Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ - ٢٣- ترك قراءة («بسم الله الرحمن الرحيم)» في فاتحة الكتاب - حديث رقم ٩٠٩ ٢٣ - تَرْكُ قراءة ((بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) فِي فَاتِحَة الكِتَاب أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على جواز ترك قراءة البسملة في ((الفاتحة))، ومثل الفاتحة في ذلك غيرها، إلا في وسط سورة النمل، فإنه منها بالإجماع، كما سيأتي في المسائل إن شاء الله تعالى. ٩٠٩ - أخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ أبَا السَِّبِ مَوْلَى هِشَامٍ بْنِ زُهْرَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ عَهُ: ((مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بـ ((أم الْقُرْآنِ))، فَهِيَ خِدَاجٌ، هِيَ خِدَاجٌ، هِيَ خِدَاجٌ، غَيْرُ تَمَامٍ. فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنِّي أحْيَانًا أَكُونُ وَرَاءَ الإِمَامِ؟، فَغَمَزَ ذِرَاعِي، وَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا يَا فَارِسِيُّ فِي نَفْسِكَ، فَإِنِّي سَمَعْتُ رَسُولَ اللهِعَهُ يَقُولُ: (يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُهَا لِي، وَنَصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلَعَبْدِي مَا سَأَلَ)، قَالَ رَسُولُ الله ◌َ: ((اقْرَؤُوا، يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، - ٤٦٢ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: حَمَدَنِي عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣]، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أثْنَى عَلَيَّ عَبْدي، يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، فَهَذه الآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلَعَبْدِي مَا سَألَ، يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]، فَهَؤُلاء لعَبْدي، وَلَعَبْدي مَا سَأل)). رجال هذا الإسناد : خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١ . ٢ - (مالك) بن أنس، الإمام الحجة الفقيه المدني، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧ . ٣ - ( العلاء بن عبد الرحمن) بن يعقوب الحُرَقي، أبو شبْل المدني، مات سنة بضع وثلاثين ومائة، صدوق، ربما وهم، من [٥]، ٤٦٣ - ٢٣- ترك قراءة ((بسم الله الرحمن الرحيم)» في فاتحة الكتاب - حديث رقم ٩٠٩ أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠٧/ ١٤٣ . ٤ - (أبو السائب مولى هشام بن زُهرة) ويقال: مولى عبد الله ابن هشام بن زهرة، ويقال: مولى بني زهرة الأنصاري المدني، يقال: اسمه عبد الله بن السائب، ثقة من [٣]، روى عن أبي هريرة، وأبي سعيد، والمغيرة بن شعبة، وسعد بن أبي وقاص. وعنه العلاء بن عبد الرحمن، وصيفي مولى أفلح، وأسماء بن عبيد، وبكير بن عبد الله بن الأشج، وغيرهم. ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة مقبول النقل. أخرج ه البخاري في ((جزء القراءة))، والباقون(١). ٥ - (أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في ١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من خماسيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا أبا السائب، فما أخرج له البخاري في ((صحيحه)). ومنها : أنه مسلسل بالمدنیین، وقتيبة، وإن كان بغلانيًا، إلا أنه دخل المدينة، فقد روى عن مالك وغيره من علماء المدينة كثيراً . ومنها : رواية تابعي، عن تابعي؛ العلاء، عن أبي السائب. والله (١) (تت)) جـ ١٢ ص ١٠٤. شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح - ٤٦٤ تعالى أعلم. شرح الحديث (عن العلاء بن عبد الرحمن) الْحُرَقي المدني (أنه سمع أبا و السائب مولى هشام بن زهرة) بضم الزاي، الأنصاري المدني (يقول: سمعت أبا هريرة) رضي الله عنه (يقول: قال رسول الله عَ له: ((من صلى صلاة) عام يشمل الفرض والنفل (لم يقرأ فيها بأم القرآن) أي الفاتحة، وسميت بأم القرآن لاشتمالها على مقاصده من الثناء على الله تعالى بما هو أهله، والتعبد بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، ولاشتمالها على أحوال المعاش والمعاد، وعلى مدح المهتدين، وذم المفرطين، وغير ذلك (فهي) أي الصلاة التي لم يقرأ فيها بأم القرآن (خداج، هي خداج، هي خداج) أي ناقصة نقص فساد وبطلان. قال في ((النهاية)): الخدَاج: النقصان، وإنما قال: ((فهي خداج))، والخداج مصدر على حذف المضاف، أي ذات خداج، أو يكون قد وصفها بالمصدر نفسه مبالغةً، كقوله: فإنما هي إقبالٌ وإدبارٌ. انتهى(١). والتكرار فيه للتأكيد. والخدَاج - بالكسر - : النقصان. وفي ((ق)): الخدَاج، ككتاب: إلقاء الناقة ولدها قبل تمام الأيام، والفعلُ: كنصر، وضرب. انتهى(٢). (١) ((نهاية ابن الأثير)) جـ ٢ ص ١٢ . (٢) ((ق)) بزيادة يسيرة ص ٢٣٧ . ٤٦٥ _ ٢٣- ترك قراءة ((بسم الله الرحمن الرحيم)) في فاتحة الكتاب - حديث رقم ٩٠٩ وقال ابن منظور رحمه الله : خَدَجَت الناقةُ، وكلّ ذات ظلْف وحافر، تَخْدُجُ، وتَخْدِجِ خِداجًا، وهي خَدُوجٌ، وخارجٌ، وخَدَجَتْ، وخَدَّجَت: ألقت ولدها قبل أوانه لغير تمام الأيام، وإن كان تام الخلق. قال الحسين بن مُطَير [من البسيط]: لَمَّا لَقِحْنَ لِمَاءِ الْفَحْلِ أَعْجَلَهَا وَقْتَ النِّكَاحِ فَلَمْ يُتْمِمْنَ تَخْدِيجُ وقد يكون الخداج لغير الناقة؛ أنشد ثَعْلَب [من الرجز]: يَوْمَ تَرَى مُرْضِعَةً خَلُوجَا وَكُلَّ أَنْشَى حَمَلَتْ خَدُوجَا أفلا تراه عم به؟. وفي الحديث: ((كل صلاة، لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فهي خدَاجٌ))، أي ذات خداج، وهو النُقْصَانُ، وهذا مذهبهم في الاختصار للكلام، كما قالوا: عبدُ الله إقبال وإدبار، أي مُقبل، ومُدبر، أحَلُّوا المصدر محل الفعل. انتهى كلام ابن منظور رحمه الله باختصار(١). وقال الإمام الخطابي رحمه الله في ((المعالم)): ((فهي خداج))، أي ناقصة نقص فساد وبطلان، تقول العرب: أخدجت الناقة: إذا ألقت ولدها، وهو دم لم يستبن خلقه، فهي مُخدجٌ، والخداج اسم مبني منه . انتھی . وقال النووي رحمه الله : قال الخليل بن أحمد، والأصمعي، (١) لسان العرب جـ ٢ ص ١١٠٨. - ٤٦٦ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح وأبو حاتم السجستاني، والهروي رحمهم الله تعالى، وآخرون: الخداج: النقصان، يقال: خدجت الناقة: إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج، وإن كان تام الخلق، وأخدجته: إذا ولدته ناقصًا، وإن كان لتمام الولادة، ومنه قيل لذي اليُدَيَّة: مُخْدَجُ اليد، أي ناقصها. قالوا: فقوله تعَّة: ((خداج))، أي ذات خداج. وقال جماعة من أهل اللغة: خدجت، وأخدجت: إذا ولدت لغير تمام. انتهى (١). وفيه فرضية قراءة الفاتحة في كل صلاة، وأن الصلاة إذا لم تقرأ فيها الفاتحة فهي ناقصة نقص فساد وبطلان؛ لأن الخداج: النقصان والفساد، ومن ذلك قولهم: أخدجت الناقة، وخدجت: إذا ولدت قبل تمام وقتها، وقبل تمام الخلق، وذلك نتاج فاسد. وقد زعمت الحنفية أن قوله : ((خداج)) يدل على جواز الصلاة، لأنه النقصان، والصلاة الناقصة جائزة. وهذا حكم فاسد(٢). (غير تمام) أي غير تامة أجزاؤها، وهو بدل من ((خداج))، أو عطف بيان له. وفي ((المنهل)): هو من كلامه نَّه، ذكره بيانًا لمعنى (الخداج))، أو تأكيدًا له. ويحتمل أن يكون من كلام الراوي قد أدرجه في الحديث. انتهى (٣). (١) شرح مسلم جـ ٤ ص ١٠١ . (٢) عون المعبود جـ ٣ ص ٣٨ - ٣٩. (٣) المنھل جـ ٥ ص ٢٤٧. ٤٦٧ - ٢٣- ترك قراءة ((بسم الله الرحمن الرحيم)» في فاتحة الكتاب - حديث رقم ٩٠٩ قال الجامع عفا الله عنه: دعوى الإدراج بدون دليل غير صحيح. والله تعالى أعلم. وفي هذا حجة للجمهور القائلين بفرضية قراءة الفاتحة في الصلاة. وما قيل من أن النقص لا يستلزم البطلان محله ما لم تقم قرينة على أن المراد به النقصان المؤدي إلى البطلان كما هنا، وهنا القرينة قائمة، وهي ما ذكره أبو هريرة رضي الله عنه حجةً على عدم الإجزاء، من قوله تعَّ: ((قال الله تعالى: قسمت الصلاة ... )). وقال الباجي رحمه الله: قوله ◌َّه: ((من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خداج)) يعني ناقصة عما يجب فيها، وكذلك قال عيسى بن دينار، وابن نافع: إن الخداج الناقص الذي لا يتم، وذلك يقتضي ألا تكون مجزئة . وقد تعلق بعض من تكلم في ذلك بهذا اللفظ، وجعله دليلاً على الإجزاء؛ لأنه سماها صلاة، ووصفها بالنقصان، وذلك يقتضي أن يثبت لها حكم الصلاة، وإن نقصت فضيلتها، أو صفة من صفاتها، لا تخرج بعدمها عن كونها صلاة. وليس هذا بصحيح؛ لأن اسم الصلاة يطلق على المجزئ منها، وغير المجزئ، يقال: صلاة فاسدة، وصلاة غير مجزئة، كما يقال: صلاة صحيحة، وصلاة مجزئة، وإطلاق اسم النقصان عليها يقتضي نقصان أجزائها، والصلاة لا تتبعض، فإذا بطل بعضها بطل جميعها، ولا يجوز أن يطلق اسم النقصان على عدم - ٤٦٨ · شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح الفضيلة لمن كملت أجزاؤه. انتهى(١). وقال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله : وقد زعم من لم يوجب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة، وقال: هي وغيرها سواء، أن قوله: ((خداج)) يدل على جواز الصلاة، لأنه نقصان، والصلاة الناقصة جائزة. وهذا تحكم فاسد، والنظر يوجب في النقصان ألا تجوز معه الصلاة؛ لأنها صلاة لم تتم، ومن خرج من صلاة قبل أن يتمها فعليه إعادتها تامة كما أمر على حسب حكمها، ومن ادعى أنها تجوز مع إقراره بنقصانها فعليه الدليل، ولاسبيل إليه من وجه يلزم. والله أعلم. انتھی (٢) (٢) . قال أبو السائب: (فقلت: إِني أحيانًا أكون وراء الإِمام) أي أكون في بعض الأوقات مقتديًا بالإمام، فهل علي من حرج في عدم قراءتها؟ (فغمز ذراعي) من باب ضرب: أي عَصَرَ ساعدي، والغَمْز: العَصْرُ، قال زيَادُ الْعَجَمُ [ من الطويل]: وَكُنْتُ إِذَا غَمَزْتُ قَنَاةَ قَوْمٍ كَسَرْتُ كُعُوبَهَا أَوْ تَسْتَقِيمَا وغَمَزْتُ الناقة، أغْمِزُها غَمْزًا: إذا وضعت يدك على ظهرها، لتنظر أبها طرْقٌ(٣) أم لا؟. أفاده في ((اللسان)) (٤). (١) المنهل العذب المورود جـ ٥ ص ٢٤٧ . (٢) الاستذكار جـ ٤ ص ١٩٣ . (٣) ((الطّرق)) بالكسر: الشحم، والقوة، والسِّمَن. قاله في ((ق)) ص ١١٦٦ . (٤) لسان باختصار، وزيادة ج ٥ ص ٣٢٩٦. ٤٦٩ _ ٢٣- ترك قراءة ((بسم الله الرحمن الرحيم)» في فاتحة الكتاب - حديث رقم ٩٠٩ و((الذراع)): اليد من كل حيوان، لكنها من الإنسان من المرفق إلى أطراف الأصابع، وهو أنثى، وبعض العرب يذكره، قال ابن الأنباري: وأنشدنا أبو العباس، عن سلمة، عن الفراء شاهدًا على التأنيث قولَ الشاعر [من الرجز]: أَرْمِي عَلَيْهَا وَهْيَ فَرْعٌ أَجْمَعُ وَهْيَ ثَلاثُ أَذْرُعِ وَإِصْبَعُ وعن الفراء أيضا: الذراع أنثى، وبعض عُكْل يذكر، فيقول: خمسة أذرع. قال ابن الأنباري: ولم يَعرف الأصمعيُّ التذكيرَ. وقال الزجاج: التذكير شاذ غير مختار. وجمعها: أذْرُعٌ، وذُرْعَانٌ. حكاه في ((العُبَاب))(١) . وإنما غمز أبو هريرة رضي الله عنه ذراعه على معنى التأنيس له، والتنبيه على فهم مراده، والبَعْث له على جمع ذهنه، وفهم جوابه. قاله الباجي رحمه الله تعالى. (وقال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي) معناه: اقرأ بفاتحة الكتاب سّراً في نفسك. وفيه حجة للمذهب الراجح أن المأموم يقرأ الفاتحة خلف الإمام مطلقًا، سرية كانت أو جهرية. وسيأتي تحقيق ذلك في موضعه، إن شاء الله تعالى. قال النووي رحمه الله : وأما ما حمله عليه بعض المالكية وغيرهم (١) ((المصباح المنير)) جـ ١ ص ٢٠٧ - ٢٠٨. - ٤٧٠ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح أن المراد تَدَبَّرْ ذلك، وتذكره، فلا يقبل، لأن القراءة لا تطلق إلا على حرجة اللسان بحيث يسمع نفسه، ولهذا اتفقوا على أن الجنب لو تدبر القرآن بقلبه من غير حركة لسانه لا يكون قارئًا مرتكبًا لقراءة الجنب المحرمة. انتهى. ولعل أبا السائب كان أصله من فارس، فلهذا قال له أبو هريرة رضي الله عنه: يا فارسي. والله تعالى أعلم. (فإني سمعت رسول الله تَّه) هذا استدلال من أبي هريرة رضي الله عنه على أمره بقراءة الفاتحة وراء الإمام، وأنه لا يعذر المأموم بكونه وراء الإمام في ترك قراءتها، ووجه الاستدلال أن الله تعالى سمى الفاتحة صلاة، وقسمها بينه وبين عبده نصفين، فمن لم يقرأها في صلاته كان غير مصلٌ، فلابد لكل مصلّ أن يقرأها، إمامًا كان ، أو مأمومًا، أو منفردًا. والله تعالى أعلم. (يقول: يقول الله عز وجل) ولفظ الكبرى ((قال الله تعالى)) بصيغة الماضي، وكذا في مسلم، ولأبي داود: ((قال الله عز وجل)) (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي) أراد بالصلاة الفاتحة، كما يدلّ عليه تمام الحديث، وسميت صلاة لأن الصلاة لا تصح إلا بها، ففيه إطلاق اسم الكل على الجزء، ونظيره قوله تَّة: ((الحج عرفة)). وقال الخطابي رحمه الله: يريد بالصلاة القراءة. يدل على ذلك ٤٧١ - ٢٣- ترك قراءة ((بسم الله الرحمن الرحيم)» في فاتحة الكتاب - حديث رقم ٩٠٩ قوله عند التفسير له، والتفصيل للمراد منه: ((إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ للَّه رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] يقول الله: حمدني عبدي ... )) إلى آخر السورة. وقد تسمى القراءة صلاة لوقوعها في الصلاة، وكونها جزءاً من أجزائها، كقوله تعالى: ﴿ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافتْ بِهَا ﴾ ١ [الإسراء: ١١]. قيل: معناه القراءة، وقال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] أراد صلاة الفجر، فسمى الصلاةَ مرة قرآنًا، والقرآن مرة صلاة، لانتظام أحدهما بالآخر. يدل على صحة ما قلناه قوله: ((بيني وبين عبدي نصفين))، والصلاة خالصة لله ، لا شرْك فيها لأحد، فعُقْلَ أن المراد به القراءة. وحقيقة هذه القسمة منصرفة إلى المعنى لا إلى متلو اللفظ ؛ وذلك أن السورة من جهة المعنى نصفها ثناء، ونصفها مسألة ودعاء، وقسم الثناء ينتهي إلى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وهو تمام الشطر الأول من السورة، وباقي الآية، وهو قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَستَعِين﴾ من قسم الدعاء والمسألة، ولذلك قال: ((وهذه بيني وبين عبدي)). ولو كان المراد به قسم الألفاظ والحروف لكان النصف الأخير يزيد على الأول زيادة بينة، فيرتفع معنى التعديل والتنصيف، وإنما هو قسمة المعاني، كما ذكرته لك، وهذا كما يقال: نصف السنة إقامة، ونصفها سفر، يريد به انقسام أيام السنة مدة للسفر، ومدة للإقامة، لا على سبيل التعديل والتسوية بينهما حتى يكونا سواء، لا يزيد أحدهما على - ٤٧٢ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح الآخر. وقيل لشُرَيح: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت، ونصف الناس علي غضَاب. يريد أن الناس محكوم له، ومحكوم عليه، فالمحكوم عليه غضبان عليّ لاستخراجي الحقَّ منه، وإكراهي إياه عليه. وكقول الشاعر [من الطويل]: إِذَا مِتُّ كَانَ النَّاسُ نِصْفَيْنِ شَامِتٌ بِمَوْتِي وَمُثْنٍ بِالَّذِي كُنْتُ أَفْعَلُ انتهى كلام الخطابي رحمه الله تعالى(١). (فنصفها لي) مبتدأ وخبر، أي نصف الفاتحة خاص بي، وهو الثلاث الآيات الأول ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدّين﴾ [الفاتحة: ٢ - ٣ - ٤]، (ونصفها لعبدي) أي خاص به، وهو من: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمُ﴾ إلى آخر السورة. والإضافة في قوله: ((عبدي)) إضافة تشريف وتكريم، حيث تحقق بصفات العبودية، والقيام بحقوق الربوبية، وشهوده آثارهما، وأسرارهما في صلاته التي هي معراج الأرواح، وروح الأشباح، وغرس تجليات الأسرار التي يتخلى بها العبد عن الأغيار. ولما كان وصف العبودية غايةَ الكمال؛ إذ به ينصرف الإنسان من الخلق إلى الحق وَصَفَ به الله تعالى به نبيه تَّ في مقام الكرامة، فقال: ﴿سَبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدَه لَيْلاً﴾ [الإسراء: ١] الآية، وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] الآية، وقال: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠](٢). (١) ((معالم السنن)) جـ ١ ص ٣٨٨ - ٣٨٩. (٢) ((المنهل العذب المورود)) بتصرف جـ ٥ ص ٢٤٨. ٤٧٣ - ٢٣- ترك قراءة ((بسم الله الرحمن الرحيم)» في فاتحة الكتاب - حديث رقم ٩٠٩ (ولعبدي ما سأل) وعد من الله سبحانه وتعالى لعبده أن يجيب دعاءه . (قال رسول الله ◌َّه: اقرؤوا) أي اقرؤوا الفاتحة، فیه إیجاب قراءتها على جميع المصلين؛ لكونها أعظم أركانها حتى سماها الله تعالى صلاة، فمن لم يقرأها لم يصل صلاة صحيحة. وليست هذه اللفظة عند مسلم . ( يقول العبد): وفي رواية مسلم: ((فإذا قال العبد)). وهذا بيان للصلاة التي قسمها الله تعالى بينه وبين عبده، وبيان لمعنى القسمة لها، فذكر ◌َّ ما يقوله الله تعالى عند قراءة العبد كل آية منها، وأعلم العبد أنه يسمع قراءته، وحمده، وثناءه علیه، وتمجيده إياه، ودعاءه، ورغبته إليه، حَضّاً للعبد على الخشوع عند قراءة هذه السورة المختصة بهذه المعاني الجليلة التي لا تكاد تجتمع في غيرها من السور. وفيه حجة لمن قال: إن البسملة ليست من الفاتحة، ولو كانت منها لبدأ بها، وذكر فضلها كما ذكر فضل كل آية منها(١) . (﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾) القراء السبعة على ضم الدال، وهو مبتدأ وخبر، وروي عن سفيان بن عيينة، ورؤية بن العجاج، أنهما قرءا بالنصب، وهو على إضمار فعل، وقرأ ابن أبي عبلة بضم الدال واللام، إتباعًا (١) أفاده في المنھل جـ ٥ ص ٢٤٨ . - ٤٧٤ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح للثاني الأول، وله شواهد، لكنه شاذ، وعن الحسن، وزيد بن علي بكسر الدال، إتباعا للأول الثاني. قال الإمام أبو جعفر ابن جرير رحمه الله: معنى ﴿الْحَمْدُ للَّه﴾ الشکر لله خالصًا، دون سائر ما یعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه، بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد، ولا يحيط بعددها غيره أحد، في تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، وغذّاهم به من نعيم العيش، من غير استحقاق منهم ذلك عليه، ومع ما نبههم عليه، ودعاهم إليه، من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم، فلربنا الحمد على ذلك كله، أولاً وآخراً. قال رحمه الله : ﴿الْحَمْدُ للهِ﴾ ثناء أثنى به على نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه، فكأنه قال: قولوا: ﴿الْحَمْدُ للَّهِ﴾ .. قال: وقد قيل: إن قول القائل: ﴿الْحَمْدُ للَّهِ ﴾ ثناء عليه بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وقوله: ((الشكر لله)) ثناء علیه بنعمه، وأياديه . ثم شرع في رد ذلك بما حاصله أن جميع أهل المعرفة بلسان العرب يوقعون كلاً من الحمد والشكر مكان الآخر. وقد نقل السلمي هذا المذهب أنهما سواء عن جعفر الصادق، وابن عطاء من الصوفية، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (( الحمد لله )» كلمة كل شاكر. وقد استدل ٤٧٥ _ ٢٣- ترك قراءة ((بسم الله الرحمن الرحيم)) في فاتحة الكتاب - حديث رقم ٩٠٩ له القرطبي بصحة قول القائل: ((الحمد لله شكرًا)). واعترض الحافظ ابن كثير على قول ابن جرير، بأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخرين، أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية، والشكر لا يكون إلا على المتعدية، ويكون بالجنان، واللسان، والأركان، إلى آخر كلامه(١) . قال الجامع عفا الله عنه: عندي في رد ابن كثير هذا نظر؛ لأن ابن جرير رحمه الله نقل عن المتقدمين، كابن عباس، وجعفر الصادق، فكيف يرد عليه بما اشتهر عند المتأخرين؟ فتبصر. (﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾) أي مالك الخلائق أجمعين، الواحد عالم، وهو اسم يجمع أشياء مختلفة، ومن جعل ((العالمين)) الجن والإنس جعل العالم جمعًا لأشياء متفقة. قاله الأزهري رحمه الله تعالى(٢). وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله : والرب هو المالك المتصرف، ويطلق في اللغة على السيد، وعلى المتصرف للإصلاح، وكل ذلك صحيح في حق الله تعالى، ولا يستعمل الرب لغير الله ، بل بالإضافة، تقول: رب الدار كذا، وأما الرب فلا يقال إلا لله عز وجل. وقد قيل: إنه الاسم الأعظم. ((والعالمين)) جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله عز وجل، (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٤ . (٢) شرح غريب ألفاظ الشافعي ص ٢٢٨ . - ٤٧٦ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح والعالم جمع لا واحد له من لفظه، والعوالم أصناف المخلوقات في السموات، وفي البر، والبحر، وكل قرن منها وجيل يسمى عالمًا أيضا. انتهى . يقول الله تعالى: حمدني عبدي أي أثنى عليّ بما أنا أهله (يقول العبد: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾) صفتان من صفات الله عز وجل، ولا يوصف بـ ((الرحمن)) غير الله تعالى، وأما (( الرحيم)) فجائز أن يقال: فلان رحيم، وهو أبلغ من الراحم. قاله الأزهري رحمه الله . وقال ابن كثير رحمه الله : هما اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، و((رحمن)) أشد مبالغة من ((رحيم))، وفي كلام ابن جرير ما يفهم منه حكاية الاتفاق على هذا، وفي تفسير بعض السلف ما يدل على ذلك. وزعم بعضهم أنه غير مشتق . وقال القرطبي: والدليل على أنه مشتق ما أخرجه الترمذي، وصححه عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه سمع رسول الله عَّه يقول: ((قال الله تعالى: أنا الرحمن خلقت الرحم، وشققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته)). قال: وهذا نص في الاشتقاق، فلا معنى للمخالفة والشقاق، قال: وإنكار العرب لاسم الرحمن لجهلهم بالله ، وما وجب له. وقال أيضًا: ثم قيل: هما بمعنى واحد، كَنَدْمان ونَديم، قاله أبو عبيد. وقيل : ليس بناء فعلان كفعيل، فإن فعلان لا يقع إلا على ٤٧٧ - ٢٣- ترك قراءة ((بسم الله الرحمن الرحيم)» في فاتحة الكتاب - حديث رقم ٩٠٩ مبالغة الفعل، نحو رجل غضبان، للرجل الممتلئ غضبًا، وفعيل قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول. قال أبو علي الفارسي: ((الرحمن)) عام في جميع أنواع الرحمة، يختص به الله تعالى، و((الرحيم)) إنما هو من جهة المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣](١). وقال أيضًا: وصف نفسه تعالى بعد ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ بأنه ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لأنه لما كان في اتصافه بـ ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ترهيب قَرَنَه بـ ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ﴾ لما تضمن من الترغيب، ليجمع في صفته بين الرهبة منه، والرغبة إليه، فيكون أعون على طاعته، وأمنع، كما قال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠]، وقال: ﴿غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: ٣]. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ◌َّة قال: ((لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قَنطَ من جنته أحد)). انتهى كلام القرطبي بنوع تصرف (٢) . ( يقول الله عز وجل: أثنى علي عبدي) حيث اعترف لي بعموم الإنعام على خلقي. (يقول العبد: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾) أي يوم الجزاء بالثواب للطائعين، والعقاب للعاصين ، وهو يوم القيامة، وخص يوم (١) تفسير القرطبي باختصار جـ ١ ص ١٠٦. (٢) المصدر السابق جـ ١ ص ١٣٩. - ٤٧٨ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح الدين بالذكر، لأنه لا ملك ظاهر فيه لأحد إلا الله تعالى. و((مالك)) اسم فاعل، صفة لله تعالى، ولا يقال: إن اسم الفاعل إضافته لفظية، فلا تفيده التعريف، فكيف توصف المعرفة بالنكرة؛ لأن محل كون إضافته لفظية إذا كان للحال، أو الاستقبال، فإن قصد به المضي، أو الدوام كما هنا، فإضافته حقيقية، فتوصف به المعرفة . قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: قرأ بعض القراء ((ملك))، وقرأ آخرون ((مالك))، وكلاهما صحيح متواتر في السبع. انتهى. وقال العلامة القرطبي رحمه الله : اختلف العلماء أيما أبلغ، ((ملك))، أو ((مالك))؟ والقراءتان مرويتان عن النبي عَّه ، وأبي بكر، وعمر، ذكرهما الترمذي، فقيل: ((ملك)) أعم، وأبلغ من ((مالك))؛ إذ كل ملك مالك، وليس كل مالك ملكًا، ولأن أمر الملك نافذ على المالك في ملكه حتى لا يتصرف إلا عن تدبير الملك. قاله أبو عبيدة، والمبرد. وقيل: ((مالك)) أبلغ، لأنه يكون مالكًا للناس وغيرهم، فالمالك أبلغ تصرفًا، وأعظم؛ إذ إليه إجراء قوانين الشرع، ثم عنده زيادة التملك. إلى آخر ما ذكره القرطبي رحمه الله من الأقوال في تفسيره. ( يقول الله عز وجلّ: مجدني عبدي) أي عظمني، وأثنى علي بصفات الجلال. قال النووي رحمه الله: وقوله تعالى: ((حمدني عبدي))، و ((أثنى ٤٧٩ - ٢٣- ترك قراءة («بسم الله الرحمن الرحيم)» في فاتحة الكتاب - حديث رقم ٩٠٩ علي))، و((مجدني))، إنما قاله لأن التحميد: الثناء بجميل الفعال، والتمجيد: الثناء بصفات الجلال، ويقال: أثنى عليه في ذلك كله، ولهذا جاء جوابًا لـ ((الرحمن الرحيم))، لاشتمال اللفظين على الصفات الذاتية والفعلية . وفي رواية مسلم: ((وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: ((مجدني عبدي))، وقال مرة: ((فوَّضَ إلي عبدي)). وقوله: ((فوض إليّ عبدي)) وجه مطابقة هذا لقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أن الله تعالى هو المنفرد بالملك ذلك اليوم، وبجزاء العباد وحسابهم، والدين: الحساب، وقيل: الجزاء، ولا دعوى لأحد ذلك اليوم، ولو مجازًا، وأما في الدنيا فلبعض العباد ملك مجازي، ويَدَّعي بعضهم دعوى باطلة، وهذا كله ينقطع في ذلك اليوم، هذا معناه، وإلا فالله سبحانه وتعالى هو المالك، والملك على الحقيقة للدارين، وما فيهما، ومن فيهما، وكل من سواه مربوب له، عبد مسخر ، ثم في هذا الاعتراف من التعظيم والتمجيد، وتفويض الأمر، ما لا يخفى. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى(١). ( يقول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدَ ﴾) قرأ السبعة بتشديد الياء، من ((إياك))، وقرأ عمرو بن فائد بتخفيفها مع الكسر، وهي قراءة شاذة مردودة، لأن ((إيا)) ضوء الشمس. وقرأ بعضهم ((أياك)) بفتح الهمزة، (١) شرح مسلم جـ ٤ ص ١٠٤ . - ٤٨٠ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح وتشديد الياء، وقرأ بعضهم ((هياك)) بالهاء بدل الهمزة. قال العلامة القرطبي رحمه الله : رجع من الغيبة إلى الخطاب على التلوين؛ لأنه من أول السورة إلى هنا خبر عن الله تعالى، وثناء عليه. و((نعبد)»: معناه نطيع، والعبادة: الطاعة والتذلل، وطريق معبد إذا كان مذللاً للسالكين. قاله الهروي. ونطقُ المكلف به إقرار بالربوبية، وتحقيق لعبادة الله تعالى؛ إذ سائر الناس يعبدون سواه من أصنام وغير ذلك . انتھی. وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: والعبادة في اللغة من الذل، يقال: طريق معبد، أي مذلل، وفي الشرع: عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف. انتهى. (﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينٌ} *) بفتح النون في قراءة الجميع إلا يحيى بن وثّاب، والأعمش، فإنهما كسراها، وهي لغة بني أسد، وربيعة، وبني تميم. أي نطلب العون والتأييد والتوفيق. وقدم المفعول، وهو ((إياك))، وكرر للاهتمام والحصر، أي لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا كمال الطاعة، والدينُ كله يرجع إلى هذين المعنيين، وهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينَ﴾، فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة، وتفويض إلى الله عز وجل . قاله ابن كثير رحمه الله تعالى.