Indexed OCR Text

Pages 701-720

٧٠١ _
٥٧ - السعي إلى الصلاة - حديث رقم ٨٦١
وأما ابن حبان، فإنه يذكر في ((الثقات)) كل من روى عن ثقة ، وروى
عنه ثقة ، ولم يجد له منكرًا ، خرج هو بذلك في الثقات ، فتوسع ،
کما في ترجمته من ( التنکیل» ، وأوضحت هناك ما یوثق به من توثيق
ابن حبان مما لا يوثق به (١) من الثاني كما يعلم مما شرحته هناك (٢).
وأما في ترجمة يحيى هذا من ((التهذيب)): إن شعبة روى عنه ...
إلخ، فإن ابن حجر التزم أن يذكر في ترجمة شعبة جميع شيوخه ، ولم
يذكر فيهم يحيى هذا ، وإنما ذكر أبا بَلْج يحيى بن أبي سليم ، وهو رجل
آخر، فأخشى أن يكون اشتباه ، ومع ذلك ففي ((فتح المغيث)) للسخاوي
ص١٣٤: (( من كان لا يروي إلا عن ثقة ، إلا في النادر الإمام أحمد،
وشعبة .... وذلك في شعبة على المشهور ... وإلا فقد قال عاصم
(١) الكلام هنا غير ملتئم، ولعل صواب العبارة : وهذا من الثاني ، فليحرر .
(٢) قال في ((التنكيل)) جـ ١ ص ٤٥٠ - ٤٥١: والتحقيق أن توثيقه على درجات :
١ - أن يصرح به كأن يقول: كان متقنًا، أو مستقيم الحديث، أو نحو ذلك .
٢ - أن يكون الرجل من شيوخه الذين جالسهم وخَبَرَهم .
٣- أن يكون من المعروفين بكثرة الحدیث بحیث یعلم أن ابن حبان وقف له على
أحاديث كثيرة .
٤ - أن يظهر من سياق كلامه أنه قد عرف ذلك الرجل معرفة جيدة .
٥- ما دون ذلك .
فالأولى : لا تقل عن توثيق غيره من الأئمة ، بل لعلها أثبت من توثيق كثير منهم .
والثانية : قريب منها .
والثالثة : مقبولة .
والرابعة : صالحة .
والخامسة : لا يؤمن فيها الخلل . انتهى كلامه رحمه الله .

- ٧٠٢
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
ابن علي : سمعت شعبة يقول : لو لم أحدثكم إلا عن ثقة، لم أحدثكم
عن ثلاثة ، وفي نسخة عن ثلاثين ... وعلى كل حال، فهو لا يروي
عن متروك ، ولا عمن أجمع على ضعفه .
وأما مستدرك الحاكم، فقد عرف أَنَّ فيه تخليطًا كثيرًا، وتساهلاً في
التصحيح، وفيما يقع فيه من التوثيق ، وقد شرحت ذلك في ترجمة
الحاكم من ((التنكيل)) . وقد ذكر هو يحيى هذا في موضع آخر ،
واقتصر على قوله : يحيى مدني سكن مصر، لم يذكر بجرح . ذكر
ذلك ابن حجر في ((التهذيب))، وقال : كأنه جعله مصريًا ، لرواية أهل
مصر عنه . يعني : والمعروف أنه مدني سكن البصرة ، فأما رواية بعض
المصريين عنه ، فكأنهم لقوه بالمدينة ، أو بالموسم ، أو نحو ذلك ،
وكفى بكلمة البخاري جرحًا ، وقد جاء عنه أنه قال : كل من قلت فيه :
منكر الحديث، لا تحل الرواية عنه. انظر ((فتح المغيث))، طبع الهند
ص١٦٢ .
ومما يوضح وَهْن هذا الحديث أن يحيى هذا تفرد به عن رجلين
معروفين :
أحدهما : وهو سعيد المقبري مشهور جداً ، فكيف يقبل من مثل
يحيى مثل هذا التفرد .
وأما الحديث الثاني : فتفرد به يحيى بن حميد بن أبي سفيان
المعافري المصري، رواه عن قرة بن عبد الرحمن بن حَيْوَئيل، عن

٧٠٣ -
٥٧ - السعي إلى الصلاة - حديث رقم ٨٦١
الزهري، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة . ويحيى بن حميد هذا قال فيه
البخاري : مجهول، لا يعتمد على حديثه . وضعفه الدار قطني، وذكره
العقيلي في الضعفاء ، وتقدم عن البيهقي أن هذا الحديث أضعف من
سابقه .
وقال ابن يونس في تاريخ مصر : أسند حديثًا واحدًا ، وله
منقطعات. وقال ابن عدي : تفرد بهذه الزيادة، ولا أعرف له غيره .
أقول : وإذا لم يكن له غير هذا الحديث، وقد تفرد به ، فكيف
يقبل ؟ .
فإن قيل: فقد ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وأخرج ابن خزيمة
حديثه هذا في ((صحیحه )).
قلت: أما ثقات ابن حبان فقد تقدم ما فيها، وأما ابن خزيمة، فإنه
يخرج في ((صحيحه)) للمجهول إذا لم يستنكر حديثه ، وكأنه لم
يستنكر هذا ؛ لأنه عند كتابة الصحيح كان يرى الإدراك متفقًا عليه بين
أهل العلم، كما تقدم في الكلام على الحديث الأول .
ومع هذا فقُرَةُ بن عبد الرحمن فيه كلام ، قال الإمام أحمد : منكر
الحديث . وقال ابن معين : ضعيف الحديث . وقال أبو زرعة :
الأحاديث التي يرويها مناكير . وأخرج له مسلم في ((صحيحه)) مقرونًا
بآخر، ولعل اعتماده كان على ذاك الآخر ، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وأشار إلى لين فيه .

- ٧٠٤
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
نعم قوله أول الحديث : (( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها))،
معروف صحيح كما يأتي في الحديث الثالث، وإنما المنكر زيادته :
((قبل أن يقيم الإمام صلبه)). وقد دفع البخاري في ((جزء القراءة)) هذه
الزيادة بأن مالكًا وجماعة من الأئمة رووا الحديث عن الزهري بسنده ،
ولم يذكروا هذه الزيادة، قال: وقوله: ((قبل أن يقيم الإمام صلبه ))
لا معنى له ، ولا وجه لزيادته .
يعني أن معنى الحديث في رواية مالك والأئمة : من أدرك من
الصلاة في وقتها ركعة ، أي واحدة من الثنتين اللتين هما الصبح ، أو
الثلاث التي هي المغرب ، أو الأربع التي هي الظهر أو العصر ، أو
العشاء للمقيم - فقد أدركها - أي أدرك الصلاة أداء ، أي أنها لم تفته ،
وإذا كان كذلك، فلا معنى ولا وجه لزيادة: (( قبل أن يقيم الإمام
صلبه))، غاية الأمر أن يكون أحد الرواة توهم أن معنى الحديث : من
أدرك الركوع مع الإمام فقد أدرك الركعة ، فزاد هذه الزيادة تفسيرًا في
زعمه ، وقد جوز بعضهم أن تكون من زيادة الزهري ؛ لأنه قد عرف
عنه أنه كثيرًا ما يصل الحديث بكلام من عنده على وجه التفسير ، أو
نحوه ، فربما التبس ذلك على بعض الضعفاء ، كقُرَّةً.
قال البخاري في موضع آخر من ((جزء القراءة»: قال مالك: قال
ربيعة للزهري : إذا حدثت ، فبيِّنْ كلامك من كلام النبي تمٍّ ، لكن
سيأتي في الكلام على الحديث الثالث ما يدفع هذا التجويز ، فالظاهر
١
.

٧٠٥ _
٥٧ - السعي إلى الصلاة - حديث رقم ٨٦١
أن الزيادة من قرة بن عبد الرحمن ، أو يحيى بن حميد .
وأما الحديث الثالث : فلا خلاف في صحته ، وهو في ((الموطأ)) ،
و((الصحيحين))، وغيرهما ، والتشبث به في هذه المسألة مبني على
زعم أن معناه : من أدرك من الصلاة مع الإمام ركوعًا ، فقد أدرك
الركعة ، وقد يستأنس لهذا بالزيادة المتقدمة ، وبما في ((صحيح مسلم))
عن حرملة ، عن ابن وهب ، عن يونس، عن الزهري ، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة مرفوعًا: (( من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام ، فقد
أدرك الصلاة)) .
:
فأما الزيادة السابقة فقد فسر ما فيها ، وأما زيادة: (( مع الإمام))،
فقد ردها نفسه ، فرواه عن يونس ، وعن جماعة، عن الزهري ، قال :
وليس في حديث أحد منهم: ((مع الإمام)). وله في ((صحيح
البخاري))، و((جزء القراءة))، وسنن ... (١) وغيرها طرق كثيرة عن
يونس وغيره بدون هذه الزيادة، والظاهر أن الوهم في زيادتها من
حرملة ، وهو الذي روى عن ابن وهب ، عن يحيى بن حميد الحديث،
فكأنه جاءه الوهم هناك .
وقد أخرج البخاري في ((جزء القراءة)) من طريق سليمان بن بلال ،
أخبرني عبيد الله بن عمر، ويحيى بن سعيد، ويونس، عن ابن
(١) بياض بالأصل. ولعله ((في سنن البيهقي)) كما يرشد إليه كلامه فيما بَعْدُ . والله
أعلم.

- ٧٠٦
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
شهاب، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة، أن النبي عَّه قال: (( من أدرك
من الصلاة ركعة، فقد أدرك الصلاة ، إلا أنه يقضي ما فاته)) ، وهو
ذاك الحديث عينه ، وزيادة: (( إلا أنه يقضي ما فاته )) تدفع زيادة يحيى
ابن حميد ، وزيادة حرملة .
وفي رواية في ((صحيح مسلم)) ، وغيره من طريق الزهري ، عن أبي
سلمة ، عن أبي هريرة ، مرفوعًا: (( من أدرك ركعة من الصبح قبل أن
تطلع الشمس ، فقد أدرك الصبح ، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن
تغرب الشمس، فقد أدرك العصر)) . والحديث بهذا اللفظ ونحوه
أشهر، فقد صح هكذا كما ترى عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي
هريرة، وهو سند الأول .
وأخرجه البخاري في ((الصحيح)) بنحوه من طريق يحيى بن أبي
كثير، عن أبي سلمة . وأخرجه مسلم من طريق عطاء بن يسار ، وبسر
ابن سعيد ، والأعرج، عن أبي هريرة . ومن حديث عائشة . ووقع في
بعض الروايات بلفظ: ((سجدة))، ولفظ حديث عائشة: (( من أدرك
من الصلاة سجدة ... )) وفي آخره: (( والسجدة إنما هي الركعة)).
وفي ((الفتح)) في شرح قوله: ((فقد أدرك الصبح))، ويحمل على
أنه أدرك الوقت ، فإذا صلى ركعة أخرى ، فقد كملت صلاته . وقد
صرح بذلك في رواية الدراوردي عن زيد بن أسلم ، أخرجه البيهقي من
وجهين، ولفظه: (( من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس ،

٧٠٧ _
٥٧ - السعي إلى الصلاة - حديث رقم ٨٦١
وركعة بعد ما تطلع الشمس ، فقد أدرك الصلاة )) .
وأصرح منه رواية أبي غسان محمد بن مطرف ، عن زيد بن أسلم ،
عن عطاء ، وهو ابن يسار، عن أبي هريرة بلفظ: (( من صلى ركعة من
العصر قبل أن تغرب الشمس ، ثم صلى ما بقي بعد غروب الشمس ،
فلم تفته العصر)) . وقال مثل ذلك في الصبح. وقد تقدمت رواية
المصنف - يعني البخاري - من طريق أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، وقال
فيها: ((فليتم صلاته)). وللنسائي من وجه آخر: (( من أدرك ركعة من
الصلاة فقد أدرك الصلاة كلها إلا أنه يقضي ما فاته )).
وللبيهقي من وجه آخر : (( من أدرك ركعةً من الصبح قبل أن تطلع
الشمس فليصل إليها أخرى)). وهذا كله يبين أنه لا وجه لزيادة: (( مع
الإمام))، ولا لزيادة: ((قبل أن يقيم الإمام صلبه))، كما يبين أنه لا
وجه للتشبث بهذا الحديث في قضية إدراك الركعة بإدراك الركوع .
ويوضح ذلك أن أبا هريرة نفسه لم يفهم هذا من الحديث ، فقد
صح عنه كما يأتي: (( لا يجزيك إلا أن تدرك الإمام قائمًا))، وهكذا
الزهري صح عنه أنه ذكر الحديث عن أبي سلمة مرفوعًا بلفظ: (( من
أدرك من الصلاة ركعة واحدة ، فقد أدركها)). ثم قال الزهري:
((ونرى لما بلغنا عن رسول الله تَّ أنه من أدرك من الجمعة ركعة واحدة،
فقد أدرك)) . يعني أن كون الجمعة مع الإمام هو في معنى الوقت
للصلاة في أن كلاً منهما إذا فات فاتت الصلاة ، فإنه كانت السنة بأنه

٧٠٨
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
يكفي لإدراك الوقت إدراكُ ركعة ، فكذلك ينبغي أن يكفي إدراك
الجمعة مع الإمام إدراك ركعة . ويوضحه أيضًا أن الركعة في عرف
الشرع حقيقة في واحدة من الاثنتين اللتين هما الصبح ، أو من الثلاث
التي هي المغرب، أو من الأربع التي هي الظهر ، أو العصر ، أو العشاء
في حق المقيم ، ونحو ذلك .
وقد دافع الشيخ(١) عافاه الله ، فقال : بل الركعة حقيقة في الركوع
لغة وشرعًا كالسجدة ، وإطلاقها على ما يشمل القيام والقراءة والركوع
والسجود من باب إطلاق الجزء على الكل ، كإطلاق السجدة على
ذلك، وكإطلاق العين على الجاسوس ، والرقبة على العبد .
ومما جاء في إطلاقها على الركوع ... فذكر حديث يحيى بن أبي
سليمان ، وحديث يحيى بن حميد المتقدمين ، وحديث البراء في
وصف صلاة النبي ◌َّهم، وفيه: (( فوجدت قيامه ، كركعته،
وسجدته، واعتداله في الركعة كسجدته))، وستة أحاديث في وصف
صلاة الكسوف ، ثم قال : فأنت ترى في هذه الأحاديث إطلاق الركعة
على الركوع بدون قرينة ؛ لأنها حقيقة ، وإن كانت اشتهرت في عرف
المتأخرين فيما هو أعم من الركوع ، فذلك لا ينافي حقيقتها اللغوية
والشرعية في الركوع .
أقول : في هذا كله نظر ، نعم إطلاق ركعة على المرة من الركوع
موافق للحقيقة اللغوية ، لكن لا يلزم أن يكون هكذا في الشرع . وقوله
(١) هو الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة الذي ناقشه المصنف في هذه الرسالة .
٠

٧٠٩ _
٥٧ - السعي إلى الصلاة - حديث رقم ٨٦١
من باب إطلاق الجزء على الكل حق ، فيكون مجازًا ، لكن لا يلزم من
ذلك أن يكون مجازًا في الشرع ، وكافة الحقائق الشرعية - أعني الألفاظ
التي نقلها الشارع عن معانيها اللغوية إلى معان شرعية - بين معانيها
الشرعية ومعانيها اللغوية علاقات مجازية ، كالإيمان، والصلاة ،
والزكاة ، والصيام ، وغيرها .
وأما تلك الأحاديث التي ذكرها الشيخ، فالأولان لم يثبتا كما مر،
ومع ذلك ، فالقرينة فيهما قائمة ، وهي في الأول قوله: ((إذا جئتم
إلى الصلاة ، ونحن سجود فاسجدوا ، ولا تعدوها شيئًا))، وفي الثاني
قوله: ((قبل أن يقيم الإمام صلبه))، فكل من هاتين العبارتين يقتضي أن
تكون كلمة (( ركعة)) في بقية الحديث مرادًا بها الركوع ، فلولا هذا
الاقتضاء لما سلمنا أن الركعة في الحديثين عبارة عن الركوع ، على أننا
إنما نسلم ذلك على فرض صحة الزيادة المقتضية ، فأما إذا أبطلناها فلا،
كما تقدم .
والقراءة في حديث البراء في قوله: (( قيامه كركعته )) إنه من الممتنع
أن يكون القيام وحده مساويًا لما يشمله ، ويشمل الركوع والاعتدال
والسجدتين والجلسة بينهما ، ضرورة أن الجزء لا يساوي الكل . وأما
قوله فيه: (( واعتداله في الركعة كسجدته)) فالقرينة فيه أنه يظهر أن
تعريف الركعة للعهد الذكري ، وبذلك تكون الثانية عين الأولى،
ويساعد ذلك قوله : ((واعتداله))، ومع هذا فليس هذا اللفظ في

شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
٧١٠
سس
الصحيح، والذي في البخاري: ((كان ركوع النبي ◌َّه وسجوده ،
وإذا رفع رأسه من الركوع ، وبين السجدتين قريبًا من السواء)) ونحوه
في صحيح مسلم في رواية ، وفي أخرى: (( فوجدت قيامه ، فرکعته،
فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته بين السجدتين ... )).
وأصل هذا الحديث من لفظ الصحابي ، لا من لفظ النبي ◌َّة ،
ومع ذلك فقد اختلفت رواياتها وألفاظها ، فيمكن أن يكون ما وقع في
بعض الروايات من التعبير عن الركوع بالركعة إنما هو ممن بعد الصحابي.
وأما الأحاديث في صلاة الكسوف فأصلها من لفظ الصحابي
أيضًا، ومع ذلك اختلفت رواياتها ، وألفاظها ، فيمكن أن يكون ما
وقع في بعض الروايات من التعبير عن الركوع بالركعة ، إنما هو ممن بعد
الصحابي ، ومع ذلك فالقرينة قائمة ، وهي ما يعلم من السياق
والروايات الأخرى ، وأرى الأمر في ذلك أوضح من أن يحتاج إلى
الإطالة .
على أن ورود الكلمة في النصوص الشرعية مع دلالة القرينة على
أن المراد منها معناها اللغوي لا يدفع أن يكون الشرع نقلها إلى معنى آخر
تكون فيه حقيقة شرعية ، هذه ((صلاة)) نقلها الشارع إلى معنى غير
معناها لغة ، ومع ذلك وردت في عدة نصوص بحسب معناها اللغوي،
كقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنَّ لَّهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]،
%
وقوله : ﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ٩٩]، وقوله: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ

٧١١ -
٥٧ - السعي إلى الصلاة - حديث رقم ٨٦١
وَسَلّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [ الأحزاب: ٥٦].
١
فإن قيل: فإنه يكفي القائل بأن لفظ ((ركعة)) حقيقة شرعية في المرة
من الركوع أن يقول : قد ثبت أنها حقيقة لغوية في ذلك ، والأصل
موافقة الشرع للغة ؟ قلت : فعلينا البيان : في الصلاة الشرعية أمران
كل منهما إلى لفظ يدل عليه :
الأول : المرة من الركوع .
والثاني : الواحدة التي تتألف صلاة المغرب من ثلاث منها ،
والصبح والجمعة من اثنتين ، وكذا بقية الفرائض في حق المسافر ، أما
المقيم فمن أربع ، وهكذا يختلف حال سائر الصلوات ، كالعيدين
والاستسقاء ، والنوافل ، والحاجة في الشرع إلى ذكر الثاني أكثر منهما
إلى ذكر الأول ، وبتتبع النصوص الشرعية يتضح أنها تعبر عن الأول
غالبًا بالركوع ، وتعبر عن الثاني بالركعة ، وكثر هذا جدًّا من لفظ
النبي ◌َّ ، ولفظ أصحابه في حياته ، وبعد وفاته، وبتدبر ذلك يتبين أن
الذي كان يتبادر في عهده عَّ من كلمة ((ركعة)) في الكلام الشرعي هو
الأمر الثاني، فهي حقيقة شرعية .
فمما ورد من لفظ النبي ◌َّه خاصة ، مما ورد في الصحيحين ، أو
أحدهما حديث أبي هريرة مرفوعًا: (( من أدرك ركعة من الصبح قبل أن
تطلع الشمس .... ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب
الشمس ... ))، وحديث عائشة مرفوعًا نحوه ، وحديثها مرفوعًا :

- ٧١٢
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
((ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها))، وحديث عثمان مرفوعًا: ((من
توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين ... )) وحديث أبي قتادة
مرفوعًا: (( إذا دخل أحدكم المسجد ، فلیصل ركعتين )) ، وحديث جابر
في القدوم من سفر مرفوعًا: ((صل ركعتين)) ، وحديثه في الداخل يوم
الجمعة وقت الخطبة مرفوعًا: ((قم فصل ركعتين)) ، وحديثه أيضًا
مرفوعًا ((إذا جاء أحدكم يوم الجمعة ، وقد خرج الإمام، فليصل
ركعتين)). وحديثه في الاستخارة مرفوعًا: (( ... فليركع ركعتين من
غير الفريضة ... ))، وحديث أبي ذرّ مرفوعًا: (( ... ويجزئ من ذلك
كله ركعتان يركعهما في الضحى))، وحديث أم حبيبة مرفوعًا: ((من
صلى اثنتي عشرة ركعة ... )) وحديث ابن عمر مرفوعًا: ((الوتر ركعة
من آخر الليل))، وحديثه أيضًا مرفوعًا: (( فإذا خشي أحدكم الصبح
صلى ركعة واحدة)). إلى غير ذلك من الأحاديث في ((الصحيحين))،
وأما في غيرهما فكثير .
ومما في ((الصحيحين))، أو أحدهما الأحاديث التي ينص فيها على
العدد فقط ، كحديث أبي سعيد مرفوعًا: (( إذا شك أحدكم فلم يدر
كم صلى ، ثلاثًا ، أم أربعًا ، فليطرح، وليبن على ما استيقن، ثم
یسجد ... فإن کان صلی خمسًا، شفعن له صلاته ، وإن كان صلى
تمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان ))
فإن المتبادر الواضح أن المراد ثلاث ركعات .. وهكذا ، ومثل هذا

٧١٣ _
٥٧ - السعي إلى الصلاة - حديث رقم ٨٦١
في الأحاديث كثير ، ويدخل فيه تسمية صلاة الوتر وترًا ، وقول الله
تبارك وتعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣]. على ما رواه الإمام
أحمد وغيره عن عمران بن حصين أن النبي ◌َّ سئل عن ذلك ؟ فقال :
« الصلاة بعضها شفع ، وبعضها وتر)).
وأما الحديث الرابع : وهو حديث الحسن عن أبي بكرة ففي
((الفتح)): أعله بعضهم بأن الحسن عنعنه ، وقيل : إنه لم يسمع من أبي
بكرة ، وإنما يروي عن الأحنف ، عنه ، ورُدّ هذا الإعلال برواية سعيد
ابن أبي عروبة ، عن الأعلم ، قال حدثني الحسن أن أبا بكرة حدثه .
أخرجه أبو داود والنسائي .
أقول: وهكذا رأيته في عدة نسخ من ((المجتبى)) من سنن النسائي ،
لكنه في نسخ من أبي داود: (( أن أبا بكرة حدث)) وهذا في حكم
العنعنة، وبين سياق أبي داود والنسائي اختلاف، مع أن السند واحد،
روياه عن حميد بن مسعدة ، عن يزيد بن زريع ، ممن سمع منه
قديمًا ، والحسن معروف بالرواية عمن لم یلقه ، بل وصف بالتدليس،
كما في ((طبقات المدلسين)) لابن حجر ، وروايته عن الأحنف، عن أبي
بكرة مشهورة في حديث: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما ... )) لكن لا
يلزم من ذلك أن لا يكون يسمع من رجل غير الأحنف، عن أبي بكرة، وقد
يشد الاتصال أن البخاري أخرج الحديث في ((صحيحه))، ومذهبه اشتراط
اللقاء حتى فيمن لم يعرف بالتدليس ، ولا بالرواية عمن لم يلقه، فما

شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
- ٧١٤
بالك بهذا .
وفي ((مراسيل ابن أبي حاتم))، عن بهز بن أسد في شأن الحسن :
((وسمع من أبي بكرة شيئًا)). وعلى كل حال ، فلم تسلم صحة هذا
الحديث من مقال(١) .
ولننظر فيما ذكر من الدلالتين :
فأما الأولى : وهي قولهم : لولا أن أبا بكرة كان يرى أنه بإدراكه
الركوع يدرك الركعة لما بادر إلى الركوع قبل أن يبلغ الصف. ففيها
نظر، لماذا لا يبادر لإدراك أفضل الركوع(٢) مع النبي عَّة، وإن علم أنه
لا تحسب له ركعة ؟ بل قد يقال : إن هذا هو الذي ينبغي أن يظن
بالصحابي ، لا أن يظن به أنه حرص على إدراك الركعة ، وإن فاته الخير
الكثير فيها تفاديًا من أن يكون عليه ركعة أخرى بعد سلام الإمام ، فإن
هذا يدل على الكسل والتبرم بالتعب اليسير في العبادة ، والرغبة عن
زيادة الأجر، فإنه إذا أدرك بعض الركعة ، ولم تحسب له ، ثم صلاها
بعد سلام الإمام كتب له أجر الصلاة كاملة وزيادة أجر ما أدركه من تلك
الركعة ، فأما من لم يدرك إلا بعض الركعة، وحسبت له ركعة ، فإنه
يفوته بعض أجر الصلاة كما لا يخفى، وقول النبي عمّه: ((زادك الله
(١) قال الجامع عفا الله عنه: أقول : لا شك في ترجيح صحته ، كما جزم به البخاري ،
وصح تصريح الحسن بالتحديث عند النسائي ، فلو فتحنا مثل الاحتمال والشك في
الأحاديث الصحاح لما سلم لنا منها إلا القليل، ولا سيما فيما أخرجه أصحاب
الصحاح . فتبصر .
(٢) هكذا في الأصل، ولعل الصواب ((فضل الركوع)).

٧١٥ _
٥٧ - السعي إلى الصلاة - حديث رقم ٨٦١
حرصًا ، ولا تعد )) يشعر بما ذكرنا ، فإنه يدل أن ذاك الحرص محمود ،
فلذلك دعا له بالزيادة منه ، وإنما نهى عن العود إلى الإخلال بالشروع
من السكينة والوقار ونظم الصلاة ، والحرص المحمود، وهو الحرص
على زيادة الأجر ، لا على التخلص من زيادة العمل غير مبال بما فيها
من زيادة الأجر .
فإن قيل : فإن في ((جزء القراءة)) للبخاري من طريق عبد الله بن
عيسى الخزاز(٢)، عن يونس، عن الحسن، عن أبي بكرة ... فلما قضى
رسول الله عَّه قال لأبي بكرة: ((أنت صاحب النفس؟)) قال: نعم
جعلني الله فداءك ، خشيت أن تفوتني ركعة معك ، فأسرعت المشي ،
فقال له رسول الله مية: ((زادك الله حرصًا، ولا تعد ، صل ما
أدركت ، واقض ما سبق )).
وفي ((مسند أحمد)) جـ ٥ ص٤٢ :... بشار الخياط ، قال:
((سمعت عبد العزيز بن أبي بكرة، يحدث أن أبا بكرة جاء، والنبي عَّم
رائع ... فسمع النبي ◌ُّه صوت نعل أبي بكرة ، وهو يحضر ، يريد
أن يدرك الركعة ... )) .
قلت: عبد الله بن عيسى الخزاز مجمع على ضعفه ، وبشار الخياط
هو ابن عبد الملك، ضعفه ابن معين ، فلا ينفعه ذكر ابن حبان له في
ثقاته، لما عرف من توسعه، وشيخُهُ عبد العزيز فيه مقال ، وروايته
مرسلة ؛ لأنه لم يدرك القصة، ولعل قوله: (( يريد الركعة )) من ظن
(١) ((الخزَّاز)) بمعجمات كما في ((ت)).

شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
- ٧١٦
عبد العزيز، ومع ذلك فوقوع كلمة ((ركعة)) في هاتين الروايتين في
سياق بيان أنه جاء ، والنبي تَّه راكع ، ربما يسوغ في حملها على معنى
الركوع . والله أعلم .
وأما الدلالة الثانية: وهي قولهم: إن النبي عُّ أقرّ أبا بكرة على
السلام معه ، ولم يأمره بإتمام ولا إعادة ، ففي هذه الدعوى نظر ،
ولفظ البخاري في الصحيح من طريق همام ، عن زياد الأعلم ، عن
الحسن، عن أبي بكرة ... فذكر ذلك للنبي عليه، فقال: ((زادك الله
حرصًا، ولا تعد )) كما تقدم أول الرسالة ، وليس فيه ما يثبت هذه
الدعوى ، ونحو ذلك في سنن أبي داود ، والنسائي من طريق سعيد بن
أبي عروبة ، عن زياد الأعلم ، ونحوه في ((مسند أحمد)) جـ٥ ص٣٩ من
طريق أشعث ، عن زياد الأعلم، ونحوه في ((المسند)) جـ٥ ص٤٦ من
طريق قتادة وهشام، عن الحسن البصري .
ورواه حماد بن سلمة ، عن زياد الأعلم بسنده ، واختلف على
حماد ، ففي ((المسند)) جـ٥ ص ٤٥، عن عفان، عن حماد بنحو رواية
الجماعة. وفي ((سنن أبي داود)) عن موسى بن إسماعيل، عن حماد،
وفيه: ((فلما قضى النبي ◌َّ صلاته قال: ((أيكم الذي ركع دون
الصف، ثم مشى إلى الصف؟)) فقال أبو بكرة: أنا ... )).
وأرى رواية عفان أرجح لمزيد إتقان عفان ، ولموافقته رواية
الجماعة، كما تقدم، وحماد بن سلمة على إمامته كان يخطئ ، وقد
روى بهذا الإسناد عينه حديثًا آخر في تقدم النبي ◌َّ ليؤمهم، وتذكره
-- ------

٧١٧ _
٥٧ - السعي إلى الصلاة - حديث رقم ٨٦١
أن عليه غسلاً، وفي آخره: فلما قضى الصلاة، قال: ((إنما أنا بشر)).
وقد لا يبعد أن يكون ذهن حماد انتقل من أحد الحديثين إلى الآخر،
ثم أتم التفسير بما يناسب ، وجاء نحو هذه الزيادة في رواية عبد الله بن
عيسى الخزاز، وفي رواية بشار الخياط ، عن عبد العزيز بن أبي بكرة ،
وفي رواية نقلها الشيخ أول الرسالة عن (( التلخيص الحبير)) ، عن ابن
السكن، فلا أدري ما سندها ؟ وعسى أن تكون راجعة إلى ما ذكر.
وعلى كل حال ، فالروايات الصحيحة المتينة لا أثر فيها لقوله :
((فلما قضى ... )) ولا ما في معناها ، على أنها لو صحت لما كانت
صريحة في الفورية، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَىْ زَيْدٌ مَنْهَا وَطَرًّا
زَوَّجُناكَهَا﴾ [ الأحزاب: ٣٧] .
ومعلوم أن بين القضاء والتزويج مهلة . وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا
قَضَىْ مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بَأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا ﴾ [القصص: ٢٩]،
وبين قضائه الأجل ، وشروعه في السير، وبين الإيناس مهلة .
وعلى فرض صحة تلك الزيادة، وأن الظاهر في مثلها الفورية ،
فقد يكون أبو بكرة ممن يرى أن الركعة لا تدرك بالركوع ، فرأى أن
السياق قرينة على عدم الفورية، فيكون النبي ◌َّه قد علم أن النهي لم
يدرك إلا الركوع سيقوم لإتمام صلاته(١) ، فلما سلم ، وقام بعضهم يتم
اشتغل النبي ◌َِّ بالذكر حتى سلم من سُبْقَ، وحينئذ سأل النبي ◌َّهِ .
(١) هكذا عبارة الأصل، وفيها ركاكة، ولعل صواب العبارة: ((فيكون النبي تَّ قد عَلِمَ
أن من لم يُدرك إلا الركوع سيقوم لإتمام صلاته إلخ». فلیحرر.
-1-

- ٧١٨
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
وأرى أن من تدبر ، وأنعم النظر بأن هذا احتمال غير بعيد ، بل
يتبين له أنه ليس هناك ما يدل دلالة تقوم بها الحجة على أن ركوع
النبي ◌َّ الذي أدركه أبو بكرة هو الركوع في الركعة الأولى ، بل من
المحتمل أن يكون هو الركوع في الثانية ، وهب أنه يَقْوَى عندك أنه
الركوع في الركعة الأولى، وأن النبي ثمّ سأل عقب السلام، فأجابه
أبو بكرة فورًا، فهل تجد تلك القوة كافيةً لتخصيص هذه القضية من
النصوص العامة الموجبة للقيام، ولقراءة الفاتحة ، ولقضاء المسبوق ما
قد فاته إلى غير ذلك مما مر ، ويأتي؟.
وأما الأمر الخامس : فقد أجاب عنه البخاري في ((جزء القراءة))
بقوله: ثنا عبيد بن يعيش، قال : حدثنا يونس، قال: حدثنا ابن
إسحاق(١) قال : أخبرني الأعرج، قال : سمعت أبا هريرة يقول : لا
يجزيك إلا أن تدرك الإمام قائمًا قبل أن يركع .
حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث ، قال : حدثني
جعفر بن ربيعة ، عن عبد الرحمن بن هرمز، قال : قال أبو سعيد رضي
الله عنه : لا يركع أحدكم حتى يقرأ أم القرآن .
قال البخاري : وكانت عائشة تقول ذلك . وقال علي بن عبد الله
(ابن المديني): إنما أجاز إدراك الركوع من أصحاب النبي ◌َّ الذين لم
يروا القراءة خلف الإمام ، منهم ابن مسعود، وزيد بن ثابت ، وابن
عمر، فأما من رأى القراءة ، فإن أبا هريرة ، قال : اقرأ بها في نفسك يا
(١) وقع في نسخة ((جزء القراءة)): ما لفظه: ((حدثنا إسحاق))، بإسقاط لفظة ((ابن))،
والظاهر أنه غلط، والصواب ((ابن إسحاق)) والله تعالى أعلم.

٧١٩ _
٥٧ - السعي إلى الصلاة - حديث رقم ٨٦١
فارسي؛ وقال : لا تعتد بها حتى تدرك الإمام قائمًا .
وقال البخاري في موضع آخر : حدثني معقل بن مالك ، ثنا
أبو عوانة ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن هرمز
الأعرج، عن أبي هريرة ، قال : إذا أدركت القوم ركوعًا لم تعتد بتلك
الركعة .
وقال في موضع آخر : عن يحيى بن بكير ، عن الليث ، عن جعفر
ابن ربيعة ، عن عبد الرحمن بن هرمز ، أن أبا سعيد الخدري ، كان
يقول: لا يركعن أحدكم حتى يقرأ بفاتحة الكتاب . قال : وكانت عائشة
تقول ذلك .
أجاب الشيخ (١) - عافاه الله - بقوله: ما حكاه البخاري عن أبي
هريرة ، هو من طريق ابن إسحاق ، ومعارض بما ذكر مالك في
((الموطأ)) بخلافه، ويقول شارحه ابن عبد البر: هذا قول لانعلم أحداً
من فقهاء الأمصار قال به . وفي إسناده نظر ، وما حكاه عن أبي سعيد ،
وعائشة من قولها، ليس نصًا صريحًا في عدم الاعتداد ، بل هو في إتمام
الفاتحة قبل أن يركع .
أقول(٢): محمد بن إسحاق ثقة عند كبار الأئمة ، وقد ساق
البخاري في ((جزء القراءة)) كلامًا طويلاً في تثبيته ، وقد صرح هنا
بالسماع ، فانتفت تهمة التدليس ، فأما ما في ((الموطأ))، فبلاغ منقطع،
(١) هو الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة .
(٢) القائل هو الشيخ المعلمي المناقش للشيخ محمد عبد الرزاق حمزة .

- ٧٢٠
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
لا تقوم به حجة ، وربما يكون مالك إنما أخذه من عبد الرحمن بن
إسحاق، فقد أشار البخاري إلى روايته نحو ذلك ، وساق البخاري
كلامًا في توهين عبد الرحمن هذا .
والبخاري وشيخه ابن المديني إمامان مجتهدان مقدمان في معرفة
النقل ، والنَّقَلَة ، فلا يدفع كلامهما في ذلك إلا بحجة واضحة .
وما ذكره عن أبي سعيد ، وعائشة إنما احتجابه ؛ لأنه يدل على أن
المأموم إذا أدرك الإمام قبيل الركوع لم يكن له أن يدع الفاتحة، أو
بعضها، ثم يعتد بتلك الركعة، فإذا لم يتحمل عنه الإمام بعضًا من
الفاتحة فقط، فلأن لا يتحملها عنه كلها ومعها القيام أولى .
وإذا كان الظاهر أن القول بالإدراك مخالف للقول بافتراض الفاتحة
على المأموم، وكان المصرحون من الصحابة بالإدراك هم من الذين
عرف عنهم القول بعدم افتراض الفاتحة على المأموم، وجاء عن جماعة
من القائلين بالافتراض من الصحابة ما هو صريح ، أو ظاهر في عدم
الإدراك، ولم يثبت عن أحد منهم خلاف ذلك ، فإنه يقوي جدًّا ظن أن
القائلين بالافتراض قائلون بعدم الإدراك، فكلام البخاري ، وشيخه
متين جدًا .
وأما أن الجمهور الغالب على الإدراك فحق ، ولكن هل يكفي هذا
لتخصيص النصوص الدالة على فرضية القيام ، وفرضية الفاتحة ،
وفرضية قضاء ما فات؟ ومع تلك الأدلة الاعتبار الواضح ، فإن
المعهود في فرائض الصلاة أن لا يسقط شيء منها إلا لعذر بيّن، وليس
المسبوقية كذلك، لتمكن المسبوق بدون مشقة تُذكَرُ من الإتمام بعد سلام
٠
: