي من ثانية اثنتين، يعني الركعة الثانية.
والله أعلم بالصواب.
١٢٢٢- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ(١)، عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحمَنِ
الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، قَالَ: صَلَّى لَنَا (٢) رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ، فَلَمْ
يَجْلِسَ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، وَنَظَرْنَا(٣) تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ،
وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، ثُمَّ سَلَّمَ).
(١) ((ابن سعيد)) ساقط من بعض.
(٢) وفي بعض النسخ ((صلى بنا)).
(٣) وفي بعض النسخ ((فنظرنا)).

٢٩٥
٢١- (مَا يُفْعَلُ مَنْ قَمَ مِن اثْنَيْنِ نَاسِيًا ... - حديث رقم ١٢٢٢
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (قتيبة بن سعيد) الثقفي، ثقة ثبت [١٠] تقدم ١/١ .
٢- (مالك) بن أنس الإمام الحجة المشهور، أبو عبدالله المدني [٧] تقدم ٧/ ٧ .
٣- (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري الإمام الحجة الثبت، أبو بكر المدني [٤]
تقدم ١/١ .
٤- (عبدالرحمن الأعرج) هو ابن هرمز المدني، ثقة ثبت [٣] تقدم ٧ / ٧ .
٥- (عبدالله ابن بحينة) هو عبدالله بن مالك بن القشب الأزدي الصحابي ◌َ ◌ّيه
و(بُحَينة)) أمه، تقدم ١٤١ / ١١٠٦. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم شرحه، وبيان
المسائل المتعلقة به برقم ١١٧٧/١٩٦- حيث رواه المصنف تَخْذَهُ هناك عن يحيى بن
حبيب بن عربي، عن حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبدالرحمن
الأعرج، عنه.
ومعنى قوله: ((ونظرنا))، أي انتظرنا.
وموضع الترجمة قوله: ((كبر، فسجد الخ))، ففيه بيان ما يفعله من قام من الركعة
الثانية إلى الثالثة تاركا للتشهد نسيانا، وهو أن يكبر في آخر صلاته قبل أن يسلم، فيسجد
سجدتي السهو، وهو جالس، ثم يسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
[مسألة]: في مذاهب العلماء فيمن نسي التشهد الأول:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه اللَّه تعالى في كتابه («الأوسط)):
الذي عليه أكثر أهل العلم اتباع ظاهر خبر ابن بُحَينة، يقولون: إذا قام المصلي من
الركعتين الأوليين، فإن ذكر بعد أن يستوي قائمًا لم يرجع إلى الجلوس، ومضى في
صلاته، وسجد سجدتي السهو.
وممن روينا عنه أنه فعل ذلك عمر بن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن
العاص، والمغيرة بن شعبة، وابن الزبير، والضخّاك بن قيس، والنعمان بن بشير، وابن
مسعود . .
وقد اختلف أهل العلم فيمن فعل ذلك:
فقالت طائفة: إذا ذكر، ولم يستتمّ قائما جلس، هذا قول علقمة، والضحّاك،
وقتادة، والأوزاعي، والشافعي، وروي ذلك عن مكحول، وعمر بن عبدالعزيز، غير
أن الشافعي يرى إذا رجع إلى الجلوس أن يسجد سجدتي السهو، وفي قول علقمة،

٢٩٦
شرح سنن النسائي - كِتّابُ السَّهْوِ
والأوزاعي لا يسجد.
وقالت طائفة: إن ذكر ساعةً يقوم جلس، كذلك قال حمّاد بن أبي سليمان، وقال
النخعي: يقعد ما لم يستفتح بالقراءة.
وقالت طائفة: إن المصلي إذا فارقت أَلْيَتُهُ الأرضَ، ونأ للقيام مضى كما هو، ولا
يرجع حتى يجلس في الرابع، ثمّ يسجد سجدتي السهو قبل السلام، كذلك قال مالك
ابن أنس، وقال حسّان بن عطيّة: إذا تجافت ركبتاه عن الأرض مضى.
وقالت طائفة: يقعد، وإن قرأ ما لم يركع، قال الحسن البصري: يقعد، وإن قرأ
ثمانین آیة، ما لم يركع. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي هو ما عليه الجمهور، وهو أن من قام من
الركعتين الأوليين، وعليه جلوس لا يرجع إلى الجلوس، بل يمضي في صلاته، ثم
يسجد سجدتي السهو قبل السلام، ثم يسلم، لصحة حديث عبدالله ابن بحينة رَظريه
المذكور في الباب في ذلك. والله تعالى أعلم.
قال ابن المنذر تَخّْلهُ: وقد اختلف فيمن ذَكَرَ، وقد نهض للقيام قبل أن يستوي
قائما، فجلس :
فرأت طائفة أن يسجد سجود السهو، رُوي ذلك عن النعمان بن بشير، وأنس بن
مالك، وبه قال الثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي.
وأسقطت طائفة عنه سجود السهو، كان علقمة، والنخعي، والأوزاعي لا يرون عليه
سجود السهو. انتهى كلام ابن المنذر رحمه اللّه تعالى(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الراجح المذهب الأول، وهو أنه يسجد
للسهو، لحديث معاوية رَزَّه مرفوعا: (( من نسي من صلاته شيئا، فليسجد مثل هاتين
السجدتین)) رواه أحمد في ((مسنده)) ج٤ ص١٠٠ بإسناد حسن.
فقوله: ((شيئًا)) نكرة في سياق الشرط، فيعمّ قليل السهو وكثيره. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٢٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَخِيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
هُرْمُزَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وََّ، أَنَّهُ قَامَ فِي الصَّلَاةِ، وَعَلَّيْهِ جُلُوسٌ،
فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ، قَبْلَ التَّسْلِيمِ).
(١) ((الأوسط)) جـ ٣ ص ٢٨٧ - ٢٩١ .

٢٢- (مَا يُفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْن ... - حديث رقم ١٢٢٤
٢٩٧
رجال هذا الإسناد: خمسة، كلهم تقدموا في السند السابق، إلا:
١- (الليث) بن سعد الإمام الحافظ الحجة [٧] تقدم ٣٥/٣١ .
٢- (يحيى بن سعيد) الأنصاري المدني القاضي، ثقة ثبت [٥] تقدم ٢٢/ ٢٣.
والحديث متفق عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٢٢- (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ
نَاسِيًا، وَتَكَلَّمَ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: سقط من بعض النسخ لفظ ((ما يفعل)).
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على الفعل الذي يفعله الشخص الذي سلم على
رأس الركعتين من الصلاة الرباعية، أو الثلاثية، وتكلم، ناسيًا .
فـ((ما)) موصولة، ويحتمل أن تكون استفهامية، أي أيّ شيء يفعل من سلم من
ركعتين، وتكلم ناسيا؟ .
و((ناسيًا)) حال من فاعل سلّم، وحذف نظيره من ((تكلم)). والله تعالى أعلم
بالصواب .
١٢٢٤ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ - وَهُوَ ابْنُ زُرَنِع - قَالَ: حَدَّثَنَا
ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ وَّهِ إِحْدَى صَلَانَي
الْعَشِيِّ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَلَكِنِّي نَسِيتُ، قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَانْطَلَقَّ
إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَّالَ بِيَدِهِ عَلَيْهَا، كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ
أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالُوا: قُصِرَتِ الصَّلَاَةُ، وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ رََِهَا، فَهَابَاهُ أَنْ
بِكَلْمَاهُ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَنِهِ طُولٌ، قَالَ: كَانَ يُسَّمَّى ذَالْيَدَّيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ
أَنِسِيتَ، أَمْ قُصِرَتَّ الصَّلَاةُ؟، قَالَ: ((لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تُقْصَرِ الصَّلَاةُ))، قَالَ: وَقَالَ: ((أَكَمَا
قَالَ ذُو الْيَدَيْنِ؟))، قَالُوا: نَعَمْ، فَجَاءَ، فَصَلَّى الَّذِي كَانَ تَرَكَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ
مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، وَكَبِّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ، ثُمَّ سَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ

=
٢٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو
أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ كَبِّرَ).
رجال هذا الإسناد : خمسة :
١- (حُمَيد بن مَسْعَدَة) بن المبارك السّاميّ الباهليّ البصريّ، صدوق [١٠] تقدم ٥/٥ .
٢- (يزيد بن زُرَبع) أبو معاوية البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٥/٥ .
٣- (ابن عون) هو عبدالله بن عون بن أَرْطَبَان، أبو عون البصري، ثقة ثبت فاضل،
من أقران أيوب في العلم والعمل والسنّ [٥] تقدم ٣٣/٢٩.
٤- (محمد بن سيرين) أبو بكر بن أبي عَمْرة الأنصاري مولاهم البصري، ثقة ثبت
عابد كبير القدر [٣] تقدم ٤٦ / ٥٧ .
٥- (أبو هريرة) رَّه تقدم ١/١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات أثبات، غير شيخه، فصدوق.
ومنها: أنهم من رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاري.
ومنها: أنه مسلسل بالبصريين، غير الصحابي، فمدني.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي.
ومنها: أن صحابيه أكثر الصحابة حديثا، روى (٥٣٧٤) حديثا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(قال أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه (صلى بنا النبي (ََّ) وفي نسخة ((صلى بنا رسول
اللَّه ◌ِ)) .
قال في ((الفتح)): ظاهر في أن أبا هريرة رَّه حضر القصة، وحمله الطحاوي على
المجاز، فقال: إن المراد به صلى بالمسلمين، وسبب ذلك قول الزهري: إن صاحب
القصة استُشهد ببدر، فإن مقتضاه أن تكون القصّة وقعت قبل بدر، وهي قبل إسلام أبي
هريرة بأكثر من خمس سنين(١) لكن اتفق أئمة الحديث -كما نقله ابن عبدالبرّ وغيره-
١ على أن الزهري وَهمَ في ذلك، وسببه أنه جعل القصّة لذي الشمالين، وذو الشمالين هو
الذي قتل ببدر، وهو خزاعي، واسمه عُمَير بن عبد عمرو بن نَضْلَة، وأما ذو اليدين،
(١) قال بعضهم: صوابه بأكثر من أربع سنين؛ لأن غزوة بدر وقعت في رمضان من السنة الثانية من
الهجرة، وإسلام أبي هريرة وقع عام خيبر في أول سنة سبع. فتأمل. والله تعالى أعلم.

٢٢- (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْن ... - حديث رقم ١٢٢٤
٢٩٩
فتأخر بعد النبي وَ لهبمدة، لأنه حدّث بهذا الحديث بعد النبي وَّر، كما أخرجه الطبراني
وغيره، وهو سُلَميّ، واسمه الخزبَاق، على ما سيأتي البحث فيه.
وقد وقع عند مسلم من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة ◌َّه: ((فقام رجل من بني
سُلَيم))، فلما وقع عند الزهري بلفظ ((فقام ذو الشمالين))، وهو يَعرف أنه قتل ببدر، قال
لأجل ذلك: إن القصّة وقعت قبل بدر.
وقد جوّز بعض الأئمة أن تكون القصّة وقعت لكلّ من ذي الشمالين، وذي اليدين،
وأن أبا هريرة روى الحديثين، فأرسل إحداهما، وهي قصّة ذي الشمالين، وشَاهَدَ
الأُخرى، وهي قصّة ذي اليدين. وهذا مُحتمل من طريق الجمع.
وقيل: يُحمَل على أن ذا الشمالين كان يقال له أيضا: ذو اليدين، وبالعكس، فكان
ذلك سببا للاشتباه .
ويدفع المجاز الذي ارتكبه الطحاويّ ما رواه مسلم، وأحمد، وغيرهما من طريق
يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة في هذا الحديث عن أبي هريرة بلفظ (( بينما أنا أصلي
مع رسول اللّه (َّ)).
وقد اتفق معظم أهل الحديث من المصنفين وغيرهم على أن ذا الشمالين غير ذي
اليدين، ونصّ على ذلك الشافعي تَحّْتُهُ في ((اختلاف الحديث))(١).
(إحدى صلاتي العشي) ((العشي)) - بفتح العين المهملة، وكسر السين، وتشديد
الياء، أصله من العشاء، وهي الظلمة، واختلف في تحديدوقت العشي، فالذي اختاره
الأزهري أنه من زوال الشمس إلى غروبها، وقيل: من صلاة المغرب إلى العَتَمَة، وقال
ابن الأثير: ما بعد الزوال إلى المغرب عشي، وقيل: العشي من زوال الشمس إلى
الصباح. واختار الحافظ العلائي هذا القول، قال: وبه يحصل الجمع بين الأقوال
كلها(٢).
(قال) ابن سيرين (قال أبو هريرة) تَظزيه (ولكني نسيت) أي تعيين تلك الصلاة،
وهذا ظاهر في أن الشكّ من أبي هريرة ◌َّه، لكن وقع عند البخاري بلفظ: ((إحدى
صلاتي العشي))، قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة، ولكن نسيت أنا، فهذا صريح في
أن الناسي هو ابن سيرين. وفي الرواية الآتية ١٢٢٦ - من رواية أبي سفيان مولى ابن أبي
أحمد، عن أبي هريرة ((صلاة العصر))، من غير شك، وفي رواية أبي سلمة - ١٢٢٧ -
عنه ((صلاة العصر)) من غير شك أيضا، وفي رواية للبخاري: ((الظهر، أو العصر))
(١) ((فتح)) جـ٣ ص ٣٢٧ .
(٢) ((نظم الفرائد)) ص ١٢٣ - ١٢٤ .

٣٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
بالشك، وفي رواية له قال محمد: ((وأكثر ظني أنها العصر)). ولمسلم ((إحدى صلاتي
العشي، إما الظهر، وإما العصر)).
قال الحافظ رحمه الله تعالى: والظاهر أن الاختلاف فيه من الرواة، وأبعد من قال:
يُحمل على أن القصة وقعت مرتين، بل الظاهر أن أبا هريرة رواه كثيرًا على الشك،
وكان ربما غلب على ظنه أنها الظهر، فجزم بها، وتارة غلب على ظنه أنها العصر، فجزم
بها، وطرأ الشك في تعيينها أيضا على ابن سيرين، وكان السبب في ذلك الاهتمام بما
في القصّة من الأحكام الشرعية، ولم تختلف الرواة في حديث عمران في قصة الخرباق
أنها العصر، فإن قلنا: إنهما قصة واحدة، فيترجح رواية مَنْ عَيّنَ العصرَ في حديث أبي
هريرة رَاليه. انتهى(١).
(قال) أبو هريرة تطانيه (فصلی بنا ركعتين، ثم سلم، فانطلق) أي ذهب (إلى خشبة
معروضة في المسجد) أي موضوعة بالعَرْض، وفي رواية للبخاري: (( ثم قام إلى خشبة
في مقدم المسجد))، ولمسلم من طريق ابن عيينة، عن أيوب (( ثم أتى جذعًا في قبلة
المسجد، فاستند إليها مغضبًا».
قال الحافظ رحمه اللّه تعالى: ولا تنافي بين هذه الروايات، لأنها تحمل على أن
الجذع قبل اتخاذ المنبر كان ممتدًا بالعرض، وكأنه الجذع الذي كان ◌َّيّ يستند إليه قبل
اتخاذ المنبر، وبذلك جزم بعض الشرّاح. انتهى.
(فقال بيده عليها) أي اتكأ بيده على تلك الخشبة، وفيه إطلاق القول على الفعل،
لأن مادة القول تستعملها العرب لعدة معان، قال ابن الأنباري ◌َخْذَلُهُ: ((قال)) تجيء
بمعنى ((تكلم))، و((ضرب))، و((غلب))، و((مات))، و((مال))، و(استراح))، و((أقبل»،
ويعبّر بها عن التهيؤ للأفعال، والاستعداد لها، يقال: قال، فأكل، وقال، فضرب،
وقال، فتكلم، ونحوه. ذكره المجد اللغوي ◌َخّْلهُ في ((ق)). ونظمت ذلك بقولي:
تَكَلَّمَ اسْتَرَاحَ مَاتَ أَقْبَلَا
تَجِيءُ ((قَالَ)) لِمَعَانٍ تُجْتَلَی
وَلِلتَّهَيُؤِ لِفِعْلٍ يُجْتَبَى
وَمَالَ مَعْ ضَرَبَ ثُمَّ غَلَّبَا
فَاحْفَظْ فَإِنَّا مَعَانٍ سَامِيَةُ(٢)
فَجُمْلَةُ الْمَعَانِ قُلْ ثَمَانِيَهْ
(كأنه غضبان) أي كأن النبي ◌َّلر في تلك الحالة مشابه لحالة من غضب بسبب شيء
رآه، أو سمعه.
(١) ((فتح)) جـ٣ ص ٤٢٧ - ٤٢٨ .
(٢) هذه الأبيات تقدمت في هذا الشرح، وإنما أعيدت تذكيرًا لطول العهد بها. فتنبّه.