Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١ -
٢ - باب المباهاة في المساجد - حديث رقم ٦٨٩
والقَصَّة ، وجعل عمده من حجارة منقوشة ، وسقفه بالساج)).
قال في الفتح : وقال ابن بطال وغيره : هذا يدل على أن السنة في
بنيان المسجد القصد ، وترك الغلو في تحسينه ، فقد كان عمر مع كثرة
الفتوح في أيامه ، وسعة المال عنده لم يغير المسجد عما كان عليه ، وإنما
احتاج إلى تجديده لأن جريد النخل كان قد نخر في أيامه ، ثم كان
عثمان ، والمال في زمانه أكثر ، فحسنه بما لا يقتضي الزخرفة ، ومع
ذلك فقد أنكر بعض الصحابة عليه .
وأول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك بن مروان، وذلك في
أواخر عصر الصحابة ، وسكت كثير من أهل العلم على إنكار ذلك
خوفاً من الفتنة .
ورخص في ذلك بعضهم - وهو قول أبي حنيفة - إذا وقع على سبيل
التعظيم للمساجد ، ولم يقع الصرف على ذلك من بيت المال .
وقال ابن المنير : لما شيد الناس بيوتهم ، وزخرفوها ناسب أن
يصنع ذلك بالمساجد صوناً لها عن الاستهانة ، وتعقب بأن المنع إن كان
للحث على اتباع السلف في ترك الرفاهية ، فهو كما قال ، وإن كان
لخشية شغل بال المصلي بالزخرفة ، فلا ، لبقاء العلة . انتهى. فتح ج١
ص ٦٤٣ - ٦٤٤.
وقد أشبع العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى الكلام في هذه المسألة
في نيله جـ٢ ص ٢٦٠ -٢٦١، بما لا تجده عند غيره ، فإن شئت التحقيق
فراجعه . وبالله التوفيق .

٤٤٢
--
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب .

٤٤٣ -
٣ - باب ذكر أي مسجد وضع أولاً؟ حديث رقم ٦٩٠
٣ - ذكْرُ أَيُّ مَنْجِدٍ وُضْعَ أَوَّلاً ؟
٠
أي هذا باب ذكر الحديث الذي فيه قول أبي ذر رضي الله عنه
للنبي ◌َّهُ: ((أي مسجد وضع أولاً؟)).
فأيُّ - بضم الهمزة، وتشديد الياء - اسم استفهام، مرفوع على
الابتداء، وخبره جملة ((وضع)) وهو بالبناء للمفعول، و((أولاً))
منصوب على الظرفية متعلق بوضع ، وفي نسخة ((أوَّلُ) بالبناء على
الضم ، لقطعه عن الإضافة ، ونية معناها ، كقبلُ ، وبعدُ ، قال ابن
مالك رحمه الله في خلاصته :
واضْمُمْ بِنَاءً غَيْراً إِنْ عَدِمْتَ مَا لَهُ أُضِيفَ نَاوِياً مَا عُدِمَا
وَدُونُ وَالْجِهَاتُ أَيْضاً وَعَلُ
قَبْلُ كَغَيْرُ بَعْدُ حَسْبُ أوَّلُ
قَبْلاً وَمَا مِنْ بَعْدِهِ قَدْ ذُكرَا
وَأَعْرَبُوا نَصْباً إِذَا مَا نُكِّرَا
والله تعالى أعلم.
٦٩٠ - أخْبَرَنَا عَلَيُّ بْنُ حُجْر، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلَيّ بْنَ مَسْهر ،
عَن الأعْمَّشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ : كُنْتُ أَقْرأْ عَلَىَ أَبي
القُرَانَ فِي الَسِّكَّة ، فَإِذَا قَرَأْتُ السَجْدَةَ سَجَدَ ، فَقُلْتُ:
يَا أَبَت أَتَسْجُدُ فِيَ الطَّريق، فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ ، يَقُولُ:
سَأَلْتَّ رَسُولَ اللَّهِ تَ، أيُّ مَسْجَدَ وُضِعَ أوَّلاً؟ قَالَ:

- ٤٤٤
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
(المَسْجُدُ الحَرَامُ))، قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قَالَ: المَسْجدُ الأقْصَى))،
قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَال: ((أَرْبَعُونَ عَاماً، والأرْضُ لَكَ
مَسْجِدٌ، فَحَيْثُمَا أدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ، فَصَلِّ)) .
رجال هذا الإسناد : ستة
١ - (علي بن حُجر) السعدي المروزي ، ثم البغدادي ، ثم
المروزي ، ثقة حافظ ، توفي سنة ٢٤٤، من صغار [٩]، تقدم في
١٣/١٣.
٢ - (علي بن مسهر) الكوفي ، قاضي الموصل ، ثقة ، له
غرائب بعد ما أضَرَّ، من [٨]، تقدم في ٥٢/ ٦٦.
٣ - (الأعمش) سلیمان بن مهران الکوفي ، ثقة حافظ مدلس ،
من [٥]، تقدم في ١٧ / ١٨ .
٤ - (إِبراهيم) بن يزيد بن شَريك التّيْمي ، أبو أسماء الكوفي
ے
العابد ، ثقة يرسل ويدلس، من [٥]، تقدم في ١٢١ / ١٧٠ .
٥ - (يزيد بن شريك) بن طارق التيمي الكوفي ، ثقة ، يقال :
أدرك الجاهلية، توفي في خلافة عبد الملك ، من [٢].
روى عن عمر، وعلي ، وأبي ذر ، وابن مسعود ، وأبي مسعود،
وحذيفة ، وأبي معمر. وعنه ابنه إبراهيم ، وإبراهيم النخعي ، وجَوَّاب

٤٤٥ -
٣ - باب ذكر أي مسجد وضع أولاً؟ حديث رقم ٦٩٠
التيمي ، والحَكَم بن عتيبة ، وهمام بن عبد الله التيمي الكوفيون .
قال إسحاق بن منصور ، عن يحيى بن معين : ثقة ، وذكره ابن
حبان في الثقات ، وقال ابن سعد : كان ثقة ، وكان عَريفَ قومه ، وله
أحاديث . وقال أبو موسى المديني في الذيل : يقال: إنه أدرك الجاهلية.
أخرج له الجماعة .
٦ - (أبو ذر) جُنْدَب بن جُنَادة على الأصح ، وقيل : غيره ،
الصحابي المشهور رضي الله عنه، تقدم في ١٤١/ ٣٢٢ . والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من سداسيات المصنف .
ومنها : أن رجاله كلهم ثقات ، اتفقوا عليهم إلا شيخه ، فلم
يخرج له أبو داود ، وابن ماجه، و کلهم کوفیون ، إلا شيخه فمروزي ،
نزل بغداد ، ثم مرو ، وأبا ذر ، فقد نزل المدائن ، ومات بالرَبَذَة ،
موضع قريب من المدينة .
ومنها : أن فيه رواية ثلاثة من التابعيين ، بعضهم عن بعض :
الأعمش ، عن إبراهيم ، عن أبيه .
ومنها : رواية الابن عن أبيه . والله تعالى أعلم.

- ٤٤٦
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
شرح الحديث
(عن إِبراهيم) بن يزيد التيمي ، أنه (قال : كنت أقرأ على أبي
القرآن) وفي رواية لمسلم ، وابن خزيمة ، من طريق أخرى عن
الأعمش، عن إبراهيم التيمي (( كنت أنا وأبي نجلس في الطريق ،
فيعرض علي القرآن ، وأعرض عليه ، فقرأ السجدة ، فسجد ، فقلت :
تسجد في الطريق ؟ قال: نعم ، سمعت أباذر)) ، فذكره . قاله في
((الفتح)) .
(في السِّكَّة) متعلق بأقرأ ، وهي - بكسر السين ، وتشديد
الكاف - : الزُّفَاقُ، والسكة أيضاً : الطريق المُصْطَفَّة من النخل . أفاده
في المصباح . وفي اللسان ، وقيل : إنما سميت الأزقّة سككاً
لاصطفاف الدُّور فيها ، كطرائق النخل . انتهى .
ووقع في رواية مسلم (( السَّدَّة» بالدال بدل السكة ، قال النووي
رحمه الله : هي بضم السين ، وتشديد الدال ، هكذا هو في صحيح
مسلم ، ووقع في كتاب النسائي ((في السكة))، وفي رواية غيره (( في
بعض السكك)) ، وهذا مطابق لقوله : يا أبت في الطريق ، وهو مقارب
الرواية مسلم ، لأن السدة واحدة السُّدِّ، وهي المواضع التي تُطلُّ حول
المسجد ، وليست منه ، ومنه قيل لإسماعيل : السَّدِّي ، لأنه كان يبيع
في سُدَّة الجامع ، وليس للسدة حكم المسجد، إذا كانت خارجة عنه .
انتھی. «شرح مسلم)» جه ص٣.

٤٤٧ -
٣ - باب ذكر أي مسجد وضع أولاً ؟ حديث رقم ٦٩٠
(فإذا قرأت السجدة) أي آيتها (سجد) قال القاضي عياض:
واختلف العلماء في المعلم ، والمتعلم إذا قرآ السجدة، فقيل : عليهما
السجود لأول مرة ، وقيل : لا سجود . انتهى . وسيأتي تحقيق
البحث في موضعه ، إن شاء الله تعالى .
(فقلت: يا أبت) بكسر التاء ، وهو الأكثر ، وفتحها ، قال في
الخلاصة :
وَفِي النِّدَا أَبَتِ أُمَّتِ عَرَضْ وَاكْسِرْ أَوِ افْتَحْ وَمِنَ الْيَا التَّا عِوَضْ
وحكي ضمها، وهو قليل ، وقد ذكر النحاة في نداء الأبوين تسع
لغات، وقيل : عشر ، انظر تفاصيلها في شروح الخلاصة ، وغيرها.
(أتسجد في الطريق؟) وهو محمول على أن سجوده على طاهر.
قاله النووي.
(فقال : إني سمعت أبا ذر) رضي الله عنه (يقول: سألت
رسول الله تَُّ، أيُّ مسجد وضع أولاً) وفي نسخة ((أوَّلُ)) وهي
رواية البخاري ، وتقدم توجيههما في أول الباب . ولفظ الكبرى
(سألت رسول الله عَّ﴾. عن أول مسجد وضع في الأرض)).
(قال) تَّ: (المسجد الحرام) بالرفع مبتدأ حذف خبره ، لدلالة
السؤال عليه ، أي المسجد الحرام : وضع أوّلاً ، أو نائب فاعل لفعل
محذوف ، أي وُضِعَ المسجد الحرام أوّلاً .

- ٤٤٨
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
(قلت : ثم أي) بالتنوين ، وتركه ، كما تقدم في حديث ابن
مسعود رضي الله عنه (( أي العمل أحب إلى الله تعالى)) رقم (٦١٠) .
قال في الفتح: وهذا الحديث يفسر المراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ
بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِيَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦]، ويدل على أن المراد
بالبيت بيت العبادة، لا مطلق البيوت ، وقد ورد ذلك صريحاً عن
علي رضي الله عنه ، أخرجه إسحاق بن راهويه ، وابن أبي حاتم ،
وغيرهما بإسناد صحيح عنه، قبله قال: (( كانت البيوت قبله ، ولكنه
کان أول بيت وضع لعبادة الله )) . انتهى. فتح ج ٢ ص ٤٧٠.
(قال المسجد الأقصى) يعني بيت المقدس، قيل له : الأقصى
لبعد المسافة بينه وبين الكعبة ، وقيل : لأنه لم يكن وراءه موضع
عبادة. وقيل : لبعده عن الأقذار والخبائث . والمقدس المطهر عن
ذلك. قاله في الفتح .
(قلت : كم بينهما) أي كم مدة بين بنائهما . (قال : أربعون
عاماً) قال في الفتح : قال ابن الجوزي : فيه إشكال ، لأن إبراهيم بنى
الكعبة، وسليمان بنى بيت المقدس ، وبينهما أكثر من ألف سنة . انتهى.
ومستنده في أن سليمان عليه السلام هو الذي بنى المسجد الأقصى،
ما رواه النسائي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً بإسناد
صحيح ((أن سليمان لما بنى بيت المقدس سأل الله تعالى خلالاً ثلاثًا))،
الحدیث .

٤٤٩ -
٣ - باب ذكر أي مسجد وضع أولاً ؟ حديث رقم ٦٩٠
وفي الطبراني من حديث رافع بن عميرة (( أن داود عليه السلام ابتدأ
ببناء بيت المقدس ، ثم أوحى الله إليه : إني لأقضي بناءه على يد
سليمان)) ، وفي الحديث قصة.
قال : وجوابه أن الإشارة إلى أول البناء ، ووضع أساس المسجد ،
وليس إبراهيم أول من بنى الكعبة ، ولا سليمان أول من بنى بيت
المقدس ، فقد روينا : أن أول من بنى الكعبة آدم ، ثم انتشر ولده في
الأرض ، فجائز أن يكون بعضهم قد وضع بيت المقدس ، ثم بنى
إبراهيم الكعبة بنص القرآن . وكذا قال القرطبي: إن الحديث لا يدل
على أن إبراهيم ، وسليمان لما بنيا المسجدين ابتداً وضعهما لهما، بل
ذلك تجدید لما كان أسسه غيرهما .
قال الحافظ : وقد مشى ابن حبان في صحيحه على ظاهر هذا
الحديث ، فقال : في هذا الخبر رد على من زعم أن بين إسماعيل وداود
ألف سنة ، ولو كان كما قال ، لكان بينهما أربعين سنة ، وهذا عين
المحال ، لطول الزمان - بالاتفاق - بين بناء إبراهيم عليه السلام البيت ،
وبين موسى عليه السلام .
ثم إن نص القرآن أن قصة داود في قتل جالوت كانت بعد موسى
بمدة . وقد تعقب الحافظ الضياء بنحو ما أجاب به ابن الجوزي.
وقال الخطابي : يشبه أن يكون المسجد الأقصى أول ما وضع بناءه
بعض أولياء الله قبل داود وسليمان ، ثم داود وسليمان فزادا فيه

٤٥٠
-
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
ووسعاه ، فأضيف إليهما بناؤه ، قال : وقد ينسب هذا المسجد إلى
إيلياء ، فيحتمل أن يكون هو بانيه ، أو غيره ، ولست أحقق لم أضيف
إليه .
قال الحافظ : الاحتمال الذي ذكره أولاً موجه ، وقد رأيت لغيره أن
أول من أسس المسجد الأقصى آدم عليه السلام ، وقيل : الملائكة ،
وقيل : سام بن نوح عليه السلام، وقيل : يعقوب عليه السلام ، فعلى
الأولين يكون ما وقع ممن بعدهما تجديداً ، كما وقع في الكعبة ، وعلى
الأخيرين يكون الواقع من إبراهيم أو يعقوب، أصلاً وتأسيساً ، ومن
داود تجديداً لذلك ، وابتداء بناء ، فلم يكمل على يده ، حتى أكمله
سليمان عليه السلام.
لكن الاحتمال الذي ذكره ابن الجوزي أوجه . وقد وجدت ما
يشهد له ، ويؤيد قول من قال : إن آدم هو الذي أسس كلاً من
المسجدين، فذكر ابن هشام في كتاب (( التيجان)) أن آدم لما بنى الكعبة
أمره الله بالسير إلى بيت المقدس، وأن يبنيه ، فبناه ، ونسك فيه ، وبناء
آدم للبیت مشهور ، وروی ابن أبي حاتم من حديث عبد الله بن عمرو
بن العاص ، قال: (( لما كان زمن الطوفان رفع البيت ، وكان الأنبياء
يحجونه ، ولا يعلمون مكانه ، حتى بوأه الله لإبراهيم ، وأعلمه
مكانه» .
وروى البيهقي في ((الدلائل)) من طريق أخری عن عبد الله بن عمرو

٤٥١ -
٣ - باب ذكر أي مسجد وضع أولاً؟ حديث رقم ٦٩٠
مرفوعاً: (( بعث الله جبريل إلى آدم ، فأمره ببناء البيت ، فبناه آدم ،
ثم أمره بالطواف به ، وقيل له : أنت أول الناس ، وهذا أول بيت
وضع للناس)» .
وروى عبد الرزاق عن ابن جريج ، عن عطاء (( أن آدم أول من بنى
البيت ، وقيل: بنته الملائكة قبله)). وعن وهب بن منبه (( أول من بناه
شيث بن آدم)) ، والأول أثبت .
وروى ابن أبي حاتم من طريق معمر ، عن قتادة ، قال : وضع الله
البيت مع آدم لما هبط ، ففقد أصوات الملائكة وتسبيحهم ، فقال الله
له: يا آدم إني قد أهبطت بيتاً يطاف به ، كما يطاف حول عرشي ،
فانطلق إليه ، فخرج آدم إلى مكة ، وكان قد هبط بالهند ، ومد له في
خطوه، فأتى البيت ، فطاف به . وقيل: إنه لما صلى إلى الكعبة أمر
بالتوجه إلی بیت المقدس ، فاتخذ فيه مسجداً ، وصلی فیه ، ليكون
قبلة لبعض ذريته .
وأما ظن الخطابي : أن إيلياء اسم رجل، ففيه نظر، بل هو اسم
البلد، فأضيف إليه المسجد ، كما يقال : مسجد المدينة ، ومسجد
مكة. وقال أبو عبيد البكري في معجم البلدان : إيلياء مدينة المقدس ،
فيه ثلاث لغات : مد آخره ، وقصره ، وحذف الياء الأولى . قال
الفرزدق [ من الطويل] :
لَوَى ابنُ أبي الرَّفْراقِ عَيْنَيْهِ بَعْدَمَا دَنَا مِنْ أَعَالِي إِيلِيَاءَ وَغَوَّرَا

- ٤٥٢
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
وعلى ماقاله الخطابي يمكن الجمع ، بأن يقال: إنها سميت باسم
بانيها ، كغيرها ، والله أعلم. انتهى ما في ((الفتح)) ج٦ ص ٤٧٠ - ٤٧١
بزيادة من ص٤٦٣ .
قال الجامع عفا الله عنه : حاصل ما تقدم من الأجوبة أنه لا تنافي
بين هذا الحديث ، وقصة بناء إبراهيم للكعبة ، وسليمان لبيت المقدس،
الإمكان الجمع بأن بناءهما كان تجديداً ، لا تأسيساً ، فمدة أربعين عاماً
كانت بين بناء المسجدين حين أسسا ، ثم جدد إبراهيم الكعبة ،
وسليمان المقدس بمدة متطاولة . والله أعلم .
(والأرض لك مسجد) مبتدأ وخبر ، والجار والمجرور متعلق
بحال المحذوف ، أي حال کونها لك ، أو متعلق بمسجد ، لأن فيه رائحة
الفعل، واللام في الأرض للاستغراق ، لما في جامع سفيان بن عيينة ،
عن الأعمش ((فإن الأرض كلها مسجد)) يعني أنها صالحة للصلاة فيها ،
لكن هذا العموم يخص بأدلة أخرى كالنهي عن الصلاة في المقبرة ،
وفي رواية مسلم (( ثم الأرض لك مسجد)) .
والمراد أنها كلها مسجد ما دامت على الحالة الأصلية التي خلقت
عليها، وأما إذا تنجست فلا ، وإنما ذكر ذلك لبيان أنه لا يؤخر الصلاة،
لإدراك فضل هذين المسجدين .
(فحيثما أدركتك الصلاة ، فصل) أي في أي موضع أدركك
وقت الصلاة ، فصل هناك ، ولا تؤخر . وفيه إشارة إلى المحافظة على

٤٥٣ -
٣ - باب ذكر أي مسجد وضع أولاً؟ حديث رقم ٦٩٠
الصلاة في أول وقتها ، ويتضمن ذلك الندب إلى معرفة الأوقات .
ورواية البخاري ((ثم أينما أدركتك الصلاة بعدُ فصله ، فإن الفضل فيه)).
قال الحافظ رحمه الله : قوله : فصله بهاء ساكنة ، وهي هاء
السكت ، وللكشميهني بحذفها . وقوله : ((فإن الفضل فيه)): أي في
فعل الصلاة إذا حضر وقتها .
وفي الحديث إشارة إلى أن المكان الأفضل للعبادة إذا لم يحصل ،
لا يترك المأمور به لفواته، بل يفعل المأمور في المفضول، لأنه عَّهِ كأنه
فهم عن أبي ذر من تخصيصه السؤال عن أول مسجد وضع أنه يريد
تخصيص صلاته فيه ، فنبه على أن إيقاع الصلاة إذا حضرت ، لا
يتوقف على المكان الأفضل .
وقال الطيبي : يعني سألت أبا ذر عن أماكن بنيت مساجد ،
واختصت العبادة بها ، وأيها أقدم زماناً ، فأخبرتك بوضع المسجدين ،
وتقدمهما على سائر المساجد ، ثم أخبرتك بما أنعم الله عليَّ، وعلى
أمتي من رفع الجُناح، وتسوية الأرض في أداء العبادة فيها. انتهى(١).
والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته :
حديث أبي ذرّ رضي الله عنه هذا متفق عليه .
(١) راجع ((المرعاة)) جـ ٢، ص ٤٦٩.

- ٤٥٤
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا (٦٩٠/٣)، و((الكبرى)) (٧٦٩/٣)، عن علي بن
حجر، عن علي بن مسهر ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التيمي، عن
أبيه عنه. و((الكبرى)) في ((التفسير)) (١١٠٦٩) عن بشر بن خالد، عن
غندر، عن شعبة ، عن سليمان الأعمش به . والله أعلم.
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه :
أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه .
فأخرجه البخاري في ((أحاديث الأنبياء)) (١/١١) عن موسى بن
إسماعيل ، عن عبد الواحد بن زياد ، و(٣/٤١) عن عمر بن حفص بن
غياث ، عن أبيه .
ومسلم في ((الصلاة)) (١/٥٣) عن أبي كامل ، عن عبد الواحد ،
و(١/٥٣) عن أبي بكر، وأبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية، و(١/٥٣)
عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر أربعتهم عن الأعمش، به .
وابن ماجه فيه (٢٧) عن علي بن محمد ، عن أبي معاوية، به .
و(٢٧) عن علي بن ميمون الرقي ، عن محمد بن عبيد ، عن الأعمش
نحوه .
وأخرجه الحميدي (١٣٤)، وأحمد (١٥٠/٥، ١٥٦/٥، ١٥٧/٥،
١٦٠/٥، ١٦٦)، وابن خزيمة رقم (٧٨٧، ١٢٩٠). والله تعالى أعلم.

٤٥٥ -
٣ - باب ذكر أي مسجد وضع أولاً ؟ حديث رقم ٦٩٠
المسألة الرابعة : في فوائده :
منها : بيان أول محل وضع في الأرض لعبادة الله عز وجل .
ومنها : بيان فضل المسجد الحرام ، حيث إنه أول موضع وضع
للعبادة، ثم يليه البيت المقدس .
ومنها : بيان المدة التي بين بناء المسجدين ، وهو أربعون عاماً ،
وهذا بالنسبة للوضع الأوَّيِّ ، فلا ينافي ما ثبت من كون الخليل عليه
الصلاة والسلام بنى الكعبة ، وسليمان ، أو أبوه داود عليهما الصلاة
والسلام بنی بيت المقدس؛ لأن هذا ثانوي ، ثم إنه لم يصح تحديد ما بين
بناءيهما من المدة .
ومنها : كون الأرض كلها مسجدًا تصح الصلاة فيها ، إلا ما
استثني بالنصوص الأخرى ، كما تقدم.
ومنها : أن الأفضل لمن أدركته الصلاة أن يبادر إلى أدائها حيث
دخل وقتها ، ولا يؤخرها ، وإن كان يرجو أنه يَصلُ إلى أحد هذين
المسجدين في آخر وقتها ، ففضل أول الوقت مقدم على ذلك . والله
تعالى أعلم .
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب .

٤٥٦
-
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
٤ - فَضْلُ الصَّلَاةِ فِي المَسْجِدِ الْحَرَامِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على فضل الصلاة في المسجد
الحرام.
والمسجد الحرام ، والبيت الحرام ، والبلد الحرام : أي لا يحل
انتھاکه . قالہ في «المصباح)).
٦٩١ - أخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْتُ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعَبَدِ بِن عَبَّاسٍ ، أنَّ مَيْمُونَةَ زَوْجَ
النَّبِيَِّهِ قَالَتْ: مَنْ صَلَّى فِي مَسْجِدٍ رَسُول اللَّه ◌َِّ
فَإِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ يَقُولُ: ((الصََّةُ فِيهِ
أفضل مِنْ أَلْف صَلاة فيمَا سوَهُ، إلا مَسْجِدَ الكَعْبَة)).
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، أبو رجاء، ثقة ثبت ، من [١٠]،
تقدم في ١ / ١ .
٢ - (الليث) بن سعد، أبو الحارث المصري، الإمام الحجة
ثبت، من [٧]، تقدم في ٣٥/٣١.
٣ - (نافع) العدوي مولى ابن عمر المدني ، ثقة ثبت فقيه ، من

٤٥٧ -
٤ - باب فضل الصلاة في المسجد الحرام - حديث رقم ٦٩١
[٣]، تقدم في ١٢ / ١٢ .
٠٥٠
٤ - (إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس) بن عبد المطلب
الهاشمي المدني ، صدوق ، من [٣] .
روی عن أبيه ، وعم أبيه: عبد الله بن عباس، وروى عن ميمونة.
وروى عنه نافع ، وأخوه عباس بن عبد الله ، وابن جريج . ذكره ابن
حبان في الثقات في طبقة أتباع التابعين . وقال : قيل : إنه سمع من
ميمونة ، وليس ذلك بصحيح عندنا . انتهى .
وقد أخرج البخاري في التاريخ بعد أن روى حديثه عن ميمونة ،
حديث نافع، عنه ، عن ابن عباس ، عن ميمونة . قال البخاري: ولا
یصح فيه عن ابن عباس .
فهذا مشعر لصحة روايته عن ميمونة عند البخاري ، وقد علم
مذهبه في التشدد في هذه المواطن.
وقد نبه المزي في الأطراف على أن روايته عن ميمونة بإسقاط ابن
عباس ليس في صحيح مسلم.
أخرج له مسلم ، وأبو داود ، والمصنف، وابن ماجه .
قال الجامع عفا الله عنه : كتب في هامش (تت) على قول
البخاري رحمه الله : ولا يصح فيه عن ابن عباس : ما نصه : قد يكون
مراد البخاري أنه منقطع ، لأنه لم یصح فيه عن ابن عباس ، فلا يرد

- ٤٥٨
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
قول هؤلاء مع الاحتمال . انتهى . وسيأتي قريباً تحقيق ما قالوه في
هذا، إن شاء الله تعالى .
٥ - (ميمونة) بنت الحارث الهلالية، زوج النبي صلَّى ، قيل :
كان اسمها بَرَّةَ، فسماها النبي ◌َُّ﴾ ميمونة ، وتزوجها بسَرَفَ ،
وماتت فيه سنة ٥١. على الصحيح ، ودفنت في الظلة التي بنى بها
رسول الله تَّى، تقدمت في ٢٣٦/١٤٦ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسيات المصنف .
ومنها : أنه رواته موثقون، اتفق الأئمة على التخريج لهم ، إلا
إبراهيم ، فلم يخرج له البخاري ، والترمذي .
ومنها : أنهم مدنيون ، إلا شيخه ، فبغلاني ، والليث فمصري.
ومنها : أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ نافع عن إبراهيم ، وهو من
رواية الأقران. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن إِبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس) هكذا نسخ ((المجتبى))،
هنا (٦٩١)، و(٢٨٩٨)، و((الكبرى)) (٧٧٠) ((معبد بن عباس))، وأشار
في هامش الهندية إلى أنه وقع في بعض نسخ ((المجتبی)) ((عن ابن عباس))

٤٥٩ -
٤ - باب فضل الصلاة في المسجد الحرام - حديث رقم ٦٩١
بزيادة ((عن)) قبل (( ابن عباس)).
فأما الأول ففيه أن إبراهيم روى هذا الحديث عن ميمونة رضي الله
عنها .
وأما الثاني الذي وقع في بعض النسخ فإنه يدل على أن إبراهيم رواه
عن ابن عباس عنها .
والذي وقع في بعض النسخ هو الذي في صحيح مسلم، وقد انتقده
الحفاظ على مسلم ، وصوبوا إسقاط ابن عباس من السند ، وسأذكر ما
قالوه مع الدفاع عنه في المسائل إن شاء الله تعالى .
( أن ميمونة زوج النبي ◌َّ) رضي الله عنها (قالت: من صلى
في مسجد رسول الله ◌َّه) هكذا نسخ المجتبى ((من صلى)) فعليه:
فمن شرطية، حذف جوابها، لدلالة قولها: ((فإني سمعت ... إلخ))
عليه ، أي فصلاته أفضل. ولفظه في الكبرى ((صَلِّ في مسجد
الرسول ◌َ﴾ ، فإني سمعت إلخ)).
وفي الحديث قصة ساقها مسلم في صحيحه ، من طريق إبراهيم بن
عبد الله عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال: إن امرأة اشتكت
شكوى ، فقالت : إن شفاني الله لأخرجن فلأصلين في بيت المقدس ،
فبَرَأت ، ثم تجهزت تريد الخروج، فجاءت ميمونة زوج النبي تمّ تسلم
عليها ، فأخبرتها ذلك ، فقالت : اجلسي فكلي ما صنعت ، وصلي في
مسجد الرسول ◌َله، فإني سمعت رسول الله عَ ليه يقول ... الحديث.

-- ٤٦٠
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
قال الجامع عفا الله عنه : وبهذا يتبين أن ما وقع في الكبرى من
قوله ((صل)) بحذف الياء بصيغة أمر المذكر خطأ من النساخ ، فإنه
مختصر من القصة المذكورة ، فصوابه (( صلي)) بالياء ، لأنه أمر لتلك
المرأة ، فلا تحذف لأنها ضمير المؤنثة . والله أعلم .
(فإني سمعت رسول الله عَّى يقول: الصلاة فيه) أي في
مسجده ◌َّى (أفضل من ألف صلاة فيما سواه) وفي الرواية الآتية
(٢٩٩٨)، والكبرى (٧٧٠)، وهي رواية مسلم ((فيما سواه من
المساجد)) (إِلا مسجد الكعبة) هكذا هنا بالإضافة، وفي الرواية الآتية
(٢٨٩٨)، والكبرى (٧٧٠) ((إلا المسجد الكعبة)) بتعريف المسجد
أيضاً، وعليها فالكعبة بدل من المسجد .
والمراد بمسجد الكعبة الحرم كله على الراجح ، فاستدلال بعضهم
بهذه الرواية على تخصيص الفضل بما حول الكعبة فقط دون بقية الحرم
غير صحيح ، فإن هذه الرواية بمعنى الرواية الأخرى ((إلا المسجد
الحرام)) إذ الكعبة تطلق على الحرم كله، بدليل قوله تعالى: ﴿هَدْيَا بَالِغَ
الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥] فإنه لا خلاف بين أهل العلم أن المراد بالكعبة
الحرم كله ، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: أي واصلاً إلى الكعبة ،
والمراد وصوله إلى الحرم بأن يذبح هناك ، ويفرق لحمه على مساكين
الحرم ، وهذا أمر متفق عليه في هذه الصورة. انتهى. جـ٢ ص١٠٣ .
وقال القرطبي في تفسيره ج٦ ص ٣١٤: ولم يرد الكعبة بعينها ،