Indexed OCR Text

Pages 221-240

١٦- (بَابُ التَّسْبِيحِ فِي الصَّلَاةِ) - حديث رقم ١٢٠٩
٢٢١ =
١٢٠٨- (اخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، عَنْ يُونُسَ، عَن ابْنِ
شِهَابٍ، قَالَ: اخْبَرَنِي سَعيدُ بْنُ الْمُسَيِّب، وَأَبُو سَلَمَةَ بن عَبْدِالرَّحْمَنَ، أَنَّمَا(١) سَمعَا أبًا
هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((التَّسْبِيحُ للرِّجَال، والتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ)) ).
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١ - (محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المرادي المصري، ثقة ثبت [١١] تقدم ٢٠/١٩.
٢- (ابن وهب) عبدالله المصري، ثقة حافظ عابد [٩] تقدم ٩/٩ .
٣- (يونس) بن يزيد الأيلي، ثقة ثبت [٧] تقدم ٩/ ٩ .
٤ - (سعيد بن المسيب) الإمام الحجة الثبت الفقيه من كبار [٣] تقدم ٩/ ٩ .
والباقون تقدموا في الذي قبله، والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه. والله - تَعَالَى
- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتن وإليه أنيب)).
١٦- (بَابُ التَّسْبِيحِ فِي الصَّلَاةِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز تسبيح الرجال في الصلاة إذا نابهم فيها
شيء .
١٢٠٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ عيَاض، عَنِ الأعْمَش ح وَأنْبَأنَا سُوَيْدُ
بْنُ نَصْر، قَالَ: انْبَأْنَا عَبْدُ اللَّه، عَنْ سَلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ، عَنْ أبي صَالِحٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرةَ،
قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((التَّسْبِيحُ للرُّجَالِ، والتَّصْفِيقُ للنَّسَاءِ)).
رجال هذا الإسنادك سبعة :
١- (قتيبة) بن سعيد المذكور في الباب السابق.
٢- (الفضيل بن عياض) بن مسعود التيمي، أبو علي الزاهد المشهور، خراساني
الأصل نزيل مكة، ثقة عابد إمام [٨] تقدم ٣٨٨/٢١ .
٣- (سُوَيد بن نصر) المروزي، ثقة [١٠] تقدم ٤٥ / ٥٥ .
٤- (عبدالله) بن المبارك الإمام الحجة الثبت [٨] تقدم ٣٦/٣٢.
(١) وفي بعض النسخ: ((قالا: إنهما سمعا)).

٢٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ
٥- (الأعمش) سليمان بن مهران الإمام الحافظ الحجة [٥] تقدم ١٨/١٧.
٦- (أبو صالح) ذكوان السمان الزيات المدني، ثقة ثبت [٣] تقدم ٤٠/٣٦.
٧- (أبو هريرة) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، تقدم ١/١.
والحديث متفق عليه كما سبق في الباب الماضي واللَّه - تَعَالَى - أعلم بالصواب،
وإليهالمرج والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢١٠ - (اخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّه بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا يَحْنَى بْنُ سَعيد، عَنْ عَوف، قَالَ: حَدَّثَنی
مُحَمَّدٌ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِي ◌ِِّ، قَالَ: ((التَّسْبِيحُ الرِّجَالِ، والتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ)) ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عبيدالله بن سعيد) أبو قُدَامة السرخسي نزيل نيسابور، ثقة ثبت [١٠] تقدم
١٥/ ١٥ ٠
٢- (يحيى بن سعيد) القطان الإمام الحجة الثبت الناقد [٩] تقدم ٤ /٤ .
٣- (عوف) بن أبي جميلة بَندَويه الأعرابي البصري، ثقة رمي بالقدر والشيع [٦] تقدم
٤٦ /٥٧ .
٤- (محمد) بن سيرين الأنصاري، أبو بكر بن أبي عمرة البصري، ثقة ثبت عابد
كبير القدر [٣] تقدم ٤٦/ ٥٧ .
٥- (أبو هريرة) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ١/١.
قال الجامع عفا اللَّه تَعَالَى عنه: هذا الحديث صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله
- تَعَالَى -، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، وقد أخرجه أحمد، كما تقدم الكلام
عليه في الباب الماضي. والله - تَعَالَى - أعان بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب)).
١٧ - (التَّنَحْنُحُ فِي الصَّلَاةِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز التنحنح في الصلاة للحاجة.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((التنحنُحُ)): مصدر تَنَحْنَح، قال المجد اللغوي: نَحَّ
ینْتُ نَحِيحًا: تردّد صوتُهُ في جوفه، کنحنَحَ، وتنحنح. انتهى.
وقال الأزهري عن الليث: النَّحْتَحَة: التنحنحُ، وهو أسهل من السعال، وهي علة

١٧ - (التَنَحْتُحُ فِي الصَّلَاةِ) - حديث رقم ١٢١١
-٢٢٣ -
البخيل، وأنشد: [من الرجز].
يَكَادُ مِنْ نَخْتَحَةٍ وَأَحْ يَخْكِي سُعَالَ الشَّرِقِ الْأَبْحِّ
ذكره في ((اللسان)). والله تعالى أعلم بالصواب.
١٢١١- (اخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْمُغيرَة، عَن الْحَارث
الْعُكْلِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرو بْنَ جَرِيرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ نُجْيٍّ، عَنْ عَلِيِّ،
قَالَ: كَانَ لِي مِنْ رَسُولَ اللَّهِ بَّرِ سَاعَةٌ آتَيَةٍ فِيهَا، فَإِذَا أَتَيْتُهُ اسْتَأْذَنْتُ، إِنْ وَجَدْتُهُ يُصَلِّي،
فَتَتَحْنَحَ، دَخَلْتُ، وَإِنْ وَجَدْتُهُ فَارِغَا أَذِنَ لِي).
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (محمد بن قُدَامة المصيصي، ثقة [١٠] تقدم ١٩/ ٥٢٨.
٢- (جرير) بن عبدالحميد الكوفي نزيل الرَّيِّ، ثقة صحيح الكتاب [٨] تقدم ٢/ ٢ .
٣- (المغيرة) بن مقسم الضبي مولاهم أبو هشام الكوفي الأعمى، ثقة متقن، مدلس
[٦] تقدم ٣٠١/١٨٨.
[تنبيه]: وقع في بعض النسخ ((عن مغيرة)) بحذف ((ال))، وهي للمح الأصل، فيجوز
إثباتها وحذفها، كما قال في ((الخلاصة)):
للَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَتْهُ نُقِلَا
وَبَغْضُ الاعْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا
كَالْفَضْلِ وَالْحَارِثِ وَالثُّعْمَانِ فَذِكْرُ ذَا وَحَذْفُهُ سِيَّانِ
٤- (الحارث) بن يزيد التيمي العُكْلي الكوفي، ثقة فقيه [٦] إلا أنه قديم الموت.
روى عن أبي زرعة بن عمرو، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وغيرهم. وعنه عمارة
ابن القعقاع من أقرانه، وابن عجلان، ومغيرة بن مقسم، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة، وقال العجلي: كان فقيها من أصحاب إبراهيم، من عُلْيَتهم،
وكان ثقة في الحديث قديم الموت، لم يرو عنه إلا الشيوخ. وقال الآجري عن أبي
داود: ثقة ثقة، لا يسئل عنه. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال الحاكم:
قلت للدار قطني: فالحارث بن يزيد العكلي؟ قال: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في
((الثقات)) .
أخرج له البخاري مقرونا بغيره، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب
هذا الحديث، وحديث رقم ١٢١٢ .
٥- (أبو زرعة بن عمرو بن جرير) البجلي الكوفي، قيل: اسمه هرم، وقيل: غيره،
ثقة [٣] تقدم ٥٠/٤٣ .

٢٢٤
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
٦- (عبدالله بنُ نُجَيّ) - بنون وجيم مصغرا - ابن سلمة بن حشْم - بكسر الحاء
المهملة، وسكون الشين المعجمة - ابن أسد بن خُلَيبة - بَضم الخاء المعجمة -
الحضرمي، أبو لقمان الكوفي، صدوق [٣] تقدم في ١٦٨/ ٢٦١ .
٧- (علي) بن أبي طالب الهاشمي، أبو الحسن المدني، رابع الخلفاء الراشدين
لَّهُ تقدم ٩١/٧٤ واللَّه - تَعَالَى - أعلم.
شرح الحديث
(عن علي) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أنه (قال: كان لي من رسول اللَّه ◌َِلّ
ساعة) وفي الرواية التالية من طريق أبي بكر بن عيّاش، عن المغيرة: ((كان من
رسول اللّه وهّ مدخلان، مدخل بالليل، ومدخل بالنهار، فكنت إذا دخلت بالليل
تنحنح لي)).
وفي الرواية التي بعدها من رواية عبدالله بن نجي، عن أبيه: ((قال: قال لي علي
كانت لي منزلة من رسول اللَّه وَلّ، لم تكن لأحد من الخلائق، فكنت آتيه كلَّ
سحر، فأقول: السلام عليك يا نبي الله، فإن تنحنح انصرفت إلى أهلي، وإلا دخلت
علیه)) .
(آتيه فيها) بالجر صفة لـ((ساعة)) (فإذا أتيته استأذنت) فيه مشروعية الإستئذان لمن كان
بينه وبين صاحب البيت وقت معين، أذن له بالدخول عليه فيه، لاحتمال أن ينسى
ذلك، ويغفل عنه، فيدخل عليه، وهو في حالة لا يرضى أن يراه فيها أحد.
(إن وجدته يصلي) جملة ((يصلي)) حال من المفعول، أي إن صادفته مصليًا (فتنحنح)
تقدم في أول الباب معنى التنحنح، ولفظ ((الكبرى)): ((فسبح)) (دخلت) جواب ((إن))،
ومُتَعَلَّقهُ محذوف، أي عليه، وهذا صريح في أن تنحنحه وَّر علامة إذنه، ولكن الرواية.
الآتية ((فإن تنحنح انصرفت إلى أهلي)) صريحة في العكس، فبينهما تخالف، على أنه
يمكن أن يجمع بينهما بأن يكون له في التنحنح حالتان: إحداهما علامة للإذن،
والأخرى علامة لعدمه، وكان علي رَّه يميز بينهما بالقرينة، لكن الحديث ضعيف -
كما يأتي بيانه - فلا حاجة إلى التكلف في الجمع بينهما، لأن الجمع فرع الصحة. والله
- تَعَالَى - أعلم.
(وإن وجدته فارغا) أي خاليا من الصلاة (أذن لي) بالبناء للفاعل، وهو من باب عَلِمَ:
أي أذن لي النبي وَّ بصريح قوله. واللّه - تَعَالَى - أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

=
٢٢٥
١٧ - (التَّنَحْنُحُ فِي الصَّلاَةِ) - حديث رقم ١٢١١
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هذا ضعيف، للانقطاع بينه وبين عبدالله بن
نُجيّ، على ما قال ابن معين وغيره، كما تقدم، وللاضطراب في سنده ومتنه.
قال البيهقي رحمه الله - كما في ((التلخيص الحبير)) -: هذا مختلف في إسناده
ومتنه، قيل: ((سبح))، وقيل: ((تنحنح))، قال: ومداره على عبدالله بن نُجَيّ. انتهى.
وقال الحافظ رحمه الله - تَعَالَى -: قلت: واختلف عليه فيه، فقيل: عنه، عن
علي، وقيل: عنه، عن أبيه، عن علي. وقال يحيى بن معين: لم يسمعه عبدالله من
علي، بينه وبين علي أبوه. انتهى(١).
وقال ابن خزيمة رحمه الله - تَعَالَى -: في ((صحيحه)) ج٢ ص٥٤ .
(باب الرخصة في التنحنح في الصلاة عند الاستئذان على المصلي، إن صحت هذه
اللفظة، فقد اختلفوا فيها)).
ثم أخرجه من طريق شرحبيل بن مدرك، عن عبدالله بن نُجي، عن أبيه، عن
علي ... وهو الحديث الآتي بعد حديث عند المصنف.
ثم قال: قال أبو بكر: قد اختلفوا في هذا الخبر، عن عبدالله بن نُجي، فلست أحفظ
أحدا قال: ((عن أبيه)) غير شرحبيل بن مدرك هذا.
ورواه عمارة بن القعقاع، ومغيرة بن مقسم جميعًا عن الحارث العكلي، عن أبي زرعة
ابن عمرو بن جرير، عن عبدالله بن نجي، عن علي.
وقال جرير، عن المغيرة، عن الحارث، وعمارة عن الحارث: (يسبح)). وقال أبو
بكر بن عياش، عن المغيرة: ((یتنحنح)). انتهى.
والحاصل أن هذا الحديث مضطرب سندا ومتنا، فلا يصح، وإن نقل تصحيحه في
((التلخيص الحبير)) عن ابن السكن. والله - تَعَالَى - أعلم.
[تنبيه]: أخرج أحمد في («مسنده)) ١/ ٩٨ و٧٩ و١١٢ بسنده عن أبي أمامة، عن علي
رَّه، قال: ((كنت إذا استأذنت على رسول اللَّه وَّر، إن كان في صلاة سبح، وإن كان
في غير ذلك أذن)). انتهى. وهذا أيضًا لا يصحّ لأن في سنده علي بن يزيد الألهاني،
وهو ضعيف. والله - تَعَالَى - أعلم.
المسألة الثانية: في مواضع ذكر المصنف له :
(١) ((التلخيص الحبير)) ج١ ص ٢٨٣.

٢٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ
أخرجه هنا - ١٧/ ١٢١١ - وفي ((الكبرى)) ١٢٣٤/٥٢ - عن محمد بن قدامة، عن
جرير، عن مغيرة، عن الحارث العُكْلي، عن أبي زرعة، عن عبدالله بن نُجَيّ، عنه.
وفي ١٢١٢ - و((الكبرى)) ١١٣٦- عن محمد بن عبيدالمحاربي، عن أبي بكر بن
عياش، عن مغيرة، عن الحارث العكلي، عن عبدالله بن نجي، ليس فيه ذكر ((عن أبي
زرعة)). وفي ١٢١٣ - و((الكبرى)) ١١٣٧ - عن القاسم بن زكريا، عن أبي أسامة، عن
شرحبيل بن مدرك، عن عبدالله بن نجي، عن أبيه، عن علي تَط. زاد ((عن أبيه)).
واللَّه - تَعَالَى - أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (ق) ٣٧٠٨ - عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي بكر بن عياش به.
وأخرجه (أحمد) ٧٧/١ و٨٠ و١٠٧ و٨٥ (والدارمي) رقم ٢٦٦٦ . (وابن خزيمة)
٩٠٢ و٩٠٤. واللَّه - تَعَالَى - أعلم.
المسألة الرابعة: دلّ الحديث على أن التنحنح في الصلاة غير مفسد، قال الشوكاني
رحمه الله - تَعَالَى -: وقد ذهب إلى ذلك الإمام يحيى، والشافعي، وأبو يوسف، كما
في البحر، وروي عن الناصر، وقال المنصور باللّه: إذا كان لإصلاح الصلاة لم يفسد
به. وذهب أبو حنيفة، ومحمد، والهادوية إلى أن التنحنح مفسد، لأن الكلام لغة ما
تركب من حرفين، وإن لم يكن مفيدا. وردّ بأن الحرف ما اعتمد على مخرجه المعين،
وليس في التنحنح اعتماد.
وقد أجاب المهدي عن الحديث بقوله: ولعله قبل نسخ الكلام، ثم دليل التحريم
أرجح للحظر.
قال الشوكاني رحمه الله - تَعَالَى -: وقد عرفناك أن تحريم الكلام كان بمكة،
والاتكال على مثل هذه العبارة التي ليس فيها إلا مجرد الترجي من دون علم ولا ظن،
لو جاز التعويل على مثلها لردَّ مَن شاء ما شاء من الشريعة المطهرة، وهو باطل
بالإجماع.
وأما ترجيح دليل تحريم الكلام، فمع كونه من ترجيح العام على الخاص قد عرفت
أن العام غير صادق على محل النزاع. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بعدم فساد الصلاة بالتنحنح هو الراجح عندي،
لا لصحة حديث الباب، بل لأن التنحنح ليس كلاما يشمله دليل تحريم الكلام، كما بينه
(١) ((نيل الأوطار)) ج٢ ص ٣٧٣.

١٧ - (التَتَحْنُحُ فِي الصَّلَاةِ) - حديث رقم ١٢١٣
٢٢٧
العلامة الشوكاني رحمه اللّه آنفًا .
والحاصل أن التنحنح لا يبطل الصلاة، لعدم وجود دليل على إبطاله، واللَّه - تَعَالَى
- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢١٢ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْد، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَيَّاش، عَنْ مُغيرَةَ، عَنِ الْحَارِث
الْعُكْلِيْ، عَنِ ابْنِ نُجَيٍّ، قَالَ: قَالَ عَلَيٍّ: كَانَ لِي مِنْ رَسُول اللَّهُ وَ ◌ّ مَدْخَلَانِ، مَدْخَلٌ
بِاللَّيْلِ، وَمَدْخَلٌ بِالنَّهَارِ، فَكُنْت إِذَا دَخَلْتُ بِاللَّيْلِ تَنَحْتَحَ لِي.
رجال هذا الإسناد: ستة، كلهم تقدموا، إلا :
١- (محمد بن عبيد) المحاربي الكوفي، صدوق [١٠] تقدم ٢٢٦/١٤٤.
٢- (ابن عياش) أبو بكر الأسدي الكوفي المقرئ، اختلف في اسمه على عشرة
أقوال، ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح [٧] تقدم ٩٨/ ١٢٧ .
والحديث ضعيف، وقد تقدم الكلام عليه في الذي قبله، وباللَّه - تَعَالَى - التوفيق.
قوله: ((مدخلان)) - بفتح الميم، والخاء المعجمة -: ظرف زمان، من الدخول
ثلاثيا، ويحتمل أن يكون بضم الميم، وفتح الخاء ظرف زمان أيضًا من الإدخال رباعيًا،
والمعنى كان رسول اللَّه وَلّ وَقَّتَ لي وقتين للدخول عليه، وقت بالليل، ووقت
بالنهار. واللَّه - تَعَالَى - أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل .
١٢١٣ - (أَخْبَرَنَا الْقَاسمُ بْنُ زَكَرِيًّا بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَى
شُرَخْبِيلٌ - يَعْنِي ابْنَ مُدْرِكُ - قَالَ: حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهَ بْنُ نُجَيٍّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ لي
عَلِيٍّ: ((كَانَتْ لِي مَنْزِلَةٌ منْ رَسُول اللَّهَ بِّهِ، لَمْ تَكُنْ لِأحَدَ مِن الْخَلَائِقَ، فَكُنْتُ آتَيْه كُلَّ
سَحَرَ (١)، فَأَقولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَإِنْ تَنَحْنَحَ انْصَرَفْتُ إِلَى أهْلِي، وَإِلَّا دَخَلْتُ
عَلَيْهِ)) ).
رجال هذا الإسناد : ستة :
١- (القاسم بن زكريا بن دينار) القرشي أبو محمد الكوفي الطخّان، وربما نسب إلى
جده، ثقة [١١] تقدم ٤١٠/٨ .
٢- (أبو أسامة) حماد بن أسامة بن زيد القرشي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت ربمادلس
[٩] تقدم ٤٤ / ٥٢ .
٣- (شُرَخبيل بن مُدرك) الجعفي الكوفي ثقة [٥].
(١) ((كل سحر)) منصوب على الظرفية متعلق ب-((أتيه))، وفي بعض النسخ ((أعلى السحر)).

٢٢٨
E
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
روى عن أبيه، وابن عباس: وعبدالله بن نجيّ. وعنه أبو أسامة، ومحمد بن
عُبيد الطنافسي. قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في (الثقات))
في الطبقة الثالثة، وقال: يروي عن أبيه، عن ابن عباس.
انفرد به المصنف رحمه الله - تَعَالَى - بهذا الحديث فقط، قال الحافظ رحمه الله -
تَعَالَى -: وزعم الصریفیني أن أبا داود روى له.
والباقيان تقدما في الذي قبله، والحديث ضعيف كما سبق بيانه قريبًا. والله - تَعَالَى
- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٨ - (بَابُ الْبُكَاءِ فِي الصَّلَاةِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز البكاء في الصلاة.
١٢١٤ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّه، عَنْ حَمَّاد بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِت
الْبُنَانِيِّ، عَنْ مُطَرِّف، عَنْ أبيه، قَالَ: ((أَتَيْتُ النَّبِيَّ نَّهِ، وَهُوَ يُصَلِّي، وَلِجَوْفِهِ أَزِيَزٌ كَأَزِيزِ
الْمِرْجَلِ - يَعْنِي يَيْكِي)) ).
رجال ذا الإسناد: ستة :
١- (سويد بن نصر) المروزي، ثقة [١٠] تقدم ٤٥/ ٥٥ .
٢- (عبدالله) بن المبارك الإمام المشهور، تقدم ٣٦/٣٢ .
٣- (حماد بن سلمة) بن دينار البصري، أبو سلمة، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت،
وتغير حفظه بآخره، من كبار [٨] تقدم ٢٨٨/١٨١.
[تنبيه]: يوجد في النسخ المطبوعة زيادة ((عن سلمة)) بعد ((عن حماد بن سلمة))،
وهو غلط. فتنبه. واللَّه - تَعَالَى - الهادي إلى سواء السبيل.
٤- (ثابت) بن أسلم البُنَانيّ، أبو محمد البصري، ثقة عابد [٤] تقدم ٤٥/ ٥٣ .
٥- (مطرِّف) بن عبدالله بن الشّخِير العامري الحرشي، أبو عبدالله البصري، ثقة
عابد فاضل [٢] تقدم ٦٧/٥٣ .
٦ - (أبوه) عبدالله بن الشّخِير - بكسر الشين، وتشديد الخاء المعجمتين - ابن عوف
ابن كعب بن وقدان بن الجَريش، وهو معاوية بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة

٢٢٩
١٨- (بَابُ الْبُكَاءِ فِي الصَّلَاةِ) - حديث رقم ١٢١٤
الحَرَشي العَامري صحابي من مسلمة الفتح، تقدم في ٧٢٧/٣٤ .
لطائف هذا الإسناد :
منها: من سداسيات المصنف رحمه اللّه - تَعَالَى -، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن
رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد به هو والترمذي، وإلا الصحابي، فما أخرج له
البخاري، وأنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه، وابن المبارك فمروزيان، وفيه رواية
الابن عن أبيه، وراوية تابعي، عن تابعي واللّه - تَعَالَى - أعلم.
شرح الحديث
(عن عبدالله بن الشّخير) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أنه (قال: أتيت النبي ◌ََّ) ولفظ
أبي داود من طريق يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة: ((رأيت رسول اللَّه اَله ..
(وهو يصلي) جملة في محل نصب على الحال من المفعول، أي والحال أنه ◌َلّر يصلي
(ولجوفه أزيز) جملة من مبتدإ وخبر، في محل نصب على الحال أيضًا، من الأحوال
المتداخلة، أو المترادفة.
و ((الأزيز)) بزابين وزان كريم: الخنين من الخوف - بالخاء فيهما -، وهو صوت
البكاء، وَقِيل: أن يَجيش جوفُه، ويَعلَى بالبكاء. قاله في ((النهاية))(١).
وفي ((اللسان)): أَزَّت القدرُ تَؤُزّ، وتئزُّ أزا، وأزيزًا، وأزَازا، واثْتَزَّت ائتزازا: إذا اشتدّ
غَلَيانها، وقيل: هو غليان ليس بالشديد. انتهى.
وقال أبو عبيد رحمه الله: الأزيز: غليان جوفه بالبكاء، وأصل الأزيز: الالتهاب
والحركة، وكأن قوله - تَعَالَى -: ﴿أَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّا﴾
[مريم، آية: ٨٣] من هذا، أي تدفعهم وتسوقهم، وهو من التحرك. نقله ابن المنذر في
((الأوسط)) ج٣ ص ٢٥٥ .
(كأزيز المرجل) بكسر الميم: الإناء الذي يُغَلَى فيه الماء، سواء كان من حديد، أو
صفر، أو حجارة، أو خزف، والميم زائدة، قيل: لأنه إذا نصب كأنه أقيم على أزجُل.
قاله في ((النهاية))(٢) .
(يعني يبكي) العناية من بعض الرواة، ولم يتبين، لي مَن هو؟ أي يقصد بقوله:
((ولجوفه أزيز كأزيز المرجل)) أنه يبكي في صلاته بحيث يسمع له صوت كصوت القدر
إذا غَلَى. ولفظ أبي داود: ((وفي صدره أزيز كأزيز الرَّحَى من البكاء))، أي لصدره
(١) (نهاية ابن الأثير)) ج١ ص ٤٥ .
(٢) ((النهاية)) ج ٤ ص ٣١٥.

٢٣٠
F
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
صَوْتٌ كصوت الطاحون من أجل بكائه.
والحديث دليل على جواز رفع الصوت بالبكاء في الصلاة، وأنه لا يبطلها، وفيه
خلاف بين أهل العلم.
فعن الشعبي والثوري أن البكاء والأنين يفسد الصلاة. وعن المالكية والحنفية إن كان
لذكر النار والخوف لم يفسد.
وفي مذهب الشافعي ثلاثة أوجه: أصحها إن ظهر منه حرفان أفسد، وإلا فلا.
ثانيها : - وحكي عن نصه في ((الإملاء)) -: أنه لا يفسد مطلقًا، لأنه ليس من جنس
الكلام، ولا يكاد يبين منه حرف محقق، فأشبه الصوت الغُفْل. ثالثها: عن القفال إن
كان فمه مطبقًا لم يُفسد، وإلا أفسد، إن ظهر منه حرفان، وبه قطع المتولي.
قال الحافظ رحمه اللّه: والوجه الثاني أقوى دليلًا. قاله في (الفتح))(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: سيأتي بسط المسألة وتحقيق الأقوال فيها في المسألة
الخامسة إن شاء الله - تَعَالَى - والله - تَعَالَى - أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبدالله بن الشّخِير - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هذا صحيح.
!
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا - ١٢١٤/١٨ - وفي ((الكبرى)) - ١١٣٥/٥٣ و٥٤٤/١٠٢ - عن سوید
ابن نصر، عن ابن المبارك، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن مطرف بن
عبدالله بن الشّخَير، عن أبيه. وفي ((الكبرى)) - ٥٤٥/١٠٢ - عن عيسى بن يونس، عن
ضمرة، عن السريّ بن يحيى، عن عبدالكريم بن راشد، عن ابن الشّخَير، عن أبيه،
ولفظه: ((قال: كان يسمع للنبي وَل ◌َّ أزيز بالدعاء، وهو ساجد، كأزيز المرجل)). والله
- تَعَالَى - أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) ٩٠٤- عن عبدالرحمن بن محمد بن سلام، عن يزيد بن هارون، عن
حماد بن سلمة به.
(الترمذي في الشمائل) ٣٢٢- عن سويد بن نصر به.
(١) ((فتح)) ج٢ ص ٤٤١ .

١٨ - (بَأَبُ الْبُكَاءِ في الصَّلاَةِ) - حديث رقم ١٢١٤
٢٣١ =
وأخرجه (أحمد) ٢٥/٤ و٢٦/٤ (وعبدبن حميد) رقم - ٥١٤ (وابن خزيمة) ٩٠٠.
واللَّه - تَعَالَى - أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف، وهو جواز البكاء في الصلاة. وأنه لا يبطلها .
ومنها: ما كان عليه النبي ◌َّر من شدة الخوف والبكاء مع أن اللَّه - تَعَالَى - قد غفر
له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
ومنها: أنه ينبغي للمسلم أن يكون دائم الخوف من الله - تَعَالَى - حتى في الصلاة
التي هي من أعظم القربات، فإنها إنما تنفع إذا كانت بالخشوع والخوف من الله
سبحانه، قال الله - تَعَالَى -: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ﴾ [المؤمنون:
الآيتان: ١، ٢]. واللَّه - تَعَالَى - أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في حكم البكاء في الصلاة:
ذهبت الحنفية إلى أن البكاء غير مبطل للصلاة إذا كان من خشية الله - تَعَالَى -، أو
لذكر الجنة والنار، قالوا: لأنه يدل على زيادة الخشوع، وهو المقصود في الصلاة،
فكان بمنزلة التسبيح والدعاء، واستدلوا بحديث الباب، فإن كان البكاء لغير ذلك، كأن
كان لِوَجَع، أو مصيبة بطلت الصلاة، لأن فيه إظهار الأسف والجزع، فكأنه قال:
أعينوني، فإني متوجع، والأنين والتأوه كالبكاء عندهم. وعن أبي يوسف أن هذا
التفصيل إذا كان البكاء على أكثر من حرفين، أو حرفين أصليين، أما إذا كان على
حرفين من حروف الزيادة، أو أحدهما من حروف الزيادة والآخر أصلي، فلا تفسد.
وذهبت المالكية إلى أن البكاء لخوف اللَّه والدار الآخرة غير مبطل للصلاة، ولو
بصوت وإن كان لغير ذلك، فإن كان بلا صوت فيغتفر، وإن كان بصوت فكالكلام، فإن
كان عمدا أبطل قليله وكثيره، وإن كان سهوا أبطل كثيره دون يسيره.
وذهبت الشافعية إلى أنه إن ظهر من البكاء حرفان فمبطل مطلقًا، سواء كان لخشية
اللَّه - تَعَالَى - أم لا.
وذهبت الحنابلة إلى أنه إن كان لخشية الله - تَعَالَى - فغير مبطل، ظهر منه حرفان أم
لا، وإن كان لغيره، فإن ظهر منه حرفان أبطل ما لم يكن غلبة، وإلا فلا (١).
قال أبو بكر ابن المنذر رحمه اللَّه: البكاء في الصلاة مباح يدلّ على إباحته غير خبر
عن رسول اللَّه ◌َّر، ومن ذلك حديث علي رَّ، المذكور في الباب، وحديثه: ((ما
(١) انظر ((المنهل)) ج٥ ص ٣٥٣ - ٣٥٤.

٢٣٢
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو
كان فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا، وما فينا إلا نائم، إلا رسول اللَّه وَلاله تحت
شجرة يصلي، ويبكي حتى أصبح)). راه أحمد وابن خزيمة في ((صحيحه)).
وحديث عائشة في قصة أبي بكر بمكة قبل الهجرة، قالت: ((وكان أبو بكر رجلا بكّاء
لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن)). وهو في ((صحيح البخاري)).
وعن عبدالله بن شداد، قال: سمعت نشيج عمر، وأنا في آخر الصفوف في الصلاة،
وهو يقول: ﴿إِنَّمَا أَشْكُواْ بَنِّى وَحُزْنِ إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف، آية: ٨٦] علقه البخاري في
((الصحيح))، ووصله سعيد بن منصور في ((سننه)).
والنشيج: صوت معه ترجيع كما يرد الصبي بكاءه في صدره، وقيل، هو أشد
البكاء .
وعن عبيد بن عمير، قال: صلى بنا عمر بن الخطاب صلاة الصبح، فافتتح سورة
يوسف، فقرأها حتى بلغ: ﴿وَأَضَتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ الآية [يوسف:
٨٤] بكى حتى انقطع، فركع. انتهى كلام ابن المنذر بتصرف(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الإمام ابن المنذر رحمه الله - تَعَالَى - من
كون البكاء في الصلاة مباحًا هو الراجح عندي.
وحاصله أن البكاء في الصلاة لا يبطلها، قليلًا كان أو كثيرًا، ظهر منه حرفان، أم
لا؛ للأحاديث المذكورة، ولحديث عائشة تعيشها في قصة إمامة أبي بكر ◌َظنّه: ((إن أبا
بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء)) ... الحديث. ولأن اللَّه - تَعَالَى -
مدح البكائين في كتابه، فقال: ﴿وَيَخِزُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء، الآيات: ١٠٧ -
١٠٩] الآية. وقال: ﴿إِذَا نُثْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُ الرَّحْمَنِ خَرُّواْ سُجَّدًا وَبِّكِيًّا﴾ [مريم، الآية: ٥٨]،
وأفضل أركان الصلاة تلاوة القرآن، ولذلك قال النبي وَلير: ((أفضل الصلاة طول
القنوت)). أي القيام. فالبكاء في تلاوة القرآن مطلوب في الصلاة وخارجها، فلو كان
مبطلا لها لبينه النبي وَّر، بل ثبت عنه ما يقرره، فكان يبكي في صلاته، كما بينته
أحاديث الباب. واللَّه - تَعَالَى - أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)).
(١) ((الأوسط)) ج ٣ ص ٢٥٦ - ٢٥٧ .

١٩ - (بابُ لَعْنِ إِبْلِيسَ، وَالتَّعَوُّدِ بِاللَّهِ ... - حديث رقم ١٢١٥
٢٣٣ _
١٩- (بَابُ لَعْنِ إِبْلِيسَ، وَالتَّعَوُّذِ
بِاللَّهِ مِنْهُ فِي الصَّلَاةِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز لعن إبليس، وجواز التعوذ منه في
الصلاة .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((اللعن)): مصدر لَعَنَه. يقال: لعنه لعنًا من باب نَفَعَ:
طرده، وأبعده، أو سَبَّه، فهو لعين، وملعون. قاله في ((المصباح)).
وإضافة ((لعن)) إلى ما بعده من إضافة المصدر إلى مفعوله.
و((إبليس)) - بكسر الهمزة - اسم أعجمي، ولهذا لم ينصرف، للعجمية والعلمية،
وقيل: عربي مشتق من الإبلاس، وهو اليأس، ورُدَّ بأنه لو كان عربيًا لانصرف، كما
ينصرف نظائره، نحو إجفيل، وإخريط. قاله في ((المصباح)) أيضًا. والله تعالى أعلم
بالصواب.
١٢١٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَن بْنُ وَهْبٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي
رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِي إِذْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي الدُّرْدَاءِ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ بِالهَ سَّمِعْنَاهُ
يَقُولُ: ((أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ))، ثُمَّ قَالَ: ((أَلْعَتُكَ بِلَّغْنَة اللَّهِ))، ثَلَاثًا، وَبَسَطَ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ
شَيْئًا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا لَمْ
نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ؟ قَالَ: ((إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ
نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي فَقُلْتُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قُلْتُ أَلْعَنْكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ
فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ أَرَدْتُ أَنْ آخُذَهُ وَاللَّهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مُوثَقًا
يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ)) ).
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (محمد بن سلمة) المرادي المصري، تقدم قبل بابين :
٢- (ابن وهب) عبدالله المصري تقدم قبل بابين أيضًا.
٣- (معاوية بن صالح) بن حُدَير الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس، صدوق له
أوهام [٧] تقدم ٥٠/ ٦٢ .
٤- (ربيعة بن يزيد) الدمشقي، أبو شعيب الإيادي القصير، ثقة عابد [٤] تقدم
١٤٨/١٠٩ .
٥ - (أبو إدريس الخولاني) عائذ اللّه بن عبدالله، ولد في حياة النبي ◌ُّ يوم حنين، وسمع

٢٣٤
E
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو
من كبار الصحابة، وكان عالم الشام بعد أبي الدرداء، ومات سنة (٨٠) [٢] تقدم ٧٢ /٨٨.
٦- (أبو الدرداء) عُوَيمر بن زيد بن قيس، وقيل: غيره الصحابي الشهير رَّه ، تقدم
٤٨ /٨٤٨ والله - تَعَالَى - أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله - تَعَالَى -.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له
البخاري، والترمذي، وإلا معاوية بن صالح، فما أخرج له البخاري.
ومنها: أنه مسلسل بالشاميين، إلا شيخه، وابن وهب، فمصريان.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي. واللَّه - تَعَالَى - أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي الدرداء) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أنه (قال: قام رسول اللّه ◌ِ له يصلي) أي
حال كونه مصليًا (فسمعناه) وفي نسخة ((سمعناه)) (يقول: أعوذ بالله منك) أي أعتصم،
وأتحصن من شرك بالله الذي بيده ناصية كل شيء (ثم قال: ألعنك بلعنة اللَّه) أي أدعو
عليك بأن يطردك الله من رحمته، ويبعدك من خيراته (ثلاثًا) أي قال ذلك ثلاث مرات
(وبسط يده) أي مدّ ◌َليو يده الشريفة (كأنه يتناول شيئًا) أي كأنه يتعاطى شيئًا أمامه (فلما
فرغ من الصلاة) أي انتهى من صلاته، وسلم منها (قلنا) أي قال الصحابة الحاضرون
تلك الصلاة، والسامعون ما قاله النبي ◌َّر، والمشاهدون ما فعله من الأمر الغريب (يا
رسول اللَّه قد سمعناك تقول في الصلاة شيئًا) من القول الغريب الذي (لم نسمعك تقوله
قبل ذلك) الوقت (ورأيناك بسطت يدك) الجملة في محل نصب على الحال من
المفعول، لأن ((رأى)) هنا بصرية لا تتعدى إلا إلى مفعول واحد، أي أبصرناك حال
كونك باسطا يدك كأنك تتناول شيئًا (قال) وَلّ (إن عدو اللَّه إبليس) بالنصب بدل من
((عدو اللَّه))، وتقدم في أول الباب هل هو عجمي، أو عربي (جاء بشهاب) بكسر الشين
المعجمة: شُعْلَةُ نار ساطعة، والجمع شُهُبّ وأَشْهَبُ - بفتح الهمزة والهاء -، قال ابن
منظور: وأظنه - أي الأخير - اسما لِلْجَمْع، قال: [من الطويل].
تُرِكُنَا وَخَلَّى ذُو الْهَوَادَةِ بَيْنَنَا بِأَشْهَبٍ نَارِينَا لَدَى الْقَوْمِ نَرْتَمِي
وفي التنزيل العزيز: ﴿أَوْ ءَاتِيَكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل، الآية: ٧]. قال الفرّاء: نَوّن
عاصم والأعمش فيها، قال: وأضافه أهل المدينة ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾، قال: وهذا من إضافة
الشيء إلى نفسه، كما قالوا: حبَّةُ الخضراء، ومسجد الجامع، يضاف الشيء إلى نفسه،

١٩- (بَأَبُ لَعْن إِبْلِيسَ، وَالتَّعَوُّذِ بِاللَّهِ ... - حديث رقم ١٢١٥
٢٣٥
ويضاف أوائلها إلى ثوانيها، وهي هي في المعنى، ومنه قوله - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ
حَقُّ الْقِيِنِ﴾ [الواقعة، الآية: ٩٥]. وروى الأزهري عن ابن السكِّيت، قال: الشهاب:
العُودُ الذي فيه نار، قال: وقال أبو الهيثم: الشهاب أصل خشبة، أو عود فيها نار
ساطعة. قاله في ((لسان العرب)).
(من نار) جار ومجرور متعلق بصفة (شهاب))، أي كائن من نار. وهو من الصفة
الكاشفة، لأن الشهاب هي شُعْلَة نار، كما تقدم آنفًا في عبارة ((اللسان)).
(ليجعله في وجهي) أي ليجعل ذلك الشهاب في وجهه وَ لّ حتى يحرقه به (فقلت:
أعوذ بالله منك ثلاثًا) أي قلت: هذا الدعاء ثلاث مرات تحصنا باللّه - تَعَالَى - الذي قال
له: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [سورة الإسراء، آية:
٦٥] (ثم قلت: ألعنك بلعنة الله) ولفظ مسلم: ((بلعنة اللَّه التامّة)). قال القاضي عياض
رحمه اللَّه: يحتمل تسميتها تامّةً، أي لا نقص فيها، ويحتمل الواجبة له المستحقة
عليه، أو الموجبة عليه العذاب سرمدا .
قال: وقوله ◌َّ: ((أَلْعَنُكَ بلعنة اللَّه))، و((أعوذ بالله منك)) دليل جواز الدعاء لغيره،
وعلى غيره بصيغة المخاطبة في الصلاة، خلافًا لابن شعبان من أصحاب مالك في
قوله: إن الصلاة تبطل بذلك.
قال النووي رحمه اللَّه - تَعَالَى -: وكذا قال أصحابنا: تبطل الصلاة بالدعاء لغيره
بصيغة المخاطبة، كقوله للعاطس ((رحمك الله)) أو ((يرحمك الله))، ولمن يسلم عليه
((وعليك السلام))، وأشباهه، والأحاديث السابقة في السلام على المصلي تؤيد ما قاله
أصحابنا، فيتأول هذا الحديث، أو يحمل على أنه كان قبل تحريم الكلام في الصلاة، أو
غير ذلك. انتهى(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن هذا الدعاء على إبليس بالخطاب خاص،
فيقتصر عليه، فيكون مخصوصًا من عموم النهي عن الدعاء بالخطاب كالسلام،
وتشميت العاطس، وأما حمله على أنه كان قبل تحريم الكلام فغير صحيح؛ لعدم العلم
بالتاريخ، واللّه - تَعَالَى - أعلم بالصواب.
(فلم يستأخر) وفي نسخة ((فلم يتأخر)). أي لم يتأخر عن ما أراده، بل تمادى عليه
(ثلاث مرات) الظاهر أنه ظرف لقوله: ((قلت: ألعنك بلعنة اللَّه))، أي قلت: هذا الدعاء
ثلاث مرّات (ثم أردت أن آخذه) يعني أنه لما تمادى على غيّه، ولم يتراجع أراد ◌َّ أن
(١) (شرح صحيح مسلم)) ج٥ ص ٣٠ .

٢٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْو
یمکسه، ويعاقبه.
وفيه أن اللَّه - تَعَالَى - أقدره على ذلك، وأمكنه منه، ويؤيد ذلك ما حديث أبي
هريرة ◌َّيه عند الشيخين وغيرهما: قال رسول اللَّه وَّل: ((إن عفريتا من الجنّ جعل
يَفْتكُ عليّ البارحةَ ليقطع عليّ الصلاةَ، وإن اللَّه أمكنني منه، فَذَعَتُهُ، فَلقد هممت أن
أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا تنظرون إليه أجمعون - أو
كلكم - ثم ذكرت أخي سليمان: ﴿رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكَا لَّا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىٌّ﴾
[ص، آية: ٣٥]، فرده اللَّه خاسًا)). لفظ مسلم.
وقوله: ((فذعته)) بالذال المعجمة: أي خنقته. وفي رواية ((فدعته)) بالدال المهملة:
أي دفعته دفعًا شديدًا.
وكتب السندي على قوله: ((ثم أردت أن آخذه)): ما نصه: لا يلزم منه أنّ أخذه وربطه
غير مفسد، لجواز أن يكون مفسدا، ويحمل له ذلك لضرورة، أو بلا ضرورة، نعم يلزم
أن تكون إرادته غير مفسدة، فليفهم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: في قول السندي هذا نظر لا يخفى، فمن أين له أن
أخذه، وربطه يفسد الصلاة؟، والنص الذي معنا يدلّ على عدم الفساد، وهل يريد وَله.
أن يفعل في الصلاة ما يفسدها، ثم لا يبينه للناس؟ بل يعلل تركه لأخذه وربطه بما ذكره
من قصة سليمان عليه السلام، إن هذا فهم بعيد عن الصواب، فتأمله بإنصاف، ولا
تتحير باعتساف، واللَّه - تَعَالَى - الهادي إلى سواء السبيل.
(والله) فيه جواز الحلف من غير استحلاف، لتفخيم ما يخبر به الإنسان، وتعظيمه،
والمبالغة في صحته وصدقه، وقد كثرت الأحاديث بمثل هذا. قاله النووي رحمه الله -
تَعَالَى -(١).
(لولا دعوة أخينا سليمان) عليه الصلاة والسلام بقوله: ﴿رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكًا لَّا
يَتْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىٌّ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ الآية [ص: ٣٥].
قال القاضي عياض رحمه الله: معناه أنه مختص بهذا، فامتنع نبينا وَ ل من ربطه، إما
لأنه لم يقدر عليه لذلك، وإما لكونه لمّا تذكر ذلك لم يتعاط ذلك لظنه أنه لم يقدر
عليه، أو تواضعًا وتأدبًا انتهى (٢) ...
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: تركه تواضعًا وتأدبًا هو الظاهر. والله - تَعَالَى -
أعلم .
(١) ((شرح مسلم)) ج٥ ص ٣١ .
(٢) ((شرح مسلم)) ج٥ ص ٢٩ .

١٩ - (بَأَبُ لَعْن إِيلِيسَ، وَالتَّعَوُّدِ بِاللَّهِ ... - حديث رقم ١٢١٥
٢٣٧ ====
وقال السندي رحمه الله - تَعَالَى -: والمراد لولا توهم عدم استجابة هذه الدعوة
لأخذته، لا أنه بالأخذ يلزم عدم استجابتها، إذ لا يبطل اختصاص تمام الملك لسليمان
بهذا القدر. فليتأمل. واللَّه - تَعَالَى -. انتهى(١).
(لأصبح موثقًا) أي مربوطا.
والظاهر أن هذه الواقعة كانت بالليل، فلذلك قال: ((لأصبح))، ويحتمل أن تكون
((أصبح)) بمعنى ((صار))، أي لصار ((موثقًا)).
(بها) هكذا وقع زيادة لفظة (بها)) في رواية المصنف في ((المجتبى))، وليست في
((الكبرى))، ولا في ((صحيح مسلم))، والذي يظهر أن الضمير للمدينة بدلالة ما بعده،
أي لأصبح مربوطا بالمدينة.
(يلعب به ولدان أهل المدينة) ((الولدان)) بكسر فسكون جمع ولد: الصبيان، والجملة
حال من ضمير ((أصبح)). والله - تَعَالَى - أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث :
المسألة الأولى: في درجته :
حديث أبي الدرداء - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثالثة: في بیان مواضع ذكر المصنف له : .
أخرجه هنا - ١٢١٥/١٩ - وفي ((الكبرى)) - ١١٣٨/٥٤ - عن محمد بن سلمة،
عن ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني،
عنه. والله - تَعَالَى - أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) ٢/ ٧٢ - عن محمد بن سلمة المرادي، عن ابن وهب به .
وأخرجه (ابن خزيمة) رقم ٨٩١ . والله - تَعَالَى - أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوب له المصنف رحمه الله - تَعَالَى -، وهو جواز لعن إبليس، والتعوذ
منه في الصلاة .
ومنها: ما قاله الخطابي رحمه اللَّه - تَعَالَى -: فيه دليل على أن رؤية الجن غير
مستحيلة، والجن أجسام لطيفة، والجسم، وإن لطف، فَدَزكه غير ممتنع أصلاً، وأما
(١) ((شرح السندي)) ج ٣ ص ٥٨٦ .

٢٣٨
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو
قوله - تَعَالَى -: ﴿إِنَّهُ يَرَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا نَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف، آية: ٢٧]، فإن
ذلك حكم الأعم الأغلب من أحوال بني آدم، امتحنهم اللَّه بذلك، وابتلاهم، ليفزعوا
إليه، ويستعيذوا به من شرهم، ويطلبون الأمان من غائلتهم، ولا يُنكَر أن يكون حكم
الخاص والنادر من المصطفَين من عباده بخلاف ذلك.
وقال الكرماني رحمه الله - تَعَالَى -: لا حاجة إلى هذا التأويل، إذ ليس في الآية ما
ينفي رؤيتنا إياهم مطلقًا، إذ المستفاد منها أن رؤيته إيانا مقيدة من هذه الحيثية، فلا
نراهم في زمان رؤيتهم لنا قط، ويجوز رؤيتنا لهم في غير ذلك الوقت.
ومنها: أنه يدل على أن الجن ليسوا باقين على عنصرهم الناري، لأنه ◌َّر قال: ((إن
عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعهله في وجهي)). ولو كانوا باقين على عنصرهم
الناري، وأنهم نار محرقة لما احتاجوا إلى أن يأتي الشيطان بشعلة من نار، ولكانت يده،
أو شيء من أعضائه إذا مس ابن آدم أحرقه، كما تحرق النار الحقيقية الآدمي بمجرد
اللمس، فدلّ على أن تلك النارية انغمرت في سائر العناصر حتى صار إلى البرد، ويؤيد
ذلك قوله اَ لر: ((حتى وجدت برد لسانه على يدي))، وفي رواية ((برد لعابه)).
ومنها: ما قيل: إن أصحاب سليمان عليه الصلاة والسلام كانوا يرون الجن، وهو
من دلائل نبوته، ولو لا مشاهدتهم إياهم لم تكن تقوم الحجة له لمكانته عليهم.
ومنها: ما قاله ابن بطال رحمه اللّه في حديث أبي هريرة تظنّه الذي تقدم: إن رؤيته
وَثر للعفريت هو مما خص به، كما خص برؤية الملائكة، وقد أخبر أن جبريل عليه
السلام له ستمائة جناح، ورأى النبي ◌َلّ الشيطان في هذه الليلة، وأقدره اللَّه عليه
لتجسمه، لأن الأجسام ممكن القدرة عليها، ولكنه ألقي في رُوعه ما وُهب سليمانُ عليه
السلام، فلم ينفذ ما قوي عليه من حبسه، رغبةً عما أراد سليمانُ الانفراد به، وحرصا
على إجابة اللَّه - تَعَالَى - دعوته، وأما غير النبي ◌َّ من الناس فلا يُمَكَّنُ منه، ولا يرى
أحد الشيطان على صورته غيره وَّرَ، لقوله - تَعَالَى -: ﴿إِنَّهُ يَرَكُمْ﴾ الآية. لكنه يراه
سائر الناس إذا تشكل، كما تشكل الذي طعنه الأنصاري حين وجده في بيته على صورة
حية، فقتله، فمات الرجل به، فبين النبي وّ ذلك بقوله: ((إن بالمدينة جنا قد أسلموا،
فإذا رأيتم من هذه الهوامّ شيئًا، فآذنوه ثلاثا، فإن بدا لكم فاقتلوه)). رواه الترمذي،
والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) من حديث أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى
عَنْهُ - .
ومنها: مشروعية ربط من يُخشى هروبه بحق، أو دين، والتوثيق منه، لئلا يضيّع
حقوق المسلمين.

١٩ - (بَابُ لَعْن إِبْلِيسَ، وَالتَّعَوُّدِ بِاللَّهِ ... - حديث رقم ١٢١٥
٢٣٩
ومنها: إباحة ربط الأسير في المسجد، لأن إرادته ◌َ ل# ربطه يشمل المسجد وغيره،
بل جاء التصريح في حديث أبي هريرة تَظّه عن الشيخين، ولفظه: ((فأردت أن أربطه
إلى سارية من سواري المسجد)) ... ولهذا بوّب البخاري بقوله: ((باب الأسير والغريم
يُربَط في المسجد)). والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[خاتمة] : - أسأل الله - تَعَالَى - حسنها - في بحث نفيس يتعلق بالجن أختم بها
هذا الباب.
كتب الحافظ رحمه الله - تَعَالَى - في شرحه الحافل الكافل ((فتح الباري)) عند قول
الإمام البخاري رحمه اللَّه - تَعَالَى - [باب ذكر الجن، وثوابهم وعقابهم]: ما نصه:
أشار بهذه الترجمة إلى إثبات وجود الجن، وإلى كونهم مكلفين.
فأما إثبات وجودهم، فقد نقل إمام الحرمين في ((الشامل)) عن كثير من الفلاسفة
والزنادقة والقدرية أنهم أنكروا وجودهم رأسًا، قال: ولا يتعجب ممن أنكر ذلك من غير
المتشرعين، إنما العجب من المتشرعين، مع نصوص القرآن والأخبار المتواترة، قال:
وليس في قضية العقل ما يقدح في إثباتهم، قال: وأكثر ما استروح إليه من نفاهم
حضورهم عند الإنس بحيث لا يرونهم، ولو شاءوا لأبدوا أنفسهم، قال: وإنما يستبعد
ذلك من لم يُحط علما بعجائب المقدورات.
وقال القاضي أبو بكر: وكثير من هؤلاء يثبتون وجودهم، وينفونه الآن، ومنهم من
يثبتهم، وينفي تسلطهم على الإنس. وقال عبدالجبار المعتزلي: الدليل على إثباتهم
السمع دون العقل، إذ لا طريق إلى إثبات أجسام غائبة، لأن الشيء لا يدلّ على غيره
من غير أن يكون بينهما تعلق، ولو كان إثباتهم باضطرار لما وقع الاختلاف فيه، إلا أنا
قد علمنا بالاضطرار أن النبي ◌َّر كان يتدين بإثباتهم، وذلك أشهر من أن يتشاغل
بإيراده .
واختلف في صفتهم، فقال القاضي أبو بكر الباقلاني: قال بعض المعتزلة: الجن
أجسام رقيقة بسيطة، قال: وهذا عندنا غير ممتنع إن ثبت به سمع. وقال أبو يعلى بن
الفرّاء: الجن أجسام مؤلفة، وأشخاص ممثلة، يجوز أن تكون رقيقة، وأن تكون كثيفة،
خلافًا للمعتزلة في دعواهم أنها رقيقة، وأن امتناع رؤيتنا لهم من جهة رقتها، وهو
مردود، فإن الرقة ليست بمانعة عن الرؤية، ويجوز أن يخفى عن رؤيتنا بعض الأجسام
الكثيقة إذا لم يخلق الله فينا إدراكا.
وروى البيهقي في ((مناقب الشافعي)) بإسناد صحيح عن الربيع، سمعت الشافعي
يقول: من زعم أنه يرى الجن أبطلنا شهادته، إلا أن يكون نبيا. انتهى.

٢٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
وهذا محمول على من يَدَّعي رؤيتهم على صورتهم التي خلقوا عليها، وأما من ادّعى
أنه يرى شيئًا منهم بعد أن يتطور على صور شتى من الحيوان، فلا يقدح فيه.
وقد تواردت الأخبار بتطورهم في الصور. واختلف أهل الكلام في ذلك، فقيل: هو
تخييل، فقط، ولا ينتقل أحد عن صورته الأصلية. وقيل: بل ينتقلون، لكن لا
باقتدارهم على ذلك، بل بضرب من الفعل إذا فعله انتقل كالسحر، وهذا قد يرجع إلى
الأَوَّلِ، وفيه أثر عن عمر ◌َّه، أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح: ((إن الغيلان
ذُكرُوا عند عمر، فقال: إن أحدا لا يستطيع أن يتحول عن صورته التي خلقه الله عليها،
ولكن لهم سحرة كسحرتكم، فإذا رأيتم ذلك فأذنوا)).
وإذا ثبت وجودهم فقد اختلف في أصلهم، فقيل: إن أصلهم من ولد إبليس، فمن
كان منهم كافرا سمي شيطانًا، وقيل: إن الشياطين خاصة أولاد إبليس، ومن عداهم
ليسوا من ولده، وحديث ابن عباس(١) يقوي أنهم نوع واحد من أصل واحد، واختلف
صنفه، فمن كان كافرا سمي شيطانًا، وإلا قيل له جنيّ.
وأما كونهم مكلفين، فقال ابن عبدالبرّ: الجن عند الجماعة مكلفون. وقال
عبدالجبار: لا نعلم خلافًا بين أهل النظر في ذلك، إلا ما حكَى زرقان عن بعض
الحشوية أنهم مضطرون إلى أفعالهم، وليسوا بمكلفين، قال: والدليل للجماعة ما في
القرآن من ذم الشياطين، والتحذير من شرهم، وما أعدّ لهم من العذاب، وهذه الخصال
لا تكون إلا لمن خالف الأمر، وارتكب النهي مع تمكنه من أن لا يفعل، والآيات
والأخبار الدّالّة على ذلك كثيرة جدا.
وإذا تقرر كونهم مكلفين، فقد اختلفوا هل كان فيهم نبي منهم، أم لا؟ فروى الطبري
من طريق الضحّاك بن مزاحم إثبات ذلك، قال: ومن قال بقول الضحاك احتج بأن اللَّه
- تَعَالَى - أخبر أن من الجن والإنس رسلا أرسلوا إليهم، فلو جاز أن المراد برسل
الجن رسل الإنس لجاز عکسه، وهو فاسد. انتهى.
وأجاب الجمهور عن ذلك بأن معنى الآية أن رسل الإنس رسل من قبل الله إليهم،
ورسل الجن بثهم اللَّه في الأرض، فسمعوا كلام الرسل من الإنس، وبلغوا قومهم،
ولهذا قال قائلهم: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أُنزِلَ مِنْ بَعْدٍ مُوسَى﴾ الآية [الأحقاف، آية: ٣٠].
واحتج ابن حزم بأنه وَّ قال: ((وكان النبي يبعث إلى قومه))، قال: وليس الجن من
(١) يريد حديث الطويل عند الشيخين وغيرهما ((انطلق رسول اللَّه وَّر في طائفة من أصحابه عامدين
إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء ... )) الحديث ذكره البخاري في
((تفسير سورة الجن)).