Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١ -
٢٤ - الرخصة في إنشاد الشعر الحسن في المسجد - حديث رقم ٧١٦
شرح الحديث
(عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب) وهكذا أخرجه البخاري
في بدء الخلق ، من رواية ابن عيينة ، عن الزهري ، عن ابن المسيب .
وتابعه معمر ، عند مسلم ، وإبراهيم بن سعد ، وإسماعيل بن أمية عند
المصنف . وأخرجه المصنفة في عمل اليوم والليلة من الكبرى (٤٣ /
١٠٠٠٠) عن عمران بن بكار ، عن أبي اليمان ، عن شعيب بن أبي
حمزة ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، وهكذا عند البخاري في الصلاة
عن أبي اليمان ، قال الحافظ رحمه الله : وتابعه إسحاق بن راشد، عن
الزهري . أخرجه النسائي.
وهذا من الاختلاف الذي لا يضر ؛ لأن الزهري من أصحاب
الحدیث ، فالراجح أنه عنده عنهما معاً ، فکان یحدث به تارة عن هذا ،
وتارة عن هذا ، وهذا من جنس الأحاديث التي يتعقبها الدار قطني على
الشيخين ، لكنه لم يذكره ، فلُسْتَدْركْ عليه. اهـ. ((فتح)) جـ ٢ ص ١٢٠ .
( قال : مر عمر بحسان بن ثابت) وهكذا رواية سعيد لهذه
القصة بلفظ ((مر عمر بحسان)) الحديث . قال الحافظ رحمه الله: وهي
عندهم مرسلة ، لأنه لم يدرك زمن المرور ، ولكن يحمل على أن
سعيداً سمع ذلك من أبي هريرة بعدُ ، أو من حسان ، أو وقع لحسان
استشهاد أبي هريرة مرة أخرى ، فحضر ذلك سعيد ، ويقويه سياق
حديث الباب - يعني رواية الزهري ، عن أبي سلمة - فإن فيه أن أبا سلمة

- ٤٢
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
سمع حسان یستشهد أبا هريرة ، وأبو سلمة لم يدرك زمن مرور عمر
أيضاً ، فإنه أصغر من سعيد ، فدل على تعدد الاستشهاد ، ويجوز أن
يكون التفات حسان إلى أبي هريرة ، واستشهاده به إنما وقع متأخراً ،
لأن ((ثم)) لا تدل على الفورية، والأصل عدم التعدد، وغايته أن يكون
سعید أرسل قصة المرور ، ثم سمع بعد ذلك استشهاد حسان لأبي
هريرة ، وهو المقصود ، لأنه المرفوع ، وهو موصول بلا تردد . والله
أعلم . اهـ . فتح ج ٢ ص ١٢٠ .
(وهو ينشد في المسجد ) جملة في محل نصب على الحال من
((حسان))، أي والحال أن حسان رضي الله عنه يقرأ أشعاره في المسجد
النبوي .
(فلحظ إِليه) يقال: لحظته بالعين، ولَحَظْتُ إليه، لَحْظاً، من
باب نَفَعَ : راقبته ، ويقال : نظرت إليه بمؤخر العين عن يمين ويسار،
وهو أشد التفاتًا من الشَّزْر . قاله في المصباح .
قال الجامع عفا الله عنه: المعنى الثاني هو المراد هنا ، أي نظر
عمر إلى حسان رضي الله عنهما بمؤخر عينه إنكاراً لإنشاده في المسجد
(فقال) حسان رداً لإنكار عمر عليه: (قد أنشدت فيه) أي المسجد
(وفيه من هو خير منك) يعني النبي ◌َّه، والجملة في محل نصب
على الحال من الضمير المجرور ( ثم التفت) حسان رضي الله عنه
(إلى أبي هريرة) رضي الله عنه (فقال: أسمعت رسول الله ◌َّه
يقول: ((أجب عني))) وفي رواية أبي سلمة: ((أجب عن رسول الله))،

٤٣ -
٢٤ - الرخصة في إنشاد الشعر الحسن في المسجد - حديث رقم ٧١٦
فيحتمل أن تكون روايته بالمعنى ، والمراد بالإجابة الرد على الكفار
الذين هجوا رسول الله تَّ وأصحابه .
وفي الترمذي من طريق أبي الزناد ، عن عروة ، عن عائشة ،
قالت: ((كان رسول الله ◌َ ◌ّله ينصب لحسان منبراً في المسجد ، فيقوم
عليه ، يهجو الكفار)) . قاله في الفتح .
(اللهم أيده) هذا دعاء من النبي ◌َّ لحسان رضي الله عنه، دعا له
بالتأييد ، وهو القوة على الكفار (بروح القدس) متعلق بأيد ، والمراد
بروح القدس هنا جبريل عليه السلام ، كما بينه ما رواه البخاري من
حديث البراء وهو عند المصنف في كتاب القضاء من الكبرى
(٦٠٢٤/٥٦)، ولفظه: ((اهجهم، وجبريل معك)).
والقدس - بضم القاف والدال - بمعنى الطهر ، وسمي جبريل بذلك
لأنه خلق من الطهر . وقال كعب : القدس الرب عز وجل ، ومعنى
روح القدس روح الله ، وإنما سمي بالروح لأنه يأتي بالبيان عن الله
تعالى ، فتحيى به الأرواح . وقيل : معنى القدس البركة . ومن
أسماء الله تعالى القُدُّوس ، أي الطاهر المنزه عن العيوب والنقائص ،
ومنه الأرض المقدسة ، وبيت المقدس ، لأنه الموضع الذي يُتَقَدَّسُ فيه ،
أي يتطهر فيه من الذنوب . قاله في ((عمدة القاري)) جـ٤ ص٢١٨ .
(قال) أبو هريرة رضي الله عنه: (نعم) ولفظ الكبرى ((اللهم
نعم))، أي سمعته ◌َّه يقول ذلك. والله أعلم ، ومنه التوفيق ، وعليه
التكلان .

٤٤
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته :
حديث حسان رضي الله عنه هذا متفق عليه .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا (٧١٦/٢٤) و((الكبرى)) (٧٩٥/٢٤) عن قتيبة ، عن
ابن عيينة ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، قال: مر عمر ... الحديث.
وقال أبو الحجاج المزي رحمه الله : أخرجه النسائي في ((الصلاة))،
وفي (( اليوم والليلة)) عن قتيبة ، ومحمد بن منصور - فرقهما - كلاهما
عن سفيان ، به . وعن عمران بن بكار ، عن أبي اليمان ، عن شعيب
ابن أبي حمزة ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، أنه سمع حسان يستشهد
أبا هريرة ، وعن يونس بن عبد الأعلى ، عن ابن وهب ، عن يونس بن
يزيد - وعن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ، عن سليمان بن داود
الهاشمي ، عن إبراهيم بن سعد - وعن محمد بن علي بن حرب ، عن
مُحْرز بن الوَضَّاحِ ، عن إسماعيل بن أمية - ثلاثتهم عن الزهري ، عن
سعيد به .
وعن محمد بن جبلة الرافقي ، عن أحمد بن عبد الملك ، عن عتاب
ابن بشير ، عن إسحاق بن راشد ، عن الزهري ، عن أبي سلمة به.
وعن محمد بن جبلة ، عن محمد بن موسى بن أعين ، قال : أصبت

٤٥ _
٢٤ - الرخصة في إنشاد الشعر الحسن في المسجد - حديث رقم٧١٦
في كتاب أبي : عن إسحاق بن راشد به . ولم يذكر ابن أبي خلف ،
وأحمد بن عبدة ، وقتيبة ، ومحمد بن إسماعيل، ومحمد بن علي بن
حرب في حديثهم : استشهاد حسان بأبي هريرة ، وذكره الباقون .
قال المزي : وفي القضاء - يعني في ((الكبرى)) - عن محمد بن عبد الله
ابن بزیع ، عن یزید - يعني ابن زريع - عن شعبة ، عن عدي بن ثابت،
عن البراء بن عازب، عن حسان بن ثابت، قال: قال لي رسول الله عمله :
(( اهجهم ، أو هاجهم - يعني المشركين - وجبريل معك)). رواه سفيان
ابن حبيب ، عن شعبة ، فجعله من مسند البراء .
قال المزي : حديث محمد بن عبد الله بن بزيع ليس في الرواية ،
ولم يذكره أبو القاسم. اهـ. ((تحفة الأشراف)) جـ ٣ ص١٠٤ - ١٠٥.
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول ،
وغيرهم:
أخرجه البخاري ومسلم وأبوداود .
فأخرجه البخاري في ((بدء الخلق)) عن علي بن المديني ، عن ابن
عيينة، به. وفي ((الأدب)) عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه أبي
بكر، عن سليمان بن بلال ، عن محمد بن أبي عتيق ، وفيه ، وفي
((الصلاة)) عن أبي اليمان ، عن شعيب بن أبي حمزة - كلاهما عن
الزهري ، عن أبي سلمة ، به .
!

٤٦
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
ومسلم في ((الفضائل)) عن إسحاق بن إبراهيم ، ومحمد بن يحيى
ابن أبي عمر ، وعمرو بن محمد الناقد ، ثلاثتهم عن سفيان ، به .
وعن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن أبي اليمان ، به . وعن
إسحاق بن إبراهيم ، ومحمد بن رافع ، وعبد بن حميد ، ثلاثتهم عن
عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سعيد ، به .
وأبو داود في ((الأدب)) عن محمد بن أحمد بن صالح ، عن
عبد الرزاق، به .
وأخرجه الحميدي برقم ١١٠٥ ، وأحمد ج٢ ص٢٦٩ ، ج٥
ص٢٢٢، وابن خزيمة رقم ١٣٠٧ . والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة : في فوائده :
منها : ما ترجم له المصنف ، وهو جواز الشعر الحسن في
المسجد، وأما النهي الوارد في الباب الماضي ، فهو محمول على الشعر
المشتمل على الخَنَا ، والزور ، والكلام الساقط ، وبهذا يُجْمَعُ بين
الأحاديث المختلفة في هذا الباب، كما هو صنيع المصنف رحمه الله
تعالى .
ومنها : أن الإمام يتعين عليه الإنكار إذا رأى من أتباعه ما ظن أنه
منکر حتی یظهر له عدم كونه منكراً .
ومنها : أنه ينبغي للشخص أن يثبت دعواه بالإشهاد تأكيداً ، وإن

٤٧ -
٢٤ - الرخصة في إنشاد الشعر الحسن في المسجد - حديث رقم ٧١٦
٠٠
كان لا يتهم .
ومنها : جواز هجاء الكفار ، قال العلماء : ينبغي أن لا يُبْدأ
المشركون بالسب والهجاء، مخافةً من سبهم الإسلام وأهله ، قال
الله تعالى: ﴿وَلا تَسْبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسْبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ
عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، وتنزيهاً لألسنة المسلمين عن الفحش ، إلا أن
تدعو إلى ذلك ضرورة، كابتدائهم به، فيكافئون، كما فعل النبي ◌َّله .
ومنها : أن فيه منقبة عظيمة لحسان رضي الله عنه ؛ حيث دعا له
رسول الله ◌َّ أن يؤيد بروح القدس . والله تعالى أعلم
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب .

- ٤٨
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
٢٥ - النَّفْئُ عَنْ إِنْشَادِ الضَّالَّةِ فِي المَسْجِد
٠
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على النهي عن طلب الضالة في
المسجد .
والإنشاد - بكسر الهمزة - مصدر أنشد، رباعياً، يقال: أنشد
الضالة: عَرَّفَهَا ، واسترشد عنها، ضدٌّ. ومثله نَشَدَ الضالة ثلاثياً .
نَشْداً - من باب قتل-، ونشْدَةً، ونشْدَانًا - بكسرهما: إذا طلبها،
وعَرَّفَها . اهـ . ((ق)). بتصرف ، وزيادة .
قال الجامع عفا الله عنه : والمناسب هنا معنى الاسترشاد ، لأن
المراد طلبها . والله أعلم .
والضالة : - بالهاء -: الحيوان الضائع ذكراً كان، أو أنثى.
قال الفيومي رحمه الله تعالى - في مادة ((ضل)) .: والأصل في
الضَّلال : الغَيْبَةُ، ومنه قيل للحيوان الضائع : ضالة - بالهاء - للذكر
والأنثى، والجمع ضَوَالّ ، مثل دابَّة، ودَوَابٌ ، ويقال لغير الحيوان :
ضائع ، ولُقَطَّة ، وضَلَّ البعيرُ : غاب ، وخَفيَ موضعه ، وأضللته
بالألف : فقدته .
قال الأزهري : وأضللت الشيء بالألف : إذا ضاع منك ، فلم
تعرف موضعه ، كالدابة والناقة ، وما أشبهها ، فإن أخطأت موضع
الشيء الثابت ، كالدار، قلت : وضَالْتُهُ، ولا تقل : أضللته بالألف .
!

٤٩ -
٢٥ - النهي عن إنشاد الضالة في المسجد - حديث رقم ٧١٧
وقال ابن الأعرابي : أضَلَّني كذا بالألف : إذا عجزت عنه ، فلم تقدر
عليه. وقال في البارع: ضَلَّني فلان، وكذا في غير الإنسان، يَضلُّني :
إذا ذهب عنك ، وعَجَزْت عنه ، وإذا طلبت حيواناً ، فأخطأت مكانه ،
ولم تهْتَد إليه، فهو بمنزلة الثوابت ، فتقول : ضَلَلْتُهُ . وقال الفارابي :
أضْلَلتُهُ بالألف: أضَعْتُهُ. اهـ((المصباح)) جـ٢ ص ٣٦٤ . والله تعالى أعلم.
٧١٧ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ،
عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ : حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَبِي أَنَيْسَةَ،
عَنْ أَبِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابرٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ يَنْشُدُ ضَالَّةً
فِي المَسْجِد، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعَهِ: ((لا وَجَدْتَ).
٠٠
رجال هذا الإسناد : ستة
١ - (محمد بن وهب) بن عمر بن أبي كريمة ، أبو المعافى
الحرَّاني، صدوق ، من [١٠]، توفي سنة ٢٤٣هـ .
قال النسائي : لا بأس به ، وقال أيضاً : صالح . وقال مسلمة :
صدوق . وذكره ابن حبان في الثقات . وقال : مات بقرية بحران في
رمضان سنة ٢٤٣ هـ ، انفرد به المصنف.
٢ - ( محمد بن سلمة) بن عبد الله الباهلي مولاهم أبو عبد الله
الحراني، ثقة، توفي سنة ١٩١ على الصحيح ، من [٩]، أخرج له

- ٥٠
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
البخاري في ((جزء القراءة)) ومسلم، والأربعة، تقدم في ٣٠٦/٢٠٠ .
٣ - (أبو عبد الرحيم) خالد بن يزيد سماك بن رستم الأموي ،
مولاهم الحراني ، ثقة ، توفي سنة ١٤٤ هـ، من [٦] ، وقيل اسم أبيه
يزيد ، وقيل : اسم جده سمال - بفتح أوله ، وتشديد الميم ، وآخره
لام، تقدم في ٣٠٦/٢٠٠ أخرج ه البخاري في ((الأدب المفرد))،
ومسلم، وأبو داود ، والنسائي.
٤ - (زيد بن أبي أنيسة) الجزري ، أبو أسامة ، كوفي الأصل ،
ثم سكن الرها ، ثقة له أفراد ، توفي سنة ١١٩ هـ، من [٦]، وقيل :
غيره ، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٠٠ / ٣٠٦.
٥ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم
المكي ، صدوق ، يدلس ، توفي سنة ١٢٦ ، من [٤]، أخرج له
الجماعة ، تقدم في ٣٥/٣١ .
٦ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السَّلَمي
المدني ، صحابي ابن صحابي رضي الله عنهما ، أخرج له الجماعة. تقدم
في ٣٥/٣١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من سداسيات المصنف رحمه الله .
ومنها : أن رجاله كلهم موثقون ، أخرج لهم الجماعة ، إلا شيخه،

٥١ -
٢٥ - النهي عن إنشاد الضالة في المسجد - حديث رقم ٧١٧
فانفرد هو به، ومحمد بن سلمة فما أخرج له البخاري، إلا في ((جزء
القراءة))، وأبو عبد الرحيم ، فانفرد به مسلم ، والمصنف ، وأبو داود ،
وأخرج له البخاري في ((الأدب المفرد)).
ومنها : أن فيه رواية الراوي عن خاله ؛ محمد بن سلمة ، عن أبي
عبد الرحيم .
ومنها : أن فيه جابر بن عبد الله أحد المكثرين السبعة من الصحابة،
روى ١٥٤٠ حديثاً. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن جابر) بن عبد الله رضي الله عنهما ، أنه (قال : جاء رجل
ینشد) تقدم أنه من باب قتل ، ويحتمل کونه من الإنشاد رباعیاً ،
والمراد به هنا الطلب (ضالة) تقدم أيضاً أنه الحيوان الضائع ذكراً كان أو
أنثى ، ويقال لغيره: ضائع ، ولقيط ( في المسجد) النبوي (فقال
رسول الله ﴾: ( لا وجدت))) أي صادفت ضالتك ، وهو دعاء
علیه بعدم مصادفته لضالته .
وقال السندي رحمه الله: يحتمل أنه دعاء عليه، فكلمة ((لا)) لنفي
الماضي ، ودخولها على الماضي بلا تكرار في الدعاء جائز ، وفي غير
الدعاء الغالب هو التكرار ، كقوله تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى﴾
[القيامة: ٣١]، ويحتمل أن ((لا)) ناهية، أي لا تنشُدْ، وقوله:
((وجدت)) دعاء له، لإظهار أن النهي منه نصح له ، إذ الداعي لخير لا

- ٥٢
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
ينهى إلا نصحاً ، لكن اللائق حينئذ الفصل ، بأن يقال : لا ، ووجدت؛
لأن تركه موهم ، إلا أن يقال : الموضع موضع زجر ، فلا يضر به
الإيهام ، لكونه إيهام شيء ، هو آكد في الزجر . اهـ. جـ٢ ص٤٩.
قال الجامع : الاحتمال الأول هو الأولى ، لأن الثاني بعيد عن
ظاهر النص ، فتبصر . والله أعلم .
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته :
حديث جابر رضي الله عنه حديث صحيح؛ أخرجه المصنف هنا
(٧١٧/٢٥)، و((الكبرى)) (٧٩٦/٢٥) بالسند المذكور . وهو من
أفراده، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره ، كما أشار إليه الحافظ
أبو الحجاج المزي رحمه الله تعالی في ((تحفته)) جـ٢ ص٣٠٢.
المسألة الثانية: حديث الباب يدل على منع إنشاد الضالة في
المسجد ، وقد وردت أحاديث فيه :
منها : حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ملة :
(( من سمع رجلاً ينشد في مسجدنا ضالة ، فليقل: لا أداها الله إليك ،
فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا)). رواه أحمد، ومسلم، وابن ماجه.
ومنها : حديث بريدة رضي الله عنه: ((أن رجلاً نَشَدَ في المسجد،
فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر، فقال النبي ◌َّ﴾: ((لا وجدت، إنما

٥٣ -
٢٥ - النهي عن إنشاد الضالة في المسجد - حديث رقم ٧١٧
بنيت المساجد لما بنيت له)) . رواه أحمد ، ومسلم ، وابن ماجه أيضاً ،
والمصنف في ((عمل اليوم والليلة)).
ومنها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً: ((أن رسول الله }.
قال: ((إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد ، فقولوا : لا أربح الله
تجارتك ، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة ، فقولوا : لا ردها الله عليك))
رواه الترمذي، وحسنه ، ورواه المصنف في ((عمل اليوم والليلة)).
ومنها : حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده رضي الله
عنه، قال: ((نهى رسول الله ◌َه عن الشراء والبيع في المسجد ، وأن
تنشد فيه الأشعار ، وأن تنشد فيه الضالة، وعن التحلق يوم الجمعة قبل
الصلاة))، رواه أحمد والأربعة، وقد تقدم للمصنف (٧١٤/٢٢)،
ولكن ليس فيه إنشاد الضالة .
وفي هذه الأحاديث دليل على جواز الدعاء على الناشد في المسجد
بعدم الوجدان معاقبةً له في ماله ، ومعاملَةً له بنقيض قصده .
فينبغي لسامعه أن يقول : لا وجدت ، فإن المساجد لم تبن
لهذا، أو يقول : لا وجدت ، إنما بنيت المساجد لما بنيت له . كما قاله
رسول الله
قال النووي رحمه الله تعالى : يستفاد من الحديث النهي عن نشد
الضالة في المسجد ، ويلحق به ما في معناه من البيع والشراء والإجارة
ونحوها من العقود، وكراهة رفع الصوت في المسجد .

شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
- ٥٤
قال القاضي عياض : قال مالك ، وجماعة من العلماء : يكره رفع
الصوت في المسجد بالعلم ، وغيره ، وأجاز أبو حنيفة رحمه الله ،
ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك رحمه الله رفع الصوت فيه بالعلم
والخصومة ، وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس ، لأنه مجمعهم ، ولا بد
لهم منه .
وقوله :َّلي: ((إنما بنيت المساجد لما بنيت له)): معناه لذكر الله،
والصلاة والعلم ، والمذاكرة في الخير ، ونحوها . قال القاضي
عياض: فيه دليل على منع الصنائع في المسجد كالخياطة وشبهها ،
قال: وقد منع بعض العلماء من تعليم الصبيان في المسجد . قال : قال
بعض شيوخنا : إنما يمنع في المسجد من عمل الصنائع التي يختص
بنفعها آحاد الناس ، ويكتسب به ، فلا يتخذ المسجد متجراً ، فأما
الصنائع التي يشمل نفعها المسلمين في دينهم كالمثاقفة ، وإصلاح آلات
الجهاد ، مما لا امتهان للمسجد في عمله ، فلا بأس به ، وحكى بعضهم
خلافاً في تعلیم الصبیان فيها . اهـ . ((شرح مسلم)) جـ٥ص٥٥ .
وفي ((النيل)) جـ٢ ص٢٦٩ : وكره بعض المالكية تعليم الصبيان في
المساجد ، وقال : إنه من باب البيع ، وهذا إذا كان بأجرة ، فإن كان
بغير أجرة كان مكروهاً ، لعدم تحرزهم من الوسخ الذي يصان عنه
المسجد .
ونقل في ((الفتح)) جـ ٢ ص١٢٦ - عن مالك رواية أخرى، وهي

٥٥ _
٢٥ - النهي عن إنشاد الضالة في المسجد - حديث رقم ٧١٧
التفرقة بين رفع الصوت بالعلم والخير وما لابد منه ؛ فيجوز، وبين رفعه
باللفظ ونحوه ؛ فلا .
قال الجامع عفا الله عنه :
هذا التفصيل المنقول عن مالك في هذه الرواية هو الذي يترجح
عندي في المسألة .
وحاصله أن يقال : إن رفع الصوت في المسجد إن كان فيما يتعلق به
غرض ديني، أو نفع دنيوي فجائز ، وإلا فلا، وعلى ذلك يدل عمل
الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه ، حیث ترجم ( باب رفع
الصوت في المساجد))، ثم ساق بسنده عن السائب بن يزيد ، قال :
(كنت قائماً في المسجد ، فحصبني رجل ، فنظرت ، فإذا عمر بن
الخطاب ، فقال : اذهب فائتني بهذين ، فجئته بهما ، قال : من أنتما ۔
أو من أين أنتما۔؟ قالا : من أهل الطائف ، قال : لو كنتما من أهل
البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله عم{})).
ثم أورد بسنده حديث كعب بن مالك أنه تقاضی ابن أبي حَدْرَد دینًا
له عليه في عهد رسول الله معه في المسجد ، فارتفعت أصواتهما حتى
سمعها رسول الله ﴾﴾ ، وهو في بيته ، فخرج إليهما رسول الله ◌َّ}.
حتی کشف سجف حجرته ، ونادی : « یا کعب بن مالك ، یا کعب»،
قال: لبيك يا رسول الله ، فأشار بيده أن ضَع الشطر من دينك ، قال :
قد فعلت يا رسول الله، قال رسول الله تَله: ((قم فاقضه)).
أ

- ٥٦
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
فأورد البخاري رحمه الله حديث عمر الدال على المنع ، وحديث
كعب الدال على الجواز ، حيث قرر مع المتخاصمين في رفع أصواتهما
في المسجد ، إشارة منه إلى أن المنع فيما لا منفعة فيه ، وعدمه فيما
تلجئ الضرورة إليه .
وهو تفصيل حسن ، وأما الأحاديث الواردة في النهي عن رفع
الصوت في المساجد فإنها - كما قال الحافظ في الفتح جـ ٢ ص١٣٦ -
ضعيفة ، فلا تصلح لمعارضة الأحاديث الصحيحة ، وعلى تقدير
صحتها ، فإنها تحمل على اللغو واللَّغَط، ومما لا فائدة فيه. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب .

٥٧ -
٢٦ - إظهار السلاح في المسجد - حديث رقم٧١٨
٢٦ - إِفْهَارُ السَّلاَحِ فِ المَسْجِدِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم إظهار السلاح في
المسجد .
والسلاح - بالكسر - : ما يقَاتَلُ به في الحرب ، ويُدَافَعُ ، والتذكير
أغلب من التأنيث ، فيجمع على التذكير : أسْلحَة ، وعلى التأنيث :
سلاحات ، والسِّلْح - وزان حمْل لغة في السلاح ، وأخذ القوم
أسلحتهم ، أي أخذ كل واحد سلاحه . قاله في المصباح جـ١ ص٢٨٤ .
ثم اعلم أن الظاهر أنه أراد بإظهار السلاح حمله ظاهراً مع الأخذ
بنصله ، فیکون حكمه الجواز ، ویحتمل أن يكون إبداء نصله ، فیکون
حكمه المنع ، لأجل الإيذاء ، ويؤيد الاحتمال الأول - وهو الأقرب
لظاهر الحديث - الترجمة التالية ، فإنها لبيان جواز تشبيك الأصابع ،
ويؤيد الاحتمال الثاني الترجمة السابقة ، فإنها لبيان النهي عن إنشاد
الضالة. والله أعلم .
٧١٨ - أخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ المِسْوَرِ
الزُّهْرِيُّ، بَصْرِيٌّ، ومُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورِ، قَالاَ: حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ ، قَالَ : قُلْتُ لعَمْرو: أسَمِعْتَ جَابراً، يَقُولُ:
مَرَّرَجُلٌ بِسِهَامٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّه ◌ٍَّ :

شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
- ٥٨
((خُذْ بنصَالِهَا))، قَالَ: نَعَمْ .
رجال هذا الإسناد : خمسة
١ - (عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور) بن
مخرمة ، أبو بكر الزهري البصري ، صدوق ، توفي سنة ٢٥٦ ، من
صغار [١٠]، أخرج له مسلم والأربعة، وتقدم في ٤٨/٤٢.
تنبيه:
قوله: (( بصري)) هكذا في النسخ منكراً، وهو خبر مبتدأ
محذوف، تقديره : هو بصري ، والله أعلم.
٢ - ( محمد بن منصور) بن ثابت بن خالد الخزاعي الجواز
المكي، ثقة، من [١٠]، توفي سنة ٢٥٢ ، أخرج له النسائي ، تقدم في
٢٠ / ٢١ .
٣ - (سفيان) بن عيينة ، أبو محمد الحافظ الحجة الثبت ، توفي
سنة ١٩٨ هـ، من [٨]، تقدم في ١/ ١.
٤ - (عمرو) بن دينار الجمحي ، أبو محمد الأثرم المكي ، ثقة
ثبت ، توفي سنة ١٢٦ ، من [٤]، أخرج له الجماعة تقدم في
١٥٤/١١٢.
٥ - (جابر) بن عبد الله رضي الله عنهما المذكور في السند
السابق . والله تعالى أعلم.
٠

٥٩ _
٢٦ - إظهار السلاح في المسجد - حديث رقم ٧١٨
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من رباعياته ، وهو (٣٧) منها .
ومنها : أن رجاله كلهم ثقات ، من رجال الجماعة ، إلا شيخيه ،
فالأول لم يخرج له البخاري ، والثاني من أفراده.
ومنها : أن هذا السند أصح أسانيد أهل مكة ، قال أبو عبد الله
الحاكم : وأصح أسانيد المكيين سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ،
عن جابر . انظر تدريب الراوي جـ١ ص٨٤.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبارَ، والتحديثَ، والقولَ،
والسماعَ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(قال) سفيان بن عيينة: (قلت لعمرو) بن دينار: (أسمعت
جابراً يقول: مر رجل بسهام في المسجد ) النبوي، ولمسلم من
طريق أبي الزبير ، عن جابر أن النبي ◌َّ أمر رجلاً كان يتصدق بالنبل في
المسجد أن لا يمر بها ، إلا وهو آخذ بنصالها .
قال الحافظ رحمه الله: لم أقف على اسمه إلى الآن.
(فقال له رسول الله عَم ◌ّ: ((خذ بنصالها))) ((النصال» - بالكسر.
جمع ( نصل» ۔بفتح فسكون- وهي - كما في ((ق)) - حديدة السهم والرمحِ
والسيف ما لم يكن له مَقْضٌ ، ويجمع أيضاً على أنْصُل ونُصُول.

- ٦٠
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
وإنما أمره بالأخذ بنصالها ، لئلا يؤذي أحداً من المسلمين ، ففي
رواية الشيخين من طريق حماد بن زيد، عن عمرو: ((أن رجلاً مر في
المسجد بأسهم قد أبدى نصولها ، فأمره أن يأخذ بنصولها ، كي لا
تخدش مسلمًا)).
قال الجامع عفا الله عنه: حكم المجامع كالأسواق ونحوها حكم
المساجد في هذا ، لما أخرجه الشيخان عن أبي موسى الأشعري رضي
الله عنه، عن النبي عَ لَ﴾، قال: ((من مرفي شيء من مساجدنا، أو
أسواقنا بنبل ، فليأخذ على نصالها، لا يعقرْ مسلماً)). وفي رواية لمسلم:
(( فليمسك على نصالها بكفه أن يصيب أحداً من المسلمين))، وفي رواية:
(( فليأخذ بنصالها ، ثم ليأخذ بنصالها ، ثم ليأخذ بتصالها)).
(قال) عمرو بن دينار: (نعم) سمعته يقول ذلك . والله أعلم ،
ومنه التوفيق وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته :
حديث جابر رضي الله تعالى عنه متفق عليه .
المسألة الثانية : في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه هنا (٧١٨/٢٦)، و((الكبرى)) (٢٦/ ٧٩٧) بهذا السند .
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه :