Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١ _
٢٧ - باب ترك القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر به - حديث رقم ٩١٧
الحديث الثاني: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ◌ٍُّ،
قال: ((من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خداج - ثلاثا - غير
تمام)). فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: ((اقرأ بها في
نفسك ... )) الحديث. أخرجه الجماعة إلا البخاري. تقدم للمصنف
٢٣ /٩٠٩.
قال العلامة المباركفوري رحمه الله : والخداج يطلق على النقص
الذاتي، أي النقص الحاصل بفوات ركن الشيء وجزئه، لا على النقص
الوصفي، أي الحاصل بفوات وصف من أوصاف الشيء. وظاهر أن
الصلاة إذا صارت خداجًا صارت باطلة، غير صحيحة بالضرورة.
وهذا الحديث عام لكل مصل، فإن كلمة ((من)) من ألفاظ العموم،
فمعنى الحديث أن أيَّ مصل مأمومًا كان أو غيره لم يقرأ في الصلاة
بفاتحة الكتاب فصلاته باطلة .
وقال الحافظ أبو عمر في ((الاستذكار)): في حديث أبي هريرة هذا
من الفقه إيجاب القراءة بالفاتحة في كل صلاة، وأن الصلاة إذا لم يقرأ
فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج، والخداج النقصان، والفساد، ومن ذلك
قولهم: خَدَجَت الناقة: إذا ولدت قبل تمام وقتها، وقبل تمام الخلقة،
وذلك نتاج فاسد. اهـ (١) .
(١) راجع تحقيق الكلام في وجوب القراءة خلف الإمام للعلامة المباركفوري رحمه الله
تعالی ص ١١٤ - ١١٥.

- ٦٠٢
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
الحديث الثالث: عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال:
صلى رسول الله تَّه الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال:
«إني أراكم تقرءون وراء إمامكم؟)) قال: قلنا: يا رسول الله! إي والله،
قال: ((لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها)). حديث
صحيح، أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي وغيرهم.
قال الخطابي رحمه الله: هذا الحديث صريح بأن قراءة الفاتحة واجبة
على من خلف الإمام سواء جهر الإمام بالقراءة، أو خافت بها، وإسناده
جید، لا مطعن فیه. اهـ.
وحسنه الترمذي، والدار قطني، وصححه البيهقي، وقال عبد الحي
اللكنوي في ((السعاية)): وقد ثبت بحديث عبادة، وهو حديث صحيح
قوي السند أمره ◌َّه بقراءة الفاتحة للمقتدي. اهـ (١).
الحديث الرابع: عن زيد بن واقد، عن حرام بن حكيم،
ومكحول، عن نافع بن محمود بن الربيع، أنه سمع عبادة بن الصامت
رضي الله عنه يقرأ بأم القرآن، وأبو نعيم يجهر بالقراءة، فقلت: رأيتك
صنعت في صلاتك شيئًا؟ قال: وما ذاك؟ قال: سمعتك تقرأ بأم
القرآن، وأبو نعيم يجهر بالقراءة، قال: نعم، صلى بنا رسول الله عَ ليه
بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة، فلما انصرف، قال: ((منكم
(١) تحقيق الكلام ص ١٣٦ - ١٣٧ .

٦٠٣ -
٢٧ - باب ترك القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر به - حديث رقم ٩١٧
من أحد يقرأ شيئًا من القرآن إذا جهرت بالقراءة؟)) قلنا: نعم يا
رسول الله، فقال رسول الله عَّه: ((وأنا أقول: ما لي أنازع القرآن؟ فلا
يَقْرَأَنَّ أحد منكم شيئًا من القرآن إذا جهرت بالقرآن إلا بأم القرآن)).
أخرجه الدار قطني، وقال: هذا إسناد حسن، ورجاله ثقات
كلهم. اهـ.
وقد طعن بعض الحنفية فيه بنافع بن محمود؛ لأنه مستور كما في
((التقريب)) ورُدّ عليه؛ بأنه وثقه ابن حبان، والدارقطني، والذهبي،
وانظر تمام الكلام في ((تحقيق الكلام)) ص١٦٦ - ١٧٧ .
الحديث الخامس: عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من
أصحاب النبي ◌َّ، قال: قال رسول الله تعميم: ((لعلكم تقرءون،
والإمام يقرأ؟)) قالوا: إنا لنفعل، قال: ((لا، إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة
الكتاب)). رواه أحمد، والبيهقي، والبخاري في ((جزئه))، وفي رواية
البخاري: ((إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه))، ونحوه في
رواية البيهقي، وقال: هذا إسناده صحيح. وقال الحافظ في
(التلخيص)) : إسناده حسن .
الحديث السادس: عن أنس رضي الله عنه أن النبي ◌ُّ صلى
بأصحابه، فلما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه، فقال: ((أتقرءون في
صلاتكم والإمام يقرأ؟)) فسكتوا، فقالها ثلاث مرات، فقال قائل، أو

- ٦٠٤
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
قائلون: إنا لنفعل، قال: ((فلا تفعلوا، وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في
نفسه)). رواه البخاري في ((جزئه)) وابن حبان في صحيحه، وأبو يعلى،
والطبراني في الأوسط، وقال الهيثمي: رجاله ثقات.
الحديث السابع: هو ما أخرجه البخاري في ((جزء القراءة)) عن
عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله عَل ◌َّه :
((تقرءون خلفي؟)) قالوا: نعم، إنا لنهذّ هذا، قال: ((فلا تفعلوا إلا بأم
القرآن)). وهو حديث حسن، فإن الراجح من أقوال أهل الحديث في
((عمرو بن شعيب، عن أبيه ، عن جده)) أنه في درجة الحسن كما قال
الذهبي رحمه الله . وقال في الألفية السيوطية:
عَنْ جَدِهِ فَالأَكْثَرُونَ احْتَجَّ بِهُ
وَمَا لِعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِهْ
وَقِيلَ بِالإِفْصَاحِ وَاسْتِيعَابِ
حَمْلاً لِجَدِهِ عَلَى الصَّحَابِي
وقد استوعب العلامةُ المباركفوري رحمه الله تعالى الكلامَ على
هذه الأحاديث مع مناقشة الحنفية فيما يوردونه على هذه
الأحاديث، وتفنيد شبههم بحيث لا يُبقي، ولا يَذَر، في الكتاب
المذكور، فمن أراد الاستفادة منه فليراجعه من ص٥٩ - ٢٠٠ .
أدلة القائلين بعدم مشروعية القراءة خلف الإمام
قد ذكر العلامة المباركفوري رحمه الله لهم سبعة عشر أدلة، وتكلم
عليها، وفتّدها كلها بما لا تجده مجموعًا في كلام غيره، وأنا أذكر بعضها
هنا لأهميته، مع اختصار الأجوبة :

٦٠٥ _
٢٧ - باب ترك القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر به - حديث رقم ٩١٧
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصتُوا
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. وسيأتي الجواب عنه بعد بابين إن
شاء الله تعالى .
(الدليل الثاني) : حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن
النبي ثَّه، قال: ((إذا صليتم ، فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم
أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا)). أخرجه مسلم. وأخرجه
أبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
قال العيني بعد إيراده: وهذا حجة صريحة في أن المقتدي لا يجب
عليه أن يقرأ خلف الإمام أصلاً؛ على الشافعي في جميع الصلوات،
وعلى مالك في الظهر والعصر. اهـ (١).
والجواب عنه أن يحمل قوله : ((وإذا قرأ فأنصتوا)) على ماعدا
الفاتحة عملاً بالحديثين، فيجب على المأموم قراءة الفاتحة عملاً بحديث
الخداج، ولا يجوز له أن يقرأ غيرها عملاً بحديث: ((فأنصتوا)).
ويدل على هذا الجمع حديث عبادة رضي الله عنه: ((لا تفعلوا إلا
بأم القرآن)) الآتي بعد باب.
وأيضًا يُرَدُّ عليهم بأن أصولهم أن الصحابي إذا أفتى بخلاف روايته
تكون روايته منسوخه؛ لأنه ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه قال لأبي
(١) عمدة القاري ج ٦ ص ١٥.

- ٦٠٦
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
السائب: اقرأ بها في نفسك يا فارسي، كما تقدم ٢٣ /٩٠٩. وسيأتي
تمام البحث على هذا الحديث برقم ٩٢١/٣٠ إن شاء الله تعالى.
الدليل الثالث: حديث ابن أكيمة الليثي، عن أبي هريرة رضي الله
عنه الآتي في الباب التالي، وسيأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء الله
تعالى.
الدليل الرابع: حديث جابر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله
◌َّة: ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)). رواه ابن ماجه.
هذا دليل مشهور لدى الحنفية، يثبتون به نسخ جميع الأحاديث
التي فيها الأمر بقراءة الفاتحة خلف الإمام.
ولقد أجاب العلامة المباركفوري رحمه الله تعالى عن هذا الدليل
بعشرة أجوبة، فأسهب، وأعاد، وأفاد، وأجاد، وأنا ألخص بعض تلك
الأجوبة باختصار :
فمنها : أن حديث جابر ضعيف؛ لأنه من رواية جابر الجعفي، وقد
قال فيه الإمام أبو حنيفة: ما لقيت أكذب من جابر الجعفي، ما أتيته
بشيء من رأي قط إلا جاءني بحديث.
وقال الحافظ رحمه الله في ((الفتح)): واستدل من أسقطها عن
المأموم مطلقًا كالحنفية بحديث: ((من صلى خلف إمام، فقراءة الإمام له
قراءة))، لكنه ضعيف عند الحفاظ، وقد استوعب طرقه وعلله

٦٠٧ _
٢٧ - باب ترك القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر به - حديث رقم ٩١٧
الدار قطني وغيره. اهـ. وقال في ((التلخيص)): مشهور من حديث
جابر، وله طرق عن جماعة من الصحابة، وكلها معلولة. اهـ (١).
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: في إسناده ضعف، ورواه مالك،
عن وهب بن كيسان، عن جابر من كلامه، وقد روي هذا الحديث من
طرق، ولا يصح شيء منها عن النبي ◌َّ. اهـ(٢).
وروى ابن الجوزي هذا الحديث في ((العلل المتناهية)) من طرق
الدار قطني، وقال: هذا حديث لا يصح. ولهذا الحديث طرق عن
جابر، وعلي ، وابن عمر، وابن عباس، وعمران بن حصين، ليس فيها
ما یثبت . اهـ.
ومنها: أن حديث جابر يعارض قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ
مِنَ الْقُرْآنِ ﴾ [المزمل: ٢٠]؛ لأن هذه الآية تشمل بعمومها المأموم
وغيره، فعلم منها أن الواجب على المأموم أيضًا أن يقرأ شيئًا كالإمام
والمنفرد، ويثبت من حديث: (( من كان له إمام)) أنه لا تجوز القراءة
للمأموم، أو لا تجب عليه، بل تجزئه قراءة الإمام، فلا يجوز عند الحنفية
العمل بهذا الحديث، لأنه مخالف للآية، وإلا لزم ترك الآية بخبر
الواحد، وهو لا يجوز عندهم.
ومنها : أن هذا الحديث، وإن دل على حرمة القراءة، ومنعها خلف
(١) تلخيص الحبير جـ ١ ص ٢٣٢ .
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٢ .

- ٦٠٨
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
الإمام مطلقًا، فلا يجوز الاستدلال به على المنع عند الحنفية على
أصولهم؛ لأنه رواه مع جابر أبو هريرة، وأنس، وأبو سعيد الخدري،
وابن عباس، وعلي، وعمران بن حصين، وابن عمر أيضًا، وهؤلاء
كلهم أفتوا بقراءة الفاتحة خلف الإمام بعد النبي تٍَّ ، وقد تقرر في
أصول الحنفية أن الراوي الصحابي إذا أفتى، أو عمل خلاف حديثه،
يعتبر حديثه منسوخًا، فظهر أن هذا الحديث منسوخ عندهم، فلا يصلح
الاستدلال به. وقد ذكر المباركفوري رحمه الله فتاوى هؤلاء الصحابة
رضي الله عنهم، وتكلم عليها، فأجاد، وأفاد. راجعه ص ٤٣٤ - ٤٤١ .
ومنها: أن حديث ((من كان له إمام)) على تقدير صحته ليس نصًا في
ترك قراءة الفاتحة، وحديث عبادة، وغيره نص في وجوب قراءتها،
والقاعدة أن النص إذا تعارض مع الظاهر قدم علیه، فیقدم حديث ((لا
صلاة إلا بأم القرآن)) على حديث ((من كان له إمام فقراءة الإمام قراءة
له)».
الدليل الخامس : ما أخرجه ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله
عنهما: لما مرض رسول الله ◌َّة، فذكر الحديث، وفيه: فخرج أبو
بکر، فصلى بالناس، فوجد رسول الله تَّ من نفسه خفة، فخرج يهادى
بين رجلين ... الحديث، وفيه: قال ابن عباس: وأخذ رسول الله ﴾ من
القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر(١) .
(١) سنن ابن ماجه جـ ١ ص ٣٩١.

٦٠٩ -
٢٧ - باب ترك القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر به - حديث رقم ٩١٧
قالوا: إنه مَّه بدأ في القراءة من حيث أنهى أبو بكر، فلا أقل من أن
يكون فاته شطر من الفاتحة، وهو لم يعد تلك الركعة، فدل على عدم
وجوب الفاتحة .
والجواب عنه: أن زيادة: ((وأخذ رسول الله ◌َ﴾ من القراءة من
حيث بلغ أبو بكر)) غير صحيحة، فقد وردت قصة صلاة النبي تَّغ في
مرض موته في الصحيحين، وغيرهما مطولة ومختصرة، بدون هذه
الزيادة .
الدليل السادس: حديث الحارث، عن علي رضي الله عنه، قال:
سأل رجل النبي ◌َّة: أقرأ خلف الإمام، أم أنصت؟ قال: ((لا، بل
أنصت، فإنه يكفيك)). رواه البيهقي في ((كتاب القراءة)) ص ١٦٣.
والجواب عنه: أنه حديث ضعيف جدّاً، لأن في سنده الحارث
الأعور، وهو كذاب، ومحمد بن سالم ضعيف جداً؛ وقيس بن
الربيع، ضعيف تغير بآخره .
الدليل السابع: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا:
((ما لي أنازع القرآن؟ إذا صلى أحدكم خلف الإمام، فليصمت، فإن
قراءته له قراءة، وصلاته له صلاة)). رواه الطبراني في الأوسط،
والخطيب البغدادي في تاريخه.

- ٦١٠
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
والجواب عنه: أنه لا يصح؛ لأن في سنده أحمد بن عبد الله بن
ربيعة بن العجلان، وهو شيخ مجهول، قال الذهبي في الميزان جـ ١
ص١٠٩ : هذا حديث منكر بهذا السياق .
الدليل الثامن: حديث أنس مرفوعًا: ((من قرأ خلف الإمام مُلى فُوه
ناراً)) . أخرجه ابن حبان في الضعفاء جـ ٣ ص ٤٦.
والجواب عنه: أنه موضوع، وضعه مأمون بن أحمد، قال ابن
حبان: كان دَجَّالاً من الدجاجلة .
الدليل التاسع: حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه مرفوعًا: ((من
قرأ خلف الإمام فلا صلاة له)). أخرجه ابن حبان في الضعفاء.
والجواب عنه: أنه موضوع، فيه أحمد بن علي بن سلمان الوضاع.
قال الحافظ في ((الدراية)): واتهم فيه أحمد بن علي. اهـ. جـ ١ ص
١٦٥.
الدليل العاشر: حديث: ((من قرأ خلف الإمام ففي فيه جمرة)) .
والجواب عنه: أنه حديث باطل، لا أصل له مرفوعًا، ولا ذكر له
في دواوين السنة .
وسائر أدلة الحنفية التي استدلوا بها قد استوفى ذكرها العلامة
المباركفوري رحمه الله تعالى، وأجاد في ردها وتفنيدها، فمن أراد

٦١١ _
٢٧ - باب ترك القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر به - حديث رقم ٩١٧
التحقيق فليراجع ((تحقيق الكلام)) ص ٤٦٧ - ٤٩٣. فجزاه الله تعالى
عن إحسانه حيث دافع عن السنة الغراء خير الجزاء، فـ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يُضيعُ
أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠].
تنبيه:
ذكر الحنفية آثارًا كثيرة من الصحابة للاستدلال على منع القراءة
خلف الإمام، قد استوفى ذكرها المباركفوري رحمه الله ، وفندها كلها،
أذكر منها هنا أثرين مع أجوبتهما باختصار، لشهرتهما، وكثرة من
یتمسك، ويجادل بهما :
الأثر الأول: ما ذكره العيني في شرح البخاري، عن عبد الله بن
يعقوب الحازمي السَّبَذْمُوني في ((كشف الأسرار))، عن عبد الله بن زيد
ابن أسلم، عن أبيه، قال: كان عشرة من أصحاب رسول الله ◌َ﴾
ينهون عن القراءة خلف الإمام أشد النهي: أبو بكر الصديق، وعمر
الفاروق، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن
عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت،
وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم(١).
والجواب عنه: أن هذا الأثر لا يصح؛ لأنه من صنع عبد الله بن
يعقوب، وهو متهم بوضع الحديث. انظر: ((ميزان الاعتدال)) جـ ٢
(١) عمدة القاري ج ٦ ص ١٣ .

شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
- ٦١٢
ص٤٩٦ .
الأثر الثاني: قال العيني: روي منع القراءة خلف الإمام عن ثمانين
من الصحابة الكبار، منهم المرتضى، والعبادلة الثلاثة. وقال الفقيه
السرخسي: إن فساد الصلاة مروي عن عدة من الصحابة بالقراءة.
والجواب عنه: أن قوليهما لا أصل لهما، أما السرخسي فهو فقيه
محض، لا علم له بفن الحديث، فلا عَجَبَ أن يصدر منه هذا القول،
ولكن العجب من العيني، كيف اجترأ على ذكر هذا القول الباطل؟ فهل
يقدر أن يثبت بأسانيد صحيحة عن علي، والعبادلة الثلاثة، فضلاً عن
عشرة من الذين ذُكروا في هذا الأثر؟ كلا، لا يقدر عليه أبدًا. قاله
المباركفوري رحمه الله تعالى.
وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي رحمه الله : وما ذكره السرخسي،
ومن تبعه أن فساد الصلاة مذهب عدة من الصحابة، يقال له: أيّ
صحابي قال بهذا؟، وأيّ مخرّج خرّج هذا؟ ، وأيّ راو روى هذا؟
ومجرد نسبته إليهم - حاشاهم عنه - من دون سند مسلسل محتج
برواته مما لا يعتد به. اهـ (١). وبقية الآثار مع أجوبتها يراجع ((تحقيق
الكلام)) ص ٥٠٤ - ٥٢٠ .
(١) إمام الكلام ص ٥٠.

٦١٣ -
٢٧ - باب ترك القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر به - حديث رقم ٩١٧
أدلة من قال بالقراءة في السرية دون الجهرية
استدل القائلون بالقراءة في السرية، دون الجهرية بأدلة :
الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ
تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] الآية.
والجواب عنه: هو الجواب عن استدلال القائلين بعدم القراءة
مطلقًا، وسيأتي بعد بابين إن شاء الله تعالى.
الثاني : ما أخرجه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله
عنه، وأبو داود، والترمذي، والنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله
عنه مرفوعًا: ((وإذا قرأ فأنصتوا)).
والجواب عنه: سيأتي أيضًا بعد بابين إن شاء الله تعالى.
الثالث: حديث ابن أكيمة الليثي، عن أبي هريرة رضي الله عنه
الآتي في الباب التالي مع أجوبته، إن شاء الله تعالى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيَّنَ لك الحق، واتضح كالشمس في
رابعة النهار بما تقدم من الأدلة أن المذهب الراجح مذهب من قال
بوجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام مطلقًا، سواء كانت الصلاة جهرية،
أو سرية، وسواء كان يسمع قراءة الإمام، أو لا. والله تعالى أعلم

- ٦١٤
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٩١٨ - أخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ
زُدَارَةَ بْنِ أَوْقَى، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينِ: أنَّالنَّبِيََّ﴾
صَلَّى صَلاةَ الظُّهْرِ، أَوِ الْعَصْرِ، وَرَجُلٌ يَقْرَأْ خَلْفَهُ، فَلَمَّا
انْصَرَفَ، قَالَ: ((أَيُكُمْ قَرَّا بـ (سَبِحُ(١) اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾؟))،
فَقَالَ (٢) رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا، وَلَمْ أُرِدْ بِهَا إِلَا الْخَيْرَ،
فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهُ: ((قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ قَدْ خَالَجَنَيهَا)).
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت، مات
سنة ٢٤٠، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.
٢ - (أبو عوانة) وَضَّاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، ثقة
ثبت، مات سنة ١٧٥، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤١ / ٤٦.
والباقون تقدموا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، والمسائل
المتعلقة به، وبالله تعالى التوفيق.
(١) وفي بعض النسخ: ﴿سَبِّحِ﴾ بحذف الجار.
(٢) وفي نسخة: ((قال)).

٦١٥ _
٢٧ - باب ترك القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر به - حديث رقم ٩١٨
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وماتوفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت، وإليه أنيب.
*

-
٦١٦
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
٢٨ - تَرْكُ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الإِمَامِ فِيمَا جَهَرَ بِهِ
مے
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على ترك قراءة المأموم خلف إمامه
في الصلاة التي جهر فيها الإمام.
والمراد به قراءة غير الفاتحة، كما هو المذهب الراجح، للحديث
الآتي في الباب التالي، وسيأتي تحقيق ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء
الله تعالی.
٩١٩ - أخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالك، عَن ابْن شهَاب، عَن ابْن أُكَيْمَةَ
اللَِّى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً: أنَّ رَسَّوَلَ اللهَ نَّهُ أَنَصَرَفَ مِنْ
صَلاةَ جَهَرَ فِيهَا بِالْقَرَاءَةَ، فَقَالَ: ((هَلْ قَرَأْ مَعِيَ أْخَدٌ
مِنْكُمَّ أَنْفًا؟َ ((قَالَ رَجُلٌ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ:
(َأَقُولُ: مَالِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ؟))، قَالَ: فَانْتَهَى النَّاسُ عَن
الْقِرَاءَة فيمَا جَهَرَ فيه رَسُولُ اللهِ تَّهُ بِالْقِرَاءَة مِنَ الصَّلاة
حَيَنَ سَّمَعُوا ذَلِكَ.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد المتقدم في الباب الماضي.
٢ - (مالك ) بن أنس إمام دار الهجرة الثقة الثبت الحجة، من
[٧]، تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني الإمام الحجة

م
٦١٧ _
٢٨ - باب ترك القراءة خلف الإمام فيما بهر به - حديث رقم ٩١٩
الثبت، من [٤]، تقدم في ١ / ١.
٤ - (ابن أكيمة الليثي) بصيغة التصغير - وهو عمارة - بضم
أوله، وتخفيف ثانيه ـ الليثي، ثم الجُنْدَعي من أنفسهم، أبو الوليد
المدني، وقيل: اسمه عَمَّار، وقيل: عمرو، وقيل: عامر، يأتي غير
مسمى، ثقة، من [٣].
روى عن أبي هريرة في القراءة خلف الإمام، وعن ابن أخي أبي
رُهْم الغفاري. روى عنه الزهري. قال أبو حاتم: صالح الحديث،
مقبول. وقال ابن سعد: توفي سنة ١٠١ وهو ابن ٧٩ سنة، وروى عنه
الزهري حديثًا واحدًا، ومنهم من لا يحتج بحديثه، ويقول : هو شيخ
مجهول. وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقال ابن خزيمة: قال لنا محمد بن يحيى الذهلي: ابن أكيمة، هو
عمار، ويقال: عامر، والمحفوظ عندنا عمار، وهو جد عمرو بن مسلم
الذي روى عنه مالك بن أنس، ومحمد بن عمرو بن علقمة حديث
أم سلمة: ((إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يضحي ... )).
قال ابن البرقي في باب من لم تشتهر عنه الرواية، واحتملت روايته
الرواية الثقات عنه: ولم يغمز ابن أكيمة الليثي. قال يحيى بن معين:
كفاك قول الزهري : سمعت ابن أكيمة يحدث سعيد بن المسيب، وقد
روی عنه غیر الزهري محمد بن عمرو، و روی الزهري عنه حدیثین:
أحدهما في القراءة خلف الإمام، وهو مشهور، والآخر في المغازي.

شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
- ٦١٨
انتھی .
قال الحافظ: كأنه يشير إلى حديثه عن ابن أخي رُهْم، وأما قوله:
محمد بن عمرو روى عنه ، فخطأ، وقد وضح من كلام الذهلي كما
تقدم، وقد ذكره مسلم، وغير واحد في الوُحْدان، وقالوا: لم يرو عنه
غير الزهري. وقال الدوري، عن يحيى بن سعيد: عمارة بن أكيمة
ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: هو من مشاهير التابعين بالمدينة. وقال
أبو بكر البزار: ابن أكيمة ليس مشهورًا بالنقل، ولم يحدث عنه إلا
الزهري. وقال الحميدي: هو رجل مجهول، وكذا قال البيهقي، قال :
واختلفوا في اسمه، فقيل: عمارة، وقيل: عَمَّار.
وقال ابن عبد البر: إصغاء سعيد بن المسيب إلی حدیثه دليل على
جلالته عندهم، وكأنه تلقى ذلك من كلام ابن معين المتقدم. وقال ابن
حبان في ((الثقات)): يشبه أن يكون المحفوظ أن اسمه عمار. أخرج له
البخاري في ((جزء القراءة خلف الإمام)»، والباقون سوى مسلم.
٥ - (أبو هريرة) الدوسي الصحابي الشهير رضي الله عنه، تقدم
في ١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله ثقات، وأنهم من
رجال الجماعة، إلا ابن أكيمة، فما أخرج له مسلم، وأخرج له البخاري
في ((جزء القراءة))، وأنه مسلسل بالمدنيين، وفيه رواية تابعي، عن تابعي،

٦١٩ _
٢٨ - باب ترك القراءة خلف الإمام فيما بهر به - حديث رقم ٩١٩
وفيه أبو هريرة أكثر الصحابة حديثًا، روى ٥٣٧٤ حديثًا. والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن رسول الله عَ ◌ّه انصرف من
صلاة، جهر فيها بالقراءة) جملة ((جهر)) في محل جر صفة لـ ((صلاة)).
وفي رواية أبي داود من طريق ابن عيينة، عن الزهري، قال: سمعت
ابن أكيمة يحدث سعيدَ بنَ المسيب، قال: ((سمعت أبا هريرة يقول:
صلى بنا رسول الله ◌َيّه صلاة نظن أنها الصبح ... )).
(فقال: ((هل قرأ معي أحد منكم آنفًا) أي قريبا.
قال العلامة السمين الحلبي رحمه الله : عند تفسير قوله تعالى :
مَاذَا قَالَ آنفًا ﴾ [محمد : ١٦]: فیه وجهان:
أحدهما: أنه منصوب على الحال، فقدره أبو البقاء: ما قال
مؤتنفًا، وقدره غيره: مبتدئًا، أي القول الذي ائتنفه الآن قبل انفصاله
عنه .
الثاني: أنه منصوب على الظرف، أي ماذا قال الساعةَ، قاله
الزمخشري، وأنكره أبو حيان، قال: لأنا لم نعلم أحدًا عدّه من
الظروف.
واختلفت عباراتهم في معناه، فظاهر عبارة الزمخشري أنه ظرف

شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
- ٦٢٠
حالي، كالآن، ولذلك فسره بالساعة. وقال ابن عطية: والمفسرون
يقولون: آنفًا، معناه: الساعة الماضية القريبة منا. وهذا تفسير بالمعنى،
وقرأ البَزيُّ بخلاف عنه: ﴿أَنفَا﴾ بالقصر، والباقون بالمدّ، وهما لغتان
بمعنى، وهما اسم فاعل، كحاذر، وحَذر، وآسن، وأسن، إلا أنه لم
يستعمل لهما فعل مجرد، بل المستعمل ائتنف يأتنف، واستأنف
يستأنف، والائتناف، والاستئناف: الابتداء. قال الزجاج: هو من
استأنفت الشيء: إذا ابتدأته، أي ماذا قال في أول وقت يقرب منا.
انتهى كلام السمين(١).
(قال رجل: نعم يا رسول الله، قال: أقول) أي في نفسي
(ما لي أنازع القرآن؟) بالبناء للمفعول، و((القرآن)) منصوب بنزع
الخافض، أي أجاذَب، وأغَالَب في قراءته، كأني أجذبه إليّ من غيري،
ويجذبه غيري مني إليه.
قال السندي رحمه الله: يحتمل أنهم جهروا بالقراءة خلفه،
فشغلوه، والمنع مخصوص به، ويحتمل أنه ورد في غير الفاتحة كما
تقدم، ويحتمل العموم، فلا يقرأ فيما يجهر فيه الإمام أصلاً؛ لا
الفاتحة، ولا غيرها، لا سرّاً، ولا جهرًا، وما جاء عن أبي هريرة من
قوله: ((اقرأ بها في نفسك يا فارسي)) يحمل على السرّ. والله تعالى
أعلم. انتهى كلام السندي رحمه الله تعالى (٢).
(١) ((الدر المصون في علوم الكتاب المكنون)) جـ ٦ ص ١٥٢ .
(٢) شرح السندي جـ ٢ ص ١٤١ .