Indexed OCR Text

Pages 261-280

١ ٢٦ _
٩ - وضع اليمين على الشمال في الصلاة - حديث رقم ٨٨٧
صح فقوي، ويحتمل الاختصاص بالأنبياء. انتهى. اهـ كلام
الشوكاني رحمه الله تعالى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين واتضح بما تقدم من أقوال
الحفاظ المحققين، كابن المنذر، وابن عبد البر، وابن حجر العسقلاني،
والشوكاني رحمهم الله تعالى أن المذهب الصحيح الذي جاءت
الأحاديث الصحيحة تنص عليه، ووردت الآثار عن الصحابة والتابعين
مؤيدة له هو ما ذهب إليه الجمهور، من مشروعية وضع اليمنى على
اليسرى في الصلاة. فتمسك به أيها المنصف الطالب للحق، ولا
تتجمد على رأي بعض أهل العلم الذي لا أثارة عليه من الأدلة. والله
سبحانه وتعالى ولي التوفيق، وهو الهادي لأقوم طريق .
تنبيه: أخرج البخاري رحمه الله في (صحيحه)) عن أبي حازم عن
سهل بن حنيف، قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى
على ذراعه اليسرى في الصلاة. قال أبو حازم: ولا أعلمه إلا أنه ينمي
ذلك إلى النبي عَلَّه .
قال العلامة الشوكاني رحمه الله : والحديث يصلح للاستدلال به
على وجوب وضع اليد على اليد، للتصريح من سهل بن سعد بأن
الناس كانوا يؤمرون، ولا يصلح لصرفه عن الوجوب ما في حديث
(١) نيل الأوطار جـ ٣ ص ٢٢ - ٢٣.

شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
- ٢٦٢ -
علي بلفظ: ((إن من السنة في الصلاة وضع الأكف على الأكف تحت
السرة)). وكذا ما في حديث ابن عباس بلفظ: (( ثلاث من سنن
المرسلين: تعجيل الفطر، وتأخير السحور، ووضع اليمين على
الشمال))؛ لما تقرر من أن السنة في لسان أهل الشرع أعم منها في لسان
أهل الأصول، على أن الحديثين ضعيفان. ويؤيد الوجوب ما روي أن
عليًا فسر قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ بوضع اليمين على
الشمال. رواه الدارقطني، والبيهقي، والحاكم، وقال: إنه أحسن ما
روي في تأويل الآية. وعند البيهقي من حديث ابن عباس مثل تفسير
علي. وروى البيهقي أيضًا أن جبريل فسر الآية لرسول الله عمي بذلك.
وفي إسناده إسرائيل بن حاتم، وقد اتهمه ابن حبان به .
ومع هذا فطول ملازمته ◌َّه لهذه السنة معلوم لكل ناقل، وهو
بمجرده كاف في إثبات الوجوب عند بعض أهل الأصول، فالقول
بالوجوب هو المتعين، إن لم يمنع منه إجماع. على أنا لا ندين بحجية
الإجماع، بل نمنع إمكانه، ونجزم بتعذر وقوعه. إلا أن من جعل حديث
المسيء قرينة صارفة لجميع الأوامر الواردة بأمور خارجة عنه لم يجعل
هذه الأدلة صالحة للاستدلال بها على الوجوب. انتهى كلام الشوكاني
رحمه الله تعالى(١).
(١) نيل الأوطار جـ ٣ ص ٢٣ - ٢٤.

٢٦٣ _
٩ - وضع اليمين على الشمال في الصلاة - حديث رقم ٨٨٧
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: فالقول بالوجوب هو المتعين إن لم
يمنع إجماع. حسن جدّاً. وأما جعل حديث المسيء صلاته صارفًا عن
الوجوب فغير صحيح، لأنه تقدم لنا أن الراجح أن ما لم یذکر فیه مما
دلت القرينة على أنه للوجوب، يؤخذ به؛ إذ الزيادة في هذا الباب
مقبولة. فتبصر. والله تعالى ولي التوفيق، وهو الهادي لأقوم طريق.
المسألة الرابعة: في بيان اختلاف العلماء في محل وضع اليدين في
الصلاة :
قد حقق هذه المسألة العلامة محمد بن عبد الرحمن المباركفوري
رحمه الله في كتابه ((تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي)) تحقيقًا حسنًا،
أحببت نقله هنا لنفاسته، وإفادته، قال رحمه الله تعالی:
اعلم: أن مذهب الإمام أبي حنيفة أن الرجل يضع اليدين في
الصلاة تحت السرة، والمرأة تضعهما على الصدر، ولم يُروَ عنه، ولا
عن أصحابه شيء خلاف ذلك.
وأما الإمام مالك فعنه ثلاث روايات: (إِحداها) وهي المشهورة
عنه أنه يرسل يديه، كما نقله صاحب الهداية، والسرخسي في
محيطه(١)، وغيرهما عن مالك. وقد ذكر العلامة أبو محمد عبد الله
الشلسي المالكي في كتابه المسمى بـ ((عقد الجواهر الثمينة في مذهب
(١) هكذا نسخة التحفة: ولعل الصواب في مبسوطه.

- ٢٦٤
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
عالم المدينة))، والزرقاني في شرح الموطأ أن إرسال اليد رواية ابن
القاسم عن مالك، وزاد الزرقاني أن هذا هو الذي صار إليه أكثر
أصحابه. (الثانية) أن يضع يديه تحت الصدر فوق السرة، كذا ذكره
العيني في شرح الهداية عن مالك، وفي ((عقد الجواهر)) أن هذه رواية
مطرف، والماجشون عن مالك. (الثالثة) أنه يتخير بين الوضع
والإرسال، وذكر في ((عقد الجواهر)) وشرح الموطأ أنه قول أصحاب
مالك المدنیین .
وأما الإمام الشافعي فعنه أيضًا ثلاث روايات: (إِحداها) أنه
يضعهما فوق السرة، وهي التي ذكرها الشافعي في الأم، وهي المختارة
المشهورة عند أصحابه المذكورة في أكثر متونهم وشروحهم. (الثانية)
وضعهما على الصدر، وهي الرواية التي نقلها صاحب الهداية عن
الشافعي، وقال العيني: إنها المذكورة في (( الحاوي)) من كتبهم.
(الثالثة) وضعهما تحت السرة، وقد ذكر هذه الرواية في شرح المنهاج
بلفظ: قيل . وقال في المواهب اللدنية: إنها رواية عن بعض أصحاب
الشافعي .
وأما الإمام أحمد رحمه الله ، فعنه أيضًا ثلاث روايات:
(إِحداها) وضعهما تحت السرة. (والثانية) وضعهما تحت الصدر.
(والثالثة) التخيير بينهما، وأشهر الروايات عنه الأولى، وعليه
جماهير الحنابلة.

٢٦٥ _
٩ - وضع اليمين على الشمال في الصلاة - حديث رقم ٨٨٧
هذا كله مأخوذ من ((فوز الكرام)) للشيخ محمد قائم السندي،
و((دراهم الصرّة)) لمحمد هاشم السندي.
واعلم: أن الأحاديث والآثار قد وردت مختلفة في هذا الباب،
ولأجل ذلك وقع الاختلاف بين الأئمة رحمهم الله تعالى، وها أنا أذكر
متمسكاتهم في ثلاث فصول مع بيان ما لها، وما عليها .
(الفصل الأول): في بيان من ذهب إلى وضع اليدين تحت
السرة، وقد تمسك هؤلاء على مذهبهم هذا بأحاديث:
(الأول): حديث وائل بن حجر رضي الله عنه، روى ابن أبي
شيبة في مصنفه، قال: حدثنا وكيع، عن موسى بن عمير، عن علقمة
ابن وائل بن حجر، عن أبيه، قال: ((رأيت رسول الله عَ ◌ّه يضع يمينه
على شماله تحت السرة)). قال الحافظ القاسم بن قطلوبغا في تخريج
أحاديث ((الاختيار شرح المختار)): هذا سند جيد. وقال الشيخ عابد
السندي في ((طوالع الأنوار)): رجاله ثقات.
قلت(١): إسناد هذا الحديث وإن كان جيداً لكنّ في ثبوت لفظ
(تحت السرة)) في هذا الحديث نظرًا قويًا.
قال الشيخ محمد حياة السندي في رسالته ((فتح الغفور)): في
زيادة (( تحت السرة)) نظر، بل هذا غلط منشؤه السهو، فإني راجعت
(١) القائل المباركفوري رحمه الله .

- ٢٦٦
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
نسخة صحيحة من ((المصنف)) فرأيت فيها هذا الحديث بهذا السند،
وبهذه الألفاظ إلا أنه ليس فيها ((تحت السرة)) وذكر فيها بعد هذا الحديث
أثر النخعي، ولفظه قريب من لفظ هذا الحديث، وفي آخره ((في الصلاة
تحت السرة))، فلعل بصر الكاتب زاغ من محل إلى محل آخر، فأدرج
لفظ الموقوف في المرفوع. انتهى كلام الشيخ محمد حياة السندي.
وقال صاحب الرسالة المسماة بـ (( الدرة في إظهار غش نقد الصرّة)):
وأما ما استدل به من حديث وائل الذي رواه ابن أبي شيبة، فهذا حديث
فيه كلام كثير. قال: وروى هذا الحديث ابن أبي شيبة، وروى بعده أثر
النخعي، ولفظهما قريب، وفي آخر الأثر لفظ: ((تحت السرة)) واختلف
نسخه، ففي بعضها ذكر الحديث من غير تعيين محل الوضع مع وجود
الأثر المذكور، وفي البعض وقع الحديث المرفوع بزيادة لفظ السرة بدون
أثر النخعي، فيحتمل أن هذه الزيادة منشؤها تَرْكُ الكاتب سهواً نحو
سطر في الوسط، وإدراج لفظ الأثر في المرفوع، كما يحتمل سقوط لفظ
((تحت السرة)) في النسخة المتقدمة، لكن اختلاف النسختين على هذا
الوجه يؤذن بإدخال لفظ الأثر في المرفوع. انتهى كلام صاحب ((الدرة)).
وقال الشيخ محمد فاخر المحدث الإله آبادي: ما حاصله أن ما نقله
القاسم بن قطلوبغا عن المصنَّف لا اعتماد عليه، ولا عبرة به، فإن
الكتاب الذي رأيته أنا وجدت فيه خلاف مقصوده.
قلت(١): ما قاله هؤلاء الأعلام يؤيده أن هذا الحديث رواه أحمد في
(١) القائل المباركفوري رحمه الله.

٢٦٧ _
٩ - وضع اليمين على الشمال في الصلاة - حديث رقم ٨٨٧
مسنده بعين سند ابن أبي شيبة، وليست فيه هذه الزيادة، ففي مسند
أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا موسى بن عمير العنبري، عن علقمة بن
وائل الحضرمي، عن أبيه، قال: ((رأيت رسول الله عَّ واضعًا يمينه
على شماله في الصلاة)). انتهى.
ورواه الدار قطني أيضًا بعين سند ابن أبي شيبة، وليس فيه أيضًا هذه
الزيادة؛ قال في سننه: حدثنا الحسين بن إسماعيل، وعثمان بن جعفر
ابن محمد الأحول، قالا: حدثنا يوسف بن موسى، نا وكيع، نا موسى
ابن عمير العنبري، عن علقمة بن وائل الحضرمي، عن أبيه، قال :
((رأيت رسول الله عَّه واضعا يمينه على شماله في الصلاة)). انتهى.
ويؤيده أيضا أن ابن التركماني شيخ الحافظ الزيلعي ذكر في ((الجوهر
النقي)) لتأييد مذهبه حديثين ضعيفين، حيث قال: قال ابن حزم:
وروينا عن أبي هريرة، قال: وضع الكف على الكف في الصلاة تحت
السرة. وعن أنس قال: ثلاث من أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار،
وتأخير السحور، ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة تحت السرة.
انتھی .
ونقل قبل هذين الحديثين أثر أبي مجْلَز عن مصنف ابن أبي شيبة،
حيث قال: قال ابن أبي شيبة في مصنفه: ثنا يزيد بن هارون، أنا
الحجاج بن حسان، سمعت أبا مجلز، أو سألته، قلت : كيف أضع؟
قال: يضع باطن كف يمينه على ظاهر كف شماله، ويجعلهما أسفل من

شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
- ٢٦٨
السرة. انتهى .
ولم ينقل ابن التركماني عن مصنف ابن أبي شيبة غير هذا الأثر،
فالظاهر أنه لم يكن في حديث وائل الذي أخرجه ابن أبي شيبة زيادة
((تحت السرة))، فإنه لو كان هذا الحديث فيه مع هذه الزيادة لنقله ابن
التركماني، إذ بعيد كل البعد أن يذكر ابن التركماني لتأييد مذهبه
حديثين ضعيفين، وينقل عن مصنف ابن أبي شيبة أثر أبي مجلز
التابعي، ولا ينقل عنه حديث وائل المرفوع مع وجوده فيه بهذه الزيادة،
ومع صحة سنده.
ويؤيده أيضًا ما قاله الشيخ محمد حياة السندي في رسالته (( فتح
الغفور)) من أن غير واحد من أهل الحديث روى هذا الحديث، ولم يذكر
((تحت السرة))، بل ما رأيت، ولا سمعت أحدًا من أهل العلم ذكر هذا
الحديث بهذه الزيادة إلا القاسم.
هذا ابن عبد البر حافظ دهره قال في (( التمهيد)): وقال الثوري، وأبو
حنيفة: أسفل السرة. وروي ذلك عن علي، وإبراهيم النخعي، ولا
يثبت ذلك عنهم، فلو كان هذا الحديث الصحيح بهذه اللفظة في
مصنف ابن أبي شيبة لذكره مع أنه قد أكثر في هذا الباب وغيره الرواية
عن ابن أبي شيبة .
وهذا ابن حجر حافظ عصره يقول في ((فتحه)»: وقد روى ابن خزيمة
من حديث وائل ((أنه وضعهما على صدره)). وللبزار ((عند صدره)).

٢٦٩ _
٩ - وضع اليمين على الشمال في الصلاة - حديث رقم ٨٨٧
وعند أحمد في حديث هُلْب نحوه. ويقول في تخريج الهداية: وإسناد
أثر علي ضعيف، ويعارضه حديث وائل بن حجر، قال: ((صليت مع
رسول الله ◌َّه، فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره)).
وأشار إلى ذلك في تخريج أحاديث الرافعي، فلو كانت هذه الزيادة
موجودة في ((المصنف)) لذكرها، وكتبه مملوءة من أحاديثه وآثاره. وقد
اختصره، كما قال السيوطي في ((شرح ألفيته)).
والظاهر أن الزيلعي الذي شمر ذيله بجمع أدلة المذهب لم يظفر
بها، وإلا لذكرها، وهو من أوسع الناس اطلاعًا .
وهذا السيوطي الذي هو حافظ وقته يقول في وظائف اليوم
والليلة: ((وكان يضع يده اليمنى على اليسرى، ثم يشدهما على
صدره)). وقد ذكر في ((جامعه الكبير)) في مسند وائل نحو تسعة أحاديث
عن ((المصنف))، ولفظ بعضها: ((رأيت النبي ◌َّهُ وضع يمينه على شماله
في الصلاة)). وهذا اللفظ هو الذي ذكره صاحب ((نقد الصرة)) إلا أنه
زاد لفظ ((تحت السرة)) فلو كانت هذه الزيادة موجودة في ((المصنف))
لذكرها السيوطي.
وهذا العيني الذي يجمع بين الغث والسمين في تصانيفه يقول في
شرحه على البخاري: احتج الشافعي بحديث وائل بن حجر، أخرجه
ابن خزيمة في صحيحه، قال: ((صليت مع رسول الله تَّه ، فوضع يده

- ٢٧٠
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
اليمنى على يده اليسرى على صدره)) .
ويستدل علماؤنا الحنفية بدلائل غير وثيقة(١) . فلو كانت هذه
الزيادة موجودة في المصنف لذكرها، وقد ملأ تصانيفه بالنقل عنه.
وهذا ابن أمير الحاج الذي بلغ شيخه ابن الهمام في التحقيق، وسعة
الاطلاع يقول في شرح ((منية المصلي)): إن الثابت من السنة وضع اليمين
على الشمال، ولم يثبت حديث يوجب تعيين المحل الذي يكون الوضع
فيه من البدن إلا حديث وائل المذكور. وهكذا قال صاحب ((البحر
الرائق))، فلو كان الحديث في ((المصنف)) بهذه الزيادة لذكره ابن أمير
الحاج مع أن شرحه محشو من النقل عنه. فهذه أمور قادحة في صحة
هذه الزيادة في هذا الحديث. انتهى كلام الشيخ محمد حياة السندي.
قال المباركفوري رحمه الله : فحديث وائل المذكور، وإن كان
إسناده جيدًا، لكنَّ في ثبوت زيادة ((تحت السرة)) فيه نظرًا قويًا كما
عرفت، فكيف يصح الاستدلال بهذا الحديث على وضع اليدين تحت
السرة؟
(والحديث الثاني) : حديث علي رضي الله عنه، روی أبو داود،
وأحمد ، وابن أبي شيبة ، والدارقطني، والبيهقي عن أبي بجحيفة أن
(١) قال الجامع: قوله: ويستدل علماؤنا إلى قوله: غير وثيقة. لم أر هذا الكلام للعيني في
شرحه على البخاري، فلیحرر.

٢٧١ -
٩ - وضع اليمين على الشمال في الصلاة - حديث رقم ٨٨٧
عليًا قال: ((السنة وضع الكف على الكف تحت السرة)).
قال المباركفوري رحمه الله : في إسناد هذا الحديث عبد الرحمن بن
إسحاق الواسطي، وعليه مدار هذا الحديث، وهو ضعيف لا يصلح
للاحتجاج به. قال الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية)) بعد ذكر هذا
الحديث: قال ابن القطان: عبد الرحمن بن إسحاق هو ابن حرب
أبو شيبة الواسطي، قال فيه ابن حنبل، وأبو حاتم: منكر الحديث.
وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال البخاري: فيه نظر. وقال البيهقي
في المعرفة: لا يثبت إسناده، تفرد به عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي،
وهو متروك. وقال النووي في الخلاصة، وشرح مسلم: هو حديث
متفق على تضعيفه، فإن عبد الرحمن بن إسحاق ضعيف بالاتفاق.
انتھی ما في « نصب الراية)).
وقال الشيخ ابن الهمام في التحرير: إذا قال البخاري للرجل: فيه
نظر، فحديثه لا يحتج به، ولا يستشهد به، ولا يصلح للاعتبار.
انتهى .
فإذا عرفت هذا كله ظهر لك أن حديث علي هذا لا يصلح
للاحتجاج، ولا للاستشهاد، ولا للاعتبار.
ثم حديث علي هذا مخالف لتفسيره قَوْلَهُ تعالى: ﴿وَانْحَرِ﴾ أنه
وضع يده على وسط ساعده اليسرى، ثم وضعهما على صدره في
الصلاة. رواه البيهقي، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم،

- ٢٧٢
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
والدارقطني، وأبو الشيخ، والحاكم، وابن مردويه. كذا في الدر
(١)
المنثور (١) .
قال الفاضل ملا الهداد في حاشية ((الهداية)): إذا كان حديث وضع
اليدين تحت السرّة ضعيفًا، ومُعارَضًا بأثر علي بأنه فسر قوله تعالى:
﴿ وَانحر﴾ بوضع اليمين على الشمال على الصدر يجب أن يعمل
بحديث وائل الذي ذكره النووي. ثم حديث علي منسوخ على طريق
الحنفية. قال صاحب ((الدرة في إظهار غش نقد الصرة)) وهو حنفي
المذهب: روى أبو داود عن جرير الضبي أنه قال: رأيت عليًا يمسك
شماله بيمينه على الرسغ فوق السرة. وأصل علمائنا: إذا خالف
الصحابي مرويه فهو يدل على نسخه، وهذا الفعل، وإن لم يكن أقوى
من القول فلا أقلّ أن یکون مثله. انتهى .
قال المباركفوري: إسناد أثر علي هذا - أعني الذي رواه أبو داود
عن جرير الضبي - صحيح كما ستعرف.
(والحديث الثالث): حديث أبي هريرة رضي الله عنه، رواه
أبو داود في سننه، عن أبي وائل، قال: قال أبو هريرة: ((أخذ الأكف
على الأكف في الصلاة تحت السرة)). وفي إسناده أيضًا عبد الرحمن بن
(١) وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره: وقيل: المراد بقوله: ﴿وَانْحَرْ﴾ وضع
اليد اليمنى على اليد اليسرى تحت النحر. يروى هذا عن علي، ولا يصح. وعن
الشعبي مثله. انتھی. تفسیر ابن کثیر جـ ٤ ص ٥٩٧ .

٢٧٣ _
٩ - وضع اليمين على الشمال في الصلاة - حديث رقم ٨٨٧
إسحاق الواسطي، فلا يصلح للاحتجاج به، ولا للاستشهاد، ولا
للاعتبار. كما عرفت آنفًا .
(والحديث الرابع): حديث أنس رضي الله عنه ذكره ابن حزم في
((المحلى)) تعليقًا بلفظ: ((من أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير
السحور، ووضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة تحت السرة)) .
قال المباركفوري رحمه الله : لم أقف على سند هذا الحديث،
والعلماء الحنفية يذكرونه في کتبهم، ويحتجون به، ولكنهم لا يذكرون
إسناده، فما لم يعلم إسناده لا يصلح للاحتجاج به، ولا للاستشهاد،
ولا للاعتبار.
قال صاحب ((الدرة)): وأما حديث أنس: ((من أخلاق النبوة وضع
اليمين والشمال تحت السرة)» الذي قال فيه العيني إنه رواه ابن حزم،
فسنده غير معلوم لينظر فيه، هل رجاله مقبولون، أم لا؟ وقد روى هذا
الحديث غير واحد من المحدثين من غير زيادة ((تحت السرة)). والزيادة
إنما تقبل من الثقة المعلوم. انتهى كلام صاحب ((الدرة)).
وقال الشيخ هاشم السندي في رسالته ((دراهم الصرة)): ومنها ما
ذكره الزاهدي في ((شرح القدوري))، وابن أمير الحاج، وابن نجيم في
(البحر الرائق)) أنه روي عن النبي ◌َّهُ: ((ثلاث من سنن المرسلين:
تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال تحت
السرة في الصلاة)). قال: لم أقف على سند هذا الحديث غير أن

- ٢٧٤
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
الزاهدي زاد أنه رواه علي بن أبي طالب، عن النبي تمّه ، لكن قال ابن
أمير الحاج، وابن نجيم: إن المخرجين لم يعرفوا فيه موقوفًا ولا مرفوعًا
لفظ: (( تحت السرة)). انتهى كلام هاشم السندي.
فهذه الأحاديث هي التي استدل بها على وضع اليدين تحت السرة
في الصلاة، وقد عرفت أنه لا يصلح واحد منها للاستدلال.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين بما ساقه العلامة المباركفوري
رحمه الله من نصوص هؤلاء العلماء الحنفية أنهم معترفون ببطلان زيادة
((تحت السرة))، وأما الحديث بدونها فصحيح، أخرجه الطبراني عن أبي
الدرداء رضي الله عنه، قال: ((ثلاث من أخلاق النبوة: تعجيل
الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة)).
قال الحافظ أبو بكر الهيثمي رحمه الله : رواه الطبراني في الكبير مرفوعًا
وموقوفًا على أبي الدرداء، والموقوف صحيح، والمرفوع في رجاله من
لم أجد ترجمته .
لكن المرفوع يشهد له ما أخرجه الطبراني في الكبير أيضًا من حديث
ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت نبي الله تَّه يقول: ((إنا معشر
الأنبياء أمرنا بتعجيل فطرنا، وتأخير سحورنا، وأن نضع أيماننا على
شمائلنا في الصلاة)). قال الهيثمي رحمه الله : رجاله رجال
الصحيح(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) مجمع الزوائد جـ ٢ ص ١٠٥ .

٢٧٥ _
٩ - وضع اليمين على الشمال في الصلاة - حديث رقم ٨٨٧
(الفصل الثاني) : في ذكر ما تمسك به من ذهب إلى وضع اليدين
فوق السرة. قال المباركفوري: لم أقف على حديث مرفوع يدل على
هذا المطلوب، نعم أثر علي رضي الله عنه يدل على هذا، روى أبو داود
في سننه عن جرير الضبي، قال: رأيت عليًا يمسك شماله بيمينه على
الرسغ فوق السرة. قال: إسناده صحيح أو حسن، لكنه فعل علي
رضي الله عنه ليس بمرفوع، ثم الظاهر أن المراد من قوله: فوق السرة -
على مكان مرتفع من السرة، أي على الصدر، أو عند الصدر، كما جاء
في حديث وائل بن حجر، وحديث هُلْب الطائي، ومرسل طاوس،
وستأتي الأحاديث الثلاثة، ويؤيده تفسيره رضي الله عنه قوله
تعالى: ﴿وَانْحَرَ﴾ بوضع اليدين على الصدر في الصلاة، كما تقدم.
(الفصل الثالث): في ذكر متمسكات من ذهب إلى وضع اليدين
على الصدر.
احتج هؤلاء بأحاديث:
منها: حديث وائل بن حجر رضي الله عنه، قال: ((صليت مع
النبي ◌َّ، فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره)). أخرجه
ابن خزيمة، وهذا حديث صحيح، صححه ابن خزيمة كما صرح به ابن
سيد الناس في شرح الترمذي .
وقد اعترف الشيخ محمد قائم السندي الحنفي في رسالته (فوز
الكرام)» أن هذا الحديث على شرط ابن خزيمة، حيث قال فيها: الذي

- ٢٧٦
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
أعتقده أن هذا الحديث على شرط ابن خزيمة، وهو المتبادر من صَنِيع
الحافظ في ((الإتحاف))، والظاهر من قول ابن سيد الناس بعد ذكر حديث
وائل في شرح جامع الترمذي، وصححه ابن خزيمة. انتهى.
وقال ابن أمير الحاج الذي بلغ شيخه ابن الهمام في التحقيق وسعة
الاطلاع في شرح المنية: إن الثابت من السنة وضع اليمين على الشمال،
ولم يثبت حديث يوجب تعيين المحل الذي يكون الوضع فيه من البدن
إلا حديث وائل المذكور. وهكذا قال صاحب ((البحر الرائق)). كذا في
(فتح الغفور)) للشيخ محمد حياة السندي .
وقال الشوكاني في ((النيل)): أخرجه ابن خزيمة في صحيحه،
وصححه. انتھی.
وقال الحافظ في فتح الباري: ولم يذكر - أي سهل بن سعد -
محلهما من الجسد، وقد روى ابن خزيمة من حديث وائل أنه وضعهما
على صدره، والبزار ((عند صدره))، وعند أحمد في حديث هُلْب
الطائي نحوه، وفي زيادات المسند من حديث علي أنه وضعهما تحت
السرة، وإسناده ضعيف. انتهى.
فالظاهر من كلام الحافظ هذا أن حديث وائل عنده صحيح، أو
حسن، لأنه ذكر هاهنا لغرض تعيين محل وضع اليدين ثلاثة أحاديث:
حديث وائل، وحديث هُلْب، وحديث علي، وضعف حديث علي،
وقال: إسناده ضعيف، وسکت عن حدیث وائل، وحديث هُلْب، فلو

٢٧٧ _
٩ - وضع اليمين على الشمال في الصلاة - حديث رقم ٨٨٧
كانا هما أيضًا ضعيفين عنده لبين ضعفهما، ولأنه قال في أوائل مقدمة
((الفتح)): ما لفظه: فإذا تحررت هذه الفصول، وتقررت هذه الأصول
افتتحت شرح الكتاب، فأسوق الباب، وحديثه أوّلا، ثم أذكر وجه
المناسبة بينهما إن كانت خفية، ثم أستخرج ثانيًا ما يتعلق به غرض
صحيح في ذلك الحديث من الفوائد المتنية والإسنادية من تتمات
وزيادت، وكشف غامض، وتصريح مدلس بسماع ومتابعة سامع من
شيخ اختلط قبل ذلك، منتزعًا كل ذلك من أمهات المسانيد والجوامع
والمستخرجات والأجزاء والفوائد بشرط الصحة، أو الحسن فيما أورده
من ذلك. انتهى كلام الحافظ. فقوله: بشرط الصحة أو الحسن فيما
أورده من ذلك يدل على أن حديث وائل، وكذا حديث هلب الطائي
عنده صحيح أو حسن. فتفكر.
وأيضًا قد صرح الحافظ في ((الدراية)) بعد ذكر حديث وائل: أخرجه
ابن خزيمة، وهو في مسلم دون قوله: ((على صدره)) انتهى. فالظاهر من
كلامه هذا أن حديث ابن خزيمة هذا هو الذي في ((صحيح مسلم)) في
وضع اليمنى على اليسرى سندًا ومتنًا بدون ذكر المحل.
فالحاصل أن حديث وائل بن حجر صحيح قابل للاحتجاج
والاستدلال به على وضع اليدين على الصدر في الصلاة ..
ومنها: حديث هُلْب الطائي رضي الله عنه، رواه الإمام أحمد في
مسنده، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، ثنا سماك، عن

- ٢٧٨
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
قبيصة بن هلب، عن أبيه، قال: ((رأيت رسول الله عَ ◌ّله ينصرف عن
کینه، وعن يساره، ورأيته یضع هذه على صدره - ووصف يحيى
اليمنى على اليسرى - فوق المفصل)). ورواة هذا الحديث كلهم ثقات،
وإسناده متصل .
أما يحيى بن سعيد فهو أبو سعيد القطان البصري الحافظ الحجة أحد
أئمة الجرح والتعديل، قال الحافظ في التقريب: ثقة متقن حافظ إمام
قدوة .
وأما سفيان فهو الثوري، قال في التقريب: ثقة حافظ فقيه عابد إمام
حجة، وربما كان يدلس. انتهى. قلت: قد صرح هاهنا بالتحديث،
فانتفت تهمة التدليس .
وأما سماك فهو ابن حرب بن أوس بن خالد الذهلي البكري
الكوفي أبو المغيرة، صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة،
وكان قد تغير بآخره، فكان ربما يلقن. كذا في التقريب. وقال الذهبي:
قال أحمد: سماك مضطرب، وضعفه شعبة. وقال ابن عمار: كان
يغلط، وقال العجلي: ربما وصل الشيء، وكان الثوري يضعفه،
وقال: روايته مضطربة، وليس من المتثبتين. وقال صالح: يضعف.
وقال ابن خداش: فيه لين. ووثقه ابن معين، وأبو حاتم. انتهى.
وكون سماك مضطرب الحديث لا يقدح في حديثه المذكور، لأنه
رواه عن قبيصة، وروايته عن عكرمة خاصة هي المضطربة، وكذا تغيره

٢٧٩ _
٩ - وضع اليمين على الشمال في الصلاة - حديث رقم ٨٨٧
في آخره لا يقدح أيضًا، لأن الحديث المذكور رواه عنه سفيان، وهو ممن
سمع قديمًا من سماك، قال في ((تهذيب الكمال)): قال يعقوب:
وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح،
وليس من المتثبتين، ومن سمع قديمًا من سماك مثل شعبة وسفيان
فحديثهم عنه مستقيم. انتهى.
وأما قبيصة فوثقه العجلي، وابن حبان، وأما أبوه فهو صحابي،
فحديث هلب الطائي هذا حسن. وقد اعترف صاحب ((آثار السنن)) بأن
إسناده حسن، فالاستدلال به على وضع اليدين على الصدر في الصلاة
صحيح .
ومنها: حديث طاوس رواه أبو داود في ((المراسيل)): قال: حدثنا
أبو توبة، حدثنا الهيثم - يعني ابن حميد، عن ثور، عن سليمان بن
موسى، عن طاوس، قال: ((كان رسول الله عَّه يضع يده اليمنى على
يده اليسرى، ثم يشد بينهما على صدره، وهو في الصلاة)) .
وهذا الحديث قد وجد في بعض نسخ أبي داود؛ قال الحافظ المزي
في الأطراف في حرف الطاء من كتاب المراسيل: الحديث أخرجه أبو
داود في كتاب ((المراسيل))، وكذا قال البيهقي في ((المعرفة))، فحديث
طاوس هذا مرسل، لأن طاوسًا تابعي، وإسناده حسن، والحديث
المرسل حجة عند الإمام أبي حنيفة، ومالك، وأحمد مطلقًا، وعند
الشافعي إذا اعتضد بمجيئه من وجه آخر يباين الطريق الأولى، مسندًاً

- ٢٨٠
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
كان أو مرسلاً، وقد اعتضد هذا المرسل بحديث وائل، وبحديث هُلْب
الطائي المذكورين، فالاستدلال به على وضع اليدين على الصدر في
الصلاة صحيح.
تنبيه: قال بعض الحنفية: حديث وائل فيه اضطراب، فأخرج ابن
خزيمة في هذا الحديث: ((على صدره))، والبزار: ((عند صدره))، وابن
أبي شيبة: ((تحت السرة)).
قال المباركفوري: قلت: لقد تقرر في أصول الحديث أن مجرد
الاختلاف لا يوجب الاضطراب، بل من شرطه استواء وجوه
الاختلاف، فمتى ترجح أحد الأقوال قدم، ولا يعل الصحيح
بالمرجوح، ومع الاستواء يتعذر الجمع على قواعد المحدثين، وهاهنا
وجوه الاختلاف ليست بمستوية، فإن في ثبوت لفظ ((تحت السرة)) في
رواية ابن أبي شيبة نظرًا قويًا كما تقدم بيانه.
قال الجامع : بل هو غلط كما تقدم تحريره.
وأما رواية ابن خزيمة بلفظ: ((على صدره))، ورواية اليزار بلفظ
((عند صدره)) فالأولى راجحة، فتقدم على الأخرى، ووجه الرجحان أن
لها شاهدًا حسنًا من حديث هلب، وأيضًا يشهد لها مرسل طاوس،
بخلاف الأخرى، فليس لها شاهد، ولو سلم أنهما متساويتان فالجمع
بينهما ليس بمتعذر، قال الشيخ أبو المحاسن محمد الملقب بالقائم
السندي في رسالته ((فوز الكرام)): قال العلامة الشيخ أبو الحسن في