Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١ -
٨ - التشديد في المرور بين يدي المصلي وبين سترته - حديث رقم ٧٥٧
رجال هذا الإسناد : خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد.
٢ - (مالك).
تقدما في السند السابق.
٣ - (زيد بن أسلم) العدوي المدني، ثقة عالم يرسل، توفي سنة
١٣٦، من [٣]، تقدم في (٦٤/ ٨٠).
٤ - (عبد الرحمن بن أبي سعيد) الخدري المدني، ثقة توفي سنة
١١٢، من [٣]، تقدم في (٣٢٦/١).
٥ - (أبو سعيد) سعد بن مالك الأنصاري الخدري الصحابي
المشهور ابن الصحابي رضي الله عنهما. تقدم في (١٦٩/ ٢٦٢). والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسيات المصنف رحمه الله.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفق الجماعة عليهم، فقد علق
البخاري لعبد الرحمن بن أبي سعيد، وأخرج له الباقون.
ومنها : أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، فبغلاني.
ومنها : أن فيه رواية الأقران، فإن زيداً، وعبد الرحمن تابعيان
كلاهما من الطبقة الثالثة، ورواية الراوي عن أبيه.

٤٢٢
-
شرح سنن النسائي - كتاب القبلة
ومنها : أن أبا سعيد أحد المكثرين السبعة، روى ١١٧٠ حديثاً.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي سعيد) الخدري رضي الله عنه (أن رسول الله عَ ليه
قال: إِذا كان أحدكم يصلي) أي إلى شيء يستره، كما قيد في الرواية
الأخرى؛ ففي رواية أبي سعيد رضي الله عنه عند الشيخين: ((إذا صلى
أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يمر بین یدیه فليدفعه))
الحديث. فإطلاق حديث الباب مقيد بهذا الحديث، ونحوه.
قال أبو بكر بن المنذر رحمه الله: ليس لأحد أن يمر بین یدي من
يصلي إلی سترة، وإن مر بین یدیه، وهو يصلي إلی سترة کان له دفعه،
فإن لم یندفع قاتله إن أبی إلا أن یمر بین یدیه. وقد رخص في المرور بین
يدي من يصلي إلى غير سترة بعض أهل العلم، واحتج بحديث المطلب
ابن أبي وداعة. يعني الآتي للمصنف في الباب التالي(١) .
وقال ابن دقيق العيد رحمه الله: وقد يستدل بالحديث على أنه إذا
لم يكن له سترة لم يثبت هذا الحكم من حيث المفهوم، وبعض المصنفين
من أصحاب الشافعي نص على أنه إذا لم يستقبل شيئاً، أو تباعد عن
السترة، فأراد أن يمر وراء موضع السجود لم يكره، وإن أراد أن يمر في
موضع السجود كره، ولكن ليس للمصلي أن يقاتله، وعلل ذلك
(١) الأوسط جـ ٥ ص ٩٥.

٤٢٣ -
٨ - التشديد في المرور بين يدي المصلي وبين سترته - حديث رقم ٧٥٧
بتقصيره. حيث لم يقرب من السترة. اهـ (١).
تنبيه :
ذكر عند الشيخين سبب ذكر أبي سعيد الخدري رضي الله عنه لهذا
الحديث، فقد أخرجا من طريق حميد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا
أبو صالح السمان، قال: رأيت أبا سعيد الخدري في يوم الجمعة،
يصلي إلى شيء يستره من الناس، فأراد شاب من بني أبي معيط أن
يجتاز بين يديه، فدفع أبو سعيد في صدره، فنظر الشاب، فلم يجد
مساغاً إلا بین یدیه، فعاد ليجتاز، فدفعه أبو سعید أشد من الأولى، فنال
من أبي سعيد، ثم دخل على مروان، فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد،
ودخل أبو سعيد خلفه على مروان، فقال: مالك ولابن أخيك يا أبا
سعيد؟. قال: سمعت النبي ◌َّه يقول: ((إذا صلى أحدكم إلى شيء
يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه، فإن أبى
فلیقاتله؛ فإنما هو شيطان)).
(فلا يدع) أي لا يترك (أحدًا أن يمر) هكذا نسخ ((المجتبى)) بزيادة
((أن)) المصدرية، وفي الكبرى: ((يمر)) بدونها، وهي التي عند مسلم،
وأبي داود، وهي واضحة؛ إذ الجملة في محل جر صفة لـ (أحد))،
ويمكن توجيه ما في ((المجتبى)) بجعل المصدر المثَول مجروراً بحرف جر
محذوف، أي في مروره، يعني أنه لا يترك أحداً في حال مروره.
(١) إحكام الأحكام جـ ٢ ص ٤٥٤ .

- ٤٢٤
شرح سنن النسائي - كتاب القبلة
(بين يديه) متعلق بـ ((يمر))، أي أمامه، والمراد المرور بينه وبين
السترة. زاد في رواية مسلم، وأبي داود: ((وليدرأ ما استطاع)). أي
ليدفع المصلي من أراد المرور بينه وبينها قدر استطاعته.
ثم إن ظاهر الأمر وجوب الدفع، وبه قال أهل الظاهر. وقال
النووي رحمه الله: الأمر بالدفع أمر ندب متأكد، ولا أعلم أحداً
من العلماء أوجبه، بل صرح أصحابنا وغيرهم بأنه مندوب غير
واجب. اهـ(١).
قال الحافظ رحمه الله: فكأنه لم يراجع كلام أهل الظاهر، أو لم
يعتد بخلافهم. اهـ (٢).
قال القاضي عياض رحمه الله: اتفقوا على أنه لا يجوز له المشي
إليه من موضعه ليرده، وإنما يدفعه، ويرده من موقفه؛ لأن مفسدة
المشي في صلاته أعظم من مروره من بعید بین یدیه، وإنما أبیح له قدر ما
تناله یده من موقفه، ولهذا أمر بالقرب من سترته، وإنما یرده إذا كان
بعیداً منه بالإشارة، أو التسبيح. اهـ.
(فإن أبى) أي امتنع المار من عدم المرور. يقال: أبَى الرجل يَأْبَى
إياء - بالكسر والمد- وإباءة: امتنع، فهو آب، وأبيّ، على فاعل،
وفَعيل، وتأبَّى مثله، وبناؤه شاذ؛ لأن فَعلَ يَفْعَل - بفتحتين - يكون
(١) شرح مسلم جـ ٤ ص ٢٢٣ .
(٢) فتح جـ ١ ص ٦٩٥ .

١
٤٢٥
٨ - التشديد في المرور بين يدي المصلي وبين سترته - حديث رقم ٧٥٧
حلقيَّ العين، أو اللام. وحكى ابن سيدَهْ عن قوم: أبيَ يَأْبَى، كنَسي
يَنْسَى، وحكى ابن جني، وصاحب القاموس: أبَى يَأبي، كضرب
يضرب .
(فليقاتله) زاد في الكبرى: «فإن معه القرين»؛ أي الشيطان. وفي
رواية البخاري: ((فليدفعه))، ولمسلم («فليدفع في نحره، فإن أبى
فلیقاتله))؛ أي يدفع بيده في نحره، فإن لم یندفع بذلك، فليدفعه، ولو
بما یؤدي إلی قتله.
وقال في الفتح : قوله: ((فليدفعه))؛ قال القرطبي رحمه الله: أي
بالإشارة، ولطيف المنع. وقوله: ((فليقاتله))؛ أي يزيد في دفعه الثاني
أشد من الأول. قال: وأجمعوا على أنه لا يلزمه أن يقاتله بالسلاح؛
المخالفة ذلك لقاعدة الإقبال على الصلاة، والاشتغال بها، والخشوع
فيها . اهـ.
قال الجامع : ما قاله القرطبي مخالف لظاهر الحديث؛ فإن رواية
مسلم صريحة في الدفع باليد، لا بالإشارة. وأصرح منه رواية
الإسماعيلي، ولفظه: ((فإن أبى فليجعل يده في صدره، ويدفعه))، وأما
دعواه مخالفة الإقبال على الصلاة، والخشوع، فليس بمسلم؛ لأن من
أمر بالخشوع في الصلاة هو الذي شرع المقاتلة فيها، فلا منافاة، ولا
معارضة؛ إذ كل من عند الله. فتبصر.
قال الحافظ رحمه الله : وأطلق جماعة من الشافعية أن له أن يقاتله

شرح سنن النسائي - كتاب القبلة
- ٤٢٦
حقيقة.
واستبعد ابن العربي ذلك في ((القبس)) وقال: المراد بالمقاتلة المدافعة.
وأغرب الباجي، فقال: يحتمل أن يكون المراد بالمقاتلة اللعن، أو
التعنيف. وتعقب بأنه يستلزم التكلم في الصلاة، وهو مبطل، بخلاف
الفعل اليسير. ويمكن أن يكون أراد أنه يلعنه داعياً، لا مخاطباً، لكن
فعل الصحابي يخالفه، وهو أدرى بالمراد. وقد رواه الإسماعيلي بلفظ:
((فإن أبى فليجعل يده في صدره، ويدفعه)) وهو صريح في الدفع باليد.
ونقل البيهقي رحمه الله عن الشافعي رحمه الله أن المراد بالمقاتلة،
دفع أشد من الدفع الأول.
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: ((لا تدع
أحداً يمر بين يديك، وأنت تصلي، فإن أبى إلا أن تقاتله فقاتله)). وهذا
يقتضي أن المقاتلة إنما تشرع إذا تعينت في دفعه. قال الحافظ: وبنحوه
صرح أصحابنا - يعني الشافعية - فقالوا: يرده بأسهل الوجوه، فإن أبى
فبأشد، ولو أدى إلى قتله. فلو قتل، فلا شيء عليه؛ لأن الشارع أباح له
مقاتلته، والمقاتلة المباحة لا ضمان فيها .
ونقل عياض وغيره أن عندهم - يعني المالكية - خلافاً في وجوب
الدية في هذه الحالة. ونقل ابن بطال وغيره الاتفاق على أنه لا يجوز له
المشي من مكانه ليدفعه، ولا العمل الكثير في مدافعته؛ لأن ذلك أشد
في الصلاة من المرور.

:
٤٢٧ -
٨ - التشديد في العرور بين يدي المصلي وبين سترته - حديث رقم ٧٥٧
وذهب الجمهور إلى أنه إذا مر، ولم يدفعه فلا ينبغي له أن يرده؛
لأن فيه إعادة للمرور. وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود، وغيره أن
له ذلك. أفاده في الفتح.
وقال أبو بكر بن المنذر رحمه الله تعالى: وقد اختلف أهل العلم في
رد المصلي من مر بين يديه من حيث جاء، فرخص قوم في رده إذا مر .
روي هذا القول عن عبد الله بن مسعود، وكذلك فعله سالم. وروي
هذا عن الحسن البصري.
وقال آخرون : لا يرده بعد أن جاز، كذلك قال الشعبي،
والثوري، وإسحاق بن راهويه. وكذلك نقول؛ لأن رجوعه من حيث
جاء یکون مروراً ثانياً بين يدي المصلي، وليس لذلك وجه.
قال الجامع عفا الله عنه : هذا الذي رجحه ابن المنذر رحمه الله
تعالى هو القول الراجح عندي. لما ذكره. والله أعلم.
تنبيه :
قدمنا أنه زاد في الكبرى ((فإن معه القرين))، ولمسلم، وأبي داود:
فإنما هو شيطان)) .
قال القاضي عياض رحمه الله: قيل: معناه إنما حمله على مروره
وامتناعه من الرجوع الشيطان. وقيل: معناه يفعل فعل الشيطان؛ لأن

- ٤٢٨
شرح سنن النسائي - كتاب القبلة
الشيطان بعيد من الخير وقبول السنة. وقيل: المراد بالشيطان القرين.
كما جاء في الحديث الآخر ((فإن معه القرين)). والله أعلم.
وقال في ((الفتح)): أي فعله فعل الشيطان؛ لأنه أبى إلا التشويش
على المصلي، وإطلاق الشيطان على المارد من الإنس سائغ شائع، وقد
جاء في القرآن قوله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢].
وقال ابن بطال: في هذا الحديث جواز إطلاق لفظ الشيطان على
من يفتن في الدين، وأن الحكم للمعاني دون الأسماء؛ لاستحالة أن
يصير المار شيطاناً مجرد مروره. انتهى.
وهو مبني على أن لفظ ((الشيطان)) يطلق حقيقة على الجني، ومجازاً
على الإنسي، وفيه بحث. ويحتمل أن يكون المعنى: فإنما الحامل له
على ذلك الشيطان. وقد وقع في رواية الإسماعيلي: ((فإنما معه
الشيطان))، ونحوه لمسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ:
((فإن معه القرين)).
قال الجامع : عندي أن الاحتمال الأخير هو الأولى؛ لأن أولى ما
تفسر به الرواية رواية جاءت من طريق آخر. كما قال السيوطي
رحمه الله في «ألفية الحديث)):
وَخَيْرُهُ مَا جَاءَ مِنْ طَرِيقٍ أَوْ عَنِ الصِّحَابِيِّ وَرَاوٍ قَدْ حَكَوْا
أي خير ما فسر به الغريب التفسير الذي جاء من طريق آخر، أو جاء
٤
٠
:

٤٢٩ -
٨ - التشديد في العرور بين يدي المصلي وبين سترته - حديث رقم ٧٥٧
عن الصحابي، أو جاء عن بعض الرواة. والله أعلم.
واستنبط ابن أبي جمرة من قوله: ((فإنما هو شيطان)) أن المراد بقوله:
((فليقاتله)) المدافعة اللطيفة، لا حقيقة القتال، قال: لأن مقاتلة الشيطان
إنما هو بالاستعاذة والتستر عنه بالتسمية ونحوها. وإنما جاز الفعل
اليسير في الصلاة للضرورة، فلو قاتله حقيقة المقاتلة لكان أشد على
صلاته من المار .
قال الجامع عفا الله عنه : بل الأولى هو حمل المقاتلة على
حقيقته، كما تقدم تحقيقه. والله أعلم.
قال: وهل المقاتلة لخلل يقع في صلاة المصلي من المرور، أو الدفع
الإثم عن المارّ؟ فالظاهر الثاني. انتهى.
وقال غيره: بل الأول أظهر؛ لأن إقبال المصلي على صلاته أولى له
من اشتغاله بدفع الإثم عن غيره. وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن
مسعود رضي الله عنه ((أن المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاته)).
وروى أبو نعيم عن عمر: ((لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته
بالمرور بين يديه ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس))(١) . فهذان
الأثران مقتضاهما أن الدفع خلل يتعلق بصلاة المصلي، ولا يختص
(١) فتح جـ ١ ص ٦٩٥ - ٦٩٦.
-

- ٤٣٠ ــ
شرح سنن النسائي - كتاب القبلة
بالمار، وهما وإن كانا موقوفين لفظاً، فحكمهما حكم الرفع؛ لأن
مثلهما لا يقال بالرأي. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته :
حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا (٨/ ٧٥٧)، و((الكبرى)) (٧/ ٨٣٣) عن قتيبة، عن
مالك، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عنه. والله
أعلم.
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه :
اعلم أن حديث أبي سعيد له طريقان أحدهما : طريق عبد الرحمن
ابن أبي سعيد، عن أبيه، فأخرجه منها المصنف هنا كما ذكر آنفاً،
ومسلم في ((الصلاة)) عن يحيى بن يحيى، عن مالك، به. وأبو داود فيه
عن القعنبي، عن مالك، به. وعن محمد بن العلاء، عن أبي خالد
الأحمر، عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، به نحوه. وابن
ماجه فیه عن أبي کریب محمد بن العلاء، به.
الثانية : طريق أبي صالح السمان، فأخرجه منها البخاري،

٤ -
٨ - التشديد في المرور بين يدي المصلي وبين سترته - حديث رقم ٧٥٧
ومسلم، وأبو داود، فأخرجه البخاري في ((الصلاة)) عن أبي معمر،
عن عبد الوارث، عن يونس بن عبيد- وعن آدم بن أبي إياس، عن
سليمان ابن المغيرة - كلاهما عن حميد بن هلال العدوي، عن أبي
صالح، عنه. وأعاده عن أبي معمر في ((صفة إبليس)) من ((بدء الخلق)).
ومسلم في ((الصلاة)) عن شیبان بن فَرُّوخ، وأبو داود فیه عن موسی بن
إسماعيل كلاهما عن سليمان بن المغيرة به (١) . والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة : في فوائده :
منها : ما ترجم له المصنف رحمه الله، وهو التشديد في المرور بین
يدي المصلي وبين سترته، حيث إن المار شرع دفعه، ولو أدى إلى قتله،
وحيث سمي شيطاناً.
ومنها : مشروعية دفع المار بين المصلي وسترته، وهذا إذا اتخذ
سترة، أما إذا لم يتخذها، أو ابتعد عنها، فليس له الدفع على الراجح.
ومنها : أن دفع المار یکون بالأسهل فالأسهل، فإن لم يرتدع،
فبالأشد، ولو بقتله.
ومنها : أن المار بين يدي المصلي شيطان ، في كونه يشغل قلب
المصلي عن المناجاة لربه، وأنه يجوز أن يقال لمن يفسد في الدين
(١) تحفة الأشراف جـ ٣ ص ٣٤٢، ٣٨٥.

- ٤٣٢
شرح سنن النسائي - كتاب القبلة
شيطان. والله الهادي إلى سواء السبيل.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت، وإليه أنيب.

٤٣٣ -
٩ - الرخصة في ذلك - حدیث رقم ٧٥٨
٩ - الرّخْصَةُ فِي ذَلِكَ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على التسهيل في المرور بين يدي
المصلي، لكن الحديث ضعيف، فلا يصلح دليلاً للرخصة المذكورة،
کما یأتي تحقیق الكلام فيه، إن شاء الله تعالى.
٧٥٨ - أخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : أنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ
يُؤنُسَ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ
جُرَيْجٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِهِ ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ :
(رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ نَ ◌ّهُ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، ثُمَّ صَلَّى
رَكْعَتَيْنِ بِحذائِهِ فِي حَاشِيَةِ الْمَقَامِ ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ
الطُّوَّافِ أحَدٌ».
رجال هذا الإسناد : ستة
١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي المروزي المعروف بابن
راهويه، ثقة حجة فقيه، من [١٠]، تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، ثقة
مأمون، من [٨]، تقدم في ٨/٨.
٣ - (عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج) المكي، ثقة فقيه

- ٤٣٤
شرح سنن النسائي - كتاب القبلة
فاضل يدلس ويرسل، من [٦]، تقدم في ٢٨/ ٣٢.
٤ - ( كثير بن كثير) بن المطلب بن أبي وداعة القرشي السهمي
المكي، ثقة من [٦].
روى عن أبيه، وسعيد بن جبير، وعلي بن عبد الله البارقي،
وغيرهم. وروى عنه ابن جريج، ومعمر، وهشام بن حسان، وإبراهيم
ابن نافع، وسالم الخياط، وابن عيينة، وآخرون. قال ابن سعد: كان
شاعراً قليل الحديث. وقال أحمد، وابن معين: ثقة. وقال النسائي: لا
بأس به. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). أخرج له البخاري، وأبو داود،
والنسائي، وابن ماجه(١).
٥ - (كثير بن المطلب) بن أبي وداعة السهمي المكي، مقبول من
[٣] روی عن أبيه. وعنه بنوه: کثیر، وجعفر، وسعید. ذكره ابن حبان
في الثقات. أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه حديث الباب
فقط (٢).
٦ - (المطلب بن أبي وداعة) الحارث بن أبي صبيرة(٣) بن سُعَيد
ابن سعد بن سهم السهمي القرشي، أمه أروى بنت الحارث بن عبد
المطلب. روى عن النبي ◌َّي، وعن حفصة، وعنه أولاده: جعفر،
(١) تقریب ص ٢٨٥، وتت ج ٨ ص ٤٢٦.
(٢) تص ٢٨٥، تت جـ ٨ ص ٤٢٩.
(٣) (صُبَيرة) بمهملة، ثم موحدة، و(ابن سعيد) بالتصغير. ت ص ٣٣٩.

٤٣٥ -
٩ - الرخصة في ذلك - حدیث رقم ٧٥٨
وعبد الرحمن، وكثير، وحفيده أبو سفيان بن عبد الرحمن بن المطلب،
والسائب بن يزيد، وعكرمة بن خالد، وعبد الله بن الحارث بن نوفل
على خلاف فيه .
روى له مسلم حديثه عن حفصة في صلاة السبحة قاعدًا، وأخرج
له الأربعة.
وقال الواقدي: نزل المدينة، وله بها دار، وبقي دهراً، ومات بها.
وذكره ابن سعد في مسلمة الفتح(١) . والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن كثير بن كثير، عن أبيه) كثير بن المطلب (عن جده)
المطلب بن أبي وداعة رضي الله عنه، أنه (قال: رأيت رسول الله آل﴾
طاف بالبيت سبعاً، ثم صلى ركعتين) وهما ركعتا الطواف ففي رواية
ابن خزيمة، وابن حبان قال: رأيت النبي ◌َ ه حين فرغ من طوافه أتى
حاشية المطاف، فصلى ركعتين، وليس بينه وبين الطوّافين أحد)).
(بحذائه) أي بموازاة البيت، ولأبي داود: ((يصلي مما يلي باب بني
سهم) قال بعضهم: باب بني سهم في الشمال الغربي من المسجد
الحرام، وهو المعروف بباب العمرة؛ لأن الناس يخرجون منه إلى
التنعيم للإحرام بالعمرة. وبنو سهم بن عمرو بن هُصیص بن كعب بن
(١) تت جـ ١٠ ص ١٧٩ - ١٨٠، تهذيب الكمال جـ ٢٨ ص ٨٦ - ٨٧.

- ٤٣٦
شرح سنن النسائي - كتاب القبلة
لؤي بن غالب، قبيلة من قریش.
(في حاشية المقام) أي بجانب المقام، والحاشية: الجانب. قال
الفيومي رحمه الله تعالى: وحاشية الثوب: جانبه، والجمع الحواشي،
وحاشية النسب: كأنه مأخوذ منه، وهو الذي يكون على جانبه،
كالعم، وابنه، وحاشية المال: جانب منه غير معين. اهـ (١).
يعني أنه صلى في جانب مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وفي
الرواية الآتية (٢٩٥٩) ((جاء حاشية المطاف، فصلى ركعتين))، ولا تنافي
بين الروايتين؛ لأن المقام قريب من المطاف.
(ولیس بینه وبین الطُوَّاف أحد) الطُّواف جمع طائف، قال ابن
مالك في ((خلاصته)) :
وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ وَصْفَيْنٍ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ
وَذَانِ فِي الْمُعَلِّ لاَمَّا نَدَرًّا
وَمِثْلُهُ الْفُعَالُ فِيمَا ذُكِّرَا
وفي الرواية الآتية : ((وبين الطوافين)) بصيغة جمع المذكر السالم،
والجملة في محل نصب على الحال، من فاعل ((صلى)): يعني أنه صلى
جنب المقام بلا سترة تستره عن المارين. وفي رواية أبي داود: ((والناس
یرون بین یدیه، ولیس بينهما سترة)).
واستدل به المصنف على الرخصة في جواز المرور بين يدي المصلي
(١) المصباح جـ ١ ص ١٣٨.

٤٣٧ -
٩ - الرخصة في ذلك - حدیث رقم ٧٥٨
إذا لم يتخذ سترة. واستدل به غيره على أنه يباح ترك اتخاذ السترة في
المسجد الحرام. و کل ذلك غیر مسلم لعدم صحة الدلیل، كما سيأتي
تحقیق القول في ذلك قريباً إن شاء الله تعالى.
وقال السندي عند قوله: ((وليس بينه وبين الطُّوّاف أحد)) ما نصه:
قلت: لکن المقام یکفي سترة، وعلى هذا فلا يصح هذا الحديث دليلاً
لمن يقول: لا حاجة في مكة إلى سترة. فليتأمل(١).
قال الجامع : في قوله: لكن المقام يكفي سترة. نظر؛ إذ ليس في
الحديث ما يدل على أنه جعل المقام سترة. بل إنما صلى إلى جنبه. كما
قدمنا قريباً فتبصر. والله الهادي إلى سواء السبيل، وهو المستعان،
وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته :
حديث المطلب بن أبي وداعة رضي الله عنه هذا ضعيف؛ لكونه
معلولاً؛ لأن كثير بن كثير لم يسمعه من أبيه، كما بينه ابن عيينة
رحمه الله تعالى.
قال أبو داود رحمه الله في سننه: حدثنا أحمد بن حنبل، ثنا سفيان
ابن عيينة، حدثني كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، عن بعض
أهله، عن جده، أنه رأى النبي ◌َّله يصلي مما يلي باب بني سهم،
(١) شرح السندي جـ ٢ ص ٦٧ .

- ٤٣٨
شرح سنن النسائي - كتاب القبلة
والناس يمرون بين يديه، وليس بينهما سترة. قال سفيان: ليس بينه
وبين الكعبة سترة. قال سفيان: كان ابن جريج أخبرنا عنه قال: أخبرنا
كثير، عن أبيه، فسألته، فقال: ليس من أبي سمعته، ولكن من بعض
أهلي عن جدي(١) .
ولفظ البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الحسن بن
عبدوس، قال: سمعت عثمان بن سعيد، يقول: سمعت علياً - يعني
ابن المديني - يقول في هذا الحديث: قال سفيان: سمعت ابن جريج
يقول: أخبرني كثير بن كثير، عن أبيه، عن جده، قال: رأيت النبي ◌َّه
يصلي، والناس يمرون ... قال سفيان: فذهبت إلى کثیر، فسألته،
قلت: حدیث تحدثه عن أبيك؟ قال: لم أسمعه من أبي، حدثني بعض
أهلي عن جدي المطلب. قال علي قوله: ((لم أسمعه من أبي)) شديد
على ابن جريج. قال أبو سعيد عثمان: يعني ابن جريج لم يضبطه (٢).
قال الجامع : فتبين بهذا أن قوله: ((عن أبيه، عن جده)) خطأ أخطأ
فیه ابن جريج، والصواب عن بعض أهله، عن جده، فیکون الحديث
ضعيفاً؛ لأن في سنده مجهولاً فتبصر. والله أعلم.
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا (٩/ ٧٥٨)، وفي ((الكبرى)) (٨/ ٨٣٤) عن إسحاق بن
(١) سنن أبي داود جـ ٢ ص ٢١١.
(٢) السنن الکبری جـ ٢ ص ٢٧٣ ..

٤٣٩ -
٩ - الرخصة في ذلك - حديث رقم ٧٥٨
إبراهیم، عن عیسی بن یونس، عن ابن جریج، عن کثیر بن کثیر، عن
أبيه، عن جده. وفي (١٦٢/ ٢٩٥٩)، وفي ((الكبرى)) (١٦٢/ ٣٩٥٣)
من کتاب الحج عن يعقوب بن إبراهیم، عن یحیی بن سعيد، عن ابن
جريج به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه :
أخرجه أبو داود في ((الحج)) عن أحمد بن حنبل، عن سفيان بن
عیینة، عن کثیر بن کثیر، عن بعض أهله، عن جده.
وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة، عن
ابن جريج، بسند المصنف(١) ، وأخرجه أحمد في مسنده، وابنا خزيمة،
وحبان في صحيحيهما. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة : في اختلاف أهل العلم في حكم هذا الحديث :
قال الإمام عبد الرزاق الصنعاني رحمه الله تعالى في مصنفه :
((باب لا يقطع الصلاة شيء بمكة)) فأخرج عن معمر، عن ابن
طاوس، عن أبيه، قال: لا يقطع الصلاة بمكة شيء، لا يضرك أن تمر
المرأة بین یدیك.
وعن ابن جريج، قال: أخبرني أبي عن أبي عامر، قال: رأيت ابن
الزبير يصلي في المسجد، فتريد المرأة أن تُجيز أمامه، وهو يريد السجود
(١) أفاده في تحفة الأشراف ج ٨ ص ٣٨٩-٣٩٠.

- ٤٤٠
شرح سنن النسائي - كتاب القبلة
حتى إذا هي جازت سجد في موضع قدميها.
وعن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: رأيت محمد بن الحنفية
يصلي في مسجد منى، والناس يمرون بین یدیه، فجاء فتى من أهله،
فجلس بين يديه، قال عبد الرزاق: ورأيت أنا ابن جريج يصلي في
مسجد منى على يسار المنارة، وليس بين يديه سترة، فجاء غلام،
فجلس بین یدیه(١) .
وقال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى: ولا بأس أن يصلي بمكة
إلى غير سترة. وروي ذلك عن ابن الزبير، وعطاء، ومجاهد. قال
الأثرم: قيل لأحمد: الرجل يصلي بمكة، ولا يستتر بشيء؟ فقال: قد
روي عن النبي ◌َّه أنه صلى ثَمَّ ليس بينه وبين الطُّوَّاف سترة. قال
أحمد: لأن مکة لیست کغيرها، کأن مکة مخصصة؛ وذلك کثیر بن
کثیر بن المطلب، عن أبيه، عن جده، فذكر حديث الباب.
وقال ابن أبي عمار: رأيت ابن الزبير جاء يصلي، والطُّوَّاف بينه
وبين القبلة، تمر المرأة بين يديه، فينتظرها حتى تمر، ثم يضع جبهته في
موضع قدمها. رواه حنبل في كتاب ((المناسك)).
وقال المعتمر: قلت لطاوس: الرجل يصلي - يعني بمكة ـ فيمر بين
يديه الرجل والمرأة؟ فقال: أولا يرى الناس بعضهم بعضاً. وإذا هو يرى
أن لهذا البلد حالاً لیس لغيره من البلدان، وذلك لأن الناس يكثرون
(١) المصنف جـ ٢ ص ٣٥ -٣٦.
٠