Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ - ٢١ - قراءة ((بسم الله الرحمن الرحيم)) - حديث رقم ٩٠٤ (إِن شانئك هو الأبتر) أي إن مبغضك يا محمد، ومبغض ما جئت به من الهدى، والحق، والبرهان الساطع، والنور المبين هو الأبتر: الأقل الأذلّ المنقطع ذكْره. قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة: نزلت في العاص بن وائل. وقال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رُومانَ: قال: كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله ثمّه يقول: دعوه، فإنه رجل أبتر، لا عقب له، فإذا هلك انقطع ذكره. فأنزل الله هذه السورة. وقال شَمر بن عطية: نزلت في عقبة بن أبي معيط. وقال ابن عباس أيضًا، وعكرمة: نزلت في كعب بن الأشرف، وجماعة من كفار قريش. وقال البزار: حدثنا زياد بن يحيى الحساني، حدثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قدم كعب بن الأشرف مكة، فقالت قريش: أنت سيدهم، ألا ترى إلى الْمُنْصَبَر الْمُنْتَبر(١) من قومه، يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة، وأهل السقاية؟ فقال: أنتم خير منه. قال: فنزلت ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]. قال الحافظ ابن كثير: وهكذا رواه البزار، وهو إسناد (١) وقع في نسخة ابن كثير النصبر بدون الميم، والإصلاح من نسخة من مختصر زوائد مسند البزار للحافظ ابن حجر رحمه الله . المنصبر: الذي لا عقب له. والمنتبر: الذي لا ولد له . شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح - ٤٢٢ صحيح ٠ (١) قال الجامع عفا الله عنه: أخرج المصنف رحمه الله أثر ابن عباس رضي الله عنهما هذا في ((التفسير)) من ((الكبرى))، فقال: ١١٧٠٧ - حدثنا عمرو بن علي، نا ابن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة، قالت قريش: أنت خير أهل المدينة، وسيدهم؟ قال: نعم، قالوا: ألا ترى إلى هذا المُنْتَبر من قومه، يزعم أنه خير منا، ونحن - يعني أهل الحجيج، وأهل السِّدانة - قال: أنتم خير منه، فنزلت: ﴿إِنَّ شَانِتَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]، ونزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَّ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥١ - ٥٢]. وعن عطاء: قال: نزلت في أبي لهب، وذلك حين مات ابن لرسول الله تميّه ، فذهب أبو لهب إلى المشركين، فقال: بُتر محمد الليلة، فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]. وقال ابن عباس: نزلت في أبي جهل. وعنه: ﴿إِنَّ شَانِتَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] يعني عدوك. قال الحافظ ابن كثير: وهذا يعم جميع من اتصف بذلك ممن ذُكرَ، (١) هكذا أورده ابن كثير عن البزار بهذا السند، وصححه، والذي في مختصر زوائد البزار للحافظ ابن حجر سنده هكذا: حدثنا الحسن بن علي الواسطي، ثنا يحيى بن راشد، عن داود ... ثم قال: ضعيف. ولعل هذا الذي أورده ابن كثير سند آخر للبزار في كتاب له آخر. والله تعالى أعلم. -٤٢٣ - ٢١ - قراءة ((بسم الله الرحمن الرحيم)) - حديث رقم ٩٠٤ وغيرهم. وعن عكرمة: الأبتر الفرد. وقال السديّ: كانوا إذا مات ذكور الرجل قالوا: بُتَرَ، فلما مات أبناء رسول الله عَّه قالوا: بُتْر، فأنزل الله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]. قال الحافظ ابن كثير: وهذا يرجع إلى ما قلناه من أن الأبتر الذي إذا مات انقطع ذكْره، فتوهموا لجهلهم أنه إذا مات بنوه انقطع ذكره، وحاشا، وكلا، بل قد أبقى الله ذكره على رؤوس الأشهاد، وأوجب شرعه على رقاب العباد، مستمراً على دوام الآباد، إلى يوم المحشر والمعاد، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم التناد(١). (ثم قال) قَّهُ موضحًا لهم معنى ما أنزل عليه (أتدرون ما · الكوثر؟) أي أتعلمون أيُّ شيء معنى الكوثر الذي أعطاني الله عز وجل؟ (قلنا: الله ورسوله أعلم) بذلك (قال: فإِنه نهر) بفتح، فسكون: الماء الجاري المتسع، والجمع نُهُر - بضمتين - وأنْهُرُّ، والنَّهَر - بفتحتين - لغة، والجمع أنهار، مثل سبب، وأسباب(٢) . (وعدنيه ربي في الجنة) ولمسلم: ((فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل، عليه خير كثير، هو حوض، ترد عليه أمتي يوم القيامة)) (آنيته أكثر من عدد الكواكب) المراد من الآنية الكيزان والأباريق، التي أعدت (١) راجع (( تفسير ابن كثير)) جـ ٤ ص ٥٩٥ - ٥٩٨. (٢) ((المصباح)) جـ ٢ ص ٦٢٧ . - ٤٢٤ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح للشرب منها. وفي رواية لمسلم ((كيزانه كنجوم السماء)). وفي رواية: ((فيه أباريق كنجوم السماء))، وفي رواية: (( والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد النجوم، وكواكبها))، وفي رواية: ((وأن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء))، وفي رواية: ((آنيته عدد نجوم السماء))، وفي رواية: ((ترى فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء))، وفي رواية: ((كأن الأباريق فيه النجوم)). قال النووي رحمه الله : المختار الصواب أن هذا العدد للآنية على ظاهره، وأنها أكثر عددًا من نجوم السماء، ولا مانع عقلي، ولا شرعي يمنع من ذلك، بل ورد الشرع به مؤكدًا، كما قال ◌َّ: ((والذي نفسي بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء)) . وقال القاضي عياض رحمه الله: هذا إشارة إلى كثرة العدد، وغايته الكثيرة، من باب قوله ◌َّ: ((لا يضع العصا عن عاتقه)). وهو ٠٠ باب من المبالغة معروف في الشرع واللغة، ولا يعد كذبًا، إذا كان المخبر عنه في حيز الكثرة، والعظم، ومبلغ الغاية في بابه، بخلاف ما إذا لم يكن كذلك. قال: ومثله: كلمته ألف مرة، ولقيته مائة كرة، فهذا جائز، إذا كان كثيرًا، وإلا فلا. هذا كلام القاضي رحمه الله تعالى. قال النووي رحمه الله تعالى: والصواب الأول. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله النووي رحمه الله حسن جداً. (١) ((شرح مسلم)) جـ ١٥ ص ٥٥ - ٥٧ . ٤٢٥ - ٢١ - قراءة ((بسم الله الرحمن الرحيم)) - حديث رقم ٩٠٤ والله تعالى أعلم. ( تَرِدُهُ عليَّ أمتي) أي تحضره لتشرب، يقال: وَرَدَ علينا زيدٌ: إذا حضر (فيُختَلَجُ العبدُ منهم) بالبناء للمجهول، أي ينتزع، ويقتطع من بينهم (فأقول: يارب إِنه من أمتي، فيقول لي:) أي الله سبحانه وتعالى: (إِنك لا تدري ما أحدثَ بعدك) أي إنك لا تعلم ما أحدث هذا الْمُختَلَجُ من المخالفات لسنتك، والابتداع في دينك. وهذا فيه وعيد شديد لمن يخالف سنة رسول الله عَّه، ويبتدع فيها بأهوائه ما لم ينزل الله تعالى به من سلطان؛ حيث إنه يطرد عن ورود حوضه تَّ الذي من شرب منه مرة لم يظمأ بعده أبدًا، هذا هو الخسران المبين. فيا خسارة المبتدعين، ويا هلاك المتمردين المنحرفين بابتداع ما لم يأذن به الله من الدين ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَأْ مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]. اللهم ارزقنا الاتباع، وجنبنا الابتداع، إنك سميع قريب، مجيب الدعوات. وقد جاءت أحاديث كثيرة في هذا المعنى: فقد أخرج الشيخان عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، قالت: قال النبي ◌َّه: ((إني على الحوض حتى أنظر من يرد علي منكم، وسيؤخذ أناس دوني، فأقول: يارب مني، ومن أمتي، فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا بعدك يرجعون على أعقابهم))، فكان ابن أبي مليكة يقول: اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح - ٤٢٦ أعقابنا، أو أن نفتن في ديننا . وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه: أن النبي ◌َّه خرج يومًا، فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف على المنبر، فقال: ((إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض - أو مفاتيح الأرض - وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخشى عليكم أن تنافسوها)). وفي لفظ لمسلم: قال: صلى رسول الله تَّ على قتلى أحد، ثم صعد المنبر كالْمُوَدِّع الأحياء والأموات، فقال: ((إني فرطكم على الحوض، وإن عرضه كما بين أيلةَ إلى الجُحْفَة، إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها وتقتتلوا، فتهلکوا کما هلك من كان قبلكم)). وعن أبي حازم قال: عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال: قال النبي ◌َّهُ: ((إني فرطكم على الحوض، من مرَّ علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدًا، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبینھم)) . قال أبو حازم: فسمعني النعمان ابن أبي عياش، فقال: هكذا سمعتَ من سهل؟ فقلت: نعم، فقال: أشهد على أبي سعيد الخدري رضي الله عنه لسمعته وهو يزيد فيها: فأقول: ((إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما عملوا بعدك، فأقول: سُحقًا سُحقًا لمن غَيَّرَ بعدي)) . ٤٢٧ - ٢١ - قراءة ((بسم الله الرحمن الرحيم)) - حديث رقم ٩٠٤ وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله عَ ◌ّه، قال: ((يَردُ يوم القيامة رهط من أصحابي، فيُجْلَون عن الحوض،. فأقول: يا رب أصحابي))؟ فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى)). وعنه رضي الله عنه: عن النبي ◌َّه، قال: (( بينما أنا قائم، فإذا زمرة حَتَّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، فقلت : أين؟ قال: إلى النار والله ، قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى. ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، قلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل هَمَل النَّعَم)) (١). وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله ◌َّةُ يقول - وهو بين ظهراني أصحابه: ((إني على الحوض، أنتظر من يرد علي منكم، فو الله ليقتطعن دوني رجال، فلأقولن: أي رب مني، ومن أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما عملوا بعدك، ما زالوا يرجعون على أعقابهم)) . وعن أم سلمة رضي الله عنها: قال رسول الله عَّ: ((إني فرطكم (١) الهمل بفتحتين: الإبل بلا راع، والمعنى أنه لا يرد منهم الحوض إلا القليل. أفاده في ((الفتح)) جـ ١٣ ص ٣٠٨. - ٤٢٨ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح على الحوض، فإياي لا يأتين أحدكم، فيذبّ عني كما يذب البعير الضالّ، فأقول: فيم هذا؟ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول : سحقًا)). وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله عمّ: ((ترد علي أمتي الحوض، وأنا أذود الناس عنه، كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله))، قالوا : يا نبي الله أتعرفنا؟ قال: ((نعم ، لكم سيما ليست لأحد غيركم تردون علي غُرّاً محجلين من آثار الوضوء، ولَيُصَدَّنَّ عني طائفة منكم، فلا يصلون، فأقول: هؤلاء من أصحابي، فيجيبني ملك، فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟!))(١) . قال النووي رحمه الله تعالى: هذا مما اختلف العلماء في المراد به على أقوال : (أحدها): أن المراد به المنافقون والمرتدون، فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل، فيناديهم النبي ◌َُّ للسِّيما التي عليهم، فيقال: ليس هؤلاء مما وعدت بهم، إن هؤلاء بدلوا بعدك، أي لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم. (الثاني): أن المراد من كان في زمن النبي عم ◌ٍّ ، ثم ارتد بعده، فيناديهم النبي ◌َّه ، وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء، لما كان (١) ((صحيح مسلم)) بنسخة (شرح النووي)) جـ ١٥ ص ٥٢ - ٥٩. وجـ ٣ ص ١٣٦ - ١٣٧ . ٤٢٩ - ٢١ - قراءة ((بسم الله الرحمن الرحيم)) - حديث رقم ٩٠٤ يعرفه تَّ في حياته من إسلامهم، فيقال: ارتدوا بعدك. (الثالث): أن المراد بهم أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد، وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام. وعلى هذا القول لا يقطع لهؤلاء الذين يُذَادون بالنار، بل يجوز أن يذادوا عقوبة لهم، ثم يرحمهم الله سبحانه وتعالى، فيدخلهم الجنة بغير عذاب . قال أصحاب هذا القول: ولا يمتنع أن يكون لهم غرة وتحجيل. ويحتمل أن يكون كانوا في زمن النبي ◌َّهِ وبعده، لكن عرفهم بالسيما . وقال الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله : كل من أحدث في الدين فهو من المطرودين عن الحوض، كالخوارج، والروافض، وسائر أصحاب الأهواء. قال: وكذلك الظََّمة المسرفون في الجور، وطمس الحق، والمعلنون بالكبائر. قال: وكل هؤلاء يُخاف عليهم أن يكونوا ممن عنوا بهذا الخبر. والله أعلم . انتهى كلام الإمام النووي رحمه الله تعالى(١). والله سبحانه وتعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: (١) ((شرح مسلم)) جـ ٣ ص ١٣٩ - ١٣٧ . - ٤٣٠ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح حديث أنس بن مالك رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم . المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا - ٩٠٤/٢١ - وفي ((الكبرى)) - ٩٧٧/٢١ - وفي التفسير منه - ١١٧٠٢ - عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر، عن المختار بن فلفل، عنه. والله أعلم. المسألة الثالثة: فیمن أخرجه معه : أخرجه مسلم عن أبي كريب، عن محمد بن فضيل، عن المختار بن فُلْفُل، عنه. وعن علي بن حُجْر بسند المصنف. وأبو داود عن محمد بن فضيل به. وأحمد جـ ٣ ص ١٠٢ . والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها : ما ترجم له المصنف رحمه الله، وهو مشروعية قراءة البسملة، لكونها من مسمى السورة، حيث إن النبي ◌َّه قال: ((نزلت علي سورة))، ثم بين أَنَّ السورة من جملتها ((بسم الله الرحمن الرحيم))، وسيأتي تمام الكلام على هذا قريبًا، إن شاء الله تعالى. ومنها: تفسير الكوثر الذي أعطاه الله لنبيه ◌َّه، وهو التفسير الذي يجب تقديمه على بقية الأقوال المتقدمة، وقد تقدم عن القرطبي رحمه الله أنه قال: أصح هذه الأقوال الأول والثاني - يعني القول بأنه نهر في الجنة، والقول بأنه الحوض - وهو كما قال، لثبوته عن ٤٣١ - ٢١ - قراءة ((بسم الله الرحمن الرحيم)) - حديث رقم ٩٠٤ النبي ◌َّه، ولا تنافي بين القولين، إذ النهر يكون في داخل الجنة، فيصب على الحوض خارجها، فالنهر أصل الحوض. والله تعالى أعلم. ومنها: جواز النوم في المسجد، لأن هذه القصة وقعت في المسجد، كما ثبت في رواية المصنف في ((الكبرى)) في ((التفسير))، وكذا هو في بعض روايات مسلم. ومنها : جواز نوم الإنسان بحضرة أصحابه . ومنها : أن التابع إذا رأى من متبوعه تبسمًا، أو غيره مما يقتضي حدوث أمر، يستحب له أن يسأل عن سببه . ومنها: إثبات حوضه عَمُّ ، وبيان سعته، وكثرة آنيته، والإيمان به واجب . ومنها: كثرة عناية الله سبحانه وتعالى بنبيه ثمّه، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ [النساء: ١١٣]. ومنها: الوعيد العظيم لمن بدل سنة النبي تمّه، وابتدع فيها بدعة؛ حيث إنه يطرد عن هذا الحوض الذي يسع أمته تَّه في مثل ذلك اليوم الشديد العطش. نسألك اللهم أن تجعلنا ممن يتقيد بسنة نبيك محمد خلّه ، وتجنبنا الابتداع في شريعتك، وتجمعنا معه في دار كرامتك، إنك سميع الدعاء. آمين . والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . - ٤٣٢ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح ٩٠٥ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا السَّيْتُ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي هِلالٍ، عَنْ نُعَيْمٍ ء الْمُجَمر، قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَرَاً: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]، ثُمَّ قَرَأ بأم الْقُرْآنِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، فَقَالَ: ((آمينَ))، فَقَالَ النَّاسُ: ((آمينَ))، وَيَقُولُ كُلَّمَا سَجَدَ: ((الله أكْبَرُ))، وَإِذَا قَامَ مِنَ الْجُلُوسِ فِي الاثْنَين قَالَ: ((الله أكْبَرُ)، وَإِذَا سَلَّمَ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأشْبَهُكُمْ صَلاةَ برَسُول الله تَٹ. رجال هذا الإسناد: سبعة ١ - (محمد بن عبد الله بن عبد الحكم) بن أعْيَن المصري الفقيه، مات سنة ٢٦٨، وله ٨٦ سنة، ثقة، من [١١]، أخرج له النسائي، تقدم في ١٦٦/١٢٠. ٢ - (شعيب) بن الليث بن سعد الفهمي مولاهم، أبو عبد الملك المصري الفقیه، مات سنة ١٩٩، وله ٦٤ سنة، ثقة نبیل فقیه، من كبار [١٠]، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، تقدم في ١٦٦/١٢٠ . ٤٣٣ - ٢١ - قراءة («بسم الله الرحمن الرحيم)) - حديث رقم ٩٠٥ ٣ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث المصري، ثقة ثبت فقيه إمام مشهور ، مات في شعبان سنة ١٧٥ ، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٥/٣١. ٤ - (خالد) بن يزيد الجُمَحي، ويقال: السَّكْسَكيُّ، أبو عبد الرحيم المصري، مات سنة ١٣٩، ثقة فقيه، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤١ / ٦٨٦ . ٥ - (ابن أبي هلال) هو سَعيد الليثي مولاهم، أبو العلاء المصري، قيل: مدني الأصل، وقال ابن يونس: بل نشأ بها، مات بعد ١٣٠، وقيل: قبلها، وقيل: قبل ١٥٠ بسنة، صدوق، ليس لابن حزم في تضعيفه سلف، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤١/ ٦٨٦. تنبيه: وقع في هذا السند تحريف في سعيد بن أبي هلال، حيث كتب ((عن أبي هلال))، وهو غلط، والصواب ((عن ابن أبي هلال)). وقد مرّ برقم ٦٨٦/٤١ على الصواب. فتنبه . ٦ - (نعيم المجمر) ابن عبد الله ، أبو عبد الله المدني، مولى آل عمر بن الخطاب، يعرف بالمجمر، هو وكذا أبوه، ثقة من [٣]، أخرج له الجماعة . قال ابن معين، وأبو حاتم: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. وقال ابن أبي مريم، عن مالك: سمعت نعيمًا المجمر يقول: - ٤٣٤ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح جالست أبا هريرة عشرين سنة . وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: إن المجمر لقب أبيه عبد الله ، قال: لأنه كان يأخذ الْمجْمَرَة قُدَّام عمر (١). تنبيه: قال في ((صه)): نعيم بن عبد الله المجمر - بإسكان الجيم - وفي هامشه: وكسر الميم، ويقال: بفتح الجيم، وتشديد الميم الثانية المكسورة، وقيل له: المجمر، لأنه كان يجمر مسجد رسول الله عَليه ، أي يُبَخِّرُه، والمجمر صفة لعبد الله، ويطلق على ابنه نعيم مجازًا. والله أعلم. وفي ((ت)): المجمر بسكون الجيم، وضم الميم الأولى، وكسر الثانية. انتهى . ٧ - (أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في ١/١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من سباعيات المصنف رحمه الله . ومنها : أن رواته كلهم ثقات فقهاء . ومنها : أن الثلاثة الأولين مصريون، والباقون مدنيون. ومنها : أن فيه رواية الابن عن أبيه . (١) (تت)) جـ ١٠ ص ٤٦٥. ((ت)) ص ٣٥٩. ((صه)) ص ٤٠٣. ٤٣٥ _ ٢١ - قراءة ((بسم الله الرحمن الرحيم)) - حديث رقم ٩٠٥ ومنها : أن أبا هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، روى - ٥٣٧٤ - حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن نعيم المجمر) تقدم آنفًا أنه اسم فاعل من الإجمار، أو من التجمير، وأنه لقب له، ولأبيه أيضًا، أنه (قال: صليت وراء أبي هريرة) رضي الله عنه (فقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾) قال السندي رحمه الله: يدل على أن البسملة تقرأ في أول الفاتحة، ولا يدل على الجهر بها. انتهى(١) . قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر السياق، يدل على أن قراءته للبسملة كان جهرًا، فدلالة الحديث على الجهر أظهر، وهو الذي أراده المصنف رحمه الله، حيث قابل بترجمة هذا الباب ترجمة الباب التالي، فقال هنا: [قراءة ((بسم الله الرحمن الرحيم))]، وقال في الآتي: [ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم]. وقال الحافظ رحمه الله تعالى ما حاصله: أن حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا أصح ما ورد في هذا الباب، وقد تُعُقِّبَ الاستدلال به لاحتمال أن يكون أبو هريرة أراد بقوله: ((أشبهكم)) أي في معظم الصلاة، لا في جميع أجزائها، وقد رواه جماعة غير نعيم عن أبي هريرة رضي الله عنه بدون ذكر البسملة. والجواب أن نعيمًا ثقة، فتقبل (١) شرح السندي جـ ٢ ص ١٣٥ . - ٤٣٦ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح زيادته، والخبر ظاهر في جميع الأجزاء، فيحمل على عمومه حتى يثبت دليل يخصّصه. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى بتصرف(١). والحاصل أن استدلال المصنف رحمه الله بحديث أبي هريرة هذا على مشروعية الجهر أحيانًا قوي. والله تعالى أعلم. ( ثم قرأ بأم القرآن) أي الفاتحة، وقد تقدم أن لها اثني عشر اسمًا، فمنها ((أم القرآن)). وقد اختلف فيه، فجوزه الجمهور، وكرهه أنس، وابن سيرين، لكن الأحاديث الصحيحة ترد عليهما (حتى إِذا بلغ ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فقال: آمين، فقال الناس: آمين) أي قالوا ذلك جهرًا، ففيه دليل الاستحباب رفع الصوت بـ ((آمين))، وبه يقول الجمهور، خلافًا للحنفية، وسيأتي تمام البحث فيه في محله - ٩٢٥/٣٣ - إن شاء الله تعالى. (ويقول) أي أبو هريرة رضي الله عنه (كلما سجد: ((الله أكبر))) وفي رواية المصنف هذه اختصار، بينته رواية ابن خزيمة من طريق حيوة بن شريح، عن خالد بن يزيد، وفيها: ((فلما ركع قال: ((الله أكبر))، فلما رفع رأسه قال: ((سمع الله لمن حمده))، ثم قال: ((الله أكبر))، ثم استقبل قائمًا مع التكبير، فلما قام من الثنتين، قال: ((الله أكبر))، فلما سلم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله عَ ليه))(٢). (١) (فتح)) جـ ١٢ ص ٥١٩. (٢) ((صحيح ابن خزيمة)) جـ ١ ص ٣٤٢. ٤٣٧ - ٢١ - قراءة ((بسم الله الرحمن الرحيم)) - حديث رقم ٩٠٥ (وإِذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: ((الله أكبر))، وإِذا سلم) وفي رواية ابن خزيمة: ((فلما سلم))، وهي أوضح (قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة) منصوب على التمييز (برسول الله عَ لّه) متعلق بـ ((أشبهكم)). وهذا صريح في أن هذه الكيفية مرفوعة إلى النبي تَّ ، وأنه فعل هكذا. وإنما حلف أبو هريرة رضي الله عنه تأكيدًا لكونه فعله تعليمًا للناس صلاته تَّة على هذه الكيفية التي يخالفه فيها بعضهم. فقد أخرج البخاري من طريق أبي بشر، عن عكرمة، قال: رأيت رجلاً عند المقام يكبر في كل خفض ورفع، وإذا قام، وإذا وضع، فأخبرت ابن عباس رضي الله عنهما ، قال: أو ليس تلك صلاة النبي عَّهِ، لاَ أُمَّلك؟ وأخرج من طريق قتادة، عن عكرمة، قال: صليت خلف شيخ بمكة، فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة، فقلت لابن عباس: إنه أحمق، فقال: ثكلتك أمك، سنة أبي القاسم تَّه . وقد بين في رواية أخرى أن ذلك الرجل هو أبو هريرة . فقد أخرج أحمد، والطحاوي، والطبراني من طريق عبد الله الدَّانَاجِ، عن عكرمة، قال: صلى بنا أبو هريرة ... (١) . وحكى الطحاوي أن قومًا كانوا يتركون التكبير في الخفض دون (١) انظر ((الفتح)) جـ ٢ ص ٥٢٣ - ٥٢٥. - ٤٣٨ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح الرفع، وكذلك كانت بنو أمية تفعل. وروى ابن المنذر نحوه عن ابن عمر. وعن بعض السلف أنه كان لا يكبر سوى تكبيرة الإحرام. وفرق بعضهم بين المنفرد وغيره، ووجهه بأن التكبير شرع للإيذان بحركة الإمام، فلا يحتاج إليها المنفرد. ذكره في ((الفتح))(١) . وكل هذه الأقوال منابذة للسنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله عَّة، فأراد أبو هريرة رضي الله عنه إحياء هذه السنة، وإشاعتها بين الناس، وأكد ذلك بالقسم. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسألتان تتعلقان بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته : حديث أبي هريرة هذا صحيح. صححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم في ((مستدركه))، وقال : صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه البيهقي، وأبو عمر بن عبد البر، كما يأتي قريبًا. فتضعيف بعضهم له بسبب سعيد ابن أبي هلال غير صحيح، فإنه ثقة احتج به الشيخان، ووثقه ابن سعد، والعجلي، وابن خزيمة، وابن حبان، والدار قطني، والبيهقي، والخطيب، وابن عبد البر، وغيرهم، وقال ابن أبي حاتم: لا بأس به. وقال الساجي : صدوق، كان أحمد يقول: ما أدرى أي شيء يخلط في الأحاديث. (١) فتح الباري جـ ٢ ص ٥٢٢ . ٤٣٩ - ٢١ - قراءة ((بسم الله الرحمن الرحيم)) - حديث رقم ٩٠٥ وأما تضعيف ابن حزم له فلا سلف له - كما قال الحافظ ابن حجر - إلا قول أحمد المذكور(١) . وقال الذهبي في ((الميزان)): ثقة معروف، حديثه في الكتب الستة. قال ابن حزم وحده: ليس بالقوي. انتهى (٢). فتبين بهذا أن تضعيف الحديث بسببه غير صحيح، فعبارة أحمد غير كافية لرد أحاديثه مطلقًا؛ لأن تخليطه في بعض الأحاديث لا يستلزم الرد مطلقًا؛ بل إذا ظهر التخليط بمخالفة الثقات الآخرين، وهنا لم يخالف أحدًا، فتبصر. والله تعالى أعلم. المسألة الثانية: في بيان موضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه : أخرجه هنا - ٢١ / ٩٠٥ - بالسند المذكور. وهو من أفراده، فلم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه أحمد جـ ٢ ص ٤٩٧، وابن خزيمة رقم ٤٩٩ و ٦٨٨ . ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). (١) انظر (تت)) جـ ٤ ص ٩٥. ((ت)) ص ١٢٦ . [تنبيه]: وقع في ((ت)) أن أحمد قال فيه: اختلط، وهذا غير صحيح، بل عبارة أحمد كما في ((تت)): ((ما أدري أي شيء يخلط في الأحاديث))، وهذه العبارة ليست بمعنى اختلط فتنبه. والله أعلم. (٢) ميزان الاعتدال جـ ٢ ص ١٦٢ . ٤٤٠ - شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح ٢٢ - تَرْكُ الْجَهْرِ بـ ((بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على ترك الجهر بقراءة ((بسم الله الرحمن الرحيم)). ٩٠٦ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِي بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقِ قَالَ: سَمِعْتُ أبِ يَقُولُ: أَنْبَنَا أَبُو حَمْزَةَ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِلَّهُ، فَلَمْ يُسْمِعْنَا قِرَاءَة (بسم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم))، وَصَلَّى بِنَا أَبُوبَكْرِ، وَعُمَرُ، فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُمَا . رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (محمد بن علي بن الحسن بن شقيق) بن دينار، وقيل: شقيق بن دينار بن مشْعب العبدي مولاهم، أبو عبد الله بن أبي عبد الرحمن المروزي، المُطَّوِّعيُّ، ثقة صاحب حديث، من [١١]. قال ابن عقدة عن محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي، وداود ابن يحيى: ثقة. وكذا قال النسائي. وقال الحاكم: كان محدث مرو. وقال ابن قانع، والباشاني: مات سنة ٢٥٠ . وقال غيره: سنة ٢٥١.