Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١ -
٣٩ - خروج الرجل من صلاة الإمام وفراغه من صلاته في ناحية المسجد - حديث رقم ٨٣١
وقال في ((الفتح)) عند قوله: ((فصلى العشاء)): ما نصه: كذا في
معظم الروايات ، ووقع في رواية لأبي عوانة ، والطحاوي من طريق
محارب بن دثار: (( صلى بأصحابه المغرب))، وكذا لعبد الرزاق من
رواية أبي الزبير : فإن حُملَ على تعدد القصة ، كما سيأتي ، أو على أن
المراد بالمغرب العشاء مجازًا تَمَّ ، وإلا فما في الصحيح أصح .
انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه : عندي طريقة الجمع بالحمل على تعدد
القصة ، كما هو صنيع المصنف الآتي أولى من دعوى إلغاء الرواية
الصحيحة . والله تعالى أعلم .
(فدخل) ذلك الرجل (المسجد) أي المسجد الذي يصلي فيه معاذ
إمامًا (فصلى) أي دخل في الصلاة (خلف معاذ) رضي الله عنه
(فطول بهم) أي طول القراءة، ففي الرواية الآتية ٦٣/ ٩٨٤ من طريق
سفيان، عن محارب: ((فافتتح بسورة البقرة)). وقال في ((الفتح)):
وفي رواية محارب عند البخاري: ((فقرأ بسورة البقرة ، أو النساء))
على الشك . وللسرّاج من رواية مسعر، عن محارب: (( فقرأ بالبقرة،
والنساء)). كذا رأيته بخط الزكي البرزالي بالواو ، فإن كان ضبطه
احتمل أن يكون قرأ في الأولى بالبقرة ، وفي الثانية بالنساء ، ووقع
عند أحمد من حديث بريدة بإسناد قويّ: ((فقرأ اقتربت الساعة))، وهي
(١) فتح جـ٢ ص٤٢٥ .

- ٤٠٢
:
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
شاذة ، إلا إن حمل على التعدد . انتهى (١).
(فانصرف الرجل) وفي رواية سَليم بن حيان عند البخاري:
((فتجوز رجل ، فصلى صلاة خفيفة))، ولابن عيينة عند مسلم:
(«فانحرف رجل ، فسلم ، فصلى وحده)) ، وهو ظاهر في أنه قطع
الصلاة، لكن ذكر البيهقي أن محمد بن عباد شيخ مسلم تفرد عن ابن
عيينة بقوله: (( ثم سلم))، وأن الحفاظ من أصحاب ابن عيينة ، وكذا
من أصحاب شيخه عمرو بن دينار ، وكذا من أصحاب جابر ، لم
يذكروا السلام ، وكأنه فهم أن هذه اللفظة تدل على أن الرجل قطع
الصلاة ؛ لأن السلام يتحلل به من الصلاة ، وسائر الروايات تدل على
أنه قطع القدوة فقط ، ولم يخرج من الصلاة ، بل استمر فيها منفردًا .
قال الرافعي في ((شرح المسند)) في الكلام على رواية الشافعي عن
ابن عيينة في هذا الحديث: (( فتنحى رجل من خلفه ، فصلى وحده)) :
هذا يحتمل من جهة اللفظ أنه قطع الصلاة ، وتنحى عن موضع صلاته ،
واستأنفها لنفسه ، لكنه غير محمول عليه ؛ لأن الفرض لا يقطع بعد
الشروع فيه . انتهى .
ولهذا استدل به الشافعية على أن للمأموم أن يقطع القدوة ، ويتم
صلاته منفرداً. ونازع النووي فيه ، فقال : لا دلالة فيه ؛ لأنه ليس فيه
أنه فارقه ، وبنى على صلاته ، بل في الرواية التي فيها أنه سلم دليل
(١) فتح جـ ٢ ص ٤٢٥ - ٤٢٦.

1
١
i
٤٠٣ -
٣٩ - خروج الرجل من صلاة الإمام وفراغه من صلاته في ناحية المسجد - حديث رقم ٨٣١
على أنه قطع الصلاة من أصلها ، ثم استأنفها ، فيدل على جواز قطع
الصلاة وإبطالها لعذر. انتهى ((فتح)) (١) .
قال الجامع عفا الله عنه : هذا الذي قاله النووي رحمه الله من
كون الحديث يدل على جواز قطع الصلاة واستئنافها ، لا على قطع
الاقتداء ، هو الظاهر ، وهو الذي مال إليه المصنف رحمه الله ، حيث
عبر بقوله: (( خروج الرجل من صلاة الإمام ، وفراغه من صلاته في
ناحية المسجد)) ، والرواية التي أوردها هنا واضحة في ذلك ؛ إذ قوله :
((فانصرف الرجل ، فصلى في ناحية المسجد)) صريح في كونه قطع
الصلاة ، واستأنفها ، وأصرح منها رواية مسلم: (( فانحرف رجل ،
فسلم، ثم صلى وحده، وانصرف)). لكن لا يبعد أن يقال: إذا جاز
قطع الصلاة، فجواز قطع الاقتداء أولى ؛ لأنه أخف . والله تعالى
أعلم.
(فصلى في ناحية المسجد) أي في جانبه، قال الفيومي: الناحية:
الجانب ، فاعلة بمعنى مفعولة ؛ لأنك نحوتها ، أي قصدتها . اهـ(٢).
( ثم انطلق) أي ذهب لحاجته (فلما قضى معاذ الصلاة) أي
أداها، وانتهى منها. يقال : قضيت وَطَري : بلغته ، ونلته، وقضيت
الحاجة كذلك ، وقضيت الحج ، والدَّيْنَ : أديته ، قال الله تعالى :
(١) فتح جـ٢ ص ٤٢٧ .
(٢) المصباح جـ ٢ ص ٥٩٦ .

- ٤٠٤
:
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
فَإِذَا قَضَيْتُم مََّاسِكَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٠٠] . أي أديتوها . قاله
الفيومي (قيل له: إِن فلاناً فعل كذا وكذا) كناية عن انصرافه عن
الصلاة معه ، وصلاته منفردًا (فقال معاذ: لئن أصبحت لأذكرن ذلك
لرسول الله ◌َّ) اللام في ((لئن)) هي اللام الموطئة للقسم المقدر، وفي
(لأذكرن)) هي التي يتلقى بها جواب القسم ، أي قال معاذ بن جبل
رضي الله عنه لما علم بما صنعه ذلك الرجل : والله لئن أصبحت، أي
دخلت في وقت الصباح لأذكرن صنيعه هذا لرسول الله عَ ليه ،
ولأشكونه إليه، ليزجره عنه .
وفي الرواية الآتية ٩٩٨/٧١: (( من رواية أبي الزبير عن جابر ،
فأخبر معاذ عنه ، فقال: إنه منافق)) . ونحوه في رواية سليم بن حيان
عند البخاري .
وفي رواية عمرو بن دينار الآتية ٨٣٥/٤١: ((فقالوا: نافقت يا
فلان، فقال: والله ما نافقت، ولآتين النبي ◌َّهِ فأخبره)). قال في
((الفتح)): وكأن معاذاً قال ذلك أوّلا ، ثم قال أصحاب معاذ للرجل .
انتھی .
(فأتى معاذ النبي ◌َّ، فذكر ذلك له) وفي رواية عمرو المذكورة
آنفًا أن الذي جاء فاشتكى من معاذ هو الرجل ، لكن يجمع بين
الروايتين بأن معاذاً سبقه بالشكوى ، فلما أرسل إليه ، جاء فاشتكى من
معاذ .

٤٠٥ _
٣٩ - خروج الرجل من صلاة الإمام وفراغه من صلاته في ناحية المسجد - حديث رقم ٨٣١
(فأرسل رسول الله ◌َّ إِليه) أي إلى ذلك الرجل (فقال) عَّ
(ما حملك) ((ما)) استفهامية مبتدأ، خبرها الجملة بعدها، أي أيّ شيء
حملك (على الذي) وفي نسخة على ما، بدل (( الذي)) متعلق بحمل
(صنعت ) بحذف العائد المنصوب ، أي على الصنع الذي صنعته من
الخروج من صلاة معاذ؟ (فقال) ذلك الرجل (يا رسول الله عملت
على ناضحي من النهار) وفي رواية عمرو بن دينار الآتية ٤١ /٨٣٥ :
((فأتى النبي عَّه، فقال يا رسول الله إن معاذًا يصلي معك، ثم يأتينا،
فيؤمنا ، وإنك أخرت الصلاة البارحة ، فصلى معك ، ثم رجع فأمنا ،
فاستفتح بـ ((سورة البقرة))، فلما سمعت ذلك تأخرت، فصليت ، وإنما
نحن أصحاب نواضح ، نعمل بأيدينا)) ...
و((الناضح)): الإبل التي يستقى عليها الماء، جمعه نواضح. يقال:
نَضَحَ البعيرُ الماءَ : حمله من نهر أو بئر لسقي الزرع ، فهو ناضح ،
والأنثى ناضحة ، بالهاء ، سمي ناضحًا لأنه يَنْضَحِ العَطَشَ ، أي يَبُلُّهُ
بالماء الذي يحمله ، هذا أصله ، ثم استعمل الناضح في كل بعير ، وإن
لم يحمل الماء . قاله الفيومي رحمه الله (١) .
وأراد الرجل الاعتذار إلى النبي ◌َّه بأنه صاحب عمل شديد في
النهار ، ومن كان كذلك لا يستطيع تطويل الصلاة .
(فجئت، وقد أقيمت الصلاة) وتقدم اختلاف الروايات في كون
(١) المصباح جـ٢ ص ٦٠٩ - ٦١٠.

شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
- ٤٠٦
تلك الصلاة العشاء ، أو المغرب ، والجمع بالحمل على تعدد الواقعة
(فدخلت المسجد، فدخلت معه) أي مع معاذ (في الصلاة، فقرأ
سورة كذا وكذا) وتقدم اختلاف الروايات في كون السورة البقرة ، أو
النساء ، أو اقتربت (فطول، فانصرفت، فصليت في ناحية
المسجد) أي في جانبه (فقال رسول الله عَّه: ((أفتان يامعاذ، أفتان
يا معاذ، أفتان يا معاذ)) بالرفع، والتكرار ثلاثًا، وفي ((الكبرى)):
((أفتانًا يا معاذ، أفتانًا يا معاذ)) بالنصب ، والتكرار مرتين . والهمزة
للاستفهام الإنكاري، وإنما كرره للتأکید.
و((فتان)) صيغة مبالغة ، ورفعه على أنه خبر لمحذوف ، تقديره : أي
(( أنت فتان))، والنصب على أنه خبر لكان المقدرة ، أي أتكون فتاناً.
وفي رواية أبي الزبير الآتية ٧١/ ٩٩٨: (( أتريد أن تكون فتاناً))،
ولأحمد من حديث معاذ بن رفاعة المتقدم: (( يا معاذ لا تكن فتانًا» ، زاد
في حديث أنس: (( لا تطول بهم)) .
ومعنى الفتنة هنا، أن التطويل يكون سببًا لخروجهم من الصلاة ،
ولكراهتهم الصلاة في الجماعة . وروى البيهقي في ((الشعب)) بإسناد
صحيح عن عمر رضي الله عنه: ((لا تُبَغِّصُوا اللهَ إلى عباده، يكون
أحدكم إمامًا فيطول على القوم الصلاة ، حتى يُبَغَّض إليهم ما هم
فیه)) .
--- ---

١
٤٠٧ _
٣٩ - خروج الرجل من صلاة الإمام وفراغه من صلاته في ناحية المسجد - حديث رقم ٨٣١
وقال الداودي رحمه الله: يحتمل أن يريد بقوله : ((فتان)) أي
معذب؛ لأنه عذبهم بالتطويل ، ومنه قوله تعالى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا
الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠] الآية. قيل: معناه عذبوهم. انتهى(١).
زاد في رواية أبي الزبير الآتية بالرقم المذكور: (( يا معاذ إذا أممت
الناس ، فاقرأ بالشمس وضحاها ، وسبح اسم ربك الأعلى ، والليل
إذا يغشى ، واقرأ باسم ربك الذي خلق )) .
وفي رواية البخاري من طريق شعبة: (( وأمره بسورتين من أوسط
المفصل. قال عمرو: لا أحفظهما)). قال في ((الفتح)): وكأنه - يعني
عمرًاً - قال ذلك في حال تحديثه لشعبة ، وإلا ففي رواية سَليم بن حيان
عن عمرو: (( اقرأ: والشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى ،
ونحوها)). وفي رواية ابن عيينة عند مسلم ((اقرأ بكذا))، قال ابن عيينة:
فقلت لعمرو : إن أبا الزبير حدثنا عن جابر ، أنه قال : اقرأ : والشمس
وضحاها، والليل إذا يغشى، وسبح اسم ربك الأعلى )) ، فقال عمرو :
نحو هذا . وجزم محارب في حديثه عن جابر ، وفي رواية الليث ، عن
أبي الزبير عند مسلم مع الثلاثة: ((اقرأ باسم ربك)) ، وزاد ابن جريج ،
عن أبي الزبير: ((والضحى)) أخرجه عبد الرزاق. وفي رواية الحميدي،
عن ابن عيينة مع الثلاثة الأول: (( والسماء ذات البروج ، والسماء
والطارق)).
وفي المراد بالمفصل أقوال، أصحها أنه من أول ((ق)) إلى آخر القرآن.
(١) فتح جـ٢ ص ٤٢٧ - ٤٢٨.

٤٠٨
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
انتهى (١) . والله تعالى أعلم، وهو المستعان ، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته :
حديث جابر رضي الله عنه هذا متفق عليه .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا ٨٣١/٣٩، وفي ((الكبرى)) ٩٠٥/٣٩، عن واصل بن
عبد الأعلى ، عن محمد بن فضيل ، عن الأعمش، عن محارب بن
دثار، وأبي صالح، كلاهما عنه. وفي ٨٣٥/٤١، و((الكبرى))
٩٠٩/٤١، عن محمد بن منصور، عن ابن عيينة، عن عمرو بن
دينار، عنه، وفي ٩٨٤/٦٣، و((الكبرى)) ١٠٥٦/١٠، عن محمد بن
بشار ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان الثوري ، عن محارب
ابن دثار ، عنه. وفي ٧٠/ ٩٩٧، عن محمد بن قُدامة ، عن جرير ،
عن الأعمش ، عن محارب ، عنه . وفي ٧١ / ٩٩٨ ، عن قتيبة ، عن
الليث، عن أبي الزبير، عنه. وفي ((التفسير)) من ((الكبرى))، عن عمرو
بن منصور، عن أبي نعيم ، عن مسعر ، عن محارب ، عنه . وأعاد فيه
حديث محمد بن قدامة. وعن عبد الوهاب بن الحكم ، عن يحيى بن
سعيد ، عن الأعمش ، عن محارب ، وأبي صالح ، كلاهما عنه .
والله تعالى أعلم.
(١) فتح جـ٢ ص٤٢٨.

٤٠٩ _
٣٩ - خروج الرجل من صلاة الإمام وفراغه من صلاته في ناحية المسجد - حديث رقم ٨٣١
المسألة الثالثة: فیمن أخرجه معه :
أخرجه البخاري في ((الصلاة)) عن آدم ، عن شعبة . قال عقبه
تعليقًا: وتابعه سعيد بن مسروق ، ومسعر، والشيباني، والأعمش،
خمستهم عن محارب ، به . وعن مسلم بن إبراهيم ، وعن بندار ، عن
غندر ، كلاهما عن شعبة ، عن عمرو، عنه . وعن محمد بن عَبَادَة ،
عن يزيد ابن هارون ، عن عمرو ، عنه .
ومسلم فيه عن محمد بن عبادة ، عن سفيان، به . وعن أبي الربيع
الزهراني ، عن حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن عمرو، به . وعن
يحيى بن يحيى ، عن هشيم ، عن منصور ، عن عمرو ، به . وعن
قتيبة ، عن حماد بن زيد ، به . وعن قتيبة ، وابن رمح ، كلاهما عن
الليث ، عن أبي الزبير ، عنه .
وأبو داود فيه عن مسدد ، وأحمد بن حنبل، كلاهما عن سفيان ،
عن عمرو بن دينار ، عنه ، وعن عبيد الله بن عمر بن ميسرة ، عن
يحيى بن سعيد ، وعن يحيى بن حبيب الحارثي ، عن خالد بن
الحارث، كلاهما عن محمد بن عجلان ، عن عبيد الله بن مقسم ،
عنه. والترمذي فيه عن قتيبة ، عن حماد بن زيد ، به . وابن ماجه فيه
عن محمد بن رمح ، عن الليث ، عن أبي الزبير ، عنه .
وأخرجه الحميدي رقم (١٢٤٦). وأحمد جـ٣ ص ٢٩٩، ٣٠٠،
٣٠٢، ٣٠٨، ٣٣٧، ٣٤٠، ٣٦٩. وابن خزيمة رقم (٥٢١، ١٦٣٣،
١٦٣٤). والله تعالى أعلم.

:
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
- ٤١٠
المسألة الرابعة : في فوائده:
منها : ما ترجم له المصنف ، وهو جواز خروج الرجل عن صلاة
الإمام ، وصلاته منفردًا لحاجة .
قال النووي رحمه الله : واستدل أصحابنا وغيرهم بهذا الحديث
على أنه يجوز للمأموم أن يقطع القدوة ، ويتم صلاته منفردًا، وإن لم
يخرج منها ، وفي هذه المسألة ثلاثة أوجه لأصحابنا : أصحها أنه يجوز
لعذر، ولغير عذر ، والثاني: لا يجوز مطلقًا. والثالث: يجوز
لعذر، ولا يجوز لغيره ، وعلى هذا العذرُ هو ما يسقط به عنه الجماعة
ابتداء ، ويعذر في التخلف عنها بسببه ، وتطويل القراءة عذر على
الأصح ، لقصة معاذ رضي الله عنه ، وهذا الاستدلال ضعيف ؛ لأنه
ليس في الحديث أنه فارقه، وبنى على صلاته ، بل في الرواية أنه سَلَّمَ ،
وقطع الصلاة من أصلها ، ثم استأنفها ، وهذا لا دليل فيه للمسألة
المذكورة ، وإنما يدل على جواز قطع الصلاة ، وإبطالها لعذر . والله
أعلم . انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى(١).
وقال في ((الفتح)): وفيه جواز خروج المأموم من الصلاة لعذر ،
وأما بغير عذر ، فاستدل به بعضهم ، وتُعُقِّب . وقال ابن المنير : لو
كان كذلك لم يكن لأمر الأئمة بالتخفيف فائدة . وفيه نظر ؛ لأن فائدة
الأمر بالتخفيف المحافظة على صلاة الجماعة ، ولا ينافي ذلك جواز
(١) شرح مسلم جـ٤ ص ١٨٢.

٤١١ -
٣٩ - خروج الرجل من صلاة الإمام وفراغه من صلاته في ناحية المسجد - حديث رقم ٨٣١
الصلاة منفرداً ، وهذا كما استدل بعضهم بالقصة على وجوب صلاة
الجماعة ، وفيه نحو هذا النظر . انتهى(١) .
ومنها : جواز اقتداء المفترض بالمتنفل ؛ لأن معاذًا كان ينوي
بالأولى الفرض، وبالثانية النفل ، وهذا فيه خلاف بين أهل العلم ،
وسيأتي تحقيق القول فيه في ٤١ /٨٣٥ إن شاء الله تعالى.
ومنها : استحباب تخفيف الصلاة مراعاة لحال المأمومين ، وأما
من قال : لا يكره التطويل إذا علم رضاء المأمومين ، فيشكل عليه أن
الإمام قد لا يعلم حال من يأتي ، فيأتم به بعد دخوله في الصلاة ، كما
في حديث الباب ، فعلى هذا يكره التطويل مطلقًا ، إلا إذا فرض في
مصل بقوم محصورين راضين بالتطويل في مكان لا يدخله غيرهم.
قاله في ((الفتح))(٢) .
ومنها : أن الحاجة من أمور الدنيا عذر في تخفيف الصلاة ، وجواز
إعادة الصلاة الواحدة في اليوم الواحد مرتين لعذر .
ومنها : جواز صلاة المنفرد في المسجد الذي يصلى فيه بالجماعة إذا
كان بعذر .
ومنها : الإنكار بلطف ، لوقوعه بصورة الاستفهام ، ويؤخذ منه
تعزير كل أحد بحسبه ، والاكتفاء في التعزير بالقول، والإنكار
(١) فتح جـ٢ ص ٤٣٠.
(٢) جـ٢ ص٤٣.

شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
- ٤١٢
في المكروهات ، وأما تكراره ثلاثًا فللتأكيد ، وقد ثبت في الصحيح
أنه مَّ كان يعيد الكلمة ثلاثاً لتفهم عنه .
ومنها : اعتذار من وقع منه خطأ في الظاهر ، وجواز الوقوع في
حق من وقع في محذور ظاهر ، وإن كان له عذر باطن للتنفير عن فعل
ذلك ، وأنه لا لوم على من فعل ذلك متأولاً ، وأن التخلف عن
الجماعة من صفات المنافق ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب .
:

٤١٣ _
٤٠ - الائتمام بالإمام ، يصلي قاعداً - حديث رقم ٨٣٢
٤٠ - الانْتَمَامُ بِالإِمَامِ، يُصَلِّى قَاعِداً
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على حكم الاقتداء بالإمام الذي
يصلي قاعدًا لعذر .
٨٣٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالك، عَن ابْن شهَاب، عَنْ أَنَس بْن
مَالِك، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَهُ رَكَبَ فَرَسًا فَصُرِعَ عَنْهُ ،
فَجُحَشَ شقُّهُ الأَيْمَنُ ، فَصَلَّى صَلَاةً مِنَ الصَّوَات
وَهُوَ قَاعِدٌ ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ فُعُودًا، فَلَمَّ انْصَرَفَ ، قَالَ :
(إِنَّمَا جُعلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّبِهِ ، فَإِذَا صَلَّى قَائمًا، فَصَلُّوا
قِيَامًا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ
حَمْدَهُ ، فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ ، وَإِذَا صَلَّى جَالسًا ،
فَصَلُوا جُلُوسًا أجْمَعُونَ)).
رجال هذا الإسناد : أربعة
١ - (قتيبة) بن سعيد ، الثقفي البغلاني ، ثقة ثبت ، مات سنة
٢٤٠، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/١.
٢ - (مالك) بن أنس ، الإمام الحجة الفقيه الثبت ، مات سنة

شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
- ٤١٤
١٧٩، من [٧] أخرج له الجماعة، تقدم في ٧ / ٧ .
٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني، الإمام الحجة
الثبت ، مات سنة ١٢٥، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١ /١.
٤ - (أنس) بن مالك رضي الله عنه ، أخرج له الجماعة ، تقدم في
٦/٦. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه : هذا الإسناد هو (٥٧) من رباعيات
الكتاب، والحديث قد تقدم مستوفى الشرح سندًا ومتناً ، برقم
١٦/ ٧٩٤، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادته ، فإن شئت فارجع إليه
تستفد .
وقوله: (فصرع عنه) بالبناء للمفعول ، أي سقط عن ظهره .
وقوله: (فجحش) بتقديم الجيم على الحاء المهملة ، وبناء الفعل
للمفعول : أي قُشر، وخدشَ جلده .
وقوله: (فصلينا وراءه قعودًا) أي بعد أن أشار إليهم بالقعود ،
ففي هذه الرواية اختصار .
وقوله: (أجمعون) قال السندي رحمه الله : بالرفع على أنه تأكيد
لضمير الفاعل في قوله: ((صلوا)). وروي ((أجمعين)) بالنصب، قال
السيوطي رحمه الله في حاشية أبي داود : نصبه على الحال ، وبه يعرف
أن رواية: ((أجمعون)) بالرفع على التأكيد من تغيير الرواة ؛ لأن شرطه

٤١٥ _
٤٠ - الائتمام بالإمام ، يصلي قاعداً - حديث رقم ٨٣٢
في العربية تقدم التأكيد بـ (( كل)). انتهى .
قال السندي: وهذا الشرط فيما يظهر ضعيف، وقد جوز غير واحد
خلاف ذلك ، فالوجه جواز الرفع على التأكيد، وقال البدر الدماميني :
نصب على الحال ، أي مجتمعين ، أو على أنه تأكيد لـ ((جلوسًا))،
وكلاهما لا يقول به البصريون ؛ لأن ألفاظ التأكيد معارف، قلت :
ذلك إن سُلِّمَ ، فما دام تأكيداً ، وإذا جعل حالاً يكون بمعنى مجتمعين ،
فلا تعريف ، فليتأمل ، فالوجه صحة الوجهين ، أعني الرفع ،
والنصب ، وقد جاءت الرواية بهما . انتهى (١).
وإلى جواز التأكيد بأجمعين بعد كل ، ودونه ، أشار في الخلاصة
بقوله :
جَمْعَاءَ أَجْمَعِينَ ثُمَّ جُمَعَا
وَبَعْدَ كُلِّ أَكَّدُوا بِأَجْمَعَا
جَمْعَاءُ أَجْمَعُونَ ثُمَّ جُمَعٌ
وَدُونَ كُلِّ قَدْ يَجِيءُ أَجْمَعُ
ثم اعلم أن ظاهر الحديث وجوب الجلوس إذا جلس الإمام ،
وأكثر الفقهاء على خلافه ، وادعوا نسخه بحديث مرضه ميّ الذي توفي
فيه ، وقالوا : قد أم الناس فيه جالسًا ، والناس كانوا وراءه قيامًا ،
وهو آخر الأمرين ، ولذا عقب المصنف رحمه الله هذا الحديث بحديث
(١) شرح السندي جـ٢ ص٩٩ .

شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
- ٤١٦
المرض . وسيأتي قريبًا تحقيق الخلاف ، وترجيح الراجح بدليله . والله
تعالى أعلم ، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٨٣٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ
الأعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأسْوَدِ، عَنْ عَائشَةَ، قَالَتْ:
لَمَّا نَقُلَ رَسُولُ الَّهِعَهُ جَاءَ بِلالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلاةِ، فَقَالَ:
مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ
اللَّه، إنَّ أَبَا بَكْرِ رَجُلٌ أسِيفٌ ، وَإِنَّهُ مَتَّى يَقُومُ فِي مَقَامِكَ
لا يُسْمِعُ النَّاسَ ، فَلَوْ أمَرْتَ عُمَرَ ، فَقَالَ: مُرُوا أَبَابَكْر.
فَلْيُصَلِّبِالنَّاسِ، فَقُلْتُ لِحَقْصَةَ: قُولِي لَهُ. فَقَالَتْ لَهُ،
فَقَالَ: إِنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَوَاحِبَاتُ يُوسُفَ ، مُرُوا أَبَا بَكْر
فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ ، فَأَمَرُوا أَبَابَكْرٍ ، فَلَمَّا دَخَلَ فِي
الصَّلَاة، وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ عَّهِ مِنْ نَفْسه خفَّةً، قَالَتْ:
فَقَامَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ ، وَرِجْلاهُ تَخْطَّانِ فِي الأَرْضِ ،
فَلَمَّا دَخَلَ الَسْجِدَ ، سَمِعَ أَبُوبَكْرِ حِسَّهُ، فَذَهَب
لِيَتَأخَّرَ، فَأَوْمَأْ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِوَّهِ أَنْ قُمْ كَمَا أَنْتَ،
.-
1
:

٤١٧ _
٤٠ - الانتمام بالإمام ، يصلي قاعداً - حديث رقم ٨٣٣
قَالَتْ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِلَّهِ، حَتَى قَامَ عَنْ يَسَار
أَبِي بَكْرِ جَالِسًا، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِلَّهُ يُصَلِّي بِالنَّاسِ
جَالِسًا، وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمًا، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرِ بِرَسُولِ اللّهِ
نَّهِ، وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِصَلاةِ أَبِي بَكْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
رجال هذا الإسناد : ستة
١ - (محمد بن العلاء) بن كريب أبو كريب الهمداني ، ثقة
حافظ، مات سنة ٢٤٧ ، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في
٩٥ / ١١٧.
٢ - (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفي ، ثقة ، أحفظ
الناس لحديث الأعمش ، وقد يهم في حديث غيره ، ورمي بالإرجاء،
مات سنة ١٩٥، من كبار [٩]، تقدم في ٣٠/٢٦.
٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران ، الكاهلي الكوفي ، ثقة
حافظ، يدلس ، مات سنة ١٤٧، من [٥] ، أخرج له الجماعة ، تقدم
في ١٧ / ١٨.
٤ - (إِبراهيم) بن يزيد بن قيس الأسود النخعي ، أبو عمران
الفقيه الكوفي ، ثقة يرسل كثيراً ، مات سنة ٩٦ ، من [٥]، أخرج له
الجماعة، تقدم في ٢٩/ ٣٣ .

- ٤١٨
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
٥ - (الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي ، أبو عمرو ، أو أبو
عبد الرحمن الكوفي ، مخضرم ، ثقة مكثر ، مات سنة ٧٤ أو ٧٥ ،
من [٢]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٩/ ٣٣.
٦ - ( عائشة) أم المؤمنين رضي الله عنها ، تقدمت في ٥/٥.
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من سداسيات المصنف .
ومنها : أن رجاله كلهم ثقات ، ومن رجال الجماعة .
ومنها : أنه مسلسل بالكوفيين ، غير عائشة فمدنية ، ومسلسل
بالفقهاء .
ومنها : أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة الذين يروون عنهم بلا
واسطة ، وقد تقدموا غير مرة .
ومنها : أن فيه ثلاثة من التابعين ، يروي بعضهم عن بعض ؛
الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود .
ومنها : أن صحابيته من المكثرين السبعة ، روت (٢٢١٠)
أحادیث.
ومنها : أن فيه من صيغ الأداء الإخبارَ، والتحديثَ ، والعنعنة.
وبالله تعالى التوفيق.

٤١٩ -
٤٠ - الائتمام بالإمام ، يصلي قاعداً - حديث رقم ٨٣٣
شرح الحديث
( عن عائشة ) رضي الله عنها، أنها (قالت: لما ثقل
رسول الله عَّه) بضم القاف، بوزن صَغُرَ. قاله في ((الصحاح)).
وقال ابن منظور رحمه الله : وثَقُلَ الرجل ثقَلا ، فهو ثقيل ، وثاقل :
اشتد مرضه . يقال : أصبح فلان ثاقلاً ، أي أثقله المرض ، قال لبيد
[من الطويل]:
رَبَاحًا إِذَا مَا المَرْءُ أَصْبَحَ ثَاقِلاً
رَأَيْتُ التَّقَى وَالحَمْدَ خَيْرَ تِجَارَةٍ
أي ثقيلاً من المرض، قد أدْنَفَهُ، وأشرف على الموت، ويروى ناقلاً ،
أي منقولاً من الدنيا إلى الأخرى ، وقد أثقله المرض والنوم. انتهى(١).
(جاء بلال) بن رباح المؤذن رضي الله عنه (يؤذنه) بضم الياء
التحتانية ، من الإيذان بمعنى الإعلام: أي يعلمه (بالصلاة) أي
بحضورها ، وهي العشاء، كما يأتي في الحديث التالي (فقال) عَ ◌ّم
(مروا أبا بكر) أصله اؤمروا ؛ لأنه من أمَرَ ، فحذفت الهمزة
للاستثقال ، واستغني عن الألف ، فحذفت ، فبقي مُرُوا، على وزن
عُلُوا ؛ لأن المحذوف فاء الفعل . قاله العلامة العيني رحمه الله
تعالى(٢).
(١) لسان جـ١ ص٤٩٤.
(٢) عمدة القاري جـ٥ ص١٨٨ .

- ٤٢٠
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
وقال الحافظ رحمه الله: استدل بقوله: ((مروا أبا بكر)) إلخ على أن
الآمر بالأمر بالشيء يكون آمراً به ، وهي مسألة معروفة في أصول
الفقه، وأجاب المانعون بأن المعنى: بلغوا أبا بكر أني أمرته . وفصل
النزاع أن النافي إن أراد أنه ليس أمراً حقيقة ، فمسلم ؛ لأنه ليس فيه
صيغة أمر للثاني ، وإن أراد أنه لا يستلزمه ، فمردود. والله أعلم.
(١) .
انتھی(١١
(فليصل بالناس) الفاء فيه للعطف على مقدر ، أي فاذكروا له :
قَوْلي: ((فليصل)) (قالت) عائشة رضي الله عنها (قلت: يا رسول
الله إِن أبا بكر رجل أسيف) بفتح الهمزة ، على وزن فَعيل ، بمعنى
فاعل، من الأسَف، وهو شدة الحزن ، والمراد أنه رقيق القلب ، سريع
البكاء ، ولا يستطيع لغلبة البكاء، وشدة الحزن . والأسَفُ عند العرب:
شدة الحزن ، والندم ، يقال منه : أسف فلان على كذا ، يَأْسَف : إذا
اشتد حزنه ، وهو رجل أسيف ، وأَسُوف ، ومنه قول يعقوب عليه
الصلاة والسلام: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ الآية [يوسف: ٨٤]. يعني
واحُزناه، واجزعاه، تأسفًا ، وتوجعًا لفقده . وقيل : الأسيف:
الضعيف من الرجال في بطشه ، وأما الأسف ، فهو الغضبان المتلهف ،
قال تعالى: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ الآية [طه: ٨٦](٢).
(وإِنه متى يقوم في مقامك لا يسمع الناس) هكذا برفع ((يقوم))،
(١) فتح جـ٢ ص٣٧٣ .
(٢) عمدة القاري جـ٥ ص١٨٩ .