Indexed OCR Text
Pages 681-700
٦٨١ - ٥٧ - السعي إلى الصلاة - حديث رقم ٨٦١ حديث زيد بن ثابت ، ومن حديث أنس رضي الله عنهما . الثالث : ذكر المهلب أن المعنى في ذلك أن لا يبهر الإنسان نفسه ، فلا يتمكن من ترتيل القرآن ، ولا من الوقار اللازم له في الخشوع . انتهى. وذكره القاضي عياض أيضًا . وقال الحافظ العراقي : ينبني على المعنيين ، أي الأولين عود المصلي من المسجد إلى بيته ، فإن عللنا بالمعنى الأول ، فقد زال في رجوعه إلى بيته كونه في صلاة ، وإن عللنا بالمعنى الثاني ، فيستحب أيضًا المشي ، ومقاربة الخطا، لحديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: ((من راح إلى مسجد الجماعة ، فخطوة تمحو سيئة ، وخطوة تكتب حسنة ، ذاهبًا وراجعًا)). وإسناده جيد. قال ولي الدين: وإن عللنا بالمعنى الثالث، فلا يثبت هذا الحكم في الرجوع ، كما قلنا على المعنى الأول . انتھی(١). قال الجامع عفا الله عنه : تعليله بالمعنى الثاني أولى، لحديث عبد الله بن عمرو المذكور . والله تعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب . المسألة السابعة : قال الحافظ ولي الدين رحمه الله: هذا الحديث ناسخ لما روي أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا إذا سبقوا ببعض الصلاة صلوا ما فاتهم منفردين ، ثم دخلوا مع الإمام فصلوا معه بقية (١) طرح التثريب جـ ٢ ص ٣٥٨ . - ٦٨٢ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة الصلاة ، كما رواه أبو داود في أبواب الأذان عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال : حدثنا أصحابنا ، قال : كان الرجل إذا جاء يسأل ، فيخبر بما سبق من صلاته ، وأنهم قاموا مع رسول الله تَّه من بين قائم، وراكع ، وقاعد، ومصل مع رسول الله عَّه، فجاء معاذ، فأشاروا إليه ، فقال معاذ : لا أراه على حال إلا كنت عليها ، فقال : ((إن معاذًا قد سن لكم ، كذلك فافعلوا )). ورواه الطبراني في ((معجمه)) من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن معاذ ، وفي لفظ له: فقال: ((قد سن لكم معاذ ، فاقتدوا به ، إذا جاء أحدكم ، وقد سُبق بشيء من الصلاة، فليصل مع الإمام بصلاته ، فإذا فرغ الإمام، فليقض ما سبقه به )). قال المزني: قوله : ((إن معاذاً قد سن لكم)) يحتمل أن يكون النبي ◌َّ أُمرَ أن تُسن هذه السنة، فوافق ذلك فعل معاذ، وذلك أن بالناس حاجة إلى رسول الله عَّه في كل ما يسن ، وليس بهم حاجة إلى غيره. انتهى . ويحتمل أن يقال : لا نسخ في هذه القضية، ولكن الأمران جائزان، أعني متابعة الإمام فيما هو فيه ، ثم استدراك ما بقي بعد سلامه ، والدخول في الصلاة منفردًا، ثم الاقتداء بالإمام في أثناء الصلاة ، وكان الصحابة رضي الله عنهم يفعلون أحد الأمرين ، فلما فعل معاذ الأمر الآخر استحسنه النبي ◌َّ، ورجحه على الأمر الأول، ٦٨٣ _ ٥٧ - السعي إلى الصلاة - حديث رقم ٨٦١ لا أنه حتمه ، وصيره ناسخًا بحيث إنه امتنع فعل الأمر الآخر. والله أعلم انتهى(١) . المسألة الثامنة : استُدلَّ بهذا الحديث على إدراك الجماعة بجزء من الصلاة وإن قلّ، لأنه تَّه قال: ((فما أدركتم، فصلوا)). ولم يفصل بين القليل والكثير ، وبهذا قال الجمهور ، قال ابن حزم: وهذا خبر زائد على الخبر الذي فيه: ((من أدرك من الصلاة مع الإمام ركعة، فقد أدرك الصلاة)). قال: وروينا عن ابن مسعود أنه أدرك قومًا جلوسًا في آخر صلاتهم، فقال : أدركتم إن شاء الله . وعن شقيق بن سلمة: من أدرك التشهد فقد أدرك الصلاة . وعن الحسن، قال : إذا أدركهم سجودًا سجد معهم . وعن ابن جريج: قلت لعطاء : إن سمع الإقامة والأذان ، وهو يصلي المكتوبة ، أيقطع صلاته، ويأتي الجماعة ؟ قال : إن ظن أنه يدرك من المكتوبة شيئًا ، فنعم . وذهب الغزالي من الشافعية إلى أن الجماعة لا تدرك بأقل من ركعة . (٢) انتھی ـى(٢) . وقال في ((الفتح)): واستدل بهذا الحديث على حصول فضيلة الجماعة بإدراك جزء من الصلاة، لقوله: ((فما أدركتم ، فصلوا)) ، ولم يفصل بين القليل والكثير ، وهذا قول الجمهور ، وقيل : لا تدرك (١) طرح التثريب جـ ٢ ص ٣٥٨ . (٢) المصدر المذكور جـ٢ ص٣٥٩. - ٦٨٤ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة الجماعة بأقل من ركعة؛ لحديث: (( من أدرك ركعة من الصلاة ، فقد أدرك)) ، وقياسًا على الجمعة ، وأجيب عنه بأنه ورد في الأوقات ، وأن في الجمعة حديثًا خاصًا بها . قال الجامع عفا الله عنه : ما ذهب إليه الجمهور من أن الجماعة تدرك بإدراك جزء من الصلاة وإن قل هو الحق ، لوضوح دليله . والله تعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب . المسألة التاسعة : قال الحافظ ولي الدين رحمه الله : استدل ابن حزم رحمه الله بهذا الحديث على أنه إذا وجد الإمام جالسًا في آخر الصلاة قبل أن يسلم، وجب عليه أن يدخل معه ، سواء طمع بإدراك الصلاة من أولها في مسجد آخر ، أم لا، فحمل الأمر في قوله عمال : ((فما أدركتم فصلوا)) ، على الوجوب على عادته ، ثم ذكر آثارًا عن السلف بالأمر بصلاة ما أدركه ، يمكن حملها على الاستحباب كما حمل الجمهور الأمر في هذا الحديث على ذلك . وروى ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن جرير، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن رجل من أهل المدينة ، عن النبي ◌َّه أنه سمع خفق نعلي ، وهو ساجد ، فلما فرغ من صلاته، قال : (( من هذا الذي سمعت خفق نعله؟)) قال: أنا يا رسول الله، قال: ((فما صنعت؟))، قال: وجدتك ساجدًا، فسجدت ، قال: (( هكذا فاصنعوا ، ولا تعتدوا بها، من وجدني راكعًا ، أو قائمًا، أو ساجدًا ، فليكن معي على حالتي : . ٦٨٥ _ ٥٧ - السعي إلى الصلاة - حديث رقم ٨٦١ التي أنا عليها)) . انتهى كلام ولي الدين رحمه الله تعالى. قال الجامع عفا الله عنه : الظاهر أن ما قاله ابن حزم من وجوب المتابعة هو الأقرب إلى الصواب ؛ لأن الأمر للوجوب على الراجح عند الأصوليين، إلاإذا وجد له صارف ، ولم يَذْكُر الجمهور دليلاً صارفًا عن الوجوب ، فكيف يحمل على الاستحباب ؟ فتبصر . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . المسألة العاشرة : قال الحافظ ولي الدين رحمه الله : استدل بقوله تعَّة: ((وما فاتكم ، فأتموا)) على أن ما أدركه المسبوق مع الإمام هو أول صلاته ، وما يأتي به بعد سلام الإمام هو آخر صلاته ، وهو مذهب الشافعي ، ورواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن عمر ، وعلي ، وأبي الدرداء ، وعمر بن عبد العزيز ، وسعيد بن المسيب ، والحسن ، وسعيد بن جبير ، وحكاه ابن المنذر عن هؤلاء ، خلا سعيد بن جبير ، وقال : إنه لا يثبت عن عمر ، وعلي ، وأبي الدرداء ، وحكاه أيضًا عن مكحول ، وعطاء ، والزهري ، والأوزاعي ، وسعيد بن عبد العزيز ، وإسحاق بن راهويه ، والمزني ، قال ابن المنذر : وبه أقول . ورواه البيهقي عن ابن عمر ، ومحمد بن سيرين ، وأبي قلابة ، وهو منصوص مالك في ((المدونة))، فإنه قال فيها : إن ما أدرك فهو أول صلاته، إلا أنه يقضي مثل الذي فاته من القراءة بأم القرآن وسورة . قال ابن بطال : ورواه ابن نافع عن مالك . وقال سحنون في ١٠". - ٦٨٦ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة ((العتبية)) : هو الذي لم نعرف خلافه ، وهو قول مالك ، أخبرني به غير واحد . وحكاه ابن بطال عن أحمد بن حنبل ، وحكاه القاضي عياض عن جمهور العلماء والسلف ، وحكاه النووي عن جمهور العلماء من السلف والخلف . وذهب آخرون إلى أن ما أدركه مع الإمام هو آخر صلاته ، وما يأتي به بعد سلام الإمام هو أول صلاته ، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه . ورواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن ابن مسعود ، وابن عمر، وإبراهيم النخعي ، ومجاهد ، وأبي قلابة ، وعمرو بن دينار ، والشعبي، وابن سيرين ، وعُبيد بن عُمَير ، وحكاه ابن المنذر عن مالك، وسفيان الثوري ، والشافعي ، وأحمد . فأما مالك فهو المشهور في مذهبه ، كما قال القاضي عبد الوهاب. قال ابن بطال: وهو قول أشهب ، وابن الماجشون ، واختاره ابن حبيب، وقال : الذي يقضي هو أولها ، لأنه لا يستطيع أن يخالف إمامه ، فتكونَ له أولى ، وللإمام ثانيةً ، أو ثالثة . انتهى . وأما الشافعي ، فليس هذا مذهبه، وما رأيت أحدًا حكاه عنه، إلا أن النووي حكاه في ((الروضة))، قال: إنه حكي عنه قول غريب أنه يجهر . وأما أحمد ، فكذلك حكاه عنه الخطابي أيضًا ، وهو خلاف ما حکاه عنه ابن بطال، كما تقدم . واستدل هؤلاء بقوله في الرواية الأخرى: ((وما فاتكم فاقضوا))، ٦٨٧ _ ٥٧ - السعي إلى الصلاة - حديث رقم ٨٦١ فلما استعمل لفظ القضاء في المأتي به بعد سلام الإمام، دل على أنه مؤخر عن محله ، وأنه أول الصلاة، لكنه يقضيه . وأجاب الجمهور عنه بجوابين : أحدهما : تضعيف هذه اللفظة ، كما تقدم عن غير واحد . قال الجامع عفا الله عنه: لكن الأصح صحتها . فتبصر. والله تعالى أعلم . الثاني: أن قوله: ((اقضوا)) بمعنى أتموا ، والعرب تستعمل القضاء على غير معنى إعادة ما مضى ، قال الله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ ﴾ [الجمعة: ١٠]، وقالوا: قضى فلان حق فلان ، فيحمل القضاء في هذا الحديث على هذا المعنى جمعًا بين الروايتين . وفي المسألة مذهب ثالث: أنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال، وآخرها بالنسبة إلى الأقوال، وهي رواية عن مالك ، ويوافقه ما نص عليه الشافعي رحمه الله من أنه لو أدرك ركعتين من رباعية، ثم قام للتدارك يقرأ السورة في الركعتين ، واختلف أصحابه في هذا ، فقال · بعضهم: هو تفريع على قوله: يستحب قراءة السورة في جميع الركعات ، وقال بعضهم : هو تفريع على القولين معاً، لئلا تخلو صلاته عن السورة، وصححه النووي ، ويوافقه ما رواه البيهقي عن شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - ٦٨٨ علي بن أبي طالب أنه قال: ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك ، واقض ما سبقك به من القرآن . انتهى المقصود من كلام ولي الدين رحمه الله تعالى(١) . قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن مذهب القائلين بأن ما يقضيه المسبوق أول صلاته هو الأرجح، لظهور دليله ؛ لأن ((ما)) في قوله: (( وما فاتكم)) للعموم، فكل ما فات المسبوق من الأفعال والأقوال يجب عليه الإتيان به ، لعموم هذا النص ، والذي وجب عليه الإتيان به هو الذي فاته ، وما فاته إلا أول صلاته ، فإذا أتى به فقد قضاه، وما في رواية الأكثرين من لفظ: ((فأتموا)) لا ينافي هذا المعنى، إذ لولا إتيانه بما فاته من أول صلاته لما حصل الإتمام ، فإن الذي أدركه مع الإمام ناقص لا يتم حتى يقضي ما فاته ، فإذا قضاه فقد أتم نقصه ، ولا يستلزم ذلك أن يكون ما يقضيه أخيراً . والحاصل أنه يجب عليه الإتيان بما سُبقَ به من قراءة الفاتحة ، والسورة ، وسائر الأفعال التي فاتته مع الإمام ، وإذا كانت الصلاة جهرية جهر فيها ، والله تعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب . المسألة الحادية عشرة : في اختلاف أهل العلم في إدراك الركعة بإدراك الركوع : ذهب الجمهور إلى أن من أدرك الإمام راكعًا تحتسب له تلك الركعة، على تفصيل في حد إدراك الركوع عندهم . (١) طرح التثريب جـ ٢ ص ٣٦١ - ٣٦٣. ٦٨٩ - ٥٧ - السعي إلى الصلاة - حديث رقم ٨٦١ وذهب بعض أهل العلم إلى أن من أدرك الإمام راكعًا لم تحسب له تلك الركعة، للأمر بإتمام ما فاته ؛ لأنه فاته الوقوف والقراءة ، وهو قول أبي هريرة رضي الله عنه، وجماعة، بل حكاه البخاري في (( جزء القراءة خلف الإمام)) عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام، واختاره ابن خزيمة والصبغي وغيرهما من محدثي الشافعية ، وقواه الشيخ تقي الدين السبكي من المتأخرين. قاله في (الفتح)) (١). وقال العلامة الشوكاني رحمه الله عند البحث عن وجوب قراءة الفاتحة على كل إمام ومأموم في كل ركعة : ما نصه : ومن ههنا يتبين لك ضعف ما ذهب إليه الجمهور أن من أدرك الإمام راكعًا دخل معه ، واعتد بتلك الركعة ، وإن لم يدرك شيئًا من القراءة. واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة رضي الله عنه: (( من أدرك الركوع من الركعة الأخيرة في صلاته يوم الجمعة ، فليضف إليها ركعة أخرى)) . رواه الدار قطني من طريق ياسين بن معاذ، وهو متروك ، وأخرجه الدار قطني بلفظ: ((إذا أدرك أحدكم الركعتين يوم الجمعة ، فقد أدرك، وإذا أدرك ركعة فليركع إليها أخرى)). ولكنه رواه من طريق سليمان بن داود الحراني ، ومن طريق صالح بن أبي الأخضر ، وسليمان متروك ، وصالح ضعيف . على أن التقييد بالجمعة في كلا الروايتين مشعر بأن غير الجمعة (١) جـ ٢ ص ٣٣١ . - ٦٩٠ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة بخلافها ، وكذا التقييد بالركعة في الرواية الأخرى يدلّ على خلاف المدّعى ؛ لأن الركعة حقيقة لجميعها ، وإطلاقها على الركوع وما بعده مجاز ، لا يصار إليه إلا لقرينة ، كما وقع عند مسلم من حديث البراء رضي الله عنه بلفظ: ((فوجدت قيامه، فركعته ، فاعتداله، فسجدته)) ... فإن وقوع الركعة في مقابلة القيام ، والاعتدال ، والسجود ، قرينة تدلّ على أن المراد بها الركوع . وقد ورد حديث : (( من أدرك ركعة من صلاة الجمعة)) بألفاظ لا تخلو طرقها عن مقال، حتى قال ابن أبي حاتم في ((العلل)) عن أبيه: لا أصل لهذا الحديث، إنما المتن: ((من أدرك من الصلاة ركعة، فقد أدركها)). وكذا قال الدراقطني، والعقيلي، وأخرجه ابن خزيمة عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا بلفظ: (( من أدرك ركعة من الصلاة ، فقد أدركها قبل أن يقيم الإمام صلبه )) . وليس في ذلك دليل لمطلوبهم ، لما عرفت من أن مسمى الركعة جميع أذكارها ، وأركانها حقيقة شرعية وعرفية ، وهما مقدمتان على اللغوية ، كما تقرر في الأصول ، فلا يصح جعل حديث ابن خزيمة ، وما قبله قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي . فإن قلت : فأيّ فائدة على هذا في التقييد بقوله : (( قبل أن يقيم صلبه )) ؟ . قلت: دفع توهم أن من دخل مع الإمام ، ثم قرأ الفاتحة ، وركع الإمام قبل فراغه منها غير مدرك . ٦٩١ _ ٥٧ - السعي إلى الصلاة - حديث رقم ٨٦١ إذا تقرر لك هذا، علمت أن الواجب الحمل على الإدراك الكامل للركعة الحقيقية ، لعدم وجود ما تحصل به البراءة من عهدة أدلة وجوب القيام القطعية ، وأدلة وجوب الفاتحة . وقد ذهب إلى هذا بعض أهل الظاهر، وابن خزيمة، وأبو بكر الصّبغي. روى ذلك ابن سيد الناس في ((شرح الترمذي))، وذكر فيه حاكيًا عمن روى عن ابن خزيمة أنه احتج لذلك بما روي عن أبي هريرة أنه عَ ◌ّه قال: ((من أدرك الإمام في الركوع، فليركع معه، وليُعد الركعة)). وقد رواه البخاري في ((القراءة خلف الإمام)) من حديث أبي هريرة أنه قال: ((إن أدركت القوم ركوعًا لم تعتدّ بتلك الركعة)) . قال الحافظ: وهذا هو المعروف عن أبي هريرة موقوفًا، وأما المرفوع فلا أصل له . وقال الرافعي تبعاً للإمام : إن أبا عاصم العبادي حكى عن ابن خزيمة أنه احتج به . وقد حكى هذا المذهب البخاري في (( القراءة خلف الإمام)) عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام، وحكاه في ((الفتح)) عن جماعة من الشافعية، وقواه الشيخ تقي الدين السبكي ، وغيره من محدثي الشافعية ، ورجحه المقبلي، قال: وقد بحثت هذه المسألة، وأحطتها في جميع بحثي فقهًا وحديثًا ، فلم أحصل منها على غير ما ذكرت - يعني من عدم الاعتداد بإدراك الركوع فقط . . ٦٩٢ - شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة قال العراقي في ((شرح الترمذي)) بعد أن حكى عن شيخه السبكي أنه كان يختار أنه لا يعتدّ بالركعة من لا يدرك الفاتحة، ما لفظه : وهو الذي نختاره . اهـ. والعجب ممن يدعي الإجماع، والمخالفُ مثل هؤلاء. وأما احتجاج الجمهور بحديث أبي بكرة رضي الله عنه، حیث صلى خلف الصف مخافة أن تفوته الركعة، فقال عمّ: ((زادك الله حرصًا، ولا تَعُدْ)) ولم يؤمر بإعادة الركعة ، فليس فيها ما يدلّ على ما ذهبوا إليه؛ لأنه كما لم يأمره بالإعادة لم ينقل إلينا أنه اعتدّ بها ، والدعاء له بالحرص لا يستلزم الاعتداد بها ؛ لأن الكون مع الإمام مأمور به، سواء كان الشيء الذي يدركه المؤتمّ معتدًا به، أم لا، كما في حديث: ((إذا جئتم إلى الصلاة ، ونحن سجود ، فاسجدوا ، ولا تعدوها شيئًا )). أخرجه أبو داود وغيره على أن النبي ◌ُّه قد نهى أبا بكرة عن العودة إلى مثل ذلك، والاحتجاج بشيء قد نھي عنه لا يصح. وقد أجاب ابن حزم في ((الُحَلَّى)) عن حديث أبي بكرة ، فقال : إنه لا حجة لهم فيه ؛ لأنه ليس فيه اجتزاء بتلك الركعة. ثم استدلّ على ما ذهب إليه من أنه لا بد في الاعتداد بالركعة من إدراك القيام والقراءة بحديث : (( ما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا)). ثم جزم بأنه لا فرق بين فوت الركعة ، والركن ، والذكر المفروض؛ لأن الكل فرض لا تتم الصلاة إلا به . قال : فهو مأمور بقضاء ما سبقه به الإمام وإتمامه ، فلا يجوز تخصيص شيء من ذلك بغير نص آخر ، ٦٩٣ - ٥٧ - السعي إلى الصلاة - حديث رقم ٨٦١ ولا سبيل إلى وجوده . قال : وقد أقدم بعضهم على دعوى الإجماع على ذلك ، وهو كاذب في ذلك ؛ لأنه قد روي عن أبي هريرة أنه لا يعتد بالركعة حتى يقرأ أم القرآن . وروي القضاء أيضًا عن زيد بن وهب . ثم قال : فإن قيل : إنه يكبر قائمًا ، ثم يركع ، فقد صار مدركًا للوقفة . قلنا : وهذه معصية أخرى، وما أمر الله تعالى قط، ولا رسوله ◌َّه أن يدخل في الصلاة من غير الحال التي يجد الإمام عليها ، وأيضًا لا يجزئ قضاء شيء يسبق به من الصلاة إلا بعد سلام الإمام ، لا قبل ذلك . وقال أيضًا في الجواب عن استدلالهم بحديث : (( من أدرك من الصلاة ركعة ، فقد أدرك الصلاة)): إنه حجة عليهم ؛ لأنه مع ذلك لا يسقط عنه قضاء ما لم يدرك من الصلاة . انتهى . والحاصل أن أنهض ما احتج به الجمهور في المقام حديث أبي هريرة رضي الله عنه باللفظ الذي ذكره ابن خزيمة، لقوله فيه: (( قبل أن يقيم صلبه )) كما تقدم ، وقد عرفت أن ذكر الركعة فيه مناف لمطلوبهم ، وابن خزيمة الذي عولوا عليه في هذه الرواية من القائلين بالمذهب الثاني ، كما عرفت ، ومن البعيد أن يكون هذا الحديث عنده صحيحًا ، ويذهب إلى خلافه (١). (١) قال الجامع عفا الله عنه: لم يصحح ابن خزيمة رحمه الله الحديث، بل أشار إلى ضعفه ، فقال بعد إخراجه، ما نصه : قال أبو بكر : في القلب من هذا الإسناد ، فإني = ------ - - . - ٦٩٤ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة ومن الأدلة على ما ذهبنا إليه في هذه المسألة حديث أبي قتادة ، وأبي هريرة رضي الله عنهما المتفق عليه بلفظ: (( ما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا)) . قال الحافظ في ((الفتح)): قد استدلّ بهما على أن من أدرك الإمام راكعًا لم تحتسب له تلك الركعة ، للأمر بإتمام ما فاته ؛ لأنه فاته القيام والقراءة فيه ، ثم قال : وحجة الجمهور حديث أبي بكرة . وقد عرفت الجواب عن احتجاجهم به . وقد ألف السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير رسالة في هذه المسألة ، ورجح مذهب الجمهور ، وقد كتبت أبحاثًا في الجواب عليها . انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله عنه : الذي يترجح عندي في هذه المسألة قول من قال بعدم الاعتداد بإدراك الركوع إلا إذا أدرك القيام والقراءة ، لقوة دليله ، كما عرفت تفصيله فيما سبق . وهو الذي رجحه الإمام البخاري ، ونقله عن كل من قال بوجوب كنت لا أعرف يحيى بن أبي سليمان بعدالة ولا جرح ... إلخ. وقال أيضاً: = والنبي ◌َّة إن صح عنه الخبر أراد بقوله: ((فلا تعدوها شيئًا)). أي لا تعدوها سجدة، إلى آخر كلامه . فأفاد أن الحديث لم يصح عنده ، وإن كانت ترجمته تدل على أنه يقول بمذهب الجمهور . وأما ما عزاه إليه في الفتح ، وتبعه الشوكاني من أنه من القائلين بعدم الاعتداد فلعله في كتبه الأخرى غَير ((صحيحه)) ، فليتأمل . (١) نيل الأوطار جـ ٣ ص ٦٧ - ٧٠ . ,٠ ٥٧ - السعي إلى الصلاة - حديث رقم ٨٦١ ٦٩٥ _ القراءة على المأموم ، كما حققه في ((جزء القراءة)) ، وابن خزيمة، وابن حزم ، ورجحه من متأخري الشافعية التقي السبكي ، والحافظ العراقي، والعلامة الشوكاني في ((النيل))، كما مر تحقيقه . لكن من الغريب أن الشوكاني تراجع عن هذا القول، فقال بترجيح مذهب الجمهور في فتاواه المعروف بـ(( الفتح الرباني))، كما نقل نصه العلامة محمد شمس الحق صاحب (( عون المعبود)) في شرح أبي داود جـ٣ ص ١٥٧، لكنه ما أتى بدليل مقنع، إنما ذكر ما تقدم في أدلة الجمهور التي أجاب هو عنها قريبًا ، فأجاد ، وأفاد . والحاصل أن مذهب القائلين بعدم الاعتداد بإدراك الركوع هو المذهب القوي ، فلا تعدل أيها الموفق إلى غيره ، وإن كثر القائلون، فالشأن في قوة الدليل، لا في كثرة القال والقيل. وفقنا الله تعالى لما يحبه ويرضاه . خاتمة أختم بها البحث السابق : اعلم أنني بعد ما كتبت ما تقدم في تحقيق المسألة السابقة ، وجدت من كتب في هذا الموضوع ، فأحسن، وهو : العلامة عبد الرحمن بن يحيى بن علي المعلمي اليماني ١٣١٣ - ١٣٨٦ هـ ، فإنه قد كتب رسالة قيمة(١) بعنوان ((هل يدرك المأموم الركعة بإدراك الركوع مع الإمام»، حقق فيها الموضوع ، وناقش كل الأدلة مناقشة علمية من غير تعصب (١) الرسالة مطبوعة بتحقيق عبد الرحمن بن عبد القادر المعلمي - مكتبة الإرشاد - صنعاء. - ٦٩٦ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة واعتساف ، بل باعتدال وإنصاف ، فأعطى المسألة حقها ، وأفاد وأجاد، ورجح القول بعدم الاعتداد . والشيخ رحمه الله معروف بطول الباع في تحقيق المسائل العلمية ، وموصوف بالتأدب والإنصاف ، كما يظهر ذلك لمن يطالع كتابه ((التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل)). فرأيت ختم المسألة بها تتميمًا للفائدة ، وتكميلاً للعائدة . قال رحمه الله بعد الخطبة : أما بعد : فإن الأخ العلامة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة(١) المدرس بالمسجد الحرام ، ومدير مدرسة دار الحديث الخيرية - عافاه الله - أطلعني على رسالته المحررة في اختيار إدراك المأموم الركعة بإدراكه الركوع مع الإمام ، وأشار علي أن أكتب ما يظهر لي في هذه المسألة . فأستعين الله تبارك وتعالى، وأقول : قال البخاري في ((جزء القراءة)): ((والقيام فرض في الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَقُومُوا للَّه قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وقال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاة﴾ [المائدة: ٦]. ٠٠ وقال النبي ◌َّةُ: ((صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا)) وبسط الكلام في تثبيت فرضية قراءة الفاتحة في كل ركعة حتى على المأموم وساق في (١) هو الشيخ محمد بن عبد الرزاق حمزة ، ولد بمصر سنة ١٣١١ هـ، وتعلم بها ، وسافر إلى مكة عام ١٣٤٤ هـ فتولى خطابة الحرم النبوي وإمامته ، ثم نقل بعد سنتين إلى الحرم المكي مدرسًا للحديث والتفسير، وله مصنفات، وتوفي بمكة سنة ١٣٩٢ . من الأعلام للزركلي ج٦ ص٢٠٣ . ٦٩٧ _ ٥٧ - السعي إلى الصلاة - حديث رقم ٨٦١ موضع آخر الأحاديث في وجوب قضاء المسبوق مافاته ، ولم ينازعه الشيخ إلا في هذه القضية، فظاهر صنيعه أنه يسلم ما استدل به البخاري على فرضية القيام ، وعلى فرضية قراءة الفاتحة في كل ركعة ، حتى على المأموم ، وعلى فرضية قضاء ما فات، مع أن تلك الأدلة تتناول هذه القضية المستثناة من ذلك العموم ، ويتلخص من كلامه الاحتجاج على هذا التلخيص بأمور : الأول : عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله عمله : (( إذا جئتم إلى الصلاة، ونحن سجود فاسجدوا ، ولاتعدوها شيئًا، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة)). قال الشيخ(١) : سكت عليه أبو داود، والمنذري ، واحتج به ابن خزيمة في ((صحيحه)) . الثاني : ابن وهب : حدثني يحيى بن حميد ، عن قرة بن عبد الرحمن، عن ابن شهاب الزهري، أخبره أبو سلمة ، عن أبي هريرة أن رسول الله ثمّ قال: « من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها قبل أن يقيم الإمام صلبه)) . قال الشيخ : أخرجه الدار قطني ، وابن خزيمة محتجًا على أن من أدرك الركوع مع الإمام أدرك الركعة . الثالث: حديث مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا: (( من أدرك من الصلاة ركعة ، فقد أدركها )) . (١) يعني الشيخ محمد عبد الرازق حمزة . شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - ٦٩٨ الرابع: الحسن البصري ، عن أبي بكرة ، أنه انتهى إلى النبي وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ◌َّه، فقال: ((زادك الله حرصًا، ولا تعد)) أخرجه البخاري في ((صحيحه)، وذكروا أن فيه دلالتين : الأولى: لولا أن أبا بكرة كان يرى أنه بإدراكه الركوع يدرك الركعة، لَمَا بادر إلى الركوع قبل أن يبلغ إلى الصف . الثانية : أن النبي ◌َية: أقرّ أبا بكرة على السلام معه ، ولم يأمره بإتمام، ولا إعادة . الخامس : أشار الشيخ إلى دليل خامس ، وهو أنه ثبت عن جماعة من الصحابة القول بالإدراك ، ولم يتحقق عن أحد منهم خلافه ، وتبعهم الجمهور . النظر في هذه الأمور أما الحديث الأول : فقد تفرد به يحيى بن أبي سليمان ، رواه عن زيد أبي عتاب، وسعيد المقبري ، عن أبي هريرة . ويحيى هذا قال فيه البخاري : منكر الحديث . روى عنه أبو سعيد عبد الرحمن بن عبد الله بن عبيد مولى بني هاشم، وعبد الله بن رجاء البصري مناكير ، يعني وهما ثقتان ، فالحمل في تلك المناكير على يحيى، ولم يتبين سماعه من زيد ، ولا من المقبري به ، ومذهب : ٦٩٩ - ٥٧ - السعي إلى الصلاة - حديث رقم ٨٦١ البخاري وشيخه ابن المديني أن ذلك في حكم المنقطع ، وجرى المتأخرون على هذا المذهب ، ونسبوه إلى المحققين ، وخالفهم مسلم ، فذكر في مقدمة ((صحيحه)) أنه يكتفي بثبوت المعاصرة ، وإمكان اللقاء والسماع ، لكن في سياق كلامه وفحواه ما يدل على أن مراده الإمكان البَيِّنُ . وقال أبو حاتم في يحيى هذا : مضطرب الحديث ليس بالقوي ، یکتب حديثه . وقال البيهقي في ((المعرفة)) في هذا الحديث : تفرد به يحيى بن أبي سليمان هذا ، وليس بالقوي. كذا في التعليق على الدار قطني ص ١٣٢ . وذكر البيهقي هذا الحديث في ((السنن)) جـ٢ ص٨٩، ثم قال: تفرد به يحيى بن أبي سليمان المدني ، وقد روي بإسناد آخر أضعف من ذلك عن أبي هريرة، ثم ساق الحديث الآتي . وذكر الذهبي يحيى هذا في ((ميزانه))، وذكر له حديثًا آخر ، كأنه استنكره . وقال ابن خزيمة بعد أن أخرج في ((صحيحه)) هذا الحديث : وفي القلب شيء من هذا الإسناد ، فإني لا أعرف يحيى بن أبي سليمان بعدالة ، ولا جرح، وإنما أخرجت خبره؛ لأنه لم يختلف فيه العلماء . كذا في ((تهذيب التهذيب)). وظاهره أن ابن خزيمة لم يكن حين كتب هذا يعرف اختلافاً في إدراك الركعة بإدراك الركوع ، ثم اطلع بعد على - ٧٠٠ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة الخلاف ، فرجع إلى القول بعدم الإدراك ، فقد نقلوا ذلك عنه . والله أعلم . ويعارض ما تقدم أن أبا داود أخرج الحديث في ((سننه))، وسكت عليه ، وقد قال في ((رسالته)) إلى أهل مكة : ما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته ، ومنه ما لا يصح سنده ، وما لم أذكر فیه شيئًا فهو صالح . وأن المنذري سكت عنه، كما ذكره الشيخ وأن ابن حبان ذكر هذا في ثقاته ، وأن شعبة روى عنه ، كما في ترجمة يحيى من ((التهذيب)) ، وقد ذكروا شعبة فيمن لا يروي إلا عن ثقة ، وأن الحاكم أخرج هذا الحديث في ((المستدرك)) جـ١ ص٢١٦، وقال: صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ، ويحيى بن أبي سليمان من ثقات المصريين . فأما سكوت أبي داود، فإنما يدل على أنه يرى أن هذا الحديث ليس فيه وهن شديد، وهذا مراده بقوله : صالح ، على أنه إنما ذكره في [ باب الرجل يدرك الإمام ساجدًا، كيف يصنع ] فلعل مراده أنه ليس فيه وهن شديد بالنسبة إلى ذلك الباب ؛ لأن ذاك الحكم متفق عليه ، فلا يلزم من هذا أنه ليس فيه وهن شديد مطلقًا ، وقد عرف من تصرفات البخاري في ((صحيحه)) ما يشبه هذا ، فإنه ربما يذكر الحديث في غير مظنته ، ويعرض عنه في مظنته، حيث يترجح له في تلك المظنة خلاف ذلك الحديث ، كأنه يرى أنه صحيح حيث ذكره لا في مظنته .