Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ _ ١٤ - الإمام يذكر بعد قيامه في مصلاه أنه على غير طهارة - حديث رقم ٧٩٢ قال أبو عمر رحمه الله : أما قول الشافعي: إنّ الناس إنما كلفوا في غيرهم الأغلبَ مما يظهر لهم، ولم يكلفوا علم ما غاب عنهم من حال إمامهم، فقول صحیح، إلا أن استدلاله بحدیث هذا الباب على جواز صلاة القوم خلف الإمام الجنب، هو خارج على مذهبه في أحد قوليه الذي يجيز فيه إحرام المأموم قبل إمامه، وليس ذلك على مالك؛ لأن النبي ◌َّ إذ كبر - وهو جنب - ثم ذكر حاله، فأشار إلى أصحابه أن امكثوا، وانصرف، فاغتسل، لا يخلو أمره إذا رجع من أحد ثلاثة وجوه: إما أن يكون بنى على التكبيرة التي كبرها، وهو جنب، وبنى القوم معه على تكبيرهم، فإن كان هذا، فهو منسوخ بالسنة والإجماع، فأما السنة فقوله : ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور)). فكيف يبني على ما صلى، وهو غير طاهر، هذا لا يظنه ذو لب، ولا يقوله أحد؛ لأن علماء المسلمين مجمعون على أن الإمام لا يبني على شيء عمله في صلاته، وهو على غير طهارته، وإنما اختلفوا في بناء المحدث على ما صلی، وهو طاهر قبل حدثه في صلاته. والوجه الثاني: أن يكون رسول الله ث﴾ حين انصرف بعد غسله، استأنف صلاته، واستأنفها أصحابه معه بإحرام جديد، وأبطلوا إحرامهم معه، وقد كان لهم أن يعتدوا به لو استخلف لهم من يتم بهم، فهذا الوجه، وإن صح في مذهب مالك من وجه، فإنه يبطل الاستدلال به من هذا الحديث على جواز صلاة القوم خلف الإمام الجنب؛ لأنهم - ٨٢ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة إذا استأنفوا إحرامهم، فلم يصلوا وراء جنب، بل قد يَسْتَدلّ بمثل هذا - لو صح - من أبطل صلاتهم خلفه، وهو خلاف قول مالك. والوجه الثالث: أن يكون النبي مّ كبر محرماً مستأنفاً لصلاته، وبنى القوم خلفه على ما مضى من إحرامهم، فهذا أيضاً، وإن كان فيه النكتة المجيزة لصلاة المأموم خلف الإمام الجنب لاستجزائهم واعتدادهم بإحرامهم خلفه، لو صح، فإن ذلك أيضاً لا يخرج على مذهب مالك من الحديث؛ لأنه حينئذ يكون إحرام القوم في تلك الصلاة قبل إحرام إمامهم فيها، وهذا غير جائز عند مالك وأصحابه. لا يحتمل الحديث غير هذه الأوجه، ولا يخلو من أحدها، فلذلك قلنا: إن الاستدلال بحديث هذا الباب على جواز صلاة القوم خلف الإمام الجنب ليس بصحيح على مذهب مالك، فتدبر ذلك تجده كذلك إن شاء الله. وأما الشافعي فيصح الاستدلال بهذا الحديث على أصله؛ لأن صلاة القوم عنده غير مرتبطة بصلاة إمامهم؛ لأن الإمام قد تبطل صلاته إذا كان على طهارة، وتصح صلاة من خلفه، وقد تبطل صلاة المأموم، وتصح صلاة الإمام بوجوه أيضاً كثيرة، فلهذا لم يكن عنده صلاتهما مرتبطة، ولا يضر عنده اختلاف نياتهما؛ لأن كلاً يحرم لنفسه، ويصلي لنفسه، ولا يحمل فرضاً عن صاحبه، فجائز عنده أن يحرم المأموم قبل إمامه، وإن كان لا يستحب له ذلك، وله على هذا دلائل قد ؛ ا ٨٣ _ ١٤ - الإمام يذكر بعد قيامه في مصلاه أنه على غير طهارة - حديث رقم ٧٩٢ ذکرها هو وأصحابه في كتبهم. قال الجامع عفا الله عنه : ما ذهب إليه الشافعي من عدم ارتباط صلاة المأموم بصلاة إمامه صحة وفساداً، ومن جواز تقدم إحرام المأموم على إحرام الإمام هو الراجح عندي، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله ثم قال: ((يصلون لكم، فإن أصابوا، فلكم ولهم، وإن أخطأوافلكم، وعليهم)). رواه البخاري. وحديث أبي بكرة رضي الله عنه المتقدم، حيث إن النبي ثَُّ دخل في صلاة الفجر، ثم أمرهم بالانتظار، فذهب، واغتسل، ثم جاء، فصلى بهم؛ لأن الظاهر أنهم أحرموا قبل ذهابه للاغتسال، ومعلوم أنه ما صلى بإحرامه الأول، وإنما أنشأ إحراماً جديداً. والله أعلم. قال أبو عمر رحمه الله : وأما اختلاف الفقهاء في القوم يصلون خلف إمام ناس لجنابته، فقال مالك، والشافعي، وأصحابهما، والثوري، والأوزاعي: لا إعادة عليهم، وإنما الإعادة عليه وحده، إذا علم اغتسل، وصلى كل صلاة صلاها وهو على غير طهارة. وروي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي على اختلاف عنه. وعليه أكثر العلماء، وحسبك بحديث عمر في ذلك؛ فإنه صلى بجماعة من الصحابة صلاة الصبح، ثم غدا إلى أرضه بالجُرُف، فوجد في ثوبه احتلاماً، فغسله، واغتسل، وأعاد صلاته وحده، ولم يأمرهم بإعادة. وهذا في جماعتهم من غير نكير . شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - ٨٤ - وقد روي عن عمر أنه أفتى بذلك، رواه شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن عمر في جنب صلى بقوم، قال: يعيد، ولا يعيدون. قال: شعبة: وقال حماد: أعجب إليّ أن يعيدوا. وقال أبو بكر الأثرم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي في الجنب يصلي بالقوم، قال: يعيد، ويعيدون. قال: وسمعت أبا عبد الله- يعني أحمد بن حنبل- يقول: حدثنا هشيم، عن خالد بن مسلمة، قال: أخبرني محمد بن عمرو بن المصطلق، أن عثمان بن عفان صلى بالناس صلاة الفجر، فلما أصبح، وارتفع النهار، فإذا هو بأثر الجنابة، فقال: كبرت والله، فأعاد الصلاة، ولم يأمرهم أن يعيدوا. وسمعت أبا عبد الله يقول: يعيد ولا يعيدون. وسألت سليمان بن حرب فقال: إذا صح لنا عن عمر شيء اتبعناه، يعيد ولا يعيدون. وذکر عن الحسن، وإبراهیم، وسعيد بن جبير مثله، وهو قول إسحاق، وداود، وأبي ثور. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: عليهم الإعادة؛ لأن صلاتهم مرتبطة بصلاة إمامهم، فإذا لم تكن له صلاة لم تكن لهم. وروي إيجاب الإعادة على من صلى خلف جنب، أو غير متوضئ عن علي بن أبي طالب من حديث عبد الرزاق، عن إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر، عن علي. وهو منقطع، وفيه عن عمر خبر ضعيف، لا يصح. وهو قول الشعبي، وحماد بن أبي سليمان. : ٨٥ - ١٤ - الإمام يذكر بعد قيامه في مصلاه أنه على غير طهارة - حديث رقم ٧٩٢ وذكر الأثرم عن أحمد بن حنبل إذا صلى إمام بقوم، وهو على غير وضوء، ثم ذكر قبل أن يتم، فإنه يعيد ويعيدون، ويبتدئون الصلاة، فإن لم يذكر حتى يفرغ من صلاته أعاد وحده، ولم يعيدوا. واختلف مالك، والشافعي - والمسألة بحالها - في الإمام يتمادى في صلاته ذاكراً لجنابته، أو ذاكراً أنه على غير وضوء، أو مبتدئاً صلاته كذلك، وهو مع ذلك معروف بالإسلام. فقال مالك وأصحابه: إذا علم الإمام بأنه على غير طهارة، وتمادى في صلاته عامداً بطلت صلاة من خلفه؛ لأنه أفسد عليهم. وقال الشافعي: صلاة القوم جائزة تامة، ولا إعادة عليهم؛ لأنهم لم يكلفوا علم ما غاب عنهم، وقد صلوا خلف رجل مسلم في علمهم. وبهذا قال جمهور فقهاء الأمصار، وأهل الحديث، وإليه ذهب ابن نافع صاحب مالك. ومن حجة من قال بهذا القول أنه لا فرق بين عمد الإمام ونسيانه في ذلك؛ لأنهم لم يكلفوا علم الغيب في حاله، فحالهم في ذلك واحدة، وإنما تفسد صلاتهم إذا علموا بأن إمامهم على غير طهارة، فتمادوا خلفه، فيكونون حينئذ المفسدين على أنفسهم، وأما هو فغير مفسد عليهم بما لا يظهر من حاله إليهم، لكن حاله في نفسه تختلف، فيأثم في عمده إن تمادى بهم، ولا إثم عليه إن لم يعلم ذلك، وسها عنه . قال أبو عمر: قد أوضحنا - والحمد لله - القول بأن حديث هذا شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - ٨٦ الباب لا يصح الاحتجاج به في جواز صلاة من صلى خلف إمام على غير طهارة على مذهب مالك، وأن أصل مذهبه في هذه المسألة فعل عمر رضي الله عنه في جماعة الصحابة لم ينكره عليه، ولا خالفه فيه واحد منهم، وقد كانوا يخالفونه في أقل من هذا مما يحتمل التأويل، فكيف بمثل هذا الأصل الجسيم، والحكم العظيم؟ وفي تسليمهم ذلك لعمر، وإجماعهم عليه ما تسكن القلوب في ذلك إليه؛ لأنهم خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، فيستحيل عليهم إضافة إقرار ما لا يرضونه إليهم . وأما الشافعي فإنه جعل حديث هذا الباب أصلاً في جواز صلاة القوم خلف الإمام الجنب، وأردفه بفعل عمر، وفتوى علي. والذي تحصل عليه مذهب مالك عند أصحابه في هذا الباب في إمام أحرم بقوم، فذكر أنه جنب، أو على غير وضوء أنه يخرج، ويقدم رجلاً، فإن خرج، ولم يقدم أحداً قدموا لأنفسهم من يتم بهم صلاتهم، فإن لم يفعلوا، وصلوا أفذاذاً أجزأتهم صلاتهم، فإن انتظروه، ولم يقدموا أحداً لم تفسد صلاتهم. وقال يحيى بن يحيى، عن ابن نافع: إذا انصرف، ولم يقدم، وأشار إليهم أن امكثوا كان حقّاً عليهم أن لا يقدموا أحداً حتى يرجع، فیتم بهم . قال أبو عمر رحمه الله: أما قول من قال من أصحاب مالك: إن . 1 ٠ ١٤ - الإمام يذكر بعد قيامه في مصلاه أنه على غير طهارة - حديث رقم ٧٩٢ ٨٧ - القوم في هذه المسألة ينتظرون إمامهم حتى يرجع، فيتم بهم، فليس بشيء، وإنما وجهه حتى يرجع، فيبتدئ بهم، لا يتم بهم على أصل مالك؛ لأن إحرام الإمام لا يجتزأ به بإجماع من العلماء؛ لأنه فعله على غير طهارة، وذلك باطل، وإذا لم يجتزئ به استأنف إحرامه إذا انصرف، وإذا استأنفه لزمهم مثل ذلك عند مالك، ليكون إحرامهم بعد إحرام إمامهم، وإلا فصلاتهم فاسدة، لقوله تمّ في الإمام: ((إذا كبر، فكبروا)). هذا هو عندي في تحصيل مذهبه. وبالله التوفيق. وأما الشافعي فإنه جعل هذا الحديث أصلاً في ترك الاستخلاف، فقال: الاختيار عندي إذا أحدث الإمام حدثاً لا تجوز له معه الصلاة من رعاف، أو انتقاض وضوء، أو غيره أن يصلي القوم فرادى، وألا يقدموا أحداً، فإن قدموا، أو قدم الإمام رجلاً منهم، فأتم بهم ما بقي من صلاتهم أجزأتهم صلاتهم، وكذلك لو أحدث الإمام الثاني، والثالث، والرابع. قال الشافعي رحمه الله : ولو أن إماماً كبر، وقرأ، وركع، أو لم يركع حتى ذكر أنه على غير طهارة، فكان مخرجه، ووضوءه، أو غسله قريباً، فلا بأس أن يقف الناس في صلاتهم حتى يتوضأ، ويرجع، فيستأنف، ويتمون هم لأنفسهم، كما فعل رسول الله ث حين ذكر أنه جنب، فانتظره القوم، فاستأنف لنفسه؛ لأنه لا يعتد بتكبيرة كبرها، وهو جنب، فيتم القوم لأنفسهم؛ لأنهم لو أتموا لأنفسهم حين خرج شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - ٨٨ - عنهم إمامهم أجزأتهم صلاتهم، وجائز عنده أن يقطعوا صلاتهم، إذا رابهم شيء من إمامهم، فيتمون لأنفسهم على حديث جابر بن عبد الله في قصة معاذ رضي الله عنهم. قال: وإن كان خروج الإمام يتباعد، أو طهارته تثقل، صلوا لأنفسهم. قال: ولو أشار إليهم أن ينتظروا، أو كلمهم بذلك كلاماً جاز ذلك؛ لأنه في غير صلاة، فإن انتظروه، وكان قريباً، فحسن، وإن خالفوه، فصلوا لأنفسهم فرادى، أو قدموا غيره أجزأتهم صلاتهم. قال: والاختيار عندي للمأمومين إذا فسدت على الإمام صلاته أن يبنوا فرادى. قال: وأحب إليّ أن لا ينتظروه، وليس أحد في هذا كرسول اللـه ◌َمّة، فإن فعلوا، فصلاتهم جائزة على ما وصفنا. قال: فلو أن إماماً صلى ركعة، ثم ذكر أنه جنب، فخرج، فاغتسل، وانتظره القوم، فرجع، فبنى على الركعة، فسدت عليه وعليهم صلاتهم؛ لأنهم يأتمون به عالمين أن صلاته فاسدة، فليس له أن يبني على ركعة صلاها جنباً. قال: ولو علم بعضهم، ولم يعلم بعض، فسدت صلاة من علم ذلك. قال أبو عمر: من أجاز انتظار القوم للإمام إذا أحدث احتج بحديث هذا الباب، وفيه ما ذكرنا، واحتج أيضاً بما حدثناه محمد بن عبد الله ابن حکم، قال: حدثنا محمد بن معاوية بن عبد الرحمن، قال: حدثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب، قال: حدثنا أبو الوليد الطيالسي، قال: ٨٩ - ١٤ - الإمام يذكر بعد قيامه في مصلاه أنه على غير طهارة - حديث رقم ٧٩٢ حدثنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة: ((أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلی بالناس، فأهوی بیده، فأصاب فرجه، فأشار إليهم أن كما كنتم، فخرج، فتوضأ، ثم رجع إليهم، فأعاد)). فاحتج بهذين الخبرين وما كان مثلهما من كره الاستخلاف من العلماء. وقال أبو بكر الأثرم: سمعت أحمد بن حنبل، يُسأل عن رجل أحدث وهو يصلي أيستخلف، أم يقول لهم: يبتدءون، وهو كيف يصنع؟ فقال: أما أنا فيعجبني أن يتوضأ، ويستقبل. قيل له: فهم كيف يصنعون؟ فقال: أما هم ففيه اختلاف. قال أبو بكر: ومذهب أبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - رحمه الله أن لا يبني في الحدث، سمعته يقول: الحدث أشد، والرعاف أسهل. وقد تابع الشافعيَّ رحمه الله على ترك الاستخلاف داودُ بن علي، وأصحابُه، فقالوا: إذا أحدث الإمام في صلاته صلى القوم أفراداً، وأما أهل الكوفة، وأكثر أهل المدينة، فكلهم يقول بالاستخلاف لمن نابه شيء في صلاته، فإن جهل الإمام، ولم يستخلف تقدمهم واحد منهم بإذنهم، أو بغير إذنهم، وأتم بهم، وذلك عندهم عمل مستفيض. والله أعلم. إلا أن أبا حنيفة رحمه الله إنما يرى الاستخلاف لمن أحرم، وهو طاهر، ثم أحدث، ولا يرى الإمام جنب، أو على غير وضوء إذا ذكر ذلك في صلاته أن يستخلف، وليس عنده في هذه المسألة موضع - ٩٠ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة للاستخلاف؛ لأن القوم عنده في غير صلاة كإمامهم سواء على ما ذكرناه من أصله في ذلك. قال أبو عمر رحمه الله: لا يتبين عندي حجة من كره الاستخلاف استدلالاً بحديث هذا الباب؛ لأن رسول الله تَّه ليس في الاستخلاف كغيره، ولا يجوز أن يتقدم أحد بین یدیه إلا بإذنه، وقد قال لهم رسول الله تَّه: ((مكانكم)) فلزمهم أن ينتظروه. هذا لو صح أنه تركهم في صلاة، فكيف وقد قيل: إنهم استأنفوا معه، فلو صح هذا لبطلت النكتة التي منها نزع من كره الاستخلاف. وقد أجمع المسلمون على الاستخلاف فیمن یقیم لهم أمر دينهم، والصلاة أعظم الدين. وفي حديث سهل بن سعد رضي الله عنه دلالة على جواز الاستخلاف لتأخر أبي بكر رضي الله عنه، وتقدم النبي تَ﴾ في تلك الصلاة. والله أعلم. وحسبك ما مضى عليه عمل من ذلك الناس . قال الجامع عفا الله عنه : القول بجواز الاستخلاف هو الصواب عندي، لقوة دليله. والله تعالى أعلم. قال أبو عمر رحمه الله تعالى: قد نزع قوم في جواز بناء المحدث على ما صلى قبل أن يحدث إذا توضأ - بهذا الحديث، ولا وجه لما نزعوا به في ذلك؛ لأن رسول الله تَّه لم يبن على تكبيره لما بينّاً قبلُ في هذا الباب، ولو بنى ما كان فيه حجة أيضاً، لإجماعهم على أن ذلك غير ٩١ _ ١٤ - الإمام يذكر بعد قيامه في مصلاه أنه على غير طهارة - حديث رقم ٧٩٢ جائز اليوم لأحد، وأنه منسوخ بأن ما عمله المرء من صلاته، وهو على غير طهارة لا يعتد به، إذ لا صلاة إلا بطهور. واتفق مالك والشافعي على أن من أحدث في صلاته لم يبن على ما مضى له منها، ويستأنفها إذا توضأ، وكذلك اتفقا على أنه لا يبني أحد في القيء، كما لا يبني في شيء من الأحداث. واختلفا في بناء الراعف، فقال الشافعي في القديم يبني الراعف، وانصرف عن ذلك في الجدید . وقال مالك: إذا رعف في أول صلاته، ولم يدرك ركعة بسجدتها، فلا يبني، ولكنه ينصرف، فيغسل عنه الدم، ويرجع، فيعيد الإقامة، والتكبير، والقراءة، ولا يبني عنه إلا من أدرك ركعة كاملة من صلاته، فإذا كان ذلك، ثم رعف، خرج، فغسل الدم عنه، وبنى على ما مضى، وصلى حيث شاء، إلا في الجمعة، فإنه لا يبني فيها إذا أدرك ركعة منها، ثم رعف إلا في المسجد الجامع، وإذا كان الراعف إماماً، فلا يعود إماماً في تلك الصلاة أبداً، ولا يتم صلاته إلا مأموماً، أو فذّاً. هذا تحصيل مذهبه عند جميع أصحابه . قال الجامع عفا الله عنه : هذه التفاريق المذكورة في جواز البناء وعدمه تحتاج إلى دليل يستند إليه، فما هو؟ والله تعالى أعلم. قال أبو عمر رحمه الله : وقد روي عنه أنه قال: لولا أني أكره خلاف من مضى ما رأيت أن يبني الراعف، ورأيت أن يتكلم، ويستأنف، قال: وهو أحب إليّ. وقد روي عنه أنه قال: إن الفذ لا شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - ٩٢ - يبني في الرعاف. وأما الشافعي رحمه الله فقال: لا يبني الراعف إذا استدبر القبلة لغسل الدم عنه، وكل من استدبر القبلة عنده - وهو عالم بأنه في صلاة - لم يجز له البناء، وكان عليه الاستئناف أبداً، والذي يسهو، فيسلم من ركعتين، ويخرج، وهو يظن أنه قد أكمل صلاته، وأنه ليس في صلاة، فإن هذا يبني عنده ما لم يتكلم، أو يحدث، أو يطول أمره على حديث ذي الیدین رضي الله عنه . وقول ابن شبرمة في هذا كقول مالك، والشافعي، لا يبني أحد في الحدث، ولكنه ينصرف، فيتوضأ، ويستقبل، وإن كان إماماً استخلف . وقال الأوزاعي رحمه الله : إن كان حدثه من قيء، أو ريح توضأ، واستقبل، وإن كان من رعاف توضأ وبنى، وكذلك الدم غير الرعاف، والرعاف عنده حدث ينقض الوضوء. وقال الثوري رحمه الله: إذا كان حدثه من رعاف أو قيء توضأ وبنى، وإن كان حدثه من بول، أو ريح، أو ضحك أعاد الوضوء والصلاة . وقال ابن شهاب رحمه الله : القيء والرعاف سواء، يتوضأ، ثم يتم على ما بقي من صلاته ما لم يتكلم. وقد روي عن ابن شهاب في الإمام يرى بثوبه دماً، أو رعف، أو يجد حدثاً أنه ينصرف، ويقول ٩٣ _ ١٤ - الإمام يذكر بعد قيامه في مصلاه أنه على غير طهارة - حديث رقم ٧٩٢ للقوم: أتموا صلاتکم، ويصلي كل إنسان لنفسه. رواه الزبيدي عنه. وقال أبو حنيفة، وأصحابه، وابن أبي ليلى: يبني في الأحداث كلها إذا سبقته في الصلاة، والقيء، والرعاف عند أبي حنيفة وأصحابه حدث كسائر الأحداث، وهو قول جمهور سلف أهل العراق ينقض الرعاف، والقيء، وكل ما خرج من الجسد من دم، أو نجاسة - عندهم الطهارة كسائر الأحداث، قياساً عند أبي حنيفة وأصحابه على المستحاضة؛ لأنهم أثبتوا أن رسول الله ية أمرها بالوضوء لكل صلاة. فالراعف عندهم ينصرف، فيتوضأ، ويبني على ما صلى على حسب ما ذكرنا من أصلهم في بناء المحدث، وهم يقولون: إن الراعف لو أحدث بعد انصرافه توضأ، واستأنف، ولم يبن، وإنما يبني عندهم من أحدث في الصلاة، وحسبك بمثل هذا ضعفاً في النظر، ولا يصح به خبر، والحجج للفرق في هذا الباب تطول جداً، وتكثر، وفي بعضها تشعيب، وإنما ذكرنا هاهنا ما للعلماء في تأويل حديث الباب من المذاهب، وأصول الأحكام. والحمد لله. والحجة عندنا أن لا وضوء على الرعاف والقيء: أن المتوضئ بإجماع لا ينتقض وضوءه باختلاف، إلا أن يكون هناك سنة يجب المصير إليها، وهي معدومة هاهنا. وبالله توفيقنا. انتهى كلام الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى. قال الجامع عفا الله عنه : هذا الذي ذكره الحافظ ابن عبد البر ٩٤ سس شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة رحمه الله من عدم وجوب الوضوء للرعاف ونحوه - هو الراجح عندي لعدم الدليل عليه . وأما مسألة البناء المذكورة فالراجح عندي قول من قال بوجوب الاستئناف، وعدم جواز البناء؛ لأنه لا دليل على الجواز. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب . ٩٥ ١٥ - استخلاف الإمام إذا غاب - حديث رقم ٧٩٣ ١ ١٥ - اسْتِخْلاَفُ الإِمَامِ إِذَا غَابَ أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز استخلاف الإمام غيره ليصلي مكانه، إذا غاب عن الصلاة لبعض حاجته. ٧٩٣ - أخْبَرَنَا أحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ كَلمَةً مَعْنَاهَا قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ ، قَالَ سَهْلُ بْنُ سَعْد : كَانَ قِتَالٌ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ◌َ، فَصَلَّى الظُّهْرَ ، ثُمَّ أَتَاهُمَ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ قَالَ لِلالِ : يَا بِلاَلُ إِذَا حَضَرَتِ الْعَصْرُ، وَلَمْ آت، فَمُرْ أَبَابَكْر ، فَلْيُصَلَ بِالنَّاسِ، فَلَمَّا حَضَرَتْ أَذَّنَ بِلاَلٌ، ثُمَّ أَقَامَ ، فَقَالَ لِأَبِي بَكْرِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ : تَقَدَّمْ ، فَتَقَدَّمَ أَبُوبَكْرٍ ، فَدَخَلَ فِي الصَّلاَةِ، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللّهِ عَهُ، فَجَعَلَ يَشُقُّالنَّاسَ حَتَّى قَامَ خَلْفَ أَبِي بَكْرِ، وَصَفَّحَ الْقَوْمُ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرِ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلاةِ لَمْ يَلْتَفِتْ ، فَلَمَّا رَأى أَبُو بَكْرِ التَّصْفِيحَ لاَ يُمْسَكُ عَنْهُ الْتَفَتَ، فَأَوْمَأْ إِلَيْه رَسُولُ اللّهِ نَّهُ بَيَدِه، فَحَمْدَ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى قَوْلِ ٩ ٩٦ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة رَسُول اللّهِ نَّه لَهُ امْضِهْ، ثُمَّ مَشَى أَبُو بَكْر الْقَهْقَرَى عَلَى عَقْبَيْه، فَتَأْخَّرَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلكَ رَسُولُ اللّهِعَلَّه تَقَدَّمَ، فَصَلَّى بالنَّاسِ، فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ، قَالَ: ((يَا أَبَا بَكْر، مَا مَنَعَكَ، إِذْ أَوْمَأْتُ إِلَيْكَ أنْ لاَ تَكُونَ مَضَيْتَ؟))، فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ لابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يَؤُمَّ رَسُولَ اللّهِلَّهُ، وَقَالَ لِلنَّاسِ: ((إِذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ، فَلْيُسَبَحِ الرِّجَالُ، وَلَيُصَفَّحِ النِّسَاءُ». قال الجامع عفا الله عنه : هذا الحديث تقدم قريباً (٧/ ٧٨٤) سنداً، ومتناً، وتقدم شرحه، والمسائل المتعلقة به مستوفى هناك، فلا حاجة إلى تطويل الكتاب بإعادته، غير أنه لابد من توضيح بعض الأشياء التي تحتاج إلى توضيح : ففي إسناده راویان لم يتقدم ذکرهما هناك، وهما : ١ - (أحمد بن عَبْدَةَ) بن موسى الضبي، أبو عبد الله البصري، ثقة رمي بالنصب، مات سنة ٢٤٥، من [١٠]، أخرج له مسلم والأربعة، تقدم في ٣/٣ . ٢ - (حماد بن زيد) بن درهم، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت، مات سنة ١٧٩ وله ٨١ سنة، من كبار [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣/ ٣. ٠٠ ٩٧ - ١٥ - استخلاف الإمام إذا غاب - حديث رقم ٧٩٣ تنبيه : هذا السند من رباعيات المصنف، وهو (٥٠) من رباعيات الكتاب . وقوله : (ثم ذكر كلمة) إلخ، القائل ((ثم ذكر)): هو أحمد بن عبدة شیخ المصنف، والذاکر هو حماد بن زيد، وإنما لم يقل: (حدثنا)) لكونه نسي الصیغة التي عبر بها شيخه حماد. وقوله : (يَشُقّ الناس) أي يخرق صفوفهم، وإنما فعل ذلك، إما لأنه يجوز ذلك للإمام، أو لأنه رأى فرجة في الصف الأول. كذا قيل. قال الجامع عفا الله عنه : والأول أليق بحال الصحابة من شدة عنايتهم بتعديل الصفوف، وسد الفرج، فلا يتركون في الصف الأول فرجة. والله أعلم. وقوله : (لا يُمْسَكُ عنه) بالبناء للمفعول، أي لا يُكَفّ عنه، يعني أنهم لا يتركون التصفيق، بل يصفقون إعلاماً له بحضور رسول الله . وقوله : (فأومأ) بالهمز، أي أشار بالمضي في الصلاة مكانه. وقوله : (امضه) فعل أمر، من مضى، كرَمَى، يقال: مَضَيْتُ على الأمر، أمْضي، مُضيّاً: داومتُه. والهاء للسكت، كما قال ابن مالك رحمه الله في ((خلاصته)): ٩٨ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة وَقِفْ بِهَا السَّكْتِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُعْ بِحَذْفِ آخِرٍ كَأَعْطِ مَنْ سَأَلْ وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا كَعِ أوْ حَيَعِ مَجْزُومًا فَرَاعٍ مَا رَعَوْا إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. : ٩٩ - ١٦ - الانتمام بالإمام - حديث رقم ٧٩٤ ١٦ - الانْتِمَامُ بالإمَام أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على وجوب متابعة الإمام في أفعال الصلاة . ٧٩٤ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّري، عَن ابْن عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِي، عَنْ أَنَس: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ سَقَطَ مِنْ فَرَّس عَلَى شقّه الأَيْمِّن، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، يَعُودُونَهُ، فَحَّضَرَتِ الصَّلاَةُ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ، قَالَ: ((إِنَّمَا جُعلَ الإِمَّامُ لِيُؤْتَمَّ به، فَإِذَا رَكَعَ، فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ، فَارْفَعُوا، وَإِذَا سَجَّدَ، فَاسْجُدُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ)). رجال هذا الإسناد : أربعة ١ - (هَنّاد بن السَّريّ) بن مصعب التميمي أبو السري الكوفي، ثقة - ١٠ - ت ٢٤٣ - أخرج ه البخاري في ((خلق أفعال العباد))، ومسلم والأربعة، تقدم في ٢٣/ ٢٥. ٢ - (ابن عيينة) سفيان الكوفي، ثم المكي، ثقة ثبت حجة من [٨]، مات سنة ١٩٨، أخرج له الجماعة، تقدم في ١ / ١. ٣ - (الزهري) محمد بن مسلم المدني الإمام الحجة الثبت، من [٤]، مات سنة ١٢٥، أخرج له الجماعة، تقدم في ١ / ١. ٤ - (أنس) بن مالك الصحابي الجليل رضي الله عنه، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم. ١٠٠ - شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة لطائف هذا الإسناد منها : أنه من رباعيات المصنف رحمه الله، وهو (٥١) من رباعيات الكتاب . منها : أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فلم يخرج له البخاري إلا في خلق أفعال العباد. ومنها : أن فيه أنساً رضي الله عنه أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أنس) بن مالك رضي الله عنه، وفي رواية للبخاري من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: أخبرني أنس بن مالك الأنصاري (أن رسول الله) وفي نسخة (نبي الله)) (تَُّ سقط من فرس) بالبناء للفاعل، أي وقع على الأرض عن ظهر فرس ركبها، يقال: سقط، سقوطاً: وقع من أعلى إلى أسفل، ويتعدّى بالألف، فيقال: أسقطته (١). والفرس : يقع على الذكر والأنثى، فيقال: هو الفرس، وهي الفرس، وتصغير الذكر: فُرَيَس، والأنثى: فُريسة، على القياس، وجمعت الفرس على غير لفظها، فقيل: خيل، وعلى لفظها؛ فقيل: ثلاثة أفراس بالهاء للذكور، وثلاث أفراس بحذفها للإناث(٢). (١) المصباح جـ ١ ص ٢٨٠. (٢) المصدر المذكور جـ ٢ ص ٣٦٧.