Indexed OCR Text
Pages 641-660
٦٤١ _ ٢ - الصلاة مع أئمة الجور - حديث رقم ٧٧٩ ابن عمر: كنا إذا بايعنا رسول الله عَلى على السمع والطاعة يلقننا ((فيما استطعتم)) . وأخرج أيضاً بسنده عن يونس بن عبيد، عن نافع، قال: كان ابن عمر يسلم على الخشبية(١)، والخوارج، وهم يقتتلون، فقال: من قال: حي على الصلاة أجبته، ومن قال: حي على الفلاح أجبته، ومن قال: حي على قتل أخيك المسلم، وأخذ ماله، قلت: لا. انتهى (٢). ومنعت طائفة الصلاة خلف أهل البدع، وأمر بعضهم من صلى خلفهم بالإعادة، كان سفيان الثوري يقول في الرجل يكذّب بالقدر: لا تقدموه . وقال أحمد في الجهمي يصلي خلفه: يعيد، والقدري إذا كان يرد الأحاديث، ويخاصم فليعد، والرافضي يصلي خلفه: يعيد. وقال أحمد: لا يصلي خلف أحد من أهل الأهواء إذا كان داعية إلى هواه. وقد حكي عن مالك أنه قال: لا يصلى خلف أهل البدع من القدرية، وغيرهم، ويصلى خلف أئمة الجور. قاله ابن المنذر رحمه الله تعالى(٣). وقال العلامة العيني رحمه الله : وكان أبو حنيفة رحمه الله لا یری الصلاة خلف المبتدعة، ومثله عن أبي يوسف. انتهى(٤) . (١) الخشبية هم أصحاب المختار بن أبي عبيد. كذا في مجمع البحار. وقال صاحب القاموس: هم قوم من الجهمية. اهـ من هامش السنن الكبرى جـ ٣ ص ١٢٢ . (٢) السنن الكبرى جـ ٣ ص ١٢٢ . (٣) الأوسط جـ ٤ ص ٢٣٢ . (٤) عمدة القاري جـ ٥ ص ٢٣٢ . ٦٤٢ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة وقال النووي رحمه الله في «المجموع)) ما حاصله : من کفر ببدعته لا تصح الصلاة وراءه، ومن لا یکفر تصح؛ فممن يكفر: من يجسم تجسيماً صريحاً، ومن ينكر العلم بالجزئيات. وأما من يقول بخلق القرآن فهو مبتدع، واختلف أصحابنا في تكفيره، فأطلق أبو علي الطبري في ((الإفصاح))، والشيخ أبو حامد الإسفرايني، ومتابعوه، القول بأنه كافر، قال أبو حامد، ومتابعوه: المعتزلة كفار، والخوارج ليسوا بكفار، ونقل المتولي تكفير من يقول بخلق القرآن عن الشافعي، وقال القفال، وكثيرون من الأصحاب: يجوز الاقتداء بمن يقول بخلق القرآن وغيره من أهل البدع، قال صاحب العدة: هذا هو المذهب. قال النووي : وهذا هو الصواب، فقد قال الشافعي رحمه الله: أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم. ولم يزل السلف والخلف يرون الصلاة وراء المعتزلة، ونحوهم، ومناكحتهم، وموارثتهم، وإجراء سائر الأحكام عليهم. وتأول الإمام الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي، وغيره من أصحابنا المحققين ما نقل عن الشافعي، وغيره من العلماء؛ من تكفير القائل بخلق القرآن على أن المراد كفران النعمة، لا كفران الخروج عن الملة، وحَمَلَهم على هذا التأويل ما ذكرته من إجراء أحكام الإسلام عليهم (١). (١) انظر المجموع جـ ٤ ص ٢٥٣ -٢٥٤. ٦٤٣ - ٢ - الصلاة مع أئمة الجور - حديث رقم ٧٧٩ قال الشافعي رحمه الله : ومن صلى صلاة من بالغ مسلم، يقيم الصلاة، أجزأته، ومَن خلفه صلاتُهم، وإن كان غير محمود الحال في دينه، أيّ غاية بلغ، يخالف الحمد في الدين، وقد صلى أصحاب النبي ◌َّ خلف من لا يَحْمَدون فعاله، من السلطان وغيره. انتهى كلام الشافعي رحمه الله تعالى(١) . وقال ابن المنذر: إن كفر ببدعته لم تجز الصلاة وراءه، وإلا فتجوز، وغيره أولى(٢) . وقال الإمام المحقق أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى : ما نعلم أحداً من الصحابة رضي الله عنهم امتنع من الصلاة خلف المختار، وعبيد الله بن زياد، والحجاج، ولا فاسق أفسق من هؤلاء، وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ والْعَدوان ﴾ [المائدة: ٢]. ولا برّ أبرّ من الصلاة وجمعها في المساجد، فمن دعا إليها ففرض إجابته، وعونه على البر والتقوى الذي دعا إليهما، ولا إثم بعد الكفر آثم من تعطيل الصلوات في المساجد، فحرام علينا أن نعين على ذلك، وكذلك الصيام، والحج، والجهاد؛ من عمل شيئاً من ذلك عملناه معه، ومن دعانا إلى إثم لم نجبه، ولم نعنه عليه. وكل هذا قول أبي حنفية، والشافعي، وأبي سليمان - يعني داود الظاهري - رحمهم الله تعالى. (١) انظر الأم جـ ١ ص ١٤٠ طبعة مصورة عن طبعة بولاق. (٢) انظر المجموع جـ ٤ ص ٢٥٤ . ٣٠٠ ٦٤٤ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة انتهى كلام ابن حزم رحمه الله تعالى(١) . وقال العلامة الشوكاني رحمه الله ما ملخصه : قد ثبت إجماع أهل العصر الأول من بقية الصحابة، ومن معهم من التابعين إجماعاً فعلياً، ولا يبعد أن يكون قولياً على الصلاة خلف الجائرين؛ لأن الأمراء في تلك الأعصار كانوا أئمة الصلوات الخمس، فكان الناس لا يؤمهم إلا أمراؤهم، في كل بلدة فيها أمير، وكان الدولة إذ ذاك لبني أمية، وحال أمرائهم لا يخفى. وقد أخرج البخاري عن ابن عمر أنه كان يصلي خلف الحجاج بن یوسف . وأخرج مسلم، وأهل السنن أن أبا سعيد الخدري صلى خلف مروان صلاة العيد في قصة تقديمه الخطبة على الصلاة، وإخراج منبر النبي عمله، وإنكار بعض الحاضرين. وأيضاً قد ثبت أنه عمله أخبر بأنه يكون على الأمة أمراء يميتون الصلاة ميتة الأبدان، ويصلونها لغير وقتها، فقالوا: يا رسول الله، بم تأمرنا؟ فقال: ((صلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم مع القوم نافلة)). ولاشك أن من أمات الصلاة، وفَعَلها في غیر وقتها غير عدل، وقد أذن النبي ◌َّه بالصلاة خلفه نافلة، ولا فرق بينها وبين الفريضة في ذلك . (١) المحلَّى جـ ٤ ص ٢١٤. ٦٤٥ _ ٢ - الصلاة مع ائمة الجور - حديث رقم ٧٧٩ والحاصل أن الأصل عدم اشتراط العدالة، وأن كل من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره. فالقائل بأن العدالة شرط، كما روي عن العترة، ومالك، وجعفر بن مبشر، وجعفر بن حرب محتاج إلى دليل، ينقل عن ذلك الأصل. ثم إن محل النزاع إنما هو في صحة الصلاة خلف من لا عدالة له، وأما أنها مكروهة فلا خلاف في ذلك. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى في نيله باختصار(١) . قال الجامع عفا الله عنه : كلام العلامة الشوكاني رحمه الله كلام نفیس جداً. وحاصله جواز الصلاة خلف من صحت صلاته لنفسه من کل بالغ مسلم، وإن كانت سيرته غير محمودة؛ لأن أصحاب رسول الله څ﴾. كانوا يصلون خلف من لا يحمدون سيرته من السلاطين وغيرهم، كما صرح به الشافعي رحمه الله تعالی فیما سبق، وهو الذي علیه جمهور السلف والخلف، فتصح الصلاة خلف أئمة الجَوْر، وأهل الأهواء الذين لا يكفّرون بأهوائهم، وإن كان الأولى الصلاة خلف الأئمة الصلحاء. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الطريق الأقوم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. - (١) نيل الأوطار جـ ٤ ص ٦١ - ٦٣ . - ٦٤٦ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة ٣ - مَنْ أَحَقُّ بِالإِمَامَة؟ ٠ أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على بيان من هو أحق الناس بأن يؤمهم . ٧٨٠ - أخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ : أَنْبَأَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ ، عَنْ أَوْسِ بْنِ ضَمْعَجٍ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه عٍَّ: (يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ فِي الْهِجْرَةِ ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءٌ فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُنَّةِ سَوَءَ ، فَأَقْدَمُهُمْ سنّاً، وَلاَ تَؤُمَّالرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلاَ تَفْعُدْ عَلَى تَكْرِمَتَه، إلاَّ أنْ يَأْذَنَ لَكَ)). رجال هذا الإسناد : ستة ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت، مات سنة ٢٤٤، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/١. ٢ - (فُضيل بن عياض) بن مسعود التميمي، أبو علي الزاهد المشهور، أصله من خراسان، وسكن مكة، ثقة عابد إمام، مات ٦٤٧ - ٣ - من أحق بالإمامة - حديث رقم ٧٨٠ سنة ١٨٧، وقيل: قبلها، من [٨]، أخرج ه البخاري، وأبو داود في مراسيله، والترمذي، والنسائي، تقدم في ٢١ / ٣٨٨ . ٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران، أبو محمد الكوفي، ثقة حافظ ورع يدلس، مات سنة ١٤٧، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٧/ ١٨ . ٤ - (إسماعيل بن رجاء) بن ربيعة الزُّبُيدي(١) ، أبو إسحاق الكوفي، ثقة، تكلم فيه الأزدي بلا حجة، من [٥]. روى عن أبيه، وأوس بن ضمعج، وعبد الله بن أبي الهذیل، وغيرهم. وعنه الأعمش - وهو من أقرانه - وشعبة، والمسعودي، وفطر ابن خلیفة، وإدریس بن یزید الأودي، وجماعة. قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال ابن فضيل، عن الأعمش: کان یجمع صبیان المکتب، ويحدثهم لکیلا ینسی حدیثه. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال اللالكائي: رأى المغيرة بن شعبة. وقال الذهبي: قال الأزدي وحده: منكر الحديث. أخرج له مسلم، والأربعة(٢). ٥ - (أوس بن ضَمْعَج)(٣) الكوفي الحضرمي، ويقال: النخعي، (١) بضم الزاي مصغراً. كما أفاده في ((ت)). (٢) (تت)) جـ ١ ص ٢٩٦ . (٣) بفتح المعجمة، وسكون الميم، بعدها مهملة مفتوحة، ثم جيم، بوزن جعفر. قاله في (ات)) ص ٣٩. - ٦٤٨ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة ثقة مخضرم، مات سنة ٧٤(١)، من [٢]. روى عن أبي مسعود الأنصاري، وسلمان الفارسي، وعائشة، وغيرهم. وعنه ابن عمران، وأبو إسحاق السبيعي، وإسماعيل بن رجاء، وقال: كان من القُرّاء الأول، وذكر منه فضلاً. وقال شبابة: حدثنا شعبة، وذُكرَ عنده أوس بن ضمعج، فقال : والله ما أراه إلا كان شيطاناً - يعني لجودة حديثه(٢). وروى الحسين بن الحسن الرازي، عن ابن معين: لا أعرفه. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال ابن سعد: أدرك الجاهلية، وكان ثقة معروفاً قليل الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال خليفة بن خياط: مات في ولاية بشر ابن مروان سنة ٧٤ (٣) . أخرج له مسلم، والأربعة، حديث الباب فقط (٤). ٦ - (أبو مسعود) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري البدري، الصحابي الجليل رضي الله عنه مات قبل الأربعين، وقيل: بعدها، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦/ ٤٩٤. والله تعالى أعلم. (١) ((ت)) ص ٣٩. (٢) هذا التفسير يحتاج إلى تأمل. (٣) «تت)) جـ ١ ص ٣٨٣. (٤) «تك)) جـ ٣ ص ٣٨٣، ٣٩٠ -٣٩٢. ٦٤٩ - ٣ - من أحق بالإمامة - حديث رقم ٧٨٠ لطائف هذا الإسناد منها : أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وفيه رواية تابعي عن تابعي، إسماعيل، عن أوس، وفيه من صيغ الأداء الإخبار، والإنباء، والعنعنة. والله أعلم. شرح الحديث (عن أبي مسعود) البدري، رضي الله عنه، أنه (قال: قال رسول الله عَلّ: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) خبر بمعنى الأمر أي ليؤم القوم أقرؤهم، بدليل حديث عمرو بن سَلمَةَ الآتي (١١/ ٧٨٩) ((ليؤمكم أكثر كم قرآناً)). يعني أنه يقدم الأقرأ لكتاب الله تعالى في الصلاة بالناس على غيره. وقد اختلف في المراد من الأقرأ، فقيل: المراد أحسنهم قراءة، وأعلمهم بأحكامها، وإن كان أقلهم حفظاً. وقيل: أكثرهم حفظاً للقرآن، ويدلّ عليه حديث عمرو بن سلمة المذكور. وقيل: المراد به الأفقه؛ لأنك إذا اعتبرت أحوال الصحابة وجدت أن أفقههم أقرؤهم، فيكون المراد من قوله تَّى: ((أقرؤهم لكتاب الله))، أي أعلمهم به(١) . قال الجامع عفا الله عنه : الأقرب تفسيره بالأكثر حفظاً للقرآن، (١) أفاده في المنهل جـ ٤ ص ٢٩٦ - ٢٩٧. : - ٦٥٠ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة لحديث عمرو بن سلمة رضي الله عنه المذكور، وخير ما فسر به الحديث ما جاء في حديث آخر. والله تعالى أعلم. وقال الإمام الخطابي رحمه الله : وهذا هو الصحيح المستقيم في الترتيب، وذلك أنه عَّ جعل ملاك الإمامة القراءة، وجعلها مقدمة على سائر الخصال المذكورة معها، والمعنى في ذلك أنهم كانوا قوماً أميين، لا يقرؤون، فمن تعلم منهم شيئاً من القرآن كان أحق بالإمامة ممن لم يتعلم؛ لأنه لا صلاة إلا بقراءة، وإذا كانت القراءة من ضرورة الصلاة، وكانت ركناً من أركانها صارت مقدمة في الترتيب على الأشياء الخارجة عنها. ثم تلا القراءة بالسنة، وهي الفقه، ومعرفة أحكام الصلاة، وما سنَّه رسولُ اللهِ لَُّ فيها، وبيّنه من أمرها، فإن الإمام إذا كان جاهلاً بأحكام الصلاة، وبما يعرض فيها من سهو، ويقع من زيادة ونقصان أفسدها، وأخدجها، فكان العالم بها، والفقيه فيها مقدماً على من لم يجمع علمها، ولم يعرف أحكامها. ومعرفةُ السنة، وإن كانت مؤخرة في الذكر، وكانت القراءة مبدوءاً بذكرها، فإن الفقيه العالم بالسنة إذا كان يقرأ من القرآن ما تجوز به الصلاة أحق بالإمامة من الماهر بالقراءة إذا كان متخلفاً عن درجته في علم الفقه، ومعرفة السنة. وإنما قُدم القارئ في الذكر؛ لأن عامة الصحابة إذا اعتبرت أحوالهم وجدت أقرأهم أفقههم. ٦٥١ _ ٣ - من أحق بالإمامة - حديث رقم ٧٨٠ وقال ابن مسعود رضي الله عنه: كان أحدنا إذا حفظ سورة من القرآن لم يخرج عنها إلى غيرها حتى يُحكم علمها، أو يعرف حلالها وحرامها. أو كما قال. فأما غيرهم ممن تأخر بهم الزمان، فإن أكثرهم يقرؤون القرآن، ولا يفقهون، فقراؤهم كثير، والفقهاء منهم قليل. انتهى كلام الخطابي رحمه الله تعالى(١) . قال الجامع عفا الله عنه: في الحديث حجة لمن قال: يقدم الأقرأ على الأفقه، وهو المذهب الراجح إذا كان يعرف أحكام الصلاة. وقال بعضهم: الأفقه مقدم على الأقرأ. وسيأتي تفاصيل المذاهب، وترجيح الراجح منها في المسائل، إن شاء الله تعالى. (فإن كانوا في القراءة سواء) «سواء)) خبر (كان)) بمعنی مستوین، أي إن استووا في القدر المعتبر من القراءة؛ إما في حسنها، أو في كثرتها وقلتها على القولين (فأقدمهم في الهجرة) عطف على ((أقرؤهم))، والفاء للترتيب، أي يؤم القوم أقدمهم في الهجرة. يعني أن الأسبق في الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، يكون أولى بالإمامة ممن تأخر في ذلك. وإنما قُدِّمَ، إما لأن القدم في الهجرة شرف يقتضي التقديم، أو لأن من تقدمت هجرته لا يخلو غالباً عن كثرة العلم بالنسبة إلى من تأخر. قاله السندي . (١) معالم السنن جـ ١ ص ٣٠٣. - ٦٥٢ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة ثم إن الهجرة المقدم بها في الإمامة لا تختص بالهجرة في عصره عمّ، بل هي التي لا تنقطع إلى يوم القيامة، كما وردت بذلك الأحاديث، وقال به الجمهور. وأما حديث: ((لا هجرة بعد الفتح)). فالمراد به الهجرة من مكة إلى المدينة، أو لا هجرة بعد الفتح فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح. وهذا لابد منه للجمع بين الأحاديث. قاله الشوكاني رحمه الله(١) . وقال النووي رحمه الله تعالی: قال أصحابنا: يدخل فيه طائفتان: أحدهما : الذين يهاجرون اليوم من دار الكفر إلى دار الإسلام، فإن الهجرة باقية إلى يوم القيامة عندنا، وعند جمهور العلماء. وقوله مي: ((لا هجرة بعد الفتح))؛ أي لا هجرة من مكة؛ لأنها صارت دار إسلام، أو لا هجرة فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح. الطائفة الثانية: أولاد المهاجرين إلى رسول اللـه عمله، فإذا استوى اثنان في الفقه والقراءة، وأحدهما من أولاد من تقدمت هجرته، والآخر من أولاد من تأخرت هجرته قدم الأول. انتهى (٢) . قال الجامع عفا الله عنه : وفي الاستدلال بحديث الباب على الطائفة الثانية بُعْد لا يخفى. (١) نیل جـ ٤ ص ٥٣ -٥٤. (٢) شرح مسلم ج ٥ ص ١٧٣ . ٦٥٣ - ٣ - من أحق بالإمامة - حديث رقم ٧٨٠ وقال بعضهم: المعتبر اليوم الهجرة المعنوية، وهي هجرة المعاصي، فیکون الأورع أولی. اهـ. قال الجامع : تخصيصه باليوم فيه نظر، بل الظاهر حمل الحديث على ما يعم الهجرتين مطلقاً، في أيّ زمن كان؛ لأن هجرة المعاصي هي الهجرة الحقيقية، لحديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما المتفق عليه مرفوعاً: ((والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)). فيكون المعنى أنه يقدم في الإمامة من كان أسبق للهجرة، أي الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، أو أسبق لهجران المعاصي على من تأخر في ذلك. والله أعلم. تنبيه : وقع عند المصنف رحمه الله تعالى هنا (٣/ ٧٨٠)، وفي الكبرى (٣/ ٨٥٥) من رواية فضيل بن عياض، عن الأعمش، تقديم الأقدم في الهجرة على الأعلم بالسنة . ووقع تقديم الأعلم بالسنة على الأقدم هجرةً عند مسلم ج ٥ ص ١٧٢ بنسخة شرح النووي من رواية أبي خالد الأحمر، عن الأعمش، بسند المصنف، ثم ساق مسلم بإسناده عن أبي معاوية، وجرير، وابن فضيل، وسفيان كلهم عن الأعمش بهذا الإسناد مثله. وعند أبي داود جـ ٤ ص ٢٩٨ بنسخة ((المنهل)) من رواية عبد الله بن نمير، عن الأعمش. وعند الترمذي جـ ٢ ص ٣٠ بنسخة ((تحفة الأحوذي)) من - ٦٥٤ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة رواية أبي معاوية، وعبد الله بن نمير، كلاهما عن الأعمش. وفي مسند أحمد (٤ / ١٢١) من رواية أبي معاوية، عن الأعمش. وصحيح ابن خزيمة جـ ٣ ص ٤ من رواية أبي معاوية، عن الأعمش. قال الجامع : فالصواب عندي ما وقع عند هؤلاء من تقديم الأعلم بالسنة على الأقدم هجرةً لاتفاق هؤلاء الحفاظ عليه، ومخالفة فضيل لهم. والله تعالى أعلم. (فإِن كانوا في الهجرة سواء، فأعلمهم بالسنة) أي فيؤم أكثرهم علماً بالسنة. قال السندي رحمه الله: حملوها على أحكام الصلاة. اهـ (١) . وقال الشوكاني رحمه الله: فيه أن مزية العلم مقدمة على غيرها من المزايا الدينية(٢). وقال الطيبي رحمه الله : أراد بها الأحاديث، فالأعلم بها كان أفقه في عهد الصحابة. اهـ. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: في عهد الصحابة فيه نظر؛ إذ الأعلم بالأحاديث هو الأفقه على الإطلاق في عهدهم وبعد عهدهم، فإن الفقه هو فهم الأحكام الشرعية التي أنزلها الله تعالى في كتابه، والأحاديث هي المبينة لمعاني الكتاب، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتَبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فأهل الحديث هم (١) شرح السندي ج ٢ ص ٧٦ . (٢) نيل الأوطار جـ ٤ ص ٥٣. ٦٥٥ _ ٣ - من أحق بالإمامة - حديث رقم ٧٨٠ الأفقهون، ولا التفات إلى ما يُهَوِّش به أعداء السنة من تهوين أمر الحديث، وتخذيلهم الأغبياء عن الاهتمام بالحديث، وكأن الحديث عندهم ليس مصدراً للفقه ﴿ سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾ (فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم سنًا) أي إن استوى القوم في العلم بالسنة فيؤمهم أكبرهم سنّاً. وقال في النيل: أي يقدم في الإمامة من كبر سنه في الإسلام؛ لأن ذلك فضيلة يرجح بها. وجعل البغوي أولاد من تقدم إسلامه أولى من أولاد من تأخر إسلامه، والحديث لا يدل عليه(١) . وفي رواية لمسلم ((فأقدمهم سلْماً) بدل ((سنّاً)). قال النووي رحمه الله: معناه إذا استويا في الفقه، والقراءة، والهجرة، ورجح أحدهما بتقدم إسلامه، أو بكبر سنه قُدِّم؛ لأنها فضيلة يُرَجَّح بها. اهـ (٢). (ولا تؤمّ الرجل) ((لا)) ناهية، فلذا جزم الفعل بعدها، وحرك لالتقاء الساكنين، وتجوز فيه الحركات الثلاث، الكسر على أصل التخلص من التقاء الساكنين، والفتح للتخفيف، والضم للإتباع. والفعل مبني للفاعل مسند لضمير المخاطب، و((الرجل)) منصوب على المفعولية له . (١) نیل جـ ٤ ص ٥٤ . (٢) شرح مسلم جـ ٥ ص ١٧٣ . - ٦٥٦ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة وفي الرواية الآتية (٦/ ٧٨٣) من طريق شعبة، عن إسماعيل بن رجاء: ((ولا يُؤَمُّ الرجلُ في سلطانه، ولا يُجلَسُ على تكرمته)). بالبناء للمفعول. ومثله للترمذي. ولمسلم: ((ولا تؤمَّنَّ الرجل)) بنون التوكيد المشددة، وفي رواية له: ((ولا يؤمن الرجلُ الرجلَ)) بالياء. (في سلطانه) أي في مظهر سلطنته، ومحل ولايته، أو فيما يملكه، أو في محلٌّ يكون في حكمه، ويعضد هذا التأويل الرواية الأخرى: ((في أهله)). وفي رواية أبي داود: ((في بيته، ولا في سلطانه)). ولذا كان ابن عمر رضي الله عنه يصلي خلف الحجاج، وصح عن ابن عمر أن إمام المسجد مقدم على غير السلطان . وتحريره أن الجماعة شرعت لاجتماع المؤمنين على الطاعة، وتآلفهم، وتوادهم، فإذا أُمَّ الرجل الرجل في سلطانه أفضى ذلك إلى توهين أمر السلطنة، وخلع ربْقَة الطاعة، وكذلك إذا أمه في قومه وأهله أدّى ذلك إلى التباغض، والتقاطع، وظهور الخلاف الذي شرع لدفعه الاجتماع، فلا يتقدم رجل على ذي السلطنة، لاسيما في الأعياد والجمعات، ولا على إمام الحي، ورب البيت إلا بالإذن. قاله الطيبي(١). وقال النووي رحمه الله: قوله عَّهُ: ((ولا يؤمنّ الرجلُ الرجلَ في (١) انظر المرقاة جـ ٣ ص ١٩٤ . ------------ - ٦٥٧ _ ٣ - من أحق بالإمامة - حديث رقم ٧٨٠ سلطانه)). معناه ما ذكره أصحابنا وغيرهم؛ أن صاحب البيت، والمجلس، وإمام المسجد، أحق من غيره، وإن كان ذلك الغير أفقه، وأقرأ، وأورع، وأفضل منه، وصاحب المكان أحق، فإن شاء تقدم، وإن شاء قدم من يريده، وإن كان ذلك الذي يقدمه مفضولاً بالنسبة إلى باقي الحاضرین؛ لأنه سلطانه، فيتصرف فيه کیف شاء. قال أصحابنا: فإن حضر السلطان أو نائبه قدم على صاحب البيت، وإمام المسجد، وغيرهما؛ لأن ولايته وسلطنته عامة، قالوا: ويستحب لصاحب البيت أن يأذن لمن هو أفضل منه. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى(١) . (ولا تقعد على تكرمته إلا بإذنه) نهي للمخاطب أيضاً عن القعود على ما يُكرَمُ به الرجل في بيته من فراش أو نحوه، إلا بإذنه. و((التكرمة)) : - بفتح التاء، وكسر الراء - هي في الأصل مصدر على تَفْعلَة من كَرَّمَ المضعف، على قلة؛ لأن قياس مصدر فَعَّل المضاعف إذا کان صحیح اللام على تفعیل، ککلّم تكلیماً، وسلّم تسليماً، وندر مجيئه على تفعلة، ککرم تكرمة، وجرّب تجربة، وإذا كان معتلّ اللام جاء علی تفعلة، کزگَّی تزكية، وولّی تولیة، وندر مجيئه على تفعیل، (١) شرح مسلم جـ ٥ ص ١٧٣. شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - ٦٥٨ کقوله (من الرجز) : بَاتَتْ تُنَزِّي دَلْوَهَا تَنْزِيًّا كَمَا تُنَزِّي شَهْلَةٌ صَبِيًّا وإلى هذا أشار ابن مالك رحمه الله في ((لامية الأفعال))، حيث قال (من البسيط) : وَفَعَّلَ اجْعَلْ لَهُ التَّفْعِيلَ حَيْثُ خَلاَ لِفَاعَلَ اجْعَلْ فِعَالاً أَوْ مُفَاعَلَةٌ الْزَمْ وَلِلْعَارِ مِنْهُ رُبَّمَا بُذلاً مِنْ لاَمِ اعْتَلَّ لِلْحَاوِيهِ تَفْعَلَةً أطلق هنا مجازاً علی ما یعد للرجل إكراماً له في منزله. وفي صحيح ابن حبان: قال شعبة: فقلت لإسماعيل بن رجاء: ما تكرمته؟ قال: فراشه اهـ(١). وقال ابن منظور رحمه الله: التكرمة: الموضع الخاص لجلوس الرجل، من فراش، أو سرير، مما يُعَدُّ لإكرامه، وهي تفعلة من الكرامة. اهـ(٢). وقال النووي، وابن رسلان: التكرمة: الفراش، ونحوه، مما يبسط لصاحب المنزل، ويختص به، دون أهله، وقيل: هي الوسادة، وفي معناها السرير ونحوه(٣) . (١) صحيح ابن حبان جـ ٥ ص ٥١٧. (٢) لسان جـ ٥ ص ٣٨٦٣. (٣) نيل الأوطار جـ ٤ ص ٥٤. ٦٥٩ - ٣ - من أحق بالإمامة - حديث رقم ٧٨٠ وإنما نهي عن القعود على تكرمة الرجل؛ لأن المكان الذي يجلس فیه صاحب الدار عادة، ویخص به نفسه، يكون محلاً لأشياء لا یحب أن يطلع عليها غيره، أو يكون مشرفاً على داره كلها، أو على ما يريده هو، فيرى منه أحوال أهل بيته، ويبلغهم ما يريد، فإذا أذن لغيره بالجلوس، علم أن المكان آمن من ذلك كله. والله تعالى أعلم. (إلا بإذنه) قيل: الاستثناء متعلق بكلا الفعلين، فيجوز أن يؤم الزائر صاحب البيت، ويجلس على تكرمته بإذنه. وقيل: متعلق بالثاني فقط، والراجح الأول. قال الإمام أبو عيسى الترمذي رحمه الله تعالى: والعمل على هذا - يعني حديث أبي مسعود المذكور في الباب - عند أهل العلم، قالوا: أحق الناس بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله، وأعلمهم بالسنة، وقالوا: صاحب المنزل أحق بالإمامة. وقال بعضهم: إذا أذن صاحب المنزل لغيره، فلا بأس أن يصلي بهم. وكرهه بعضهم، وقالوا: السنة أن يصلي صاحب البيت. قال أحمد بن حنبل: وقول النبي ◌َله: ((لا يُؤَمَّ الرجلُ في سلطانه، ولا يجلس في بيته على تكرمته، إلا بإذنه)). فإذا أذن، فأرجو أن الإذن في الكل، ولم یر به بأساً إذا أذن له أن يصلي به. انتهى كلام الترمذي رحمه الله تعالى (١) . والله تعالى أعلم، ومنه (١) جامع الترمذي جـ ٢ ص ٣٣-٣٥ بنسخة التحفة. شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - ٦٦٠ التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى : في درجته : حديث أبي مسعود رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم. وقال الحافظ رحمه الله : مدار هذا الحديث على إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضمعج، وليسا جميعاً من شرط البخاري، وقد نقل ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه أن شعبة كان يتوقف في صحة هذا الحديث. ولكن هو في الجملة يصلح للاحتجاج به عند البخاري، وقد علق منه طرفاً بصيغة الجزم، واستعمله هنا في الترجمة. انتهى (١). المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا (٣/ ٧٨٠)، وفي ((الكبرى)) (٣/ ٨٥٥) عن قتيبة، عن فضيل بن عياض، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضَمْعَج، عنه. وفي (٦/ ٧٨٣)، و((الكبرى)) (٦/ ٨٥٨) عن إبراهيم بن محمد التيمي، عن يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن إسماعيل به، مختصراً: ((لا يُؤَمُّ الرجلُ في سلطانه، ولا يُجلسُ على تكرمته، إلا بإذنه)). والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه؛ فأخرجه مسلم (١) فتح جـ ٢ ص ٣٩٦. :