Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ ٨٧- (تَرْكُ ذلَكَ) - حديث رقم ١٠٢٦ وغيرهما، والعدد الكثير أولى من واحد، لا سيما وهم مثبتون، وهو ناف، مع أن الجمع بين الروايتين ممكن، وهو أنه لم يره واجبا، ففعله تارة، وتركه أخرى. انتهى كلام الحافظ . وقال الفاضل اللكنوي في تعليقه على ((موطإ محمد)): المشهور في كتب أصول أصحابنا: إن مجاهدا قال: صحبت ابن عمر عشر سنين، فلم أره يرفع يديه إلا مرة، وقالوا: قد روى ابن عمر حديث الرفع عن رسول اللَّه وََّ، وتركه، والصحابي الراوي إذا ترك مرويًا ظاهرا في معناه غير محتمل للتأويل يسقط الاحتجاج بالمروي، وقد روى الطحاوي من حديث أبي بكر بن عياش، عن حصين، عن مجاهد أنه قال: صليت خلف ابن عمر، فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة، ثم قال: فهذا ابن عمر قد رأى النبي ◌َّ يرفع، ثم قد ترك هو الرفعَ بعد النبي ◌َّر، ولا يكون ذلك إلا وقد ثبت عنده نسخه، وههنا أبحاث: (الأول): مطالبة إسناد ما نقلوه عن مجاهد من أنه صحب ابن عمر عشر سنين، ولم يره فيها يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى. (والثاني): المعارضة بخبر طاوس وغيره من الثقات أنهم رأوا ابن عمر يرفع. (والثالث): أن في طريق الطحاوي أبا بكر بن عياش، وهو متكلم فيه، لا توازي روايته رواية غيره من الثقات. قال البيهقي في ((كتاب المعرفة)) بعد ما أخرج حديث مجاهد من طريق ابن عياش: قال البخاري: أبو بكر بن عياش اختلط بآخره، وقد رواه الربيع، وليث، وطاوس، وسالم، ونافع، وأبو الزبير، ومحارب بن دثار، وغيرهم، قالوا: رأينا ابن عمر يرفع يديه إذا كبر، وإذا رفع. ثم ذكر كلام البيهقي إلى آخر ما نقلته فيما تقدم، ثم قال: (فإن قلت) آخذا من شرح ((معاني الآثار)): إنه يجوز أن يكون ابن عمر فعل ما رآه طاوس قبل أن تقوم الحجة بنسخه، ثم لما ثبتت الحجة بنسخه عنده تركه، وفعل ما ذكره مجاهد. (قلتُ): هذا مما لا تقوم به الحجة، فإن لقائل أن يعارض، ويقول: يجوز أن يكون فعل ابن عمر ما رواه مجاهد قبل أن تقوم الحجة بلزوم الرفع، ثم لما ثبت عنده التزم الرفع. على أن احتمال النسخ احتمال من غير دليل، فلا يسمع. [فإن قال قائل]: الدليل هو خلاف الراوي مرويه. [قلنا]: لا يوجب ذلك النسخ، كما مر. (والرابع): وهو أحسنها أنا سلمنا ثبوت الترك عن ابن عمر، لكن يجوز أن يكون ۔۔ ٦٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ تركه لبيان الجواز، أو لعدم رؤية الرفع سنة لا زمة، فلا يقدح ذلك في ثبوت الرفع عنه، وعن رسول اللَّه ◌َله . (والخامس): أن ترك الراوي مرويه إنما يكون مسقطا للاحتجاج عند الحنفية إذا كان خلافه بيقين، كما هو مصرح في كتبهم، وههنا ليس كذلك، لجواز أن يكون الرفع الثابت عن رسول اللَّه ◌َ ل حمله ابن عمر على العزيمة، وترك أحيانا بيانا للرخصة، فليس تركه خلافا لروايته بيقين. انتهى ما في (التعليق الممجد))(١). واستدلوا أيضا بحديث جابر بن سمرة تَوَّها، قال: خرج علينا رسول اللّه وَه فقال: ((ما لي أراكم رافعي أيديكم، كأنها أذناب خيل شُمْس، اسكنوا في الصلاة)). رواه مسلم . والجواب أنه لا دليل فيه على منع الرفع على الهيئة المخصوصة في المواضع المخصوصة، وهو الركوع، والرفع منه، لأنه مختصر من حديث طويل، وبيان ذلك أن مسلما رواه أيضا من حديث جابر بن سمرة، قال: كنا إذا صلينا مع النبي وَلّ قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيديه إلى الجانبين، فقال لنا النبي ◌َّ: ((على مَ تُومِنُون بأيديكم، كأنها أذناب خيل شمس؟ إنما كان يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه من عن يمينه، ومن عن شماله)). وفي رواية: ((إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه، ولا يومي بيديه)). وقال ابن حبان: ((ذكر الخبر المتقصي للقصة المختصرة المتقدمة بأن القوم إنما أمروا بالسكون في الصلاة عند الإشارة بالتسليم دون الرفع الثابت عند الركوع»، ثم رواه كنحو رواية مسلم. قال البخاري من احتج بحديث جابر بن سمرة على منع الرفع عند الركوع، فليس له حظ من العلم، هذا مشهور، لا خلاف فيه أنه إنما كان في حال التشهد. كذا في ((التلخيص الحبير))(٢). وقال الزيلعي في ((نصب الراية)) بعد ذكر حديث جابر بن سمرة المختصر المذكور: ما ملخصه: واعترضه البخاري في كتابه الذي وضعه في رفع اليدين، فقال: وأما احتجاج بعض من لا يعلم بحديث تميم بن طَرَفَة، عن جابر بن سمرة، فذكر حديثه المختصر، وقال: وهذا إنما كان في التشهد، لا في القيام، ففسره رواية عبدالله بن القبطية، قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: كنا إذا صلينا خلف النبي وَّ، وذكر حديثه الطويل المذكور، ثم قال البخاري، ولو كان كما ذهبوا إليه لكان الرفع في تكبيرات العيد أيضا منهيا عنه، لأنه لم يستثن رفعا دون رفع، بل أطلق. انتهى. (١) راجع ((التعليق الممجد على موطأ محمد)) جـ ١ ٣٨٢-٣٩٩. (٢) جـ١ ص ٢٢١ . ٦٣ = ٨٧- (تَرْكُ ذلَكَ) - حديث رقم ١٠٢٦ قال الزيلعي: ولقائل أن يقول: إنهما حديثان، لا يفسر أحدهما بالآخر، كما جاء في لفظ الحديث الأول: ((اسكنوا في الصلاة))، والذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال له: اسكن في الصلاة، إنما يقال ذلك لمن يرفع يديه في أثناء الصلاة، وهو حالة الركوع، والسجود، ونحو ذلك، هذا هو الظاهر، والراوي روى هذا في وقت، كما شاهده، وروى الآخر في وقت آخر، كما شاهده، وليس في ذلك بُعْدٌ. انتهى (١). قال المباركفوري: لم يُجِب الزيلعي عن قول البخاري: ولو كان كما ذهبوا إليه لكان الرفع في تكبيرات العيد أيضا منهيا عنه. فما هو جوابه عنه، فهو جوابنا عن الرفع عند الركوع، والرفع منه . وأما قوله: والذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال له: اسكن في الصلاة، فهو ممنوع، بل الذي يرفع يديه قبل الفراغ، والانصراف من الصلاة، وإن كان حال التسليم الأول والثاني يقال له: اسكن في الصلاة، فإن الفراغ والانصراف منها إنما يكون بالفراغ من التسليم الثاني، فما لم يفرغ من التسليم الثاني هو في الصلاة. انتهى المقصود من كلام المباركفوري رحمه اللَّه تعالى. (٢) قال العلامة اللكنوي ◌َحْذَلهُ عند قول محمد بن الحسن: ((وفي ذلك آثار كثيرة)). أي في عدم رفع اليدين إلا مرة آثار كثيرة عن جماعة من الصحابة: منهم: ابن عمر، وعلي، وابن مسعود، وقد تقدم الكلام على أثرهم. ومنهم: أبو سعيد الخدري، أخرج البيهقي عن سؤّار بن مصعب، عن عطية العوفي أن أبا سعيد الخدري، وابن عمر *** كانا يرفعان أيديهما أولّ ما يكبران، ثم لا يعودان، وأعله البيهقي بأن عطية سيء الحال، وسوّار أسوأ منه. قال البخاري: سوار منكر الحديث. وعن ابن معين: غیر محتج به. ويخالف هذا الأثر ما أخرجه البيهقي عن ليث، عن عطاء، قال: رأيت جابر بن عبدالله، وابن عمر، وأبا سعيد، وابن عباس، وابن الزبير، وأبا هريرة * *، يرفعون أيديهم إذا افتتحوا الصلاة، وإذا ركعوا، وإذا رفعوا. وفيه ليث ابن أبي سليم مختلف فيه . وأخرج أيضا عن سعيد بن المسيب، قال: رأيت عمر يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع. وفي سنده من استُضعف. ومنهم: عبدالله بن الزبير، كما حكاه صاحب ((النهاية)) وغيره من شراح (الهداية)) أنه (١) ج١ ص ٣٩٣. (٢) راجع ((تحفة الأحوذي)) جـ ٢ ص ١٠٤ - ١١٣ . سـ ٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ رأى رجلا يرفع يديه في الصلاة عند الركوع، وعند الرفع منه، فقال له: لا تفعل، فإن هذا شيء فعله رسول اللّه وَ ل ثم تركه، لكن هذا الأثر لم يجده المخرجون مسندا في كتب الحديث، مع أنه أخرج البخاري في رسالة (( رفع اليدين)) عن عبدالله بن الزبير أنه كان يرفع يديه عند الخفض والرفع، وكذا أخرجه عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي سعيد، وجابر، وأبي هريرة، وأنس *** أنهم كانوا يرفعون أيديهم. وأخرج البيهقي عن الحسين، قال: سألت طاوسًا عن رفع اليدين في الصلاة؟ فقال: رأيت عبدالله بن عباس، وابنَ الزبير، وابنَ عمر يرفعون أيديهم إذا افتتحوا الصلاة، وإذا ركعوا، وإذا سجدوا. وأخرج أيضا عن عبدالرزاق، قال: ما رأيت أحسن صلاة من ابن جريج، رأيته يرفع يديه إذا افتتح، وإذا ركع، وإذا رفع، وأخذ ابن جريج صلاته عن عطاء بن أبي رباح، وأخذ عطاء، عن عبدالله بن الزبير، وأخذ ابن الزبير، عن أبي بكر الصديق تَّه. ومنهم: ابن عباس حكى عنه بعض أصحابنا -يعني الحنفية- أنه قال: كان رسول اللَّه وَ له يرفع يديه كلما ركع، وكلما رفع، ثم صار إلى افتتاح الصلاة، وترك ما سوى ذلك. لكنه أثر لم يثبته المحدثون، والثابت عندهم خلافه. قال ابن الجوزي في ((التحقيق)) بعد ذكر ما حكاه أصحابنا، عن ابن عباس، وابن الزبير: هذان الحديثان لا يعرفان أصلا، وإنما المحفوظ عنهما خلاف ذلك، فقد أخرج أبو داود عن ميمون أنه رأى ابن الزبير يشير بكفيه حين يقوم، وحين يركع، وحين يسجد، وحين ينهض للقيام، فانطلقت إلى ابن عباس، فقلت: إني رأيت ابن الزبير صلى صلاة لم أر أحدا يصليها، فوصفت له، فقال: إن أحببت أن تنظر إلى صلاة رسول اللّه وَ لّ فاقتد بصلاة عبدالله بن الزبير. انتهى. ورده العيني بأن قوله: لا يعرفان. لا يستلزم عدم معرفة أصحابنا هذا، ودعوى النافي ليست بحجة على المثبت، وأصحابنا أيضا ثقات، لا يرون الاحتجاج بما لم يثبت عندهم صحته. انتهى. قال اللكنوي تَخْذّلهُ: وفيه نظر ظاهر، فإنه ما لم يوجد سند أثر ابن عباس، وابن الزبير في كتاب من كتب الأحاديث المعتبرة كيف يعتبر به بمجرد حسن الظن بالناقلین، مع ثبوت خلافه عنهما بالأسانيد العديدة. ومنهم: أبو بكر الصديق وظثم أخرجه الدارقطني، وابن عدي عن محمد بن جابر، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله، قال: صليت مع رسول اللّه وَ لّه، وأبي بكر، وعمر، فلم يرفعوا أيديهم إلا عند استفتاح الصلاة. وفيه ٦٥ ٨٧- (تَرْكُ ذلَكَ) - حديث رقم ١٠٢٦ محمد بن جابر، متكلم فيه، ويخالفه ما أخرجه أبو داود عن ميمون، كما مر نقلا عن ((التحقيق)) . ومنهم: العشرة المبشرون *ثه، كما حكى بعض أصحابنا، عن ابن عباس أنه قال: لم يكن العشرة المبشرون *** يرفعون أيديهم إلا عند الافتتاح. ذكره الشيخ عبدالحق الدهلوي في ((شرح سفر السعادة))، ولا عبرة بهذا الأثر ما لم يوجد سنده عند مهرة الفن، مع ثبوت خلافه في كتب الحديث. ثم ذكر حديث ابن مسعود الذي أخرجه النسائي في الباب، وحديث البراء الذي أخرجه أبو داود، وقد تقدم، ثم قال: وأخرج البيهقي من حديث ابن عمر، وعباد بن الزبير مثله، قال: وللمحدثين على طرق هذه الأخبار كلمات تدل على عدم صحتها، لكن لا يخفى على الماهر أن طرق حديث ابن مسعود تبلغ درجة الحسن. والقدر المتحقق في هذا الباب هو ثبوت الرفع، وتركِهِ كليهما عن رسول اللَّه وَلَه إلا أن رواة الرفع من الصحابة جم غَفِير، ورواة التّرك جماعة قليلة، مع عدم صحة الطرق عنهم إلا عن ابن مسعود، وكذلك ثبت الترك عن ابن مسعود، وأصحابه بأسانيد محتجة بها، فإذن نختار أن الرفع ليس بسنة مؤكدة يلام تاركها إلا أن ثبوته عن النبي وَل أكثر وأرجح. وأما دعوى نسخه كما صدر عن الطحاوي، مغترًّا بحسن الظن بالصحابة التاركين، وابن الهمام والعيني، وغيرهم من أصحابنا، فليست بمبرهن عليها بما يشفي العليل، ويُروي الغليل. انتهى كلام الفاضل اللكنوي رحمه اللَّه تعالى(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قرره الفاضل اللكنوي نَخّْلهُ مع تعصب كثير ممن له قدم في الحديث، كالطحاوي، وابن الهمام، والعيني إنصاف منه رَخّْلهُ ، وإعطاء لكل ذي حق حقه، فجزاه الله عن السنة خير الجزاء. وهكذا يجب على من فُتح له شيء من العلم أن ينصر السنة مهما أداه ذلك إلى مخالفة من هو أحب الناس إليه، لأن السنة أعلى من رأي كل ذي مذهب، وأحق بالتبع من أثر كل مَن ذَهَب . غير أن قوله: والقدر المحقق في هذا الباب هو ثبوت الرفع وتركه عن رسول اللَّه ◌ِ ليه فيه نظر، إذ الذي لا شك في ثبوته هو الرفع فقط، وأما الترك، فمحل شك، ولا سيما، وقد اعترف هو بضعفها، غير حديث ابن مسعود رَّيه ، وقد تقدم بيان ما قاله الأئمة الحفاظ، أئمة هذا الشأن في حديث ابن مسعود ◌َظّه من الضعف. (١) ((التعليق الممجد)) ج١ ص ٣٨٥-٣٨٨. - ٦٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاقْتِتَاحِ والحاصل أن رفع اليدين في المواضع الثلاثة، قد صح من غير شك بالأحاديث الصحاح المرفوعة، والآثار الثابتة الموقوفة، وسيأتي أيضا ثبوت الرفع أيضا في القيام من التشهد الأول، وكذا تصحيح حديث الرفع عند الرفع من السجود في بابه، إن شاء الله تعالی. وأما أدلة عدم الرفع ، فلا يصح شيء منها، غير حديث ابن مسعود المذكور في الباب، فقد حسنه بعضهم، وصححه بعضهم، وضعفه جمهور أهل الحديث، وهو الراجح، كما تقدم تحقيق هذا كله، وعلى تقدير ثبوته فيحمل على بيان الجواز؛ جمعًا بين الأدلّة. والله تعالى أعلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ورَوَى رَفْعَ اليدين عنه في هذه المواطن الثلاثة نحوّ من ثلاثين نفسا، واتفق على روايتها العشرةُ، ولم يثبت عنه خلاف ذلك البتة، بل كان ذلك هديَه دائما إلى أن فارق الدنيا، ولم يصح عنه حديث البراء: (( ثم لا يعود))، بل هي من زيادة يزيد بن أبي زياد، فليس ترك ابن مسعود الرفعَ مما يُقَدَّمُ على هديه المعلوم، فقد تُرِكَ من فعل ابن مسعود في الصلاة أشياءُ، ليس مُعَارِضُها مقاربا، ولا مُدانيا للرفع، فقد تُرِك من فعله التطبيقُ، والافتراشُ في السجود، ووقوفه إماما بين الاثنين في وسطهما، دون التقدم عليهما، وصلاته الفرض في البيت بأصحابه بغير أذان، ولا إقامة لأجل تأخير الأمراء، وأين الأحاديث في خلاف ذلك من الأحاديث التي في الرفع كثرةً، وصحةً، وصراحةً، وعملًا؟. وبالله التوفيق. انتهى كلام الإمام ابن القيم رحمه اللَّه تعالى(١). قال الجامع عفا الله عنه: إنما أطلت الكلام في هذا المحل لبيان أن حجج القائلين بعدم الرفع غيرُ صالحة للتمسك بها، والاعتماد عليها، وللكشف عن محاولة بعض من انتسب إلى الحديث، كالطحاوي، وابن الهمام، والعيني لرد الأحاديث الصحاح التي اتفق على صحتها أئمة السنة، وهُدَاةُ الأمة، بمثل هذه الأحاديث الضعاف، والآثار الواهية، ويبدو على بعضهم التعصب للمذهب، ومن الشر المستطير أن هؤلاء يثق بهم العوام من المقلدين أكثر من وثوقهم بقول البخاري، ومسلم، وأمثالهما، من أهل الحديث . فقد بلغني عن بعض من ينتسب إلى العلم منهم أنه قال: كل حديث لا يعرفه كمال ابن الهمام لا يعتمد عليه، أو كلاما قريبا من هذا المعنى. فإنا لله، وإنا إليه راجعون. (١) ((زاد المعاد في هدى خير العباد)) ج١ ص ٢١٨ - ٢١٩. ٦٧ E ٨٨- (إِقَمَةُ الصُّلْبِ فِي الرَّكُوع) - حديث رقم ١٠٢٧ وبالجملة فالواجب على المسلم الحريص على دينه اتّباع ما صحّ عن رسول الله وَالر، وترك ما لم يصحّ، أو شُكّ في صحّته، ولا سيما إذا عارضه ما هو أقوى، وأصحّ، وأرجح منه، فالخير كلّ الخير في اتباع ما صحّ عنه وَّل، وتقديمه على كلّ قول خالفه، أيا كان المخالف، فهو رَّ الحكم بين الأمة، والمرجع في كلّ مدلهمّة، وضمن الله تعالى الهداية لمن تبعه، والضلال لمن خالفه، قال اللّه وَلّ: ﴿وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾ الآية [النور: ٥٤]، وقال: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِىّ أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]. اللَّهم أرانا الحق حقا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه آمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٨٨- (إِقَامَةُ الصُّلْبِ فِي الرُّكُوع) أي هذا باب ذكر الحديث الدال على وجوب إقامة الصلب في الركوع. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: معنى ((إقامة الصلب)): تعديله، وتسويته. و((الصلب)) - بضم، فسكون، وتضم لامه أيضا للإتباع، وبالتحريك -: عظم من لدن الكاهل إلى العَجْبِ، كالصالِبِ، جمعه أَصْلُبِّ، وأَضْلَاب، وصِلَبَةٌ. قاله في ((القاموس))(١)، و(المصباح))(٢) . ونحوه في ((اللسان))، وقال أيضا: والصُلْب من الظهر، وكل شيء من الظهر فيه فَقَار، فذلك الصُّلْب، والصَّلَب بالتحريك لغة فيه، قال العَجَّاج يصف امرأةً: [من الرجز] رَيَّا الْعِظَامِ فَخْمَةُ الْمُخَدَّمِ فِي صَلَبِ مِثْلِ الْعِنَانِ الْمُؤْدَمِ (١) ص ١٣٥ . طبعة مؤسسة الرسالة. (٢) ص ٣٤٥ . ٦٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاقْتِتَاحِ إِلَى سَوَاءِ قَطَنِ مُؤَكَّم(١) والله تعالى أعلم بالصواب. ١٠٢٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ، لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ فِيهَا صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ))). رجال هذا الإسناد : ستة : ١- (قتيبة) بن سعيد الثقفي، أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ت ٢٤٠ (ع) تقدم ١/١ . ٢- (الفُضَيل) بن عياض بن مسعود التيمي، أبو علي الزاهد المشهور، أصله من خراسان، وسكن مكة، ثقة عابد إمام [٨] ت١٨٧ وقيل: قبلها (خ م د ت س) تقدم ٣٨٨/٢١ . [تنبيه]: وقع في بعض نسخ ((المجتبى)): ((حدثنا الفضل)) بالتكبير، بدل ((الفضيل)) بالتصغير، وهو غلط فاحش، والصواب (الفضيل)) مصغّرًا، كما في ((تحفة الأشراف))٧/ ٣٣٤ . فتنبه، والله تعالى أعلم. ٣- (الأعمش) سليمان بن مِهْران الكاهلي مولاهم، أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت يدلس [٥] ت١٤٧ (ع) تقدم١٨/١٧. ٤- (عُمَارة بن عُمَير) التيمي، كوفي ثبت [٤] ت بعد المائة، وقيل)) قبلها بسنتين (ع) تقدم ٦٠٨/٤٩ . ٥ - (أبو مَعْمَر) عبدالله بن سَخْبَرَة الأزدي الكوفي، ثقة [٢] ت في إمارة عبيدالله بن زياد (ع) تقدم ٢٣ /٨٠٧ . ٦- (أبو مسعود) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري البدري الصحابي الشهير ـ مات قبل (٤٠) أوبعدها(ع) تقدم ٦ / ٤٩٤. والله تعالى أعلم. الله. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى الفضيل، فما أخرج له ابن ماجه، وأنهم کوفیون، سوى شيخه، فبغلاني، والفضيل، فخراساني، نزيل مكة (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، وعمارة، وأبو معمر. والله سبحانه وتعالى أعلم. (١) ((لسان)) جـ٤ ص ٢٤٧٥ -٢٤٧٦ . ٦٩ ٨٨- (إِقَامَةُ الصُّلْبِ فِي الرَّكُوع) - حديث رقم ١٠٢٧ شرح الحديث (عن أبي مسعود) عقبة بن عمرو الأنصاري البدري وَّه، أنه (قال: قال رسول اللَّه وَله: ((لاتجزىء صلاة) ببناء الفعل للفاعل، و((صلاة)) بالرفع فاعله. وهو من الإجزاء رباعيا، ويحتمل أن يكون من الجزاء، ثلاثيا. أي تكفي، ولا تسقط القضاء. قال الفيومي ◌َّتُهُ : جزى الأمرُ يَجزي، جَزَاءٌ، مثلُ قَضَى يَقضِي قَضاءً وزنا ومعنى، وفي التنزيل: ﴿يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئًا﴾ الآية [البقرة: ٤٨]، وفي الدعاء: ((جزاه الله خيرا))، أي قضاه له، وأثابه عليه، وقد يُستعمل ((أجزأ)» بالألف والهمزِ بمعنى، جَزَى، ونقلهما الأخفش بمعنى واحد، فقال: الثلاثي من غير همز لغة الحجاز، والرباعي المهموز لغة تميم، وجازيته بذَنْبه: عاقبته عليه، وجزيت الدين: قضيته، ومنه قوله وَّ لأبي بُرْدَة بن نِيَار رَّ لما أمره أن يُضَحِّيَ بِجَذَعَة من المَعْزِ: (تَجْزِي عنك، ولن تَجْزِيَ عن أحد بعدك)). قال الأصمعي: أي ولن تقضي، وأجزأت الشاة بالهمز: بمعنى قضت، لغةٌ حكاها ابن القَطَّاع. وأما أجزأ بالألف، والهمز، فبمعنى أغنى. قال الأزهري: والفقهاء يقولون فيه: أجزى من غير همز، ولم أجده لأحد من أئمة اللغة، ولكن إِنْ هُمِزَ أجزأ، فهو بمعنى كَفَى. هذا لفظه. وفيه نظر، لأنه إن أراد امتناع التسهيل، فقد توقف في موضع التوقف، فإن تسهيل همزة الطَّرَفِ في الفعل المزيد، وتسهيلَ الهمزة الساكنة قياسي، فيقال: أرجأتُ الأمرَ، وأرجيته، وأنسأت، وأنسيت، وأخطأت، وأخطيت، وأشطأ الزرعُ: إذا أخرجَ شطأه، وأشطى، وتوضأت، وتوضيت، وأجزأتُ السكينَ: إذا جعلت له نِصَابًا، وأجزيته، وهو كثير، فالفقهاء جرى على ألسنتهم التخفيف. وإن أراد الامتناع من وقوع أجزأ موقع جزى، فقد نقلهما الأخفش لغتين، كيف؟ وقد نص النحاة على أن الفعلين إذا تقارب معناهما جاز وضع أحدهما موضع الآخر، وفي هذا مَقْنَع لو لم يوجد نقل. وأجزأ الشيءُ مَجْزَأَ غيرِهِ: كفى، وأغنى عنه، واجتزأتُ بالشيء: اكتفيتُ. انتهى كلام الفيومي رحمه اللّه تعالى(١). قال الجامع عفا الله عنه: المراد بالإجزاء هنا: الإغناء عن الإعادة مرة ثانية. يعني أن الصلاة التي لم يوجد فيها إقامة الصلب لم تُغْنِ، ولم تَكْفِ عن إعادتها مرة ثانية، لأنها لم تصح. والله تعالى أعلم. (١) ((المصباح)) المنير ص ١٠٠. ٧٠ E شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاقْتِتَاحِ (لا يقيم) أي لا يُعَدِّلُ، ولا يسوِّي، والمراد به عدم الطمأنينة (الرجل) بالرفع على الفاعلية، والجملة في محل الرفع صفة ل((صلاة)) ( فيها) متعلق بـ(يقيم))، أي في الصلاة (صلبه) أي ظهره، وتقدم ضبطه، ومعنا أول الباب (في الركوع والسجود) متعلق بـ (يقيم)) أيضا. أي لا يطمئن في حال الركوع، والسجود. وفيه وجوب الطمأنينة في الركوع، والسجود، وهو مذهب الجمهور رحمهم الله، وخالف في ذلك أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن رحمهما الله، وخالفهما أبو يوسف تَخْلُ، فقال بوجوبه. وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث أبي مسود تَّه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا-٨٨/ ١٠٢٧ - وفي ((الكبرى)) - ١١٠٠/٣٥ - عن قتيبة، عن الفضيل بن عياض، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، عنه. وفي ١١١١/٥٤ - و((الكبرى)) ٥٣/ ٦٩٩- عن علي بن خشرم، عن عيسى بن يونس، عن الأعمش به . والله سبحانه وتعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) في ((الصلاة)) عن حفص بن عمر النَّمَرِيّ، عن شعبة، عن الأعمش به. (ق) فيه عن علي بن محمد، وعمرو بن عبداللَّه، كلاهماعن وكيع، عن الأعمش به. (ت) فيه عن أحمد بن منيع، عن أبي معاوية، عن الأعمش به. وأخرجه (الحميدي) برقم ٤٥٤ (وأحمد) -١١٩/٤ و١٢٢ (والدارمي) رقم ١٣٣٣ (وابن خزيمة) رقم ٥٩١ و٦٦٦ (والدارقطني) ٣٤٨/١. والله سبحانه وتعالى أعلم. (المسألة الرابعة): دلّ الحديث على وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود، وعليه جمهور أهل العلم، وهو المذهب الحق، وخالف في ذلك بعضهم: قال النووي رَخْذَّلهُ: وتجب الطمأنينة في الركوع، والسجود، والاعتدال من الركوع، والجلوس بين السجدتين، وبهذا كله قال مالك، وأحمد، وداود. وقال أبو حنيفة: يكفيه في الركوع أدنى انحناء، ولا تجب الطمأنينة في شيء من هذه الأركان(١). (١) قال صاحب ((السعاية)) بعد ذكر عبارات كتب الحنفية في هذا الباب: ما لفظه: وجملة المرام في = ٧١ ٨٨- (إِقَامَةُ الصُّلْبِ فِي الرَّكُوع) - حديث رقم ١٠٢٧ واحتج له بقوله تعالى: ﴿أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ﴾ [الحج: ٧٧]، والانخفاض، والانحاء قد أتى به (١) . واحتج الجمهور بحديث الباب، قال الترمذي تَخْذَ لهُ بعد إخراجه حديث الباب: ما نصه: والعملُ على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّ، ومن بعدهم، يرون أن يقيم الرجل صلبه في الركوع والسجود. وقال الشافعي، وأحمد، وإسحاق: من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، فصلاته فاسدة، لحديث النبي وَل: ((لا تجزىء صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود)). انتهى كلام الترمذي رحمه الله تعالى(٢). واحتجوا أيضا بحديث حذيفة رَظنّه أنه رأى رجلا لا يتم الركوع والسجود، فقال: ما صليت، ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر اللَّه عليها محمدا بوٍَّ)). رواه البخاري . واحتجوا أيضا بحديث أبي هريرة ◌َّه في قصة المسيء صلاته: (أن النبي ◌َّ- قال له: ((اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)). متفق عليه، وتقدم للمصنف في -٧/ ٨٨٤ . فإن هذا الحديث لبيان أقل الواجبات، كما سبق التنبيه عليه. ولهذا قال له النبي وَلّه : ((ارجع، فصل، فإنك لم تصل)). فإنه صريح في كون التعديل من الأركان بحيث إن فوته يُفَوِّت أصل الصلاة، وإلا لم يقل: ((لم تصل)). والله سبحانه وتعالى أعلم. قال العلامة المباركفوري رحمه الله تعالى: وأجاب الحنفية عن الاستدلال بحديث المسيء صلاته بوجوه كلها مخدوشة: (منها): ما قالوا: إن آخر حديث المسيء صلاته يدل على عدم فرضية التعديل، فإنه وَل4* قال: ((وما نقصت من ذلك، فإنما نقصته من صلاتك)). فلو كان ترك التعديل مفسدا = هذا المقام أن الركوع والسجود ركنان اتفاقا، وإنما الخلاف في اطمئنانهما، فعند الشافعي، وأبي يوسف فرض، وعند محمد وأبي حنيفة فرض على ما نقله الطحاوي، وسنة على تخريج الجرجاني، واجب على تخريج الكرخي، وهو الذي نقله جمع عظيم عنهما، وعليه المتون، والقومة والجلسة ، والاطمأنان فيهما كل منها فرض أيضا عند أبي يوسف والشافعي، سنة عند أبي حنيفة ومحمد على ما ذكره القدماء ، واجب على ما حققه المتأخرون، ومقتضى القاعدة المشهورة أن تكون القومة والجلسة واجبتين، والاطمأنان فيهما سنة، لكن لا عبرة بها بعد تحقيق الحق. انتهى كلامه، منقولا من ((تحفة الأحوذي)) جـ٢ ص ١٢٥- ١٢٦ . (١) ((المجموع)) جـ٣ ص ٤١٠. (٢) ((الجامع)) جـ٢ ١٢٥ بنسخة ((تحفة الأحوذي)). ٧٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ لما سماه صلاة، كما لو ترك الركوع والسجود. ورده العيني في ((البناية)) بأن للخصم أن يقول: إنما سماه صلاة بحسب زعم المصلي، كما تدل عليه الإضافة، على أنه ورد في بعض الروايات: ((وما نقصت شيئا من هذا»، أي مما ذكر سابقا، ومنه الركوع والسجود أيضا، فيلزم أن تسمى ما لا ركوع ولا سجود فيها صلاة أيضا بعين التقرير المذكور، وإذ ليس، فليس. انتهى. (ومنها): ما قالوا: إن هذا الحديث لا يدل على فرضية التعديل، بل على عدم فرضيته، لأن النبي ◌َّ ترك الأعرابي حين فرغ من صلاته، ولو كان ما تركه ركنا لفسدت صلاته، فكان المضي بعد ذلك من الأعرابي عبثا، ولا يحل له وَ لّر أن يتركه، فكان تركه دلالة منه أن صلاته جائزة، إلا أنه ترك الإكمال، فأمره بالإعادة، زجرا له عن هذه العادة . ورده العيني في ((البناية)) أيضا بأن للخصم أن يقول: كانت صلاته فاسدة، ولذا أمره بالإعادة، وقال: ((لم تصل))، وإنما تركه عليه، لأنه ربما يهتدي إلى الصلاة الصحيحة، ولم ينكر عليه، لأنه كان من أهل البادية، كما تدل عليه رواية الترمذي: ((إذ جاءه رجل كالبدوي))، ومن المعلوم أن أهل البادية لهم جفاء وغلظة، فلو أمره ابتداء لكان يقع في خاطره شيء، وكان المقام مقام تعليم، وبالجملة لا دلالة لعدم إنكاره وَلخير صلاته ابتداء، وأمره بالإعادة على ما ادعوه. انتهى. (ومنها): ما قالوا: إن اللَّه تعالى أمرنا بالركوع والسجود بقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ﴾ [الحج: ٧٧]، والركوع والسجود لفظ خاص، معناه معلوم، فالركوع هو الانحناء، والسجود هو الانخفاض، فمطلق الميلان عن الاستواء، ووضع الجبهة على الأرض فرض بالآية المذكورة، وفرضية التعديل الثابتة بقوله وَله : ((فإنك لم تصل))، وكذا فرضية القومة، والجلسة بحديث: ((لا تجزىء صلاة، لا يقيم الرجل فيها ظهره في الركوع والسجود)، وأمثاله إن ألحقت بالقرآن على سبيل البيان فهو ليس بصحيح، لأن البيان إنما يكون للمجمل، ولا إجمال في الركوع والسجود، وإن ألحقت على سبيل التغيير لإطلاق القرآن، فهو ليس بجائز أيضا، لأن نسخ إطلاق القرآن بأخبار الآحاد لا يجوز، كما حققه الأصوليون، ولما لم يجز إلحاق ما ثبت بهذه الأخبار بالثابت بالقرآن، ولم يمكن ترك أخبار الآحاد بالكلية أيضا، فقلنا ما ثبت بالقطعي، وهو مطلق الركوع والسجود فرض، وما ثبت بهذه الأخبار الظنية الثبوت واجب. والجواب أن المراد بالركوع والسجود في الآية المذكورة معناهما الشرعي، وهو غير معلوم، فهو محتاج إلى البيان، فهذه الأخبار ألحقت بالقرآن على سبيل البيان، ولا ٧٣ = ٨٨- (إِقَامَةُ الصَّلْبِ فِي الرِّكُوع) - حديث رقم ١٠٢٧ إشكال. وقد صرح العلماء الحنفية أن معناهما الشرعي هو المراد عند أبي يوسف رَخْذَتهُ، وأن هذه الأخبار قد ألحقت بالقرآن على سبيل البيان عنده. (واعلم): أن أبا يوسف ◌َّهُ شريك لأبي حنيفة ومحمد في القاعدة الأصولية المذكورة، وبجريها في مواضع كثيرة، ومع هذا فهو قائل بفرضية التعديل، فيرد عليه إشكال عسير، وهو أنه كيف ينسخ إطلاق الكتاب ههنا بخبر الآحاد، ويجعل التعديل فرضا، وقد ذكر العلماء الحنفية في دفع هذا الإشكال ما نقله ابن عابدين في حواشي (البحر)) عن بعض المحققين من أن المراد بالركوع والسجود في الآية عندهما معناه اللغوي، وهو معلوم لايحتاج إلى البيان، فلو قلنا بافتراض التعديل تلزم الزيادة على النص بخبر الآحاد، وعند أبي يوسف معناهما الشرعي، وهو غير معلوم، فيحتاج إلى البيان. انتهى . (ثم اعلم): أن حمل لفظ الركوع، ولفظ السجود في الآية المذكورة على معناهما الشرعي هو المتعين، لأنه قد تقرر أن أمثال هذه الألفاظ في النصوص يجب حملها على معانيها الشرعية، إلا أن يمنع ما نع، ولا مانع ههنا. وحاصل الكلام أن القول بأن تعديل الأركان فرض هو الراجح المعول عليه. والله تعالى أعلم. انتهى كلام المباركفوري رحمه اللّه تعالى(١). وهو تقرير حسن جدًّا. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): أنه قد تبين مما ذكر في المسألة السابقة أن شبهة عدم إيجاب الحنفية غيرَ أبي يوسف تعديلَ الأركان هو زعمهم أن إيجابه يكون زيادة على الكتاب بخبر الواحد، وهو لا يجوز، وهذه قاعدة تسبب عنها رفضهم كثيرا من أحاديث رسول اللَّه وَلجر التي لا اختلاف في صحتها، كالأحاديث المخرجة في ((الصحيحين)) وغيرهما، وبسبب هذا دخل ضرر عظيم في الدين حيث دخل في قلوب المقلدة توهين قدر السنن الصحاح التي أوجب اللَّه ◌َ لّ اتباعها، والردَّ إليها عند التنازع، ومن الغريب أنهم لا يَثْبُتُون على هذه القاعدة، بل تراهم ينقضونها في عدة قضايا، ويتعللون لذلك بعلل واهية، لا تروج عند النقد والتنقير، ولا يسلمها من هو بالأمور بصير. ولقد تصدى لتفنيد هذه الشبهة الداحضة، وهدم أساسها الواهية الإمام المحقق، والْجِهْيِذ المدقق العلامة ابن القيم رحمه اللّه تعالى في كتابه القيم النافع («إعلام الموقعين عن رب العالمين))، فأسهب وأعاد، وأجاد وأفاد، أحببت إيراد محل الحاجة منه هنا (١) ((تحفة الأحوذي بشرح الترمذي)) جـ٢ ص ١٢٦-١٢٨ . ٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاقْتِتَاحِ ليكون مسك الختام لما بحثناه في المسألة السابقة، ولنحيل إليه في كل موضع يَرُدُّون فيه الأحاديث الصحيحة بهذه الشبهة الباطلة. قال رحمه الله تعالی: (المثال الرابع عشر): ردُ المحكم الصريح الذي لا يحتمل إلا وجها واحدا من وجوب الطمأنينة، وتوقف إجزاء الصلاة، وصحتها عليها، كقوله: ((لا تجزىء صلاة، لا يقيم الرجل فيها صلبه في ركوعه وسجوده)). وقوله لمن تركها: ((صل فإنك لم تصل)). وقوله: (( ثم اركع حتى تطمئن راكعا))، فنفى إجزاءها بدون الطمأنينة، ونفى مسماها الشرعي بدونها، وأمر بالإتيان بها، فرد هذا المحكم الصريح بالمتشابه من قوله: ﴿أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ﴾ [الحج: ٧٧]. (المثال الخامس عشر): رد المحكم الصريح من تعيين التكبير للدخول في الصلاة بقوله: ((إذا قمت إلى الصلاة، فكبر))، وقوله: ((تحريمها التكبير))، وقوله: ((لا يقبل اللَّه صلاة أحدكم حتى يضع الوضوء مواضعه، ثم يستقبل القبلة، ويقول: الله أكبر))، وهي نصوص في غاية الصحة، فردت بالمتشابه من قوله: ﴿وَذَكَرَ أَسْمَ رَبِّهِ، فَصَلَّى﴾ [الأعلى : ١٥]. (المثال السادس عشر): رد النصوص المحكمة الصريحة الصحيحة في تعيين قراءة ((فاتحة الكتاب)) فرضا، بالمتشابه من قوله: ﴿فَقْرَءُواْ مَا تَّيَتَرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، وليس ذلك في الصلاة، وإنما هو بدل عن قيام الليل، وبقوله للأعرابي: (( ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن))، وهذا يحتمل أن يكون قبل تعيين الفاتحة للصلاة، وأن يكون الأعرابي لا يحسنها، وأن يكون لم يسىء في قراءتها، فأمره أن يقرأ معها ما تيسر من القرآن، وأن يكون أمره بالاكتفاء بما تيسر عنها، فهو متشابه، يحتمل هذه الوجوه، فلا يترك له المحكم الصريح. (المثال السابع عشر): رد المحكم الصريح من توقف الخروج من الصلاة على التسليم، كما في: ((تحليلها التسليم))، وقوله: (( إنما يكفي أحدكم أن يسلم على أخيه، مِنْ عن يمينه، وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة اللَّه))، فأخبر أنه لا يكفي غير ذلك، فرد بالمتشابه من قول ابن مسعود: ((فإذا قلت هذا، فقد قضيت صلاتك))، وبالمتشابه من عدم أمره وَلّ للأعرابي بالسلام. (المثال الثامن عشر): رد المحكم الصريح في اشتراط النية لعبادة الوضوء والغسل، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ﴾ [الآية سورة البينة: آية ٥]. وقوله: ((وإنما لكل امرئ ما نوى))، وهذا لم ينو رفع الحدث، فلا يكون له ٧٥ ٨٨- (إِقَامَةُ الصُّلْبِ فِي الرُّكُوع) - حديث رقم ١٠٢٧ بالنص، فردوا هذا بالمتشابه من قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٦] ولم يأمر بالنية، قالوا: فلو أوجبناها بالسنة لكان زيادة على نص القرآن، فيكون نسخا، والسنة لا تنسخ القرآن، فهذه ثلاث مقدمات: (إحداها): أن القرآن لم يوجب النية . (الثانية): أن إيجاب السنة لها نسخ القرآن. (الثالثة): أن نسخ القرآن بالسنة لا يجوز. وبنوا على هذه المقدمات إسقاط كثير مما صرحت السنة بإيجابه، كقراءة الفاتحة، والطمأنينة، وتعيين التكبير للدخول في الصلاة، والتسليم للخروج منها . ولا يتصور صدق المقدمات الثلاث في موضع واحد أصلا، بل إما أن تكون كلها كاذبة، أو بعضها . فأما آية الوضوء فالقرآن قد نبه على أنه لم يكتف من طاعات عباده إلا بما أخلصوا له فيه الدين، فمن لم ينو التقرب إليه جملة لم يكن ما أتى به طاعة البتة، فلا يكون معتدا به، مع أن قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] إنما يفهم المخاطب منه غسل الوجه، وما بعده لأجل الصلاة، كما يفهم من قوله: إذا واجهت الأمير فترجّلْ، وإذا دخل الشتاء، فاشتر الفَرْوَ، ونحو ذلك، فإن لم يكن القرآن قد دل على النية، ودلت عليها السنة لم يكن وجوبها ناسخا للقرآن، وإن كان زائدا عليه، ولو كان كل ما أوجبته السنة، ولم يوجبه القرآن نسخا له لبطلت أكثر سنن رسول اللّه وَ له ودُفِع في صدورها، وأعجازها، وقال القائل: هذه زيادة على ما في كتاب الله، فلا تُقبَل، ولا يعمل بها، وهذا بعينه هو الذي أخبر رسول اللّه وَّر أنه سيقع، وحذّر منه، كما في ((السنن)) من حديث المقدام بن معديكرب رَّه عن النبي ◌َّر أنه قال: ((ألا إني أو تيت القرآن، ومثله معه، ألا يوشك رجل شَبْعانُ على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال، فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام، فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة مال المعاهد)). وفي لفظ: (( يوشك أن يقعد الرجل على أريكته، فيحدَّثُ عني بحديثي، فيقول: بيني وبینکم کتاب الله، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه، وما وجدنا فيه حراما حرمناه، وإن ما حرم رسول اللَّه وَّ﴾ كما حرم اللَّه)). قال الترمذي: حديث حسن، وقال البيهقي: إسناده صحيح. وقال صالح بن موسى، عن عبدالعزيز بن رفيع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ؛ قال: قال رسول اللّه وَّلهو: ((إني قد تركت فيكم شيئين، لن تضلوا بعدهما: مَ اللَّه. ٧٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاقْتِتَاحِ كتاب اللَّه، وسنتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض)).(١) فلا يجوز التفريق بين ما جمع اللَّه بينهما، ويرد أحدهما بالآخر، بل سكوته عما نطق به، ولا يمكن أحدا يطرد ذلك، ولا الذين أصلوا هذا الأصل، بل قد نقضوه في أكثر من ثلاثمائة موضع، منها ما هو مُجمَع عليه، ومنها ما هو مختلف فيه. مبحث مهم في بيان أوجه السنة مع القرآن: قال رحمه الله تعالى: والسنة مع القرآن على ثلاثة أوجه: (أحدها): أن تكون موافقة له من كل وجه، فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة، وتضافرها. (الثاني): أن تكون بيانا لما أريد بالقرآن، وتفسيرا له. (الثالث): أن تكون موجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه، أو محرِّمةً لما سكت عن تحريمه، ولا تخرج عن هذه الأقسام. فلا تُعارض القرآن بوجه مّا، فما كان منها زائدا على القرآن، فهو تشريع مبتدأ من النبي بَ ل تجب طاعته فيه، ولا تحل معصيته، وليس هذا تقديما لها على كتاب اللَّه، بل امتثال لما أمر اللَّه به من طاعة رسوله وَّه، ولو كان رسول اللّه ◌َّ لا يطاع في هذا القسم، لم تكن لطاعته معنى، وسقطت طاعته المختصة به، وإنه إذا لم تجب إلا فيما وافق القرآن، لا فيما زاد عليه، لم يكن له طاعة خاصة تختص به، وقال الله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٠]. وكيف يمكن أحدا من أهل العلم أن لا يقبل حديثا زائدا على كتاب الله؟، فلا يقبل حديث تحريم المرأة على عمتها، وعلى خالتها، ولا حديث التحريم بالرضاعة لكل ما يحرم من النسب، ولا حديث خيار الشرط، ولا أحاديث الشفعة، ولا أحاديث الرهن في الحضر، مع أنه زائد على ما في القرآن، ولا حديث ميراث الجدة، ولا حديث تخيير الأمة إذا عتقت تحت زوجها، ولا حديث منع الحائض من الصوم والصلاة، ولا حديث وجوب الكفارة على من جامع في نهار رمضان، ولا أحاديث إحداد المتوفى عنها زوجها مع زيادتها على ما في القرآن من العدة. فهلا قلتم: إنها نسخ للقرآن، وهو لا يُنسَخ بالسنة، وكيف أو جبتم الوتر، مع أنه زيادة محضة على القرآن بخبر مختلف فيه؟. وكيف زدتم على كتاب الله، فجوزتم الوضوء بنبيذ التمر بخبر ضعيف؟. وكيف زدتم على كتاب اللَّه، فشرطتم في الصداق (١) حديث صحيح ، أخرجه الحاكم في ((مستدركه)) ج١ ص ٩٣ . ٨٨- (إِقَمَةُ الصُّلْبِ فِي الرَّكُوع) - حديث رقم ١٠٢٧ أن يكون أقله عشرة دراهم بخبر لا يصح البتة، وهو زيادة محضة على القرآن؟ . وقد أخذ الناس بحديث: (( لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم))، وهو زائد على القرآن. وأخذوا بحديث توريثه بَلّل بنت الابن السدس مع البنت، وهو زائد على ما في القرآن، وأخذ الناس كلهم بحديث استبراء الْمَسْبِيَّة بحيضة، وهو زائد على ما في كتاب اللّه، وأخذوا بحديث: (( من قتل قتيلا، فله سلبه))، وهو زائد على ما في كتاب اللَّه من قسمة الغنائم. وأخذوا كلهم بقضائه بِّ الزائد على ما في القرآن من أن أعيان بني الأبوين يتوارثون، دون بني العلّات(١)، وأَنَّ الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه، دون أخيه لأبيه، ولو تتبعنا هذا لطال جدًّا. فسنن رسول اللّه وَ ليل أجلّ في صدورنا، وأعظم، وأفرض علينا أن لا نقبلها إذا كانت زائدة على ما في القرآن، بل على الرأس والعينين. وكذلك فرض على الأمة الأخذ بحديث القضاء بالشاهد واليمين، وإن كان زائدا على ما في القرآن. وقد أخذ به أصحاب رسول اللَّه وَلَه، وجمهور التابعين، والأئمة. والعجب ممن يرده لأنه زائد على ما في كتاب اللَّه، ثم يقضي بالنكول، ومعاقد القُمُط (٢)، ووجوه الآجُرّ في الحائط، وليس في كتاب الله، ولا سنة رسوله وَله. وأخذتم أنتم، وجمهور الأمة بحديث: (( لا يقاد الوالد بالولد)) مع ضعفه، وهو زائد على ما في القرآن. وأخذتم أنتم والناس بحديث أخذ الجزية من المجوس، وهو زائد على ما في القرآن. وأخذتم مع سائر الناس بقطع رِخل السارق في المرة الثانية، مع زيادته على ما في القرآن. وأخذتم أنتم والناس بحديث النهي عن الاقتصاص من الجرح قبل الاندِمَال، وهو زائد على ما في القرآن. وأخذت الأمةُ بأحاديث الحضانة، وليست في القرآن. وأخذتم أنتم والجمهور باعتداد المتوفى عنها في منزلها، وهو زائد على ما في القرآن. وأخذتم مع الناس بأحاديث البلوغ بالسن والإنبات، وهي زائد على ما في القرآن، إذ ليس فيه إلا الاحتلام. وأخذتم مع الناس بحديث: ((الخراجُ بالضمان)). مع ضعفه، وهو زائد على ما في القرآن، وأضعاف أضعاف ما ذكرنا. بل أحكام السنة التي ليست في القرآن إن لم تكن أكثر منها لم تنقص عنها، فلو ساغ (١) بنو العلات: بنو أمهات شتى من رجل واحد. (٢) قال في ((المصباح)): جمع قماط، مثل كتاب وكتب، ومن كلام الشافعي: معاقد القُمُط. وتحاكم رجلان إلى القاضي شريح في خص تنازعاه ، فقضى للذي إليه الْقُمُطُ، وهي الشُّرُطُ، جمع شَرِيط، وهو ما يُعمل من لِيف، وخُوص، وقيل: القُمُطُ: الخُشُب التي تكون على ظاهر الخص، أو باطنه، يشد إليها حَرَادِيّ القصب، أو رؤوسه. انتهى. ص ٥١٦ . ٧٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاقْتِتَاحِ لنا ردّ كل سنة زائدة كانت (١) على نص القرآن لبطلت سنن رسول اللَّه ◌َ ل كلها إلا سنة دلّ عليها القرآن، وهذا هو الذي أخبر النبي ◌ِّ بأنه سيقع، ولا بد من وقوع خبره. [فإن قيل]: السنن الزائدة على ما دلّ عليه القرآن تارة تكون بيانا له، وتارة تكون مُنشِئة لحكم لم يتعرض القرآن له، وتارة تكون مغيرة لحكمه، وليس نزاعنا في القسمين الأولين، فإنهما حجة باتفاق، ولكن النزاع في القسم الثالث، وهو الذي ترجمته بـ«مسألة الزيادة على النص)). وقد ذهب الشيخ أبو الحسن الكرخي، وجماعة كثيرة من أصحاب أبي حنيفة إلى أنها نسخ، ومن ههنا جعلوا إيجاب التغريب مع الجلد نسخا، كما لو زاد عشرين سوطا على الثمانين في حد القذف. وذهب أبو بكر الرازي إلى أن الزيادة إن وردت بعد استقرار حكم النص منفردة عنه، كانت ناسخة، وإن وردت متصلة بالنص قبل استقرار حكمه لم تكن ناسخة، وإن وردت، ولا يعلم تاريخها، فإن وردت من جهة يثبت النص بمثلها، فإن شهدت الأصول من عمل السلف، أو النظر على ثبوتهما معا أثبتناهما، وإن شهدت بالنص منفردا عنها أثبتناه دونها، وإن لم يكن في الأصول دلالة على أحدهما، فالواجب أن يحكم بورودهما معا، ويكونان بمنزلة الخاص والعام، وإذا لم يعلم تاريخهما، ولم يكن في الأصول دلالة على وجوب القضاء بأحدهما على الآخر، فإنهما يستعملان معًا، وإن كان ورود النص من جهة توجب العلم كالكتاب والخبر المستفيض، وورود الزيادة من جهة أخبار الآحاد لم يجز إلحاقها بالنص، ولا العمل بها. وذهب أصحابنا - يعني الحنابلة- إلى أن الزيادة إن غيرت حكم المزيد عليه تغييرا شرعيا بحيث إنه لو فعل على حدٍّ ما كان يفعل قبلها لم يكن معتدا به، بل يجب استئنافه كان نسخا، نحو ضم ركعة إلى ركعتي الفجر، وإن لم يغير حكم المزيد عليه بحيث لو فعل على حدٍّ ما كان يفعل قبلها كان معتدا به، ولا يجب استئنافه لم يكن نسخا، ولم يجعلوا إيجاب التغيير مع الجلد نسخا، وإيجاب عشرين جلدة مع الثمانين نسخا، وكذلك إيجاب شرط منفصل عن العبادة لا يكون نسخا، كإيجاب الوضوء بعد فرض الصلاة، ولم يختلفوا أن إيجاب زيادة عبادة على عبادة، كإيجاب الزكاة بعد إيجاب الصلاة لا يكون نسخا، ولم يختلفوا أيضا أن إيجاب صلاة سادسة على الصلوات الخمس لا يكون نسخا. (١) هكذا نسخة الأصل، ولعل الصواب إسقاط لفظة ((كانت)). والله تعالى أعلم. = ٧٩ ٨٨- (إِقَامَةُ الصَّلْبِ فِي الرّكُوع) - حديث رقم ١٠٢٧ فالكلام معكم في الزيادة المغيرة في ثلاثة مواضع، في المعنى، والاسم، والحكم. أما المعنى: فإنها تفيد معنى النسخ، لأنه إزالة، والزيادة تزيل حكم الاعتداد بالمزيد عليه، وتو جب استئنافه بدونها، وتخرجه عن كونه جميع الواجب، وتجعله بعضه، وتوجب التأثيم على المقتصر عليه بعد أن لم يكن آثما، وهذا معنى النسخ، وعليه ترتب الاسم، فإنه تابع للمعنى، فإن الكلام في زيادة شرعية مغيرة للحكم الشرعي بدليل شرعي، متراخ عن المزيد عليه، فإن اختل وصف من هذه الأوصاف لم يكن نسخا، فإن لم تغير حكما شرعيا، بل رفعت حكم البراءة الأصلية لم تكن نسخا، كإيجاب عبادة بعد أخرى، وإن كانت الزيادة مقارنة للمزيد عليه، لم تكن نسخا وإن غيرته، بل تكون تقييدا، أو تخصيصا. وأما الحكم، فإن كان النص المزيد عليه ثابتا بالكتاب، أو السنة المتواترة لم يقبل خبر الواحد بالزيادة عليه، وإن كان ثابتا بخبر الواحد قبلت الزيادة، فإن اتفقت الأمة على قبول خبر الواحد في القسم الأول علمنا أنه ورد مقارنا للمزيد عليه، فيكون تخصيصا، لا نسخا. قالوا: وإنما لم يقبل خبر الواحد بالزيادة على النص، لأن الزيادة لو كانت موجودة معه لنقلها إلينا مَنْ نقل النص، إذ غير جائز أن يكون المراد إثبات النص معقودا بالزيادة، فيقتصر النبي وقّير على إبلاغ النص منفردا عنها، فواجب إذًا أن يذكرها معه، ولو ذكرها لنقلها إلينا من نقل النص، فإن كان النص مذكورا في القرآن، والزيادة واردة من جهة السنة، فغير جائز أن يقتصر النبي ◌ّي على تلاوة الحكم المنزل في القرآن، دون أن يعقبها بذكر الزيادة، لأن حصول الفراغ من النص الذي يمكننا استعماله بنفسه يلزمنا اعتقاد مقتضاه من حكمه، كقوله: ﴿الزَِّيَّةُ وَالزَِّ فَأَجْلِدُواْ كُلَّ وَجِدٍ مِنْهُمَا مِْئَةً جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، فإن كان الحد هو الجلد والتغريب، فغير جائز أن يتلو النبي وَلّر الآية على الناس عارية من ذكر النفي عقبها، لأن سكوته عن ذكر الزيادة معها يلزمنا اعتقاد موجبها، وأن الجلد هو كمال الحد، فلو كان معه تغريب لكان بعضَ الحد، لا كماله، فإذا أخلى التلاوة من النفي عقبها فقد أراد منا اعتقاد أن الجلد المذكور في الآية هو تمام الحد وكماله، فغير جائز إلحاق الزيادة معه، إلا على وجه النسخ، ولهذا كان قوله: ((واغْدُ يا أَنَيس على امرأة هذا، فإن اعترفت، فارجمها))، نا سخا لحديث عبادة بن الصامت وتظنّه: ((الثيب بالثيب جلد مائة، والرجم))، وكذلك لَمَّا رجم ماعزًا، ولم يجلده كذلك يجب أن يكون قوله: ﴿اَلَِّيَّةُ وَالزَّنِىِ فَأَجْلِدُواْ كُلَّ وَحِدٍ مِّنْهُمَا مِاْتَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] ناسخا لحكم التغريب في قوله: ((البكر بالبكر جلد مائة وتغریب عام)). ٨٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاقْتِتَاحِ والمقصود أن هذه الزيادة لو كانت ثابتة مع النص لذكرها النبي وقلّ عقب التلاوة، ولنقلها إلينا من نقل المزيد عليه، إذ غير جائز عليهم أن يعلموا أن الحد مجموع الأمرين، وينقلوا بعضه، دون بعض، وقد سمعوا الرسول وَ ل# يذكر الأمرين، فامتنع حينئذ العمل بالزيادة إلا من الجهة التي ورد منها الأصل، فإذا وردت من جهة الآحاد، فإن كانت قبل النص، فقد نسخها النص المطلق عاريا من ذكرها، وإن كانت بعده، فهذا يوجب نسخ الآية بخبر الواحد، وهو ممتنع، فإن كان المزيد عليه ثابتا بخبر الواحد جاز إلحاق الزيادة بخبر الواحد على الوجه الذي يجوز نسخه به، فإن كانت واردة مع النص في خطاب واحد لم تكن نسخا، وكانت بيانا. فالجواب من وجوه: (أحدها): أنكم أول من نقض هذا الأصل الذي أصلتموه، فإنكم قبلتم خبر الوضوء. بنبيذ التمر، وهو زائد على ما في كتاب الله، مغير لحكمه، فإن الله سبحانه وتعالى جعل حكم عادم الماء التيمم، والخبر يقتضي أن يكون حكمه الوضوء بالنبيذ، فهذه الزيادة بهذا الخبر الذي لا يثبت رافعةٌ لحكم شرعي، غير مقارنة له، ولا مقاومة بوجه. وقبلتم خبر الأمر بالوتر مع رفعه لحكم شرعي، وهو اعتقاد كون الصلوات الخمس هي جميع الواجب، ورفع التأثيم بالاقتصار عليها، وإجزاء الإتيان في التعبد بفريضة الصلاة، والذي قال هذه الزيادةَ هو الذي قال سائرَ الأحاديث الزائدة على ما في القرآن، والذي نقلها إلينا هو الذي نقل تلك بعينه، أو أوثق منه، أو نظيره، والذي فرض علينا طاعة رسوله، وقبول قوله في تلك الزيادة هو الذي فرض علينا طاعته، وقبول قوله في هذه، والذي قال لنا: ﴿وَمَآ ءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] هو الذي شرع لنا هذه الزيادة على لسانه، والله عزّ وجل ولّاه منصب التشريع عنه ابتداء، كما ولاه منصب البيان لِما أراده بكلامه، بل كلامه كله بيان عن الله، والزيادة بجميع وجوهها لا تخرج عن البيان بوجه من الوجوه، بل كان السلف الصالح الطيب إذا سمعوا الحديث عنه وجدوا تصديقه في القرآن، ولم يقل أحد منهم قط في حديث واحد أبدًا: إن هذا زيادة على القرآن، فلا نقبله، ولا نسمعه، ولا نعمل به. ورسول اللّه ◌َ ◌ّ أجلُّ في صدورهم، وسنته أعظم عندهم من ذلك وأكبر، ولا فرق أصلا بين مجيء السنة بعدد الطواف، وعدد ركعات الصلاة، ومجيئها بفرض الطمأنينة، وتعين الفاتحة والنية، فإن الجميع بيان لمراد الله أنه أوجب هذه العبادة على عباده على الوجه هذا. فهذا هو الوجه المراد، فجاءت السنة بيانا للمراد في جميع وجوهها، حتى في التشريع -