Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١ -
١٢- باب نبش القبور، واتخاذارضها مسجداً - حديث رقم ٧٠٢
بَنَى بِهَا مَسْجِدَهُ وارْتَحَلا لِطَيبَةَ الفَيْحَاءِ طَابَتْ مَنْزِلاً
بِمَوْضِعِ الْمَسْجِدِ فِي الظَّهِيرَهُ
فَبَرَكْتْ نَاقَتُهُ الْمَأْمُورَهِ
حَتَّى ابْتَنَى مَسْجِدَهُ الرَّحِيبَا
فَحَلَّ فِي دَارِ أبي أيُّوبَا
وَحَوْلَهُ أَصْحَابُهُ فِي ظِلِّهِ
وَحْوْلَهُ مَنَازِلاً لأهْلِهِ
أَشْرَقَ مَا قَدْ كَانَ مِنْهَا أَسْوَدَا
طَابَتْ بِهِ طَيْبَةُ مِنْ بَعْدِ الرَّدَى
فَزَالَ دَؤُهَا بِهَذَا الَجَاهِ
كَانَتْ لَمِنْ أَوْبَا أَرَاضِي اللَّهِ
يَدْخُلُهَا فَحِرْزُهَا حَصينٌ
وَلَيْسَ دَجَّالٌ وَلا طَاعُونٌ
انتهى المقصود من كلام الحافظ العراقي رحمه الله تعالى .
(وكان يصلي حيث أدركته الصلاة) وللبخاري (( وكان يحب أن
يصلي حيث أدركته الصلاة )) .
يعني أنه عملى كان يصلي الصلاة في أي موضع أدركه وقتها، مبادرة
إليها في أول وقتها .
(فيصلي في مرابض الغنم) جمع مَرْض ، كمَجْلس ، ومَقْعَد :
مأواها ليلاً ، يقال : رَبَضَتْ الدابة ، رَبْضًاً، من بابٌ ضَرَبِّ،
رُبُوضاً، وهو مثل بُرُوك الإبل . أفاده المجد ، والفيومي.
ية أصحابه
( ثم أمر بالمسجد) بالبناء للفاعل ، أي أمر النبي
ببناء المسجد، وروي بالبناء للمفعول ، أي أمر الله تعالى نبيه عم ◌ّ به .

- ٦٠٢
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
(فأرسل إِلى ملأ بني النجار) وفي نسخة (( ملأ من بني النجار))
بزيادة ((من)) (فجاءوا ، فقال: يا بني النجار ثامنوني) أي قرروا معي
ثمنه ، وبيعونيه بالثمن. يقال : ثامنت الرجل في المبيع ، أثَامنُهُ : إذا
قاولته في ثمنه ، وساومته على بيعه ، واشترائه . قاله في اللسان .
(بحائطكم هذا) مشيراً إلى بستان هناك ، والحائط : البستان من
النخيل ، إذا كان عليه حائط ، وهو الجدار؛ وجمعه الحوائط. قاله في
اللسان. ومتعلق بثامنوني .
(قالوا: لا) وفي نسخة ((ما)) (نطلب ثمنه إِلا إِلى الله عز وجل)
أي لا نطلب الثمن إلا من الله تعالى . وقال الكرماني ما حاصله : لا
نطلب ثمن المصروف في سبيل الله ، وأطلق الثمن على سبيل المشاكلة،
ثم قال : فإن قلت : الطلب يستعمل بمن ، فالقياس أن يقال : إلا
من الله . قلت: معناه : لا نطلب الثمن من أحد ، لكنه مصروف إلى
الله تعالى .
قال البدر العيني رحمه الله : هذا كله تعسف مع تطويل بل معناه :
لا نطلب الثمن إلا من الله تعالى، وكذا وقع عند الإسماعيلي: ((لا
نطلب ثمنه إلا من الله))، وقد جاء ((إلى)) في كلام العرب للابتداء ،
كقوله [من الطويل] :
تَقُولُ وَقَدْ عَالَيْتُ بِالْكُورِ فَوْقَهَا أَيُسْقَى فَلا يَرْوَى إِلَيَّ ابْنُ أَحْمَرَا
أي تقول الناقة بلسان الحال ذلك ، والكور : الرحل ، والسقي

٦٠٣ -
١٢ - باب نبش القبور ، واتخاذارضها مسجداً - حديث رقم ٧٠٢
بمعنى الركوب مجازاً ، وإليّ بمعنى مني . انظر مغني اللبيب مع حاشية
الأمير ج١ ص ٧٠ - ٧١ .
ويجوز أن تكون (( إلى)) هنا على معناها لانتهاء الغاية ، ويكون
التقدير : نُنْهي طلب الثمن إلى الله تعالى ، كما في قولهم : أحمد
إليك الله ، والمعنى : أنهي حمده إليك ، والمعنى هنا: لا نطلب منك
الثمن بل نتبرع به ، ونطلب الأجر من الله تعالى . انتهى عمدة القاري
جـ ٤ ص ١٧٧ . بزيادة من المغني.
تنبيه:
ظاهر هذا الحديث يدل على أنه لم يشتره منهم ، ولم يأخذوا منه
ثمناً ، لكن وقع في صحيح البخاري في الهجرة ما ظاهره مخالف له ،
ففيه: قال : (( ثم ركب راحلته ، فسار يمشي معه الناس ، حتى بركت
عند مسجد رسول اللـه /24 بالمدينة ، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من
المسلمين ، وكان مرْبَداً للتمر ، لسهيل ، وسهل ، غلامين يتيمين في
ججر أسعد بن زرارة ، فقال رسول الله ثم حين بركت به راحلته :
((هذا - إن شاء الله - المنزل))، ثم دعا رسول الله الغلامين، فساومهما
بالمربد ليتخذه مسجداً ، فقالا : لا ، بل نهبه لك يا رسول الله ، فأبى
رسول الله مي أن يقبله منهما هبة ، حتى ابتاعه منهما ، ثم بناه
مسجداً ... )) الحديث .
فهذه الرواية تدل على أنه اشتراه منهما ، وذكر أهل السير ما يدل

- ٦٠٤
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
على أنهم أخذوا الثمن ، فقد ذكر ابن سعد في الطبقات ، عن الواقدي،
عن معمر، عن الزهري: ((أن النبي ◌َّى أمر أبا بكر أن يعطيهما ثمنه))،
قال : وقال غير معمر : أعطاهما عشرة دنانير . قاله في الفتح .
وفي «المنهل)): روي أن أسعد بن زرارة عوّض الغلامین نخلاً له في
بني بَيَاضَة. وروي أيضاً أن أبا أيوب قال : هو ليتيمين ، وأنا أرضيهما،
فأرضاهما . انتهى. جـ٤ص٥٦.
وقد أجاب الحافظ رحمه الله ، بما حاصله أنه لامنافاة بينهما ، لأنه
يجمع بأنهم لمَّا قالوا : لانطلب ثمنه إلا إلى الله سأل عمن يختص بملكه
منهم ، فعينوا له الغلامين ، فابتاعه منهما ، فحينئذ يحتمل أن يكون
الذين قالوا له : لا نطلب ثمنه إلا إلى الله تحملوا عنه للغلامين بالثمن ،
وعند الزبير أن أبا أيوب أرضاهما عن ثمنه . انتهى ما قاله في ((الفتح))
جـ ٧ص٢٩٠.
وقال في ((المنهل)) بعد ذكر نحو ما قاله الحافظ ما نصه : ويجمع بين
رواية الواقدي ، وما بعدها بأن أبا بكر رغب في الخير كما رغب فيه
أسعد ، وأبو أيوب ، ومعاذ بن عفراء ، فدفع أبو بكر العشرة ، ودفع
کل من أولئك ما دفع ، فاشترکوا في الثمن . انتھی جـ٤ ص٥٦.
قال الجامع عفا الله عنه: الجمع المذكور حسن جداً، إذ به تجتمع
الروايات المختلفة في الباب . والله أعلم .

٦٠٥ -
١٢ - باب نبش القبور ، واتخاذ أرضها مسجداً - حديث رقم ٧٠٢
(قال أنس) رضي الله عنه (وكانت فيه قبور المشركين)
وللبخاري، فقال أنس: ((فيه ما أقول لكم: قبور المشركين)) ...
(وكانت فيه خَرِب) قال ابن الأثير رحمه الله : الخرَبُ، يجوز أن
يكون بكسر الخاء ، وفتح الراء، جمع خرَبَة كَنقمَة ، وَنَقَم، ويجوز أن
يكون جمع خرّبَة - بكسر الخاء ، وسكون الراء- على التخفيف ،
كنعْمَة، ونعَم ، ويجوز أن يكون الخَربَ - بفتح الخاء ، وكسر الراء -
كَتَبَقَة ، ونَبق ، وكَلمَة ، وكَلم ، قال : وقد روي بالحاء المهملة والثاء
المثلثة ، يريد به الموضع المحروث للزراعة. انتهى. نهاية جـ ٢ ص١٨ .
وفي الفتح : قال ابن الجوزي رحمه الله : المعروف فيه : فتح الخاء
المعجمة ، وكسر الراء بعدها موحدة ، جمع خَربَة ، ككلم ، وكلمة .
قال الحافظ: وكذا ضبط في سنن أبي داود، وقال الخطابي رحمه الله:
أكثر الرواة بالفتح ، ثم الكسر ، وحدثناه الخيام بالكسر ، ثم الفتح ،
ثم حكى احتمالات : منها الخُرْب ـ بضم أوله ، وسكون ثانيه، قال :
هي الخروق المستديرة في الأرض ، والجرَفُ بكسر الجيم ، وفتح الراء،
بعدها فاء : ما تجرفه السيول ، وتأكله الأرض ، والحَدَبُ ـ بالمهملة ،
وبالدال المهملة - أيضاً المرتفع من الأرض ، قال : وهذا لائق بقوله:
((فسوِّيَتْ))، لأنه إنما يستوي المكان المُحْدَوْدبُ ، وكذا الذي جرفته
السيول ، وأما الخراب فيبنى ، ويعمر دون أن يصلح ، ويُسَوَّى.
انتھی. (فتح)) جـ٧ص٣١٢.

- ٦٠٦
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
قال القاضي عياض رحمه الله رداً على الخطابي : هذا التكلف لا
حاجة إليه ، فإن الذي ثبت في الرواية صحيح المعنى ، كما أمر بقطع
النخل لتسوية الأرض ، أمر بالخرب ، فرفعت رسومها ، وسويت
مواضعها لتصير جميع الأرض مبسوطة مستوية للمصلين ، وكذلك
فعل بالقبور.
وفي مصنف ابن أبي شيبة بسند صحيح (( وأمر بالحرث ،
فحرث))، وهو الذي زعم ابن الأثير أنه روي بالحاء المهملة ، والثاء
المثلثة ، يريد الموضع المحروث للزراعة . انتهى. ((عمدة القاري)) جـ٤
ص١٧٨ .
(وكانت فيه) أي في الحائط الذي بني في مكانه المسجدُ (نخل)
اسم جمع ، الواحدة نَخْلَة ، وكل جمع بينه، وبين واحده الهاء . قال
ابن السكيت : فأهل الحجاز يؤنثون أكثر ، فيقولون : هي التمر ،
وهي البُرَّ ، وهي النخل ، وهي البقر. وأهل نجد، وتميم يذكرون،
فيقولون : نخل كريم ، وكريمة ، وكرائم ، وفي التنزيل ((نخل منقعر))،
و((نخل خاوية))، وأما النخيل بالياء، فمؤنثة. أفاده في ((المصباح)).
قال الجامع عفا الله عنه : ولكون الأكثر في النخل التأنيث ،
ألحق التاء بالفعل في المواضع الثلاثة . والله أعلم.
(فأمر رسول الله عَّه بقبور المشركين فنُبشَتْ) أي كشفت ،
وأخرج ما فيها من العظام .

٦٠٧ _
١٢ - باب نبش القبور، واتخاذارضها مسجداً - حديث رقم ٧٠٢
قال ابن بطال : لم أجد في نبش قبور المشركين لتتخذ مسجداً نصاً
عن أحد من العلماء ، نعم اختلفوا هل تنبش بطلب المال؟ فأجازه
الجمهور ، ومنعه الأوزاعي ، وهذا الحديث حجة للجواز ، لأن المشرك
لا حرمة له حيّاً ولا ميتاً . قاله في الفتح جـ ٧ ص٣١٢.
(وبالنخل فقطعت) أي أمر بقطع النخل ، فقطعت ، وهذا- كما
قال في الفتح . : محمول على أنه لم يكن يثمر ، أو يثمر ؛ ولكن دعت
الحاجة إليه ليمكن بناء المسجد في ذلك المكان . والله أعلم .
(وبالخَرِبِ فسويت) أي أمرهم بتعديل الخَرب ، فعدلت ، يقال:
سويت المكان : إذا عدلته . كما في المصباح . وإنما أمر بذلك لتستوي
الأرض ، فتصلح لبناء المسجد عليها .
(فصفُوا النخل قبلة المسجد) من صَفَفْتُ الشيءَ صَفّاً . أي
جعلوها سواري جهة القبلة ليسقف عليها . أفاده في المنهل.
وفي مغازي ابن بكير ، عن ابن إسحاق : جعلت قبلة المسجد من
اللبن ، ويقال : بل من حجارة منضودة بعضها على بعض .
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما: (( أن المسجد
كان على عهد رسول الله ◌َّهُ مبنياً باللَّبن، وسَقْفُهُ الجريد ، وعَمَدُه
خشب النخل ، فلم يزد فيه أبو بكر شيئاً)) ... قال البدر العيني
رحمه الله : ولعل المراد بالقبلة جهتها ، لا القبلة المعهودة اليوم ، فإن
ذلك لم یکن ذلك الوقت.

- ٦٠٨
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
(وجعلوا عضادتيه الحجارة) أي بنوا جانبي الباب بحجارة ،
والعضَادتان : تثنية عضادة - بكسر العين المهملة ، بعدها ضاد معجمة.
وفي التهذيب للأزهري : عضادتا الباب: الخشبتان المنصوبتان عن يمين
الداخل منه ، وشماله . وزاد القزاز : فوقهما العارضة . انتهى . عمدة
القاري .
(وجعلوا ينقلون الصخرة) أي شرعوا ، وأخذوا ينقلون
الحجارة العظيمة لتأسيس المسجد . فروي أنهم أسسوه إلى ثلاثة أذرع
بالحجارة ، وكملوه باللبن .
(وهم يرتجزون ) جملة حالية من الضمير في ينقلون ، أي
يقولون الرجز ، ويتعاطونه ، والرجز نوع من أنواع الشعر معروف ،
أجزاؤه ( مستفعلن)) ست مرات .
(ورسول الله تَّهُ معهم) جملة حالية أيضاً، إما مترادفة ، أو
متداخلة ، أي والحال أن رسول الله تَمّ مصاحب لهم في النقل،
وقول الرجز.
(وهم يقولون) وفي بعض النسخ (( وهو يقول))، والضمير عليه
للنبي ﴾﴾
وللبخاري في الهجرة من طريق الزهري، قال: ((وَطَفقَ))
رسول الله ◌َّ ينقل معهم اللبنَ في بنيانه ، ويقول - وهو ينقل اللبن - :

١٢ - باب نبش القبور، واتخاذارضها مسجداً - حديث رقم ٧٠٢
٦٠٩ -
هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَرْ
هذَا الحمَالُ لا حمَالُ خَيْبَرْ
ويقول :
فارْحَمِ الأنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ
اللَّهُمَّ إِنَّ الأجْرَ أجْرُ الآخِرَهُ
فتمثل بشعر رجل من المسلمين ، لم يسم لي .
قال ابن شهاب: ولم يبلغنا - في الأحاديث - أن رسول الله عز له
تمثل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات .
قال في ((الفتح)): زاد ابن عائذ في آخره: (( التي كان يرتجز بهن ،
وهو ينقل اللبن لبناء المسجد)) .
وقال ابن التين : أنكر على الزهري هذا من وجهين :
أحدهما: أنه رجز، وليس بشعر، ولهذا يقال لقائله راجز، ويقال:
أنشد رجزاً ، ولا يقال له شاعر ، ولا أنشد شعراً .
والوجه الثاني: أن العلماء اختلفوا هل ينشد النبي ◌َّ شعراً، أم
لا؟ وعلى الجواز، هل ينشد بيتاً واحداً، أو يزيد؟ وقد قيل: إن البيت
الواحد ليس بشعر ، وفيه نظر . انتهى .
قال الحافظ : والجواب عن الأول أن الجمهور على أن الرجز من
أقسام الشعر إذا كان موزوناً ، وقد قيل : إنه كان ◌َّه إذا قال ذلك لا
يطلق القافية ، بل يقولها متحركة التاء ، ولا يثبت ذلك .
وعن الثاني بأن الممتنع عنه عَّه إنشاؤه ، لا إنشاده، ولا دليل على

- ٦١٠
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
منع إنشاده متمثلاً . وقول الزهري : لم يبلغنا ، لا اعتراض عليه فيه ،
ولو ثبت عنه عَّ أنه أنشد غير ما نقله الزهري ، لأنه نفى أن يكون
بلغه، ولم يطلق النفي المذكور . على أن ابن سعد روى عن عفان ،
عن معتمر بن سليمان، عن معمر، عن الزهري، قال: ((لم يقل
النبي ◌َّ شيئاً من الشعر ، قيل قبله ، أو يروى عن غيره، إلا هذا))،
كذا قال ، وقد قال غيره : إن الشعر المذكور لعبد الله بن رواحة ، فكأنه
لم يبلغه ، وما في الصحيح أصح ، وهو قوله (( شعر رجل من
المسلمين)). انتهى. ((فتح)) جـ ٧ ص٢٩١.
تنبيه :
قد ذكر العلامة القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى :
﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] بحثاً نفيساً، فقال :
إصابة الوزن أحياناً لا يوجب أنه يعلم الشعر ، وكذلك ما يأتي أحياناً
من نثر كلامه ما يدخل في وزن ، کقوله يوم حنين ، وغيره :
وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيت
هَلْ أَنْتِ إِلا إِصْبَعْ دَمِيتِ
وقوله:
أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ
أَنَا النّبِيُّ لا حَذِبْ
فقد يأتي مثل ذلك في آيات القرآن ، وفي كل كلام ، وليس ذلك
شعراً ، ولافي معناه؛ كقوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفقُوا مِمَّا

٦١١ _
١٢ - باب نبش القبور، واتخاذارضها مسجداً - حديث رقم ٧٠٢
تُحبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. وقوله: ﴿نَصْرَ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ
[الصف: ١٣]. وقوله: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ﴾
[سبأ: ١٣]. إلى غير ذلك من الآيات .
وقد ذكر ابن العربي منها آيات ، وتكلم عليها ، وأخرجها عن
الوزن ، على أن أبا الحسن الأخفش قال في قوله: ((أنا النبي لا كذب)):
ليس بشعر .
وقال الخليل في كتاب العين : إن ما جاء من السجع على جزءين لا
يكون شعراً . وروي عنه أنه من منهوك الرجز . وقد قيل : لايكون من
منهوك الرجز إلا بالوقف على الباء من قوله: ((لاكذب)). ومن قوله:
((عبد المطلب)). ولم يعلم كيف قاله النبي تَّهُ. قال ابن العربي:
والأظهر من حاله أنه قال: ((كَذبٌ)) الباء مرفوعة، وبخفض الباء من
عبد المطلب على الإضافة .
وقال النحاس: قال بعضهم : إنما الرواية بالإعراب ، وإذا كانت
بالإعراب لم يكن شعراً ؛ لأنه إذا فَتَحَ الباء من البيت الأول ، أو
ضمها، أو نونها ، وكسر الباء من البيت الثاني خرج عن وزن الشعر .
وقال بعضهم : ليس هذا الوزن من الشعر . وهذا مكابرة العيان ؛
لأن أشعار العرب على هذا قد رواها الخليل وغيره .
وأما قوله: ((هل أنت إلا إصبع دميت)) ، فقيل: إنه من بحر
السريع ، وذلك لا يكون إلا إذا كسرت التاء من دميت ، فإن سكن لا

- ٦١٢
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
يكون شعراً بحال ؛ لأن هاتين الكلمتين على هذه الصفة تكون فعول ،
ولا مدخل لفعول في بحر السريع ، ولعل النبي ثمّ قالها ساكنة التاء،
أو متحركة التاء من غير إشباع .
والمعول عليه في الانفصال على تسليم أن هذا شعر ، ويُسْقطُ
الاعتراض، ولا يلزم منه أن يكون النبي ◌َّ عالماً بالشعر ، ولا شاعراً
أن التمثل بالبيت النزر ، وإصابة القافيتين من الرجز وغيره لا يوجب أن
يكون قائلها عالماً بالشعر ، ولا يسمى شاعراً باتفاق العلماء ، كما أن من
خاط خيطاً لا يكون خياطاً .
قال أبو إسحاق الزجاج : معنى ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهَ الشّعْرِ﴾ [يس: ٦٩]:
وما علمناه أن يشعر ، أي ما جعلناه شاعرًا ، وهذا لا يمنع أن ينشد شيئاً
من الشعر .
قال النحاس : وهذا من أحسن ما قيل في هذا . وقد قيل : إنما
خَبَّرَ الله عز وجل أنه ما علمه الله الشعر، ولم يخبر أنه لا ينشد شعراً،
وهو ظاهر الكلام . وقيل فيه قول بَيِّنٌ ، زعم صاحبه أنه إجماع من أهل
اللغة ، وذلك أنهم قالوا : كل من قال قولاً موزوناً لا يقصد به إلى
شعر، فليس بشعر ، وإنما وافق الشعر، وهذا قول بَيِّنٌ.
قالوا : وإنما الذي نفاه الله عن نبيه عم ◌ّ فهو العلم بالشعر ،
وأصنافه، وأعاريضه ، وقوافيه ، والاتصاف بقوله ، ولم يكن موصوفاً
بذلك بالاتفاق ، ألا ترى أن قريشاً تراوضت فيما يقولون للعرب فيه إذا

٦١٣ -
١٢ - باب نبش القبور ، واتخاذارضها مسجداً - حديث رقم ٧٠٢
قدموا عليهم الموسم ، فقال بعضهم : إنه شاعر ، فقال أهل الفطنة
منهم: والله لتكذبنكم العرب ، فإنهم يعرفون أصناف الشعر ، فوالله
ما یشبه شيئاً منها ، وما قوله بشعر.
وقال أنيس أخو أبي ذرّ : لقد وضعت قوله على أقراء الشعراء ، فلم
يلتئم . أخرجه مسلم . وكان أنيس من أشعر العرب - وأقراءُ الشعر:
أنواعه ، وطرقه ، وبحوره ..
وكذلك عتبة بن أبي ربيعة لما كلمه : والله ما هو بشعر ، ولا كهانة،
ولا سحر . وكذلك قال غيرهما من فصحاء العرب العرباء واللُّسْن
البلغاء .
ثم إن ما يجري على اللسان من موزون الكلام لا يعد شعراً ، وإنما
يعد منه ما يجري على وزن الشعر مع القصد إليه ؛ فقد يقول القائل :
حدثنا شيخ لنا ، وينادي : يا صاحب الكسائي . ولا يعدّ هذا شعراً .
وقد كان رجل ينادي في مرضه ، وهو من عُرض العامة العقلاء :
اذهبوا بي إلى الطبيب ، وقولوا : قد اكتوى . انتهى كلام القرطبي
رحمه الله ج١٥ ص٥٢ -٥٤.
قال الجامع عفا الله عنه : هذا الجواب الأخير هو الأحسن
عندي، وحاصله أن الشعر المعني في قوله تعالى: ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشّعْرَ
وَمَا يَنْبَغِي لَه﴾ [يس: ٦٩] هو الذي وقع عن قصد ، وأما ما وقع
اتفاقاً، فلا. فما وقع من كلامه مي موزوناً ، وكذا ما أنشده لغيره ،

__ ٦١٤
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
وما وقع في الآيات القرآنية ، فليس شعراً ، لما قلنا . وبهذا يزول
الإشكال . والله أعلم .
(اللهم) معناه : يا ألله ، وقال البصريون : اللهم دعاء بجميع
أسمائه ، إذ الميم تشعر بالجمع ، كما في عليهم ، وقال الكوفيون :
أصله الله أمَّنَا بخير، أي اقصدنا، فخفف، فصار ((اللهم)) (لا خير إِلا
خير الآخرة)، وفي رواية أبي داود ((اللهم إن الخير خير الآخرة
(فانصر الأنصار) هكذا رواية المصنف ((فانصر)) ، وهي رواية
البخاري في الهجرة ، ورواية أبي داود أيضاً ، ووقع في رواية الأكثرين
للبخاري ((فاغفر للأنصار))، وللمستملي، والحموي ((فاغفر الأنصار))
بحذف اللام ، بتضمین ((اغفر)) معنی (( استر)).
والأنصار : جمع نصير ، كأشْراف ، جمع شريف ، والنصير :
الناصر، من نصره الله على عدوه ، ينصره ، نصراً، والاسم:
النصرة، وسموا بذلك، لأنهم آووا النبي عملهم ، وعزروه ، ونصروه،
واتبعوا النور الذي أنزل معه ، رضي الله عنهم .
(والمهاجرة) أي الجماعة المهاجرة ، وهم الذين هاجروا من مكة
إلى المدينة فراراً بدينهم إلى الله تعالى، وإلى رسوله ملئ﴾ .
والهجرة في الأصل ، من الهَجْر ، ضدِّ الوصل، وقد هَجَرَه،
هَجْراً ، وهجْرانا ، ثم غلب على الخروج من أرض إلى أرض ، وترك
الأولى للثانية . يقال منه : هاجر مهاجرة . والله تعالى أعلم، وهو
المستعان، وعليه التكلان .

٦١٥ _
١٢ - باب نبش القبور ، واتخاذارضها مسجداً - حديث رقم ٧٠٢
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته :
حديث أنس رضي الله عنه هذا متفق عليه .
المسألة الثانية : في بیان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا (١٢ /٧٠٢)، و((الكبرى)) (١٢/ ٧٨١) عن عمران بن
موسى ، عن عبد الوارث ، عن أبي التياح ، عن أنس رضي الله تعالى
عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه :
أخرجه البخاري ومسلم وأبوداود وابن ماجه .
فأخرجه البخاري في ((الصلاة))، وفي موضعين من الوصايا ، وفي
الهجرة من المناقب ، عن مسدد ، وفي ((الحج)) عن أبي معمر عبد الله
ابن عمرو ، وفي ((البيوع)) عن موسى بن إسماعيل ، وفي الوصايا عن
إسحاق، عن عبد الصمد بن عبد الوارث ، وفي الهجرة عن إسحاق بن
منصور ، عن عبد الصمد .
ومسلم في ((الصلاة)) عن يحيى بن يحيى ، وشيبان بن فروخ ،
ستتهم عن عبد الوارث بن سعيد ، به .
وأبو داود فيه عن مسدد به . وعن موسى بن إسماعيل ، عن
حماد، عنه نحوه .

- ٦١٦
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
وابن ماجه فيه عن علي بن محمد ، عن وكيع ، عن حماد بن سلمة
ببعضه: كان موضع مسجد النبي ◌َّ لبني النجار ... إلى آخر
الحدیث .
وأخرجه أحمد (٢١١/٣، ١١٨، ١٨٠، ١٢٣، ٢٤٤)، وابن خزيمة
رقم (٧٨٨) . والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة : في فوائده :
منها : ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى ، وهو جواز نبش قبور
المشركين ، واتخاذ أرضها مسجدًا للصلاة فيه .
ومنها : مشروعية الهجرة من بلاد الكفر إلى دار الإسلام .
ومنها : جواز الارتداف على دابة واحدة ، لكن إذا كانت تطيق
ذلك.
ومنها : جواز الْتفَاف الْمَرْءُوسينَ حول رئيسهم ، احتراماً له .
ومنها : أن للرئیس أن یخص بعض قومه بالنزول عنده ، إذا كان
قريباً له ، تقديماً لحق القرابة .
ومنها : مشروعية الصلاة في أي مكان حضرت .
ومنها : جواز الصلاة في مرابض الغنم ، وكون بعرها وبولها
طاهراً على الراجح من أقوال أهل العلم .

٦١٧ -
١٢- باب نبش القبور ، واتخاذارضها مسجداً - حديث رقم ٧٠٢
ومنها : المبادرة ببناء المسجد قبل بناء المنازل .
ومنها : مشروعية بيع الأرض وشرائها ومنع اغتصابها .
ومنها : مشروعية التبرع لله تعالى بما يملكه من الأراضي .
ومنها : جواز قطع الأشجار ، وإن كانت مثمرة للحاجة .
ومنها : جواز الصلاة في مقابر المشركين بعد نبشها، وإخراج ما
فيها .
ومنها : أن المشرك لا حرمة لدمه ، ولا لعظامه بعد موته .
ومنها : جواز قول الشعر ، ولا سيما الرجز للتعاون على الأعمال
الشاقة لما فيها من تحريك الهمة ، وتشجيع النفوس على معالجة الأمور
الصعبة .
قال في ((الفتح)): وذكر الزبير من طريق مجمع بن يزيد ، قال قائل
من المسلمين في ذلك [من الرجز] :
ذَاكَ إِذَاً لَلْعَمَلُ الْمُضَلَّلُ
لَئِنْ فَعَدْنَا وَالنَّبِيُّ يَعْمَلُ
ومن طريق أخرى عن أم سلمة نحوه ، وزاد : قال : وقال علي بن
أبي طالب [من الرجز] :
لا يَسْتَوِي مَنْ يَعْمُرُ الْمَسَاجِدَا يَدْأَبُ فِيهَا قَائِماً وَقَاعِداً
وَمَنْ يُرَى عَنِ التّرَابِ حَائِدًا

- ٦١٨
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
ومنها : أن ما ورد في كراهية البناء مختص بما زاد على الحاجة ، أو
لم يكن في أمر ديني ، كبناء المساجد.
ومنها: ما كان عليه النبي تعمّ من التواضع ، وكمال الخلق ،
حيث ينقل معهم الصخر ، ويجيبهم في شعرهم .
ومنها : أن الخير كل الخير هو خير الآخرة ، لكونه لا ينقطع
بخلاف خیر الدنیا فإنه سریع الزوال .
ومنها : استحباب الدعاء بالنصر للمسلمين . والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب .

٦١٩ -
١٣ - النهي عن اتخاذ القبور مساجد - حديث رقم ٧٠٣
١٣ - النَّحْيُ عَنِ الْغَاذِ القُبُورِ مَسَاجِدَ
أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على النهي عن اتخاذ القبور
مساجد للصلاة فيها .
والمراد بالقبور : قبور الأنبياء والصالحين بدليل الباب السابق.
٧٠٣ - أخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْر، قَالَ: أنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ الْبَارَك،
عَنْ مَعْمَر ، ويُونُسَ ، قَالَ: قَال الزُّهْرِيُّ: أخْبَرَنِي
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ عَائِشَةً ، وَأَبْنَ عَبَّاسٍ ، قَالا :
لَمَّ نُزِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَطَفَقَ يَطْرَحُ
خَمِيصَةٌ لَّهُ عَلَى وَجْهِهِ ، فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ ،
٠
قَالَ - وَهُوَ كَذَلكَ .: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى
اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ».
٠٠
رجال هذا الإسناد : ثمانية
١ - (سويد بن نصر) أبو الفضل المروزي، ثقة، من [١٠]،
تقدم في ٤٥/ ٥٥ .
٢ - (عبد الله بن المبارك) أبو عبد الرحمن الحنظلي المروزي ،
ثبت حجة ، من [٨]، تقدم في ٣٦/٣٢.

- ٦٢٠
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
٣ - (معمر) بن راشد أبو عروة البصري ثم اليمني ، ثقة ثبت ،
من [٧]، تقدم في ١٠/ ١٠.
٤ - (يونس) بن يزيد الأيلي، ثقة ثبت، من [٧]، تقدم في ٩/ ٩.
٥ - (الزهري) محمد بن مسلم المدني ، ثبت حجة ، من [٤]،
نقدم في ١/ ١ .
٦ - (عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي
أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت فقيه، من [٣]، تقدم في ٢٢٢ .
٧ - (عائشة) أم المؤمنين رضي الله عنها ، تقدمت في ٥/٥ .
٨ - (ابن عباس) عبد الله ، الحبر البحر رضي الله عنه ، تقدم في
٣١/٢٧.
ولطائف الإسناد تقدم غير مرة . والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
( أن عائشة ، وابن عباس) رضي الله عنهم (قالا: لما نُزل
برسول الله ◌َّه) بالبناء للمفعول ، ونائب الفاعل الجار والمجرور ،
والأصل : لما نَزَل الموتُ برسول الله
.
وفي الفتح : قوله : (لما نَزَلَ) كذا لأبي ذر بفتحتين ، والفاعل
محذوف ، أي الموت ، ولغيره بضم النون ، وكسر الزاي . انتهى.
ج١ ص٦٣٤. فأفاد أن رواية الأكثرين بالبناء للمفعول.