Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١ _ ٢٥ - أين يضع الإمام نعليه إذا صلى بالناس - حديث رقم ٧٧٦ فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة - كلاهما عن يحيى بن سعيد، بسند المصنف ولفظه. وأحمد: (٣/ ٤١٠، ٤١١)، الحميدي رقم (٨٢١)، ابن خزيمة رقم (١٠١٥، ١٦٤٩). وابن حبان رقم (٢١٨٩). والله تعالى أعلم. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». - ٦٠٢ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة ١٠ - كتاب الإمامة أي هذا كتاب في ذكر الأحاديث الدالة على أحكام الإمامة. والإمامة لغة : التقدم. قال الفيومي رحمه الله : وتكره إمامة الفاسق، أي تقدمه إماماً. اهـ (١). وقال بعضهم: الإمامة: رياسة المسلمين، ومنصب الإمام(٢) . والإمام : الخليفة ، والعالم المُقتدَى به، ومن يؤتم به في الصلاة، ويطلق على الذكر والأنثى. قال بعضهم: وربما أنث إمام الصلاة بالهاء، فقيل: امرأة إمامة. وقال بعضهم: الهاء فيها خطأ، والصواب حذفها؛ لأن الإمام اسم، لا صفة. ويقرب من هذا ما حكاه ابن السكيت في كتاب المقصور والممدود: تقول العرب عاملنا امرأة، وأميرنا امرأة، وفلانة وصي فلان، وفلانة وكيل فلان، قال: وإنما ذُكِّرَ لأنه إنما يكون في الرجال أكثر مما يكون في النساء، فلما احتاجوا إليه في النساء أجروه على الأكثر في موضعه، وأنت قائل: مؤذن بني فلان امرأة، وفلانة شاهد بكذا؛ لأن هذا یکثر في الرجال، ويقل في النساء. وقال تعالى: ﴿إِنَّهَا لِإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ فذكر ((نذيراً))، (١) المصباح جـ ١ ص ٢٤ . (٢) انظر المعجم الوسيط جـ ١ ص ٢٧ . ٦٠٣ - وهو لإحدى. ثم قال: وليس بخطأ أن تقول: وصية، ووكيلة بالتأنيث؛ لأنها صفة المرأة إذا كان لها فيه حظ، وعلى هذا فلا يمتنع أن يقال: امرأة إمامة؛ لأن في الإمام معنى الصفة، وجمع الإمام أئمة، والأصل أَأممَة وزان أمْثلة، فأدغمت الميم في الميم بعد نقل حركتها إلى الهمزة، فمن القراء من يبقي الهمزة محققة على الأصل، ومنهم من يسهلها على القياس بين بين، وبعض النحاة يبدلها یاء للتخفيف، وبعضهم يعده لحنا، ويقول: لا وجه له في القياس. أفاده الفيومي(١). والله تعالى أعلم. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). (١) المصباح جـ ١ ص ٢٣ -٢٤. ٦٠٤ - شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة ١ - ذِكْرُ الإِمَامَةِ وَالْجَمَاعَةِ. إِمَامَةُ أهلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ هكذا نسخ المجتبى بتكرار ((الإمامة))، ونسخة الكبرى ((كتاب الإمامة والجماعة. ذكر الإمامة والجماعة. إمامة أهل العلم والفضل)). والظاهر أنه لا داعي إلى التكرار، بل الأولى أن يقول: ((كتاب الإمامة والجماعة. ذكر إمامة أهل العلم والفضل)). والله أعلم. ٧٧٧ - أخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةً، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرُّ، عَنْ عَبْد اللّه، قَالَ: لَمَّا قُبضَ رَسُولُ اللّهِعَِّ قَالَت الأنْصَارُ: مِنَّ أميرٌ، وَمِنْكُمْ أمِيرٌ، فَأَتَاهُمْ عُمَرُ، فَقَالَ: أَلَسْتُمْ ◌َعْلَمُونَ أنَّ رَسُولَ اللّهِلَئِ قَدْ أمَرَ أَبَا بَكْر أنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ؟ فَأَيُكُمْ تَطِيبُ نَفْسُهُ أنْ يَتَقَدَّمَ آبَا بَكْرٍ ، قَالُوا : نَعُوذُ بِاللّهِ أنْ نَتَقَدَّمَ آبَا بَكْرٍ. رجال هذا الإسناد : ثمانية ١ - (إسحاق بن إبراهيم) هو ابن راهويه الحنظلي المروزي، نزيل نيسابور، ثقة ثبت حجة، مات سنة ٢٣٨، من [١٠]، أخرج له البخاري ومسلم أبو داود، والترمذي والنسائي، تقدم في ٢/ ٢ . ٦٠٥ - ١ - ذكر الإمامة والجماعة. إمامة أهل العلم والفضل - حديث رقم ٧٧٧ ٢ - (هَنّاد بن السّرِيّ) بن مصعب التميمي أبو السّريّ الكوفي، ثقة، من [١٠]، أخرج ه البخاري في خلق أفعال العباد ومسلم والأربعة، تقدم في ٢٥/٢٣. ٣ - (حسين بن علي) بن الوليد الجعفي الكوفي المقرئ، ثقة عابد، مات سنة ٢٠٣ أو ٢٠٤، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧٤ / ٩١. ٤ - (زائدة) بن قُدَامة الثقفي، أبو الصلت الكوفي، ثقة ثبت، صاحب سنة، مات سنة ١٦٠، وقيل: بعدها، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧٤ / ٩١ . ٥ - (عاصم) بن أبي النَّجُود وهو ابن بَهْدَلَة الأسدي مولاهم، أبو بكر الكوفي المقرئ، صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في الصحيحين مقرون، مات سنة ١٢٨، من [٦]، تقدم في ١٢٦/٩٨. ٦ - (زِرّ) بن حُبَيش بن حُباشة الأسدي أبو مريم الكوفي، ثقة جليل مخضرم، مات سنة ٨١ أو ٨٢ أو ٨٣ وهو ابن ١٢٧، أخرج له الجماعة، تقدم في ٩٨/ ١٢٦. ٧ - (عبد الله) بن مسعود، الصحابي الجليل رضي الله عنه، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٩/٣٥ . ٨ - (عمر) بن الخطاب العدوي، الخليفة الثاني رضي الله عنه، شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - ٦٠٦ أخرج له الجماعة، تقدم في ٦٠/ ٧٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من سباعيات المصنف رحمه الله، وأن رجاله كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة، إلا شيخيه، فإن الأول ما أخرج له ابن ماجه، والثاني أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد. ومنها : أنه مسلسل بالکوفیین، إلا إسحاق، فهو مروزي، ثم نيسابوري، وعمر رضي الله عنه فهو مدني . ومنها : أن فيه رواية صحابي عن صحابي. ومنها : أنه يقدر قبل قوله: عن حسين بن علي لفظ ((كلاهما))، وقد تقدم غير مرة. والله تعالى أعلم. شرع الحديث (عن عبد الله) بن مسعود رضي الله عنه، أنه (قال: لَمَّا قُبضَ رسول الله عَ ◌ّ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي مات (قالت الأنصار منا أمير، ومنكم أمير)، قد ساق البخاري رحمه الله القصة بطولها في ((باب فضل أبي بكر رضي الله عنه)) من صحيحه، فقال: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي ◌َّ: ((أن رسول الله عَّ مات، وأبو بكر بالسَّنْح - قال إسماعيل: ٦٠٧ _ ١ - ذكر الإمامة والجماعة. إمامة أهل العلم والفضل - حديث رقم ٧٧٧ يعني بالعالية - فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله عَلّه، قالت: وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك، وليبعثه الله، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، فجاء أبو بكر، فكشف عن رسول الله عَليه، فقبّله، فقال: بأبي أنت وأمي طبْتَ حياً وميتاً، والذي نفسي بيده لا يُذيقك الله الموتتين أبداً. ثم خرج، فقال: أيها الحالف على رسْلك، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر. فحمد الله أبو بكر، وأثنى عليه، وقال: ألا من كان يعبد محمداً فإن محمداً څ﴾ قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت، وقال: ﴿إِنَّكَ مَّيّتٌ وَإِنَّهُم مَّيْتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنِ مَّاتَ أَوْ قُتَلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] قال: فَنَشج(١) الناس يبكون. قالت: واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منا أمير، ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر يتكلم، فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلاماً قد أعجبني، خشيت أن لا يبلغه أبو بكر، ثم تكلم أبو بكر، فتكلم أبلغ (١) أي بكوا بغير انتحاب، والنشج ما يعرض في حلق الباكي من الغصة. وقيل: هو صوت معه ترجیع کما یردد الصبي بكاءه في صدره. اهـفتح جـ ٧ ص ٣٨١. شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - ٦٠٨ الناس، فقال في كلامه: نحن الأمراء، وأنتم الوزراء، فقال حُباب بن المنذر: لا والله لا نفعل، منا أمير، ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا، ولكنا الأمراء، وأنتم الوزراء، هم أوسط العرب داراً، وأعربهم أحساباً، فبايعوا عمر بن الخطاب، أو أبا عبيدة بن الجراح، فقال عمر: بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا، وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله عَ ليه ، فأخذ عمر بيده، فبايعه، وبايعه الناس، فقال: قائل: قتلتم سعد بن عبادة، فقال عمر: قتله الله)). انتهى(١) . قال الحافظ رحمه الله: قوله: ((لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير)). زاد في رواية ابن عباس أنه قال: ((أنا جُدَيلها الْمُحَكّك، وعُذَيْقُها الْمُرَجّب))، وشرح هاتين الكلمتين أن العُذيق بالذال المعجمة تصغير عذق، وهو النخلة، والمرجَّب بالجيم والموحدة، أي يدعم النخلة إذا كثر حملها، والجديل بالتصغير أيضاً، وبالجيم، والجدل عود ينصب للإبل الجرباء لتحتك فيه، والمُحَكَّك بكافين الأولى مفتوحة، فأراد أنه يستشفی برأيه. ووقع عند ابن سعد من رواية يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد: ((فقام حُباب بن المنذر، وكان بدريّاً، فقال: منا أمير، ومنكم أمير، فإنا والله ما نَنْفَسُ عليكم هذا الأمر، ولكنا نخاف أن يليه أقوام (١) صحيح البخاري جـ ٥ ص ٧-٨. ....- أ ٦٠٩ _ ١ - ذكر الإمامة والجماعة. إمامة أهل العلم والفضل - حديث رقم ٧٧٧ قتلنا آباءهم وإخوانهم. قال: فقال له عمر: إذا كان ذلك، فمت إن استطعت، قال: فتكلم أبو بكر، فقال: نحن الأمراء، وأنتم الوزراء، وهذا الأمر بيننا وبينكم، قال: فبايع الناس، وأولهم بشير بن سعد والد النعمان)). وعند أحمد من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد: ((فقام خطيب الأنصار، فقال: إن رسول الله عَّ كان إذا استعمل رجلاً منكم قرنه برجل منا، فتبايعوا على ذلك، فقام زيد بن ثابت، فقال: إن رسول الله ◌َ﴾ كان من المهاجرين، وإنما الإمام من المهاجرين، فنحن أنصار الله، كما كنا أنصار رسول الله عَّه، فقال أبو بكر: جزاكم الله خيراً، فبايعُوه)) . ووقع في آخر المغازي لموسى بن عقبة عن ابن شهاب، أن أبا بكر قال في خطبته: ((وكنا معاشر المهاجرين أول الناس إسلاماً، ونحن عشيرته، وأقاربه، وذوو رحمه، ولن تصلح العرب إلا برجل من قريش، فالناس لقريش تبع، وأنتم إخواننا في كتاب الله، وشركاؤنا في دين الله، وأحب الناس إلينا، وأنتم أحق الناس بالرضا بقضاء الله، والتسليم لفضيلة إخوانكم، وأن لا تحسدوهم على خير)). وقال فيه: ((إن الأنصار قالوا: أوّلاً نختار رجلاً من المهاجرين، وإذا مات اخترنا رجلاً من الأنضار، فإذا مات اخترنا رجلاً من المهاجرين كذلك أبداً، فيكون أجدر أن يشفق القرشي إذا زاغ أن ينقض عليه - ٦١٠ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة الأنصاري، وكذلك الأنصاري، قال: فقال عمر: لا والله لا يخالفنا أحد إلا قتلناه، فقام حباب بن المنذر، فقال كما تقدم، وزاد: وإن شئتم كررناها خدعة. أي أعدنا الحرب. قال: فكثر القول حتى كاد أن يكون بینھم حرب، فوثب عمر، فأخذ بيد أبي بكر)). وعند أحمد من طريق حميد بن عبد الرحمن بن عوف، قال: ((توفي رسول الله عَّ، وأبو بكر في طائفة من المدينة - فذكر الحديث، قال: فتكلم أبو بكر، فقال: والله لقد علمت يا سعد أن رسول الله ﴾ قال، وأنت قاعد: ((قريش ولاة هذا الأمر)). فقال سعد: صدقت(١). قال ابن التين رحمه الله: إنما قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير. على ما عرفوه من عادة العرب أن لا يتأمر على القبيلة إلا من كان منها، فلما سمعوا حديثَ: ((الأئمةُ من قريش)). رجعوا عن ذلك، وأذْعَنُوا(٢) . (فأتاهم عمر) رضي الله عنه (فقال: ألستم تعلمون أن رسول الله ◌َّ قد أمر أبا بكر أن يصلي بالناس؟)؛ قال السندي رحمه الله تعالى: الباء للتعدية، وفيه تقديم أهل العلم والفضل، في الإمامة الصغرى والكبرى جميعاً، وأنهم فهموا من تقديم أبي بكر في الصغرى تقديمه في الكبرى أيضاً، بعد بيان عمر رضي الله عنه لهم (١) فتح جـ ٧ ص ٣٨٢ -٣٨٣. (٢) فتح جـ ٧ ص ٣٨٣. ---------- - ٦١١ _ ١ - ذكر الإمامة والجماعة. إمامة أهل العلم والفضل - حديث رقم ٧٧٧ ذلك، وليس ذلك لقياس الكبرى على الصغرى حتى يقال: إنه قياس باطل، بل لأن الصغرى يومئذ كانت من وظائف الإمام الكبير، فتفويضها إلى أحد عند الموت دليل على نصبه للكبرى. فليتأمل(١) . (فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟) أي في الخلافة، يعني أنه إذا رضيه رسول الله تَّه إماماً لكم في الصلاة التي هي أعظم أركان الدين بعد الشهادتين، فكيف لا ترضونه أنتم إماماً لأموركم؟ (قالوا: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر)؛ يقال: عُدت بالله، مَعاذاً، وعياذًا، واستعذت به: اعتصمت. أفاده في المصباح(٢) ؛ أي نعتصم بالله سبحانه وتعالى من التقدم أمام أبي بكر رضي الله عنه في ولاية أمور المسلمين. والله تعالى أعلم، وهو ولي التوفيق، وعليه التكلان . مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى : في درجته : حديث عمر رضي الله عنه هذا صحيح. وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى من بين أصحاب الأصول. وأخرجه أحمد (١/ ٢١، ٤٠٥/١). والله تعالى أعلم. (١) شرح السندي جـ ٢ ص ٧٥. (٢) جـ ٢ ص ٤٣٧ . - ٦١٢ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة المسألة الثانية : في فوائده : منها : ما ترجم له المصنف، وهو أن أهل العلم والفضل، أحق بالإمامة من غيرهم . ومنها : أن الأعلم يقدم على الأقرأ؛ لأنه تمَّهُ قدم أبا بكر دون أُبَيّ م مع قوله: ((أقرؤكم أبيّ)). وسيأتي تمام البحث فيه في الباب الثالث، إن شاء الله تعالى. ومنها : بيان عظيم ما مَنّ الله سبحانه وتعالى به على أصحاب رسول الله ◌َُّ من ائتلافهم واجتماعهم على خلافة أبي بكر رضي الله عنه بعد أن کادوا يختلفون فيها . ومنها : بيان فقه عمر رضي الله عنه، حيث استنبط من تقديم النبي تَّ أبا بكر في الصلاة كونه يستحق الخلافة. ومنها : فضل الأنصار رضي الله تعالى عنهم وانقيادهم للحق حیث تراجعوا عما کانوا علیه حین ذكّرهم عمر رضي الله عنه. ومنها : أنه استدلّ بقول الأنصار : ((منا أمير، ومنكم أمير)» أن النبي ◌َّ لم يستخلف، ووجه ذلك أنهم قالوا ذلك في مقام من لا یخاف شیئاً، ولا يتقيه. قال القرطبي رحمه الله في ((المفهم)): لو كان عند أحد من المهاجرين والأنصار نَصَّ من النبي تَّى على تعيين أحد بعينه للخلافة لما اختلفوا في ٦١٣ _ ١ - ذكر الإمامة والجماعة. إمامة أهل العلم والفضل - حديث رقم ٧٧٧ ذلك، ولا تفاوضوا فيه. قال: وهذا قول جمهور أهل السنة. واستدل من قال: إنه نص على خلافة أبي بكر، بأصول كلية، وقرائن حالية تقتضي أنه أحق بالإمامة، وأولى بالخلافة. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة : قد ذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى في كتابه ((التمهيد)» بحثاً نفيساً في بيان استخلاف أبي بكر رضي الله عنه، أحببت إيراده هنا لنفاسته، قال رحمه الله تعالى: لَمّا قال رسول الله عَّ: «مروا أبا بكر يصلي بالناس»، في مرضه الذي توفي فيه، واستخلفه على الصلاة، وهي عُظْمُ الدين، وكانت إليه لا يجوز أن يتقدم إليها أحد بحضرته مع، فلما مرض استخلف عليها أبا بكر، والصحابة متوافرون، منهم علي، وعمر، وعثمان، رضي الله عنهم، استدل المسلمون بذلك على فضل أبي بكر، وعلى أنه أحق بالخلافة بعدُ، وعلموا ذلك، فارتضوا لدنياهم، وإمامتهم، وخلافتهم من ارتضاه لهم رسول الله عَّه لأجل دينهم؛ وذلك إمامتهم في صلاتهم، ولم يكن يمنع رسول الله ◌َّه من أن يصرح بخلافة أبي بكر بعده - والله أعلم - إلا أنه كان لا ينطق في دين الله بهواه، ولا ينطق إلا بما یوحی إلیه فيه . قال الله عز وجل: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٍّ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] ولم يكن يوحى إليه في الخلافة شيء، وكان لا - ٦١٤ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة يتقدم بين يدي ربه في شيء، وكان يحب أن يكون أبو بكر الخليفة بعده، فلما لم ينزل عليه في ذلك وحي، ونعني لم يؤمر بذلك، أراهم موضع الاختيار، وموضع إرادته، فعرف المسلمون ذلك منه، فبايعوا أبا بكر بعده، فخير لهم في ذلك، ونفعهم الله به، وبارك لهم فيه، فقاتل أهل الردة حتى أقام الدين كما كان، وعَدَل في الرعية، وقسم بالسوية، وسار بسيرة رسول الله تُپڼ حتى توفاه الله حمیداً، رضي الله عنه. قال ابن أبي مليكة رحمه الله في حديث: ((مروا أبا بكر، فليصل بالناس)»: وأيّ خلافة أبين من هذا؟ قال أبو عمر رحمه الله: وقد جاءت عن النبي ◌َّ آثار تدلّ على أن رسول الله ◌َّ كان يسره، ويعلم أن الخليفة أبو بكر - والله أعلم - : منها : حديث حذيفة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وسلّم : (اقتدوا باللذين من بعدي، أبي بكر وعمر)) (١) . ومنها : حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه: أن امرأة أتت رسول الله ثمّ، فسألته عن شيء، فأمرها أن ترجع، قالت: يا رسول الله، إن رجعت، فلم أجدك؟ - قال: كأنها تعني الموت - قال: ((فأت أبا بكر)) (٢) . قال الشافعي رحمه الله: وفي هذا دليل على خلافة أبي بكر رضي الله عنه. (١) حديث صحيح، أخرجه أحمد، والترمذي، وابن ماجه . (٢) أخرجه أحمد، والشيخان، والترمذي. أ ٦١٥ - ١ - ذكر الإمامة والجماعة. إعامة أهل العلم والفضل - حديث رقم ٧٧٧ قال أبو عمر رحمه الله: وأجمعوا أن أبا بكر كان يكتب: من خليفة رسول الله في كتبه كلها. وذكر نافع بن عمر الجُمَحي، عن ابن أبي مليكة أن رجلاً قال لأبي بكر: يا خليفة الله، فقال أبو بكر: أنا خليفة رسول الله تَّى، وأنا راض بذلك. وبعث عمر بن عبد العزيز محمد بن الزبير إلى الحسن يسأله هل استخلف رسول الله عَمّد أبا بكر؟ فقال: نعم. قال أبو عمر: إنما قال هذا استدلالاً بنحو ما ذكرنا من الحديث . والله أعلم - ولم يُختَلَف عن عمر أنه لما حضرته الوفاة، قال: إن أستخلف، فقد استخلف أبو بكر، وإن لم أستخلف، فلم يستخلف رسول الله ◌َّ﴾، قال ابن عمر: فلما ذكر رسول الله صلَّ علمت أنه لا يستخلف، وهذا معناه أنه لم يستخلف نصًا ولا تصريحًا. والله أعلم. وقد استدل قوم من أهل العلم على خلافة أبي بكر بقوله الله عز وجل : قُل لَّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتَدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] - ومعلوم أن الداعي لأولئك القوم غير النبي ◌َّة؛ لأن الله قد منع المخلفين من الأعراب من الخروج مع رسول الله تَّ بقوله: ﴿فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [التوبة: ٨٣]. وقد أرادوا الخروج معه إلى بعض ما رَجَوا فيه الغنيمة، فأنزل الله: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدُِّوا كَلامَ اللَّهِ﴾ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - ٦١٦ [الفتح: ١٥]. يعني قوله: ﴿لَّنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ [الفتح: ١٦]. ولا تبديل لكلمات الله . وفي قوله عز وجل : ﴿فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتَكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، أوضح الدلائل على وجوب طاعة أبي بكر وإمامته، ووَعدَ الله المخلفين عن رسوله إذا أطاعوا الذي يدعوهم بعدُ بالأجر الحسن، وأوعدهم بالعذاب الأليم إن تولوا عنه. وللعلماء في قول الله عز وجل: ﴿قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَاب سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ ... ﴾ قولان، ولا ثالث لهما؛ أحدهما: أنهم قالوا: أراد بقوله: ﴿ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ : أهل اليمامة مع مسيلمة. وقال آخرون: أراد فارس، فإن كان - كما قالوا - أهلُ اليمامة، فأبو بكر هو الذي دعاهم إلى قتالهم، وإن كانوا فارس، فعمر دعا إلى قتالهم، وعمر إنما استخلفه أبو بكر؛ فعلى أيّ الوجهين كان، فالقرآن يقتضي بما وصفنا إمامة أبي بكر، وخلافته. وإن کان أراد فارس، فهو دليل إمامة عمر، وخلافته. وقد قال من لا علم له بتأويل القرآن: إنهم هوازن وحُنَين، وهذا ليس بشيء؛ لقول الله: ﴿فَقُل لَّنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾، وقوله: ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدَّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ الآية [الفتح: ١٥]. ومعلوم أن من وَآَسَى رسولَ الله تَّةٍ وصَحَبَه أخيراً لا يلحق في الفضل بمن واساه، ٦١٧ _ ١ - ذكر الإمامة والجماعة. إمامة أهل العلم والفضل - حديث رقم ٧٧٧ ونصره، وصحبه أوَّلاً؛ قال الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتِلُوا﴾ الآية [الحديد: ١٠]. وكان أبو بكر أوّل الناس؛ عزّر رسول اللـه نَّه، ونصره، وآمن به، وصدقه، وصابر على الأذى فيه، فاستحق بذلك الفضل العظيم؛ لأن كل ما صنعه غيره بعده قد شاركه فيه، وفاتهم، وسبقهم بما تقدم إليه، فلفضله ذلك استحق الإمامة؛ إذ شأنها أن تكون في الفاضل أبداً ما وُجَدَ إليه سبيل، والآثار في فضائله ليس هذا موضعَ ذكرها، وإنما ذكرنا استحقاقه للخلافة بدليل الكتاب والسنة. انتهى خلاصة ما كتبه الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى (١) ، وهو بحث نفيس، وتحرير أنيس. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. (١) ((التمهيد)) جـ ٢٢ ص ١٢٥ - ١٣٠. - ٦١٨ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة ٢ - الصَّلاَةُ مَعَ أَئِمَّة الْجَوْر أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على حكم الصلاة مع أئمة الْجَوْر. قد تقدم ضبط الأئمة في الباب الماضي، فراجعه، تستفد. وأما ((الجور))، فهو بفتح، فسكون -: مصدر جار، يقال: جار في حكمه، يجور، جَوْراً : إذا ظلم، وجار عن الطريق: إذا مال. قاله الفيومي(١) . والمراد بأئمة الجور ما يشمل الذين جاروا بالخروج على الإمام، والذين جاروا بظلم الناس، والذين جاروا بمخالفة أهل السنة والجماعة، وهم المبتدعة. وقد ترجم الإمام البخاري رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) بقوله: [باب إمامة المفتون، والمبتدع] قال في الفتح: قوله: ((باب إمامة المفتون)). أي الذي دخل في الفتنة؛ فخرج على الإمام، ومنهم من فسره بما هو أعم من ذلك. قوله: ((والمبتدع))، أي من اعتقد شيئاً مما يخالف أهل السنة والجماعة. انتهى (٢) . (١) المصباح جـ ١ ص ١١٤ . (٢) جـ ٢ ص ٤١٨ -٤١٩. ٦١٩ - ٢ - الصلاة مع أئمة الجور - حديث رقم ٧٧٨ ٧٧٨ - أخبَرَنَا زيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ أَبْنُ(١) عُلَّةَ، قَالَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ، قَالَ: أخَّرَ زيَادٌ الصَّلاَةَ، فَأَتَانِي ابْنُ صَامِتٍ ، فَأَلْقَيْتُ لَهُ كُرْسِيّاً، فَجَلَسَ عَلَيْهِ ، فَذَكَرْتُ لَهُ صُنْعَ زِيَادِ ، فَعَضَّ عَلَى شَفَتَيْهِ، وَضَرَبَ عَلَى فَخِذِي، وَقَالَ : إِنِّي سَأَلْتُ أَبَا ذَرٍّ، كَمَا سَأَلْتَنِي، فَضَرَبَ فَخِذِي، كَمَا ضَرَبْتُ فَخِذَكَ، وَقَالَ: إِنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللّهِلَّه ◌َكَمَا سَأَلْتَنِي، فَضَرَبَ فَخْذي ، كَمَا ضَرَبْتُ فَخِذَكَ ، فَقَالَ - عَلَيْه الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ .: ((صَلِّالصَّلاَةَ لوَقْتُهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتَ مَعَهُمْ ، فَصَلِّ، وَلاَ تَقُلْ: إِنِّي صَلَّيْتُ ، فَلاَ أُصَلّي)). رجال هذا الإسناد : ستة ١ - (زياد بن أيوب) بن زياد البغدادي، أبو هاشم الطوسي الأصل، يلقب دَلّويه، وكان يغضب منها، ولقبه أحمد: شعبة (١) ((عُليّة)) اسم لأم إسماعيل، فلذا لا تحذف همزة الوصل خطًا؛ لأنها إنما تحذف إذا كان الثاني آبا للأول، کما هو مقرر في محله من کتب النحو. فتنبه. و کان إسماعیل یکره النسبة إلى أمه. - ٦٢٠ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة الصغير، ثقة حافظ، مات سنة ٢٥٢ وله ٨٦ سنة، من [١٠]، أخرج له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، تقدم في ١٠١/ ١٣٢. ٢ - (إِسماعيل ابن عُلية) هو ابن إبراهيم بن مقْسَم الأسدي مولاهم، أبو بشر البصري، ثقة حافظ مات سنة ١٩٣، وهو ابن ٨٣ سنة، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٨ / ١٩. ٣ - (أيوب) بن أبي تميمة / كيسان السختياني، أبو بكر البصري، ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العباد، مات سنة ١٣١، وله ٦٥ سنة، ٤ - (أبو العالية البَرَّاء) بتشديد الراء - البصري، مولى قريش، كان يَبْرِي النَبْل، قيل: اسمه زياد بن فيروز، وقيل: زياد بن أذَينة، ٩ من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٨/٤٢. وقيل: أذينة، وقيل: إن أذينة لقب، واسمه كلثوم، ثقة، من [٤]. روى عن ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأنس، وطلق بن حبيب، وعبد الله بن الصامت، وغيرهم. وعنه أيوب، وبديل بن ميسرة، ومطر الوراق، والحسن بن أبي الحسناء، ويونس بن عبيد، وغيرهم. قال أبو زرعة: ثقة. وقال العجلي: بصري تابعي ثقة. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. وقال ابن عبد البر: زياد بن فيروز أكثر ما قيل فيه، وهو عندهم ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات