Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ _ ٢٨ - حَتُّ الإِعَامِ عَلَى وَصِّ الصُّفُوفِ وَالمُقَارَبَةِ بَيْنَهَا - حديث رقم ٨١٦ الكوفة، ومات بها ، وله عقب بها. روى عن النبي ◌َّه، وعن أبيه ، وخاله سعد بن أبي وقاص ، وعمر ، وعلي ، وأبي أيوب، ونافع بن عتبة بن أبي وقاص . وعنه سماك بن حرب ، وتميم بن طرفة ، وجعفر ابن أبي ثور ، وأبو عون الثقفي ، وعبد الملك بن عمير ، وحصين بن عبد الرحمن ، وأبو إسحاق السبيعي ، وجماعة . وذكر البرديجي أن أبا إسحاق لم يصح سماعه منه . قال ابن سعد : توفي في خلافة عبد الملك بن مروان ، في ولاية بشر ابن مروان . وقال خليفة : مات سنة ٧٣، وقيل عنه: سنة ٧٦، وقال ابن منجويه : سنة ٧٤، وقيل غير ذلك . وقول من قال : مات سنة ٧٤ ، كما قال الحافظ - أشبه بالصواب ؛ لأن بشر بن مروان ولي الكوفة سنة ٧٤، ومات سنة ٧٥ ، وقد ذكر أكثر المؤرخين أن جابر بن سمرة مات في أيامه . أخرج له الجماعة . له ١٤٦ حديثًا ، اتفق الشيخان على حديثين ، وانفرد مسلم بثلاثة وعشرين حديثًا. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من سداسيات المصنف ، وأن رواته كلهم ثقات ، ومن رجال الجماعة ، إلا الفضيل ، فلم يخرج له ابن ماجه، وتميم بن طر، فلم يخرج له البخاريّ، والترمذيّ، وأن فيه ثلاثة من التابعين ، يروي بعضهم عن بعض، الأعمش ، والمسيب ، وتميم ابن طرفة . والله تعالى أعلم. ٢٦٢ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة شرح الحديث (عن جابر بن سمرة) رضي الله عنهما، أنه (قال : خرج إِلينا رسول الله عَّة) أي من بعض حجره (فقال: ألا) بفتح الهمزة ، وتخفيف (( لا)) ، ويجوز تشديدها لغةً، وهي أداة تحضيض ، كما في قوله تعالى: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية [النور: ٢٢]. وقوله: ﴿أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا تَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٢، ١٣]. ( تصفون ) بفتح المثناة الفوقية ، وضم الصاد ، أو بضم التاء ، وفتح الصاد مبنيًا للمفعول . والمراد: الصف في الصلاة . وفي رواية مسلم : خرج علينا رسول الله عَّة، فقال: (( ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمْس؟ ، اسكنوا في الصلاة)) ، ثم خرج علينا ، فرآنا حلَقًا، فقال: (( ما لي أراكم عزين؟)) - أي متفرقين - ثم خرج علينا، فقال: ((ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم)) ... الحديث. ( كما تصف الملائكة) فيه الاقتداء بأفعال الملائكة في صلاتهم، وتعبداتهم ، وفيه أن الملائكة يصلون ، وأن صفوفهم كما وُصفَ في هذا الحديث . وقد أخرج مسلم في صحيحه عن حذيفة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله عَم ◌ُّ: ((فُضِّلْنا بثلاث ، صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا ، وجعل لنا ترابها طهوراً إذا لم نجد الماء)). (عند ربهم) ولابن حبان ((عند ربها)) (قالوا) أي قال الصحابة ٢٦٣ _ ٢٨ - حَتُّ الإِعَامِ عِلَى رَصِّ الصُّفُوفِ وَالمُقَارَبَةِ بَيْنَهَا - حديث رقم ٨١٦ المخاطبون بإتمام الصف. ولأبي داود: ((قلنا)) (وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال) تَّهُ: (يتمون الأول) وفي التفسير من ((الكبرى)) ١١٤٣٤/٢٩٩ ((يتمون الصف المقدم)). وهكذا رواية المصنف بالإفراد، فتكون ((أل)) جنسية ، ومدخولها كالنكرة المقرونة بكل، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾(١) [العصر: ٢]، فيشمل الصفوف المتقدمة ما عدا الصف الأخير ، فيكون المعنى: يتمون الصفوف المتقدمة . وفي رواية مسلم ، وابن ماجه : ((يتمون الصفوف الأُوَل)) . بالجمع، وهي واضحة . وعند أبي داود : (يتمون الصفوف المتقدمة)). أي لا يشرعون في صف حتى يكمل الذي قبله (ثم يتراصون في الصفوف) أي يتلاصقون فيها حتى لا يكون بينهم فُرَج . ويؤخذ منه أن تلاصق بعضهم ببعض ، وتضامهم يستلزم تسوية الصفوف ، والعكس بالعكس . وبالله التوفيق ، وعليه التكلان . مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى : في درجته : حديث جابر بن سمرة رضي الله عنهما هذا أخرجه مسلم . المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له : (١) راجع حاشية العلامة الخصري على شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك جـ١ ص٨٤. شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - ٢٦٤ أخرجه هنا ٨١٦/٢٨، وفي ((الكبرى)) ٢٨/ ٨٩٠، وفي ((التفسير)) ١١٤٣٤/٢٩٩ عن قتيبة ، عن فضيل بن عياض ، عن الأعمش ، عن المسيب بن رافع ، عن تميم بن طرفة ، عنه . والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه : أخرجه مسلم في ((الصلاة)) عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وأبي كريب ، كلاهما عن أبي معاوية وعن أبي سعيد الأشج ، عن وكيع ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، عن عيسى بن يونس . وأبو داود فيه عن عبد الله بن محمد النفيلي، عن زهير بن معاوية، كلهم عن الأعمش ، عن المسيب ابن رافع ، عن تميم بن طرفة ، عنه. وابن ماجه فيه عن علي بن محمد، عن وكيع به. وأحمد جـ٥/ ص١٠١، ١٠٦. وابن خزيمة رقم (١٥٤٤). والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة : في فوائد أحاديث الباب : منها : ما ترجم له المصنف رحمه الله ، وهو أن الإمام يحث المأمومين على رَصِّ الصفوف ، والمقاربة بينها ، وأن ذلك من وظيفته . ومنها : ما كان عليه النبي ◌َّ من شدة الاهتمام في تسوية الصفوف . ومنها : أنّ فيه إثباتَ المعجزة الظاهرة له قميّة ، حيث أكرمه الله تعالى برؤية من خلفه، كما يرى من أمامه دون أن يلتفت إليهم ، وكذلك رؤيته الشياطين تدخل بين خَلَل الصفوف لوسوسة المصلين . : ٢٦٥ _ ٢٨ - حَتَّ الإمَامِ عَلَى رَصِّ الصُّقُوفِ وَالعُقَارَبَةِ بَيْنَهَا - حديث رقم ٨١٦ ومنها : أن تسوية الصفوف يكون بالمقاربة ، ومحاذاة الأعناق . ومنها : أن تسوية الصفوف ، والتقارب فيما بينها مانع من دخول الشياطين بين المصلين ، وأن عدم ذلك سبب لدخولها ، فتتسلط عليهم بشدة الوسوسة لهم . ومنها : أن الملائكة يصلون جماعة ، وأنهم يعتنون بتسوية الصفوف ، وإتمام الأول فالأول ، فينبغي للمسلمين أن يقتدوا بهم في ذلك . والله تعالى أعلم . المسألة الخامسة : في بيان اختلاف أهل العلم في حكم تسوية الصفوف : ذهب جمهور أهل العلم إلى أن تسوية الصفوف مستحبة، وقد استدلّ لهم بحديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله مطلعه : ((أقيموا الصف في الصلاة ، فإن إقامة الصف من حسن الصلاة))، ولمسلم من حديث أنس رضي الله عنه: (( سووا صفوفكم ، فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة)). وللبخاري: ((من إقامة الصلاة)). قال ابن بطال رحمه الله : هذا يدلّ على أن إقامة الصفوف سنة ؛ لأنه لو كان فرضًا لم يجعله من حسن الصلاة ؛ لأن حسن الشيء زيادة على تمامه ، وذلك زيادة على الوجوب . قال : ودلّ هذا على أن قوله في حديث أنس: (( من إقامة الصلاة)) أن إقامة الصلاة تقع على السنة ، - ٢٦٦ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة كما تقع على الفريضة . وقال الشيخ ابن دقيق العيد رحمه الله : قد يؤخذ من قوله: (( من تمام الصلاة)) أنه مستحب غير واجب ؛ لأنه لم يذكر أنه من أركانها ، ولا من واجباتها ، وتمام الشيء أمر زائد على وجود حقيقته التي لا يتحقق إلا بها في مشهور الاصطلاح ، قال: وقد ينطلق بحسب الوضع على بعض ما لا يتم الحقيقة إلا به . انتهى . وقد اعترض العلامة الصنعاني على قوله: ولم يذكر أنه من أركانها، ولا من واجباتها . قائلاً : التعبير بالأركان ، والواجبات ليس من المطرد ، واعتبارات الشارع له مسلم ، بل قال في الفاتحة : (( لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن)). وقال تعَّ: ((فإنك لم تصل)). وغاية كون هذا القول ، أو الفعل ركنًا من الصلاة ، أو واجبًا منها ، لم يقع التعبير به في لسان الشرع فيما لا تتم الصلاة إلا به ، وإن جاء فنادر. واعترض الحافظ رحمه الله قوله : في مشهور الاصطلاح . قائلا: وهذا الأخذ بعيد ؛ لأن لفظ الشارع لا يحمل إلا على ما دل عليه الوضع في اللسان العربي ، وإنما يحمل على العرف إذا ثبت أنه عرف الشارع ، لا العرف الحادث . انتهى. وذهب أبو محمد ابن حزم رحمه الله إلى فرضيته ، وبطلان الصلاة بتركه ، فقال : وفرض على المأمومين تعديل الصفوف الأول . والتراص فيها ، والمحاذات بالمناكب والأرجل ، فإن كان نقص كان في ٢٦٧ - ٢٨ - حَتَّ الإمَامِ عَلَى رَصِّ الصُّفُوفِ وَالمُقَارَبَةِ بَيْنَهَا - حديث رقم ٨١٦ آخرها ، ومن صلى وأمامه في الصف فرجة يمكنه سدها بنفسه، فلم يفعل بطلت صلاته . واستدل على ذلك بحديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما : (لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم)). المتقدم ٢٥/ ٨١٠ قال : وهذا وعيد شديد ، والوعيد لا يكون إلا في كبيرة من الكبائر ، ثم ذكر قول أنس رضي الله عنه : كان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه . وهو في ((صحيح البخاري)). ثم قال: وهذا إجماع منهم ، ثم قال: ويقولنا يقول السلف الطيب ، روينا بأصح إسناد عن أبي عثمان النهدي ، قال : كنت فيمن ضرب عمرُبن الخطاب قدمه لإقامة الصف في الصلاة . قال ابن حزم : ما كان رضي الله عنه ليضرب أحدًا ، ويستبيح بشرة محرمة عليه على غير فرض . ثم حكى ابن حزم بعث عمر رجالاً يسوون الصفوف ، فإذا جاءوا كبر . وكذلك بعث عثمان رضي الله عنه رجالاً لذلك، وأنه لا يكبر حتى يخبروه باستوائها ، ثم قال : فهذا فعل الخليفتين بحضرة الصحابة، لا يخالفهم في ذلك أحد منهم، ثم حكى عن سويد بن غفلة ، قال : كان بلال هو مؤذن رسول الله عَّه يضرب أقدامنا في الصلاة، ويسوي مناكبنا، ثم قال: فهذا بلال ما كان ليضرب أحدًا على غير الفرض، ثم حكى قولهم لأنس بن مالك رضي الله عنه لما قدم المدينة: أتنكر شيئًا مما كان على عهد رسول الله عَ ◌ّه، فقال: شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة ٢٦٨ - لا، إلا أنكم لا تقيمون الصفوف . قال ابن حزم : المباح ليس منكراً . انتهى كلام ابن حزم باختصار (١) . وقال الإمام البخاري رحمه الله في ((صحيحه)): [ باب إثم من لم يُتمّ الصفوف]، ثم أخرج مُسْتَدلاً على ما ترجم له حديث أنس رضي الله عنه أنه قدم المدينة ، فقيل له : ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله تَّ؟ قال: ما أنكرت شيئًا، إلا أنكم لا تقيمون الصفوف. قال في ((الفتح)) ، قال ابن رشد : وتعقب بأن الإنكار قد يقع على ترك السنة ، فلا يدلّ ذلك على حصول الإثم . وأجيب بأنه لعله حمل الأمر في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ الآية [النور: ٦٣]. على أن المراد بالأمر الشأن والحال ، لا مجرد الصيغة ، فيلزم منه أن من خالف شيئًا من الحال التي كانت عليها رسول الله څ﴾. يأثم ، لما يدل عليه الوعيد المذكور في الآية . وإنكار أنس ظاهر في أنهم خالفوا ما كانوا عليه في زمن رسول الله ◌َّ من إقامة الصفوف ، فعلى هذا تستلزم المخالفة التأثيم . انتهى كلام ابن رشد ملخصًا. قال الحافظ : وهو ضعيف ؛ لأنه يفضي إلى أن لا يبقى شيء مسنون ؛ لأن التأثيم إنما يحصل على ترك واجب . وأما قول ابن بطال : إن تسوية الصفوف لما كانت من السنن المندوب إليها التي يستحق فاعلها (١) المحلّى جـ ٤ ص ٥٢ - ٥٦ . ٢٦٩ - ٢٨ - حَتُّ الإمَامِ عَلَى رَصِّ الصُّغُوفِ وَالمُقَارَبَةِ بَيْنَهَا - حديث رقم ٨١٦ المدح عليها ؛ دلّ على أن تاركها يستحق الذم، فهو متعقب من جهة أنه لا يلزم من ذم تارك السنة أن يكون آثمًا ، سلمنا ، لكن يرد عليه التعقب الذي قبله . ويحتمل أن يكون البخاري أخذ الوجوب من صيغة الأمر في قوله: ((سووا صفوفكم)). ومن عموم قوله: (( صلوا كما رأيتموني أصلي)). ومن ورود الوعيد على تركه ، فرجح عنده بهذه القرائن أن إنكار أنس إنما وقع على ترك الواجب، وإن كان الإنكار قد يقع على ترك السنن . ومع القول بأن التسوية واجبة في الصلاة ، فصلاة من خالف ، ولم يسو صحيحة ، لاختلاف الجهتين ، ويؤيد ذلك أن أنسًا مع إنكاره عليهم لم يأمرهم بإعادة الصلاة . وأفرط ابن حزم ، فجزم بالبطلان ، ونازع من ادعى الإجماع على عدم الوجوب بما صح عن عمر أنه ضرب قدم أبي عثمان النهدي لإقامة الصف ، وبما صح عن سويد بن غفلة ، قال : كان بلال يسوي مناكبنا ، ويضرب أقدامنا في الصلاة ، فقال : ما كان عمر وبلال يضربان أحدًا على ترك غير الواجب ، وفيه نظر ؛ لجواز أنهما كان يريان التعزير على ترك السنة . انتھی کلام الحافظ رحمه الله تعالى (١) . قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي مما ذكر من الأدلة وجوب تسوية الصفوف ، كما هو ظاهر صنيع البخاري رحمه الله تعالى (١) فتح جـ٢ ص ٤٤٦ - ٤٤٧ . شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - ٢٧٠ المذكور آنفاً . والحاصل أن الأدلة التي استدل بها أبو محمد ابن حزم رحمه الله واضحة في إفادة الوجوب ، وأما إفادتها بطلان الصلاة فغير واضحة . ولذا قال العلامة الصنعاني رحمه الله - بعد ذكر ما تقدم من كلام الحافظ - ما نصه: قلت: الوعيد بقوله تعميم: (( لتسون صفوفكم ، أو ليخالفن الله بين وجوهكم)» يقتضي الوجوب ، كما قاله ابن رسلان في ((شرح الترمذي)) . ويؤيده حديث أبي أمامة عند أحمد ، وفيه ضعف : ((لتسون صفوفكم، أو لتطمسن الوجوه)). ولهذا قال ابن الجوزي : الظاهر أنه مثل الوعيد في قوله تعالى: ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَطْمِسَ وُجُوهًا فَتَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: ٤٧]. نعم الأوامر ، والوعيد ، وفعل عمر ، وبلال رضي الله تعالى عنهما أدلة على الوجوب ناهضة ، وأما على بطلان الصلاة ، فلابدّ من الدليل عليه . انتهى (١) . فتلخص من هذا أن الراجح وجوب تسوية الصفوف ، دون بطلان الصلاة بعدم تسويتها. والله تعالى أعلم. تَتمَّةٌ : ذكر العلماء في حكمة إقامة الصفوف أمورًاً : أحدها : حصول الاستقامة، والاعتدال ظاهرًا، كما هو مطلوب باطناً. (١) فتح جـ ٢ ص ٤٤٦ - ٤٤٧ . ٢٨ - حَتّ الإِعَامِ عَلَى رَصِ الصُّغُوفِ وَالمُقَارَبَةِ بَيْنَهَا - حديث رقم ٨١٦ ٢٧١ - ثانيها: أن لا يتخلل الشيطان بينهم ، فيفسد صلاتهم بالوسوسة ، كما أشار إليه في حديث أنس رضي الله عنه، المذكور في الباب. ثالثها: ما في ذلك من حسن الهيئة . رابعها: أن في ذلك تمكنهم من صلاتهم مع كثرة جمعهم، فإذا تراصوا وسع جميعهم المسجد ، وإذا لم يفعلواذلك ضاق عنهم . خامسها: أن لا يشغل بعضهم بعضًا بالنظر إلى ما يشغله منه إذا كانوا مختلفين ، وإذا اصطفوا غابت وجوه بعضهم عن بعض ، وكثير من حركاتهم ، وإنما يلي بعضهم من بعض ظهورهم . أفاده الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله تعالى(١) . والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت ، وإليه أنيب . : (١) راجع طرح التثريب جـ٢ ص٣٢٦ . 1 ٢٧٢ - شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة ٢٩ - بَابُ فَضْلِ الصَّفْ الأوَّلِ عَلَى الثَّانِىِ مے أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على فضل من صلى في الصف الأول على من صلى في الصف الثاني . ومحل الاستدلال من الحديث قوله: (( كان يصلي على الصف الأول ثلاثًا))، حيث فضله ◌َّه على الثاني بالصلاة عليه ثلاثًا. والله تعالى أعلم . قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)): واعلم أن الصف الأول الممدوح الذي وردت الأحاديث بفضله ، هو الصف الذي يلي الإمام ، سواء جاء صاحبه مقدمًا أو مؤخراً ، وسواء تخلله مقصورة ونحوها ، أم لا ؟ هذا هو الصحيح الذي تقتضيه ظواهر الأحاديث ، وصرح به المحققون . وقالت طائفة من العلماء: الصف الأول هو المتصل من طرف المسجد إلى طرفه، لا تقطعه مقصورة ونحوها، فإن تخلل الذي يلي الإمام شيء، فليس بأول ، بل الأول ما لا يتخلله شيء، وإن تأخر . وقيل : الصف عبارة عن مجيء الإنسان إلى المسجد أولاً، وإن صلى في صف متأخر . وهذان القولان غلط صريح ، وإنما أذكره ، ومثله لأنبه على بطلانه ، لئلا يُغْتَرَّ به . والله أعلم. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى(١). (١) شرح مسلم جـ ٤ ص ١٦٠. ٢٧٣ _ ٢٩ - فضل الصف الأول على الثاني - حديث رقم ٨١٧ وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى : وقد اختلف في الصف الأول في المسجد الذي فيه منبر ، هل هو الخارج بين يدي المنبر ، أو . الذي هو أقرب إلى القبلة؟ فقال الغزالي في ((الإحياء)): إن الصف الأول هو المتصل الذي في فناء المنبر ، وما عن طرفيه مقطوع . قال : وكان سفيان يقول : الصف الأول هو الخارج بين يدي المنبر ، قال : ولا يبعد أن يقال : الأقرب إلى القبلة هو الأول. قيل لبشر بن الحارث : نراك تبكر ، وتصلي في آخر الصفوف؟ فقال : إنما يراد قرب القلوب لا قرب الأجساد ، والأحاديث ترد هذا . انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى بتصرف(١) . والله تعالى أعلم. ٨١٧ - أخْبَرَنَا يَحْيَى بن عُثْمَانَ الْحِمْصِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ ، عَنْ بَحِيرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنْ جُبَيْرِبْنِ نُفَيْرِ، عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، عَنْ رَسُول اللَّهِ عَّهِ: كَانَ يُصَلِّي عَلَى الصَّفِ الأوَّلِ ثَلاثًا، وَعَلَى الثَّاني وَاحِدَةً . رجال هذا الإسناد : ستة ١ - (يحيى بن عثمان الحمصي) هو يحيى بن عثمان بن سعيد (١) نيل الأوطار جـ ٤ ص ٩٨ -٩٩ . شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - ٢٧٤ ابن كثير بن دينار القرشي ، أبو سليمان ، ويقال : أبو زكرياء الحمصي، صدوق عابد من [١٠] . قال أحمد بن أبي الحواري عن أحمد بن حنبل: نعم الشيخ هو . ويُروَى عن محمد بن عوف : قال: رأيت أحمد بن حنبل يُجلّ يحيى ابن عثمان ، قال ابن عوف : كان عمرو بن عثمان ، ویحیی بن عثمان ثقتان ، ولكن يحيى كان عابداً ، وعمرو أبصر بالحديث منه . وقال أبوحاتم: كان رجلاً صالحًا صدوقًا . وقال النسائي : ثقة . وقال في موضع آخر : لا بأس به . وقال الدُّولابي : ثنا يحيى بن عثمان الشيخ العابد . وقال الحسين بن محمد بن إبراهيم : ثنا يحيى بن عثمان المختار العدل الرضي . وقال إبراهيم بن محمد بن متويه : ثنا يحيى بن عثمان، وكان يقال: إنه من الأبدال، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: وكان عابدًا ورعًا . وقال ابن عدي: قال لنا أبو عروبة الحسين بن أبي معشر الحرّاني : يحيى بن عثمان هذا لا يَسْوَى نواة في الحديث، كان يتلقن كل شيء ، وكان يعرف بالصدق ، سمعت المسيب بن واضح يقول : رأيت في النوم قائلاً يقول : إن كان بقي من الأبدال أحد فيحيى بن عثمان الحمصي . قال ابن عدي : وليحيى بن عثمان أحاديث صالحة عن شيوخ الشام ، ولم أر أحدًا يطعن فيه غير أبي عروبة ، وهو معروف بالصدق ، وأخوه عمرو بن عثمان كذلك ، وأبوهما ، وهم من أهل ٢٧٥ _ ٢٩ - فضل الصف الأول على الثاني - حديث رقم ٨١٧ بيت الحديث بحمص ، وليس بهم بأس. وقال مسلمة بن قاسم : ثقة مأمون، روى عنه بقي بن مخلد . وقال ابن حبان: مات سنة بضع وخمسين ومائتين . وقال ابن قانع، وأبو القاسم ابن منده : توفي سنة ٢٥٥، روى عنه أبو داود ، والنسائي، وابن ماجه(١). ٢ - (بقية) بن الوليد بن صائد بن كعب الكَلاَعي ، أبو يُحْمد ، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء ، مات سنة ١٩٧، وله ٨٧ سنة ، من [٨]، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة ، تقدم في ٤٥/ ٥٩٢. ٣ - (بحير بن سَعْد(٢)) السّحولي ، أبو خالد الحمصي ، ثقة ثبت، من [٦]، أخرج ه البخاري في ((الأدب المفرد))، والأربعة . تقدم في ٦٨٨/١. ٤ - (خالد بن مَعْدَان) الكلاعي ، أبو عبد الله الحمصي ، ثقة عابد، يرسل كثيرًا ، مات سنة ١٠٣، وقيل بعد ذلك، من [٣]، أخرج له الجماعة ، تقدم في ٦٨٨/١ . (١) ((ت)) ص٣٧٧ -٣٧٨. ((تت)) جـ ١١ ص ٢٥٥ - ٢٥٦. ((تك)) جـ١ ص ٤٥٩ - ٤٦٢. (٢) وقع في نسخة ((ت)) و ((تت)): (ابن سعيد) قال بعض من علق على التقريب : والصواب (ابن سَعْد) كما في التهذيب للمزي ، والأنساب للسمعاني جـ ٧ ص ٩١ ، واللباب جـ ٢ ص ١٠٦ . والجرح والتعديل جـ١ ص ٤١٢، والتاريخ الكبير جـ١ ص١٣٧ ، وأما ما قاله الأستاذ عبد الوهاب عبد اللطيف في تعليقه على التقريب : والصواب ابن سعيد، فليس بصواب، والصواب ما في عامة الكتب ، وصوبه الشيخ المعلمي في تعليقاته على التاريخ الكبير ، والأنساب . انتهى . - ٢٧٦ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة ٥ - ( جُبير بن نَفَير) بن مالك بن عامر الحضرمي الحمصي ، ثقة جليل مخضرم ، مات سنة ٨٠ ، وقيل بعدها، من [٢]، أخرج له البخاري في ((الأدب المفرد))، ومسلم، والأربعة ، تقدم في ٥٠/ ٦٢ . ٦ - (العِرْبَاض(١) بن سارية) السلمي ، كنيته أبو نجيح، كان من أهل الصفة ، ونزل حمص. روى عن النبي عَّه، وعن أبي عبيدة بن الجرّاح، وعنه ابنته أم حبيبة ، وعبد الرحمن بن عمرو السلمي ، وسعيد ابن هانئ الخولاني ، وغيرهم . قال محمد بن عوف : كل واحد من العرباض بن سارية ، وعمرو بن عَبَسَة ، يقول : أنا ربع الإسلام ، لا ندري أيهما أسلم قبل صاحبه . قال ضمضم بن زُرْعَة ، عن شريح بن عبيد : كان عتبة بن عبد يقول : عرباض خير مني، وكان عرباض يقول: عتبة خير مني، سبقني إلى النبي تَّه بسنة. قال خليفة : مات في فتنة ابن الزبير ، وقال أبو مسهر ، وغير واحد : مات سنة ٧٥ ، وقال أبو عمر الزاهد غلام ثعلب : العرباض : الطويل من الناس وغيرهم الجلد المخاصم من الناس ، وهو مدح . أخرج له الأربعة . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من سداسيات المصنف رحمه الله . ومنها : أن رجاله موثقون ، غير أن بقية مشهور بالتدليس ، حتى (١) بكسر أوله، وإسكان الراء قبل الموحدة ، وآخره المعجمة. ٢٧٧ _ ٢٩ - فضل الصف الأول على الثاني - حديث رقم ٨١٧ قيل : بقية ، أحاديثه غير نقية ، فكن منها على تَقيّة . لكنه صرح بالتحديث في رواية أحمد جـ٤ ص١٢٨ ، وله متابع كما سيأتي قريبًا . ومنها : أنه مسلسل بالحمصيين . ومنها : أن فيه من صيغ الأداء الإخبارَ ، والتحديثَ ، والعنعنةَ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن العرباض بن سارية) رضي الله عنه (عن رسول الله عَ ليه ) الجار والمجرور متعلق بحال محذوف، أي كونه مخبرًا عن حاله وَ لّهم (كان يصلي على الصف الأول ثلاثًا) أي يستغفر لأهل الصف الأول، ففي رواية أحمد، وابن ماجه ، وابن خزيمة: (( كان يستغفر للصف المقدم ثلاثًا)) ... ويحتمل أن يكون المعنى يدعو لهم بلفظ الصلاة ، فقد ثبت أنه تم ◌ّ كان يدعو بلفظ الصلاة للناس ، فقد أخرج مسلم في (صحيحه)) عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: كان النبي تَّم إذا أتيَ بصدقة قوم صلى عليهم ، فأتاه أبي بصدقته، فقال: ((اللهم صل على آل أبي أوفى)) . وأخرج أحمد ، وأبو داود عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن امرأة قالت: يا رسول الله صَلِّ عليّ وعلى زوجي - صلى الله عليك وسلم - فقال: ((صلى الله عليك، وعلى زوجك)». وقال السندي رحمه الله: أي يدعو لهم بالرحمة، ويستغفر لهم شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - ٢٧٨ ثلاث مرات ، كما فعل بالمحلقين والمقصرين . والظاهر أنه دعا لهم أعم من أن يكون بلفظ الصلاة ، أو غيره ، ويحتمل خصوص لفظ الصلاة أيضًا، والله تعالى أعلم. انتهى (١). (وعلى الثاني واحدة) ، أي يصلي على أهل الصف الثاني صلاة واحدة ، فـ (( واحدة)) نعت لمصدر محذوف ، كما قدرته . وفيه بيان فضل الصف الأول على الثاني ، كما ترجم عليه المصنف رحمه الله تعالى . وبالله التوفيق ، وعليه التكلان . مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى : في درجته: حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه هذا صحيح . وبقية ، وإن كان معروفًا بالتدليس عن الضعفاء ، فقد تابعه إسماعيل بن عياش، وروايته عن أهل بلده صحيحة ، كما نص عليه الأئمة ، أحمد ، وابن معين ، وغيرهما. وتابعه أيضًا شيبان بن عبد الرحمن ، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم ، عن خالد . أخرجه أحمد جـ٤ ص١٢٨، والدارمي رقم ١٢٦٩، كما سيأتي قريبا . والله تعالى أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا ٨١٧/٢٩، وفي ((الكبرى)) ٢٩/ ٨٩١، عن يحيى بن (١) شرح السندي جـ ٢ ص ٩٣ . ٢٧٩ _ a ٢٩ - فضل الصف الأول على الثاني - حديث رقم ٨١٧ عثمان ، عن بقية ، عن بحير بن سَعْد ، عن خالد بن معدان ، عن جبير ابن نُفير ، عنه . والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرجه ابن ماجه في ((الصلاة)) عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن يزيد ابن هارون ، عن هشام الدستوائي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن محمد ابن إبراهيم بن الحارث التيمي ، عن خالد بن معدان ، عن عرباض بن سارية رضي الله عنه، وليس فيه جبير بن نفير، ولفظه: (( أن رسول الله عَّ كان يستغفر للصف المقدم ثلاثاً، وللثاني مرة)). وأحمد جـ١٢٨/٤ عن حيوة بن شريح ، عن بقية ، بسند المصنف، وعن حسن بن موسى ، عن شيبان ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن محمد بن إبراهيم ، عن خالد بن معدان ، به . وعن الحكم بن نافع ، عن إسماعيل بن عياش ، عن بحير بن سعد ، به . وجـ١٢٦/٤، عن يحيى بن سعيد ، ووكيع . و١٢٧ ، عن إسماعيل ثلاثتهم عن هشام الدستوائي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن محمد بن إبراهيم ، عن خالد ابن معدان، عن عرباض ، ولیس فیه جبیر . والدارمي رقم (١٢٦٩) عن الحسن بن علي ، عن الحسن بن موسى الأشيب ، عن شيبان ، عن يحيى ، عن محمد بن إبراهيم ، عن خالد، عن جبير به ، و ١٢٦٨ عن وهب بن جرير ، عن هشام الدستوائي ، به، ولیس فیه ذکر جبير . شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - ٢٨٠ . وابن خزيمة رقم (١٥٥٨) عن الحسن بن محمد ، عن يزيد بن هارون ، وعبد الله بن بكر ، وعن سَلْم بن جُنادة ، عن وكيع ، ثلاثتهم عن هشام الدستوائي به ، وليس فيه ذكر جبير بن نفير . قال الجامع عفا الله عنه : قد تبين مما ذكر أنه وقع اختلاف على یحیی بن أبي كثير ، فروى عنه شيبان بن عبد الرحمن ، فأدخل جبير ابن نفیر بین خالد بن معدان ، والعرباض بن سارية ، وروی عنه هشام الدستوائي، فأسقطه ، ولكن مثل هذا الاختلاف لا يضر في صحة الحديث ، لإمكان حمله على أن خالدًا سمع الحديث من جبير ، ثم لقي العرباض ، فسمعه منه ، فكان يحدث عنهما ، ومثل هذا في أحاديث الحفاظ كثير ، ويدل على ذلك وقوع التصريح بالتحديث عند أحمد جـ٤ ص١٢٧. والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت ، وإليه أنيب . : i