Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ _ ٣٧ - باب الصلاة على النبي ﴾ بعد الأذان - حديث رقم ٦٧٨ ج٦ ص ٣٥٥، و((إِطْراف الْمُسْند)) جـ ٤ ص٦٩، و((المسند الجامع)) جـ ١١ ص٣٨ . والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة : في فوائد الحديث : منها : الأمر بإجابة المؤذن لمن سمع الأذان ، وقد تقدم البحث عنه مستوفى (٦٧٣/٣٣). ومنها: الأمر بالصلاة على النبي ◌َّى بعد الإجابة ، وظاهر الأمر الوجوب إذ لا صارف للأمر إلى الاستحباب . ومنها: الأمر بسؤال الوسيلة له عمّ وحكمه كسابقه . ومنها: بيان معنى الوسيلة ، وعلو شأنها ، وأنها لا تكون إلا لعبد واحد . ومنها : بيان فضل النبي ◌َّ ، حيث اختص بتلك المنزلة الرفيعة. ومنها : أن من سأل له الوسيلة ثبتت له الشفاعة . ومنها: بيان تواضعه عمله ، حيث طلب من أمته الدعاء له بتلك المنزلة مع أنها ستكون له . ومنها : تحقيق معنى إرساله عَّ رحمة للعالمين ، حيث إن من صلى عليه واحدة صلى الله عليه عشراً، ومن سأل له الوسيلة وجبت له الجنة ، إلى غير ذلك مما تناله الأمة بسببه من تضاعف الدرجات ، ورفيع المقامات . والله تعالى أعلم . - ٣٢٢ شرح سنن النسائي - كتاب الأذان إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت ، وإليه أنيب . ٣٢٣ - ٣٨ - باب الدعاء عند الأذان - حديث رقم ٦٧٩ ٣٨ - الدُّعَاءُ مِنْدَ الأَذَانِ أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على مشروعية الدعاء عند سماع الأذان . ٦٧٩ - أخْبَرَنَا قُتَّبَةُ، عَنِ اللَّيْثِ ، عَنِ الْحُكَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ تَّهِ، قَالَ: ((مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: وَأَنَا أشْهَدُ أن لا إله إلا اللَّهُ، وَحْدَهُ ، لا شَريكَ لَهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، رَضيتُ بالله رَبّاً، وبمُخَّمَدِ رَسُولاً وبالإِسْلامِ دِيناً ، غُفِرَلَهُ ذَنْبُهُ)). رجال هذا الإسناد : خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني ، أبو رجاء ، ثقة ثبت ، من [١٠]، تقدم في ١/١. ٢ - (الليث) بن سعد أبو الحارث، الإمام الحجة الثبت الفقيه المصري ، من [٧] ، تقدم في ٣٥. ٣ - (الحُكَيْم بن عبد الله) - بتصغير الأول - بن قيس بن مخرمة ابن المطلب بن عبد مناف المطلبي ، المصري ، صدوق ، توفي سنة - ٣٢٤ شرح سنن النسائي - كتاب الأذان ١١٨، من [٤]، أخرج له مسلم والأربعة. قال النسائي : ليس به بأس ، وذكره ابن حبان في الثقات. ٤ - (عامر بن سعد) بن أبي وقاص الزهري المدني ، ثقة ، توفي سنة ١٠٤، من [٣] . قال العجلي : مدني تابعي ثقة ، وذكره ابن حبان في الثقات . وقال ابن سعد : مات سنة ١٠٤، وكان كثير الحديث . وقال الهيثم بن عدي : مات في خلافة الوليد بن عبد الملك . أخرج له الجماعة . ٥ - (سعد بن أبي وقاص) مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهري ، أبو إسحاق أحد العشرة ، وأول من رمی بسهم في سبيل الله، ومناقبه كثيرة ، مات بالعقيق سنة ٥٥ على المشهور، وهو آخر من مات من العشرة . أخرج له الجماعة ، تقدمت ترجمته في ١٢١/٩٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من خماسيات المصنف ، وأن رواته كلهم موثوقون ، اتفقوا عليهم ، إلا حُكَيْماً ، فلم يخرج له البخاري ، وأنهم ما بين بغلاني ، وهو قتيبة ، ومصريين ، وهما الليث ، وحُكَيم ، ومدنيين ، وهما عامر ، وسعد . ٣٢٥ _ ٣٨ - باب الدعاء عند الأذان - حديث رقم ٦٧٩ وفيه رواية الابن عن أبيه . وفيه أن سعداً ممن أسلم قديماً ، ففي صحيح البخاري عنه ، أنه قال: لقد مكثت سبعة أيام، وإني ثلث الإسلام، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة ، وهو آخر من مات منهم، وهاجر إلى المدينة قبله عَمطي، وشهد بدراً، والمشاهد كلها ، وكان مجاب الدعوة ، فقد روى الترمذي بسنده عنه: أن النبي ◌َّى قال: (( اللهم استجب لسعد إذا دعاك )) فكان لا يدعو إلا استجيب له . وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله ، رضي الله عنه . والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن سعد بن أبي وقاص) رضي الله تعالى عنه (عن رسول الله عَّ) أنه (قال: من ) شرطية مبتدأ (قال حين يسمع المؤذن) أي يسمع قوله : أشهد أن لا إله إلا الله، فقوله: وأنا أشهد عطف على قول المؤذن ، أي وأنا أشهد كما تشهد . قاله السندي . وقال في المنهل : ظاهره يدل على أنه يقول هذا الذكر حال الأذان عقب سماعه الشهادتين، ويحتمل أنه يقوله بعد تمام الأذان ، إذ لو قال ذلك حال الأذان لفاته إجابة المؤذن في بعض كلمات الأذان . انتهى . قال الجامع عفا الله عنه : الاحتمال الأول هو الأولى ، لدلالة العطف عليه ، كما أشار إليه السندي ، إذ قوله : وأنا أشهد عطف على - ٣٢٦ شرح سنن النسائي - كتاب الأذان شهادة المؤذن ، فيقتضي كونه حال الأذان . والله أعلم . ( وأنا أشهد أن لا إله إلا الله ، وحده) أي حال كونه منفرداً في ألوهيته (لا شريك له) في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله (و) أشهد (أن محمداً عبده ورسوله) الإضافة فيهما للاختصاص، والمراد بهما الفرد الكامل في الوصف بهما ، وفيه الإشارة إلى الرد على اليهود والنصارى ، حيث يعتقدون ألوهية بعض الأنبياء . (رضيت بالله) بفتح الراء ، وكسر الضاد ، يقال : رضيت الشيء، ورضيت به ، رضاً : اخترته ، وارتضيته مثله . قاله في المصباح (ربّاً) منصوب على التمييز ، أي بربوبيته ، وبجميع قضائه ، وقدره، فإن الرضا بالقضاء باب الله الأعظم ، وقيل : حال ، أي مربياً، ومالكاً ، وسيداً ، ومصلحاً ، قاله في المرقاة. (و) رضيت (بمحمد) ◌َ﴾ (رسولاً) أي بجميع ما أرسل به ، وبلغه إلينا من الأمور الاعتقادية ، وغيرها. وإعرابه كإعراب ((رباً)). (و) رضيت (بالإِسلام) أي بجميع أحكام الإسلام، من الأوامر، والنواهي ، وغيرهما (ديناً) أي اعتقاداً ، أو انقياداً، وإعرابه كسابقيه. وقال ابن الملك : جملة رضيت : استئنافية ، - يعني استئنافاً بيانياً - كأنه قيل: ما سبب شهادتك ؟ فقال : رضيت بالله ... إلخ. (غفر له ذنبه) أي من الصغائر على ما قيل، وهو جواب ((من)) الشرطية في قوله: ((من قال حين يسمع النداء))، وهو الخبر ، على ٣٢٧ _ ٣٨ - باب الدعاء عند الأذان - حديث رقم ٦٨٠ الأصح ، وهو يحتمل أن يكون إخباراً ، وأن يكون دعاء . قاله ابن الملك. والأول هو المعوَّل عليه. قاله في ((المرقاة)) جـ٢ ص ٣٥٥. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث الأولى : في درجته : حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم . الثانية: في بيان موضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا (٦٧٩)، و((عمل اليوم والليلة)) (٧٣)، و((الكبرى)) (١٦٤٣) عن قتيبة ، عن الليث بن سعد ، عن الحُكّيْم بن عبد الله ، عن عامر بن سعد ، عنه. والله أعلم. الثالثة: فیمن أخرجه معه : أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه ، فأخرجه مسلم (٤/٢) عن محمد بن رمح ، وقتيبة ، كلاهما عن الليث به. وأبو داود (٥٢٥)، والترمذي (٢١٠) عن قتيبة به . وابن ماجه (٧٢١) عن محمد ابن رمح به . وأخرجه أحمد (١/ ١٨١) عن يونس بن محمد ، وقتيبة ، كلاهما عن الليث به . وأخرجه عبد بن حُميد عن وهب جرير ، عن الليث به. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٦٨٠ - أخْبَرنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُور، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، ٣٢٨ - شرح سنن النسائي - كتاب الأذان قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ مُحَمَّد بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَن جَابر، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النَِّاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةَ التَّامَةِ، والصَّلاة الْقَائِمَةِ آَت مُحَمَّداً الوَسيلَةَ ، وَالفَضِيلَةَ، وابْعَثْهُ الَقَامَ المَحْمُودَ الَّذِي وَعَدَتَهُ، إلا حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ». رجال هذا الإسناد : خمسة ١- (عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائي، ثقة ثبت ، من [١١]، أخرج له النسائي ، تقدم في ١٤٧ . ٢ - (عمرو بن عَيَّاش) الألْهَاني الحمصي ، ثقة ثبت، توفي سنة ٢١٩، من [٩]، تقدم في ١٨٥. ٣ - (شُعَيب) بن أبي حمزة دينار الأموي مولاهم ، أبو بشر الحمصي ، ثقة عابد ، قال ابن معين : من أثبت الناس في الزهري ، توفي سنة ١٦٢ أو بعدها ، من [٧]، تقدم في ٨٥ . ٤ - (محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهُدَير التيمي المدني ، ثقة فاضل ، من [٣]، تقدم في ١٣٨ . ٥ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام رضي الله عنهما ، تقدم في ٣٥. والله تعالى أعلم. ٣٢٩ - ٣٨ - باب الدعاء عند الأذان - حديث رقم ٦٨٠ لطائف هذا الإسناد منها : أنه من خماسيات المصنف . ومنها : أن رواته كلهم ثقات . ومنها : أنهم ما بين نسائي ، وهو شيخه ، وحمصیین ، وهما علي، وشعيب ، ومدنیین ، وهما محمد ، وجابر . ومنها: أن الأئمة اتفقوا عليهم ، إلا شيخه ، فقد انفرد هو به ، وعلي بن عياش ، فلم يخرج له مسلم . ومنها : ما قاله الحافظ في الفتح: إن علي بن عياش من كبار شيوخ البخاري ، ولم يلقه من الأئمة الستة غيره ، وقد حدث عنه القدماء بهذا الحديث ، أخرجه أحمد في مسنده عنه ، ورواه علي بن المديني شيخ البخاري مع تقدمه على أحمد عنه ، وأخرجه الإسماعيلي من طريقه . ومنها : أن جابراً رضي الله عنه أحد المكثرين السبعة ، روى ١٥٤٠ حديثاً . والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن محمد بن المنكدر) ذکر الترمذي أن شعیباً تفرد به عن ابن المنكدر ، فهو غريب مع صحته ، وقد توبع ابن المنكدر عليه عن جابر ، أخرجه الطبراني في الأوسط من طريق أبي الزبير ، عن جابر ، نحوه ، ووقع في زوائد الإسماعيلي: أخبرني ابن المنكدر. انتهى. ((فتح)) جـ٢ ص١١٢ . - ٣٣٠ شرح سنن النسائي - كتاب الأذان (عن جابر) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، أنه (قال: قال رسول الله عَّ: من قال حين يسمع النداء) أي الأذان ، فاللام للعهد، ويحتمل أن يكون التقدير : من قال حين يسمع نداء المؤذن . وظاهره أنه يقول الذكر المذكور حال سماع الأذان ، ولا يتقيد بفراغه ، لكن يحتمل أن يكون المراد من النداء تمامه ، إذ المطلق يحمل على الكامل ، ويؤيده حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم ، بلفظ «قولوا مثل ما يقول ، ثم صلوا علي ، ثم سلوا الله لي الوسيلة))، وتقدم للمصنف نحوه (٦٧٨) ففي هذا أن ذلك يقال عند فراغ الأذان. واستدل الطحاوي بظاهر حديث جابر على أنه لا يتعين إجابة المؤذن بمثل ما يقول ، بل لو اقتصر على الذكر المذكور كفاه . وقد بین حدیث عبد الله بن عمرو المراد ، وأن الحين محمول على ما بعد الفراغ. واستدل به ابن بزيزة على عدم وجوب ذلك ، لظاهر إيراده ، لكن لفظ الأمر في رواية مسلم قد يتمسك به من يدعي الوجوب ، وبه قالت الحنفية ، وابن وهب من المالكية ، وخالف الطحاوي أصحابه ، فوافق الجمهور . انتھی. ((فتح)) جـ٢ ص١١٢ . قال الجامع عفا الله عنه : تقدم ترجيح قول من قال بالوجوب ، لظاهر الأمر، مع عدم صارف له . فتنبه . والله أعلم . (اللهم) أي يا الله ، والميم عوض عن حرف النداء ، فلذا لا يجمع بينهما ، فلا يقال : يا اللهم ، إلا في الضرورة ، كما قال ابن ٣٣١ - ٣٨ - باب الدعاء عند الأذان - حديث رقم ٦٨٠ مالك : وَشَذَّ ياَ اللَّهُمَّ فِي قرِیضٍ وَالأَكْثَرُ اللَّهُمَّ بِالتَّعْوِيضِ (رب) منصوب على النداء، أو على المدح، أو على الاختصاص ويحتمل الرفع - إن صحت الرواية - على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي أنت رب ، والرب المربي المصلح للشأن ، وقال الزمخشري : رَبَّهُ ، يَرْبُّهُ، فهو رَبٌّ، ويجوز أن يكون وصفاً بالمصدر للمبالغة ، كما في الوصف بالعدل ، ولم يطلقوا الرب إلا في الله وحده ، وفي غيره على التقييد بالإضافة ، كقولهم : رب الدار ، ونحوه . قاله في ((عمدة القاري» ج٥ ص١٢٢ . (هذه الدعوة) بفتح الدال ، وفي المحكم : الدَّعوة ، والدِّعوة - بالفتح ، والكسر ، والمَدْعَاة ، : ما دعوت إليه ، وخص اللحياني بالمفتوحة الدعاء إلى الوليمة ، قال العيني : قالوا : الدَّعوة - بالفتح . في الطعام ، والدُّعوة - بالكسر في النسب، والدَّعوة - بالضم - في الحرب . والمراد بالدعوة هنا ألفاظ الأذان التي يدعى بها الشخص إلى . عبادة الله تعالى . انتهى. («عمدة القاري)) جـ٥ص١٢٢ . زاد البيهقي من طريق محمد بن عوف الطائي ، عن علي بن عياش ((اللهم إني أسألك بحق هذه الدعوة التامة))، وزاد في آخره (( إنك لا تخلف الميعاد)) ، وهي زيادة ثقة مقبولة ، لا كما قال بعضهم : إنها شاذة مردودة ، وسيأتي تمام البحث عنها في المسائل إن شاء الله تعالى. - ٣٣٢ شرح سنن النسائي - كتاب الأذان والمراد بها دعوة التوحيد، كقوله تعالى: ﴿لَهَ دَعْوَةُ الْحَقّ﴾ [الرعد: ١٤]، وقيل لدعوة التوحيد : تامة ، لأن الشركة نقص ، أو التامة التي لا يدخلها تغيير ، ولا تبديل ، بل هي باقية إلى يوم النشور، أو لأنها هي التي تستحق صفة التمام ، وما سواها فمُعَرَّضٌ للفساد . وقال ابن التين: وصفت بالتامة ؛ لأن فيها أتم القول، وهو (( لا إله إلا الله)) . قاله في الفتح . وقال السندي : ومعنى رب هذه الدعوة : أنه صاحبها ، أو المتمم لها ، والزائد في أهلها ، والمثيب عليها أحسن الثواب ، والآمر بها ، ونحو ذلك . انتهى . (والصلاة القائمة) أي الدائمة التي لا يغيرها ملة ، ولا ينسخها شريعة ، وأنها قائمة ما دامت السماوات والأرض . انتهى. عمدة جـ٢ ص١٢٢، وفي الزهر : أي التي ستقوم ، أي تقام وتُحْضَر. وقال الطيبي: من أوله إلى قوله: ((محمد رسول الله )) هي الدعوة التامة ، والحيعلة هي الصلاة القائمة في قوله: (( يقيمون الصلاة))، ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة الدعاء ، وبالقائمة الدائمة، من قام على الشيء: إذا داوم عليه، وعلى هذا فقوله: ((والصلاة القائمة)) بيان للدعوة التامة ، ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة المعهودة المدعو إليها حينئذ، وهو أظهر. انتهى. ((فتح)) جـ٢ ص ١١٢ - ١١٣. ٣٣٣ _ ٣٨ - باب الدعاء عند الأذان - حديث رقم ٦٨٠ (آت) أي أعط، وهو أمر من الإيتـاء، وهو الإعطاء (محمدا الوسيلة) ((محمدًا)) مفعول أول لآت، والوسيلة مفعوله الثاني. وهي ما يتقرب به إلى الكبير، يقال: توسلت، أي تقربت، وتطلق على المنزلة العلية، وقد تقدم ذلك في حديث عبد الله بن عمرو (٦٧٨) بلفظ: ((فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله)) الحديث، ونحوه للبزار عن أبي هريرة، ويمكن ردها إلى الأول بأن الواصل إلى تلك المنزلة قريب من الله، فتكون كالقربة التي يتوسل بها. قاله في ((الفتح)) جـ ٢ ص ١١٣. وتقدم هناك مزيد بسط لتصريف الوسيلة، ومعناها، فارجع إليه تزدد علمًاً . (والفضيلة) بفتح، فكسر، كالفَضْل: خلاف النَّقيصَة، والنَّقْص. أفاده في المصباح. والمراد به هنا المرتبة الزائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أن تكون منزلة أخرى، أو تفسيرًا للوسيلة. قاله في الفتح. تنبيه: زاد بعضهم في هذا الحديث بعد قوله: ((والفضيلة))، قوله: ((والدرجة الرفيعة)). قال الحافظ في التلخيص: وليس في شيء من طرقه ذكر الدرجة الرفيعة، وزاد الرافعي في المحرر في آخره: يا أرحم الراحمين، وليست أيضًا في شيء من طرقه. انتهى. جـ ١ ص ٢١٠. - ٣٣٤ شرح سنن النسائي - كتاب الأذان (وابعثه المقام المحمود) أي يُحْمَدُ القائم فيه ، وهو مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات . ورواية المصنف المقام المحمود ، بالتعريف ، وكذا في صحيحي ابن خزيمة ، وابن حبان ، والطحاوي ، والطبراني في الدعاء ، والبيهقي . قال الحافظ : وفيه تعقب على من أنكر ذلك، کالنووي. ووقع في رواية البخاري وغيره (( مقاماً محموداً)) بالتنكير . قيل: نكر لموافقة لفظ القرآن ، وقيل : لأنه أفخم ، وأجزل، كأنه قيل : مقاماً أي مقاماً محموداً بكل لسان . تنبيه : في نصب ((مقاماً)) أربعة أوجه : أحدها : أنه منصوب على الظرف ، أي ابعثه في مقام . الثاني: أن ينتصب بمعنى ((ابعثه)) لأنه في معنى ((أقمه))، يقال : أُقيمَ من قبره ، وبُعثَ منه ، بمعنىَ، فهو كقعدت جلوساً. الثالث: أنه منصوب على الحال على حذف مضاف ، أي ذا مقام. الرابع: أنه مصدر مؤكد ، ونصبه مقدر ، أي فأقمه مقاماً . ذكر هذه الأوجه كلها العلامة السَّمين الحلبي في كتابه الدر المصون في التفسير ، عند قوله تعالى: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، جـ ٤ ص٤١٤ -٤١٥. ٣٣٥ _ ٣٨ - باب الدعاء عند الأذان - حديث رقم ٦٨٠ قال الجامع عفا الله عنه : كل هذه الأوجه جائزة في رواية المصنف بالتعريف ، إلا النصب على الحال ، ففيه خلاف بين النحاة ، انظر تفاصيل المسألة في شرح قول ابن مالك : وَالْحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظاً فَاعْتَقِدْ تَنْكِيرَهُ مَعنِىٌّ كَوَحْدَكَ اجْتَهِدْ (الذي وعدته) صفة بعد صفة للمقام ، ويجوز نصبه بتقدير أمدح، أو أعني ، ورفعه ، بتقدير هو. وزاد في رواية البيهقي ((إنك لا تخلف الميعاد»، وهي زيادة شاذّة، سيأتي الكلام عليها. قال الطيبي : المراد بذلك قوله تعالى: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودَا﴾ [الإسراء: ٧٩] . وأطلق عليه الوعد ، لأن عسى من الله واقع ، كما صح عن ابن عيينة ، وغيره . قال ابن الجوزي رحمه الله : والأكثر على أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة ، وقيل : إجلاسه على العرش ، وقيل : على الكرسي . وحكَى كُلاّ من القولين عن جماعة . قال في ((الفتح)): وعلى تقدير الصحة لا ينافي الأول ، لاحتمال أن يكون الإجلاس علامة الإذن في الشفاعة ، ويحتمل أن يكون المراد بالمقام المحمود الشفاعة ، كما هو مشهور ، وأن يكون الإجلاس هي المنزلة المعبر عنها بالوسيلة ، أو الفضيلة . ووقع في صحيح ابن حبان من حديث كعب بن مالك مرفوعاً (( يبعث الله الناس ، فيكسوني ربي - ٣٣٦ شرح سنن النسائي - كتاب الأذان حلة خضراء ، فأقول : ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود)). ويظهر أن المراد بالقول المذكور هو الثناء الذي يقدمه بين يدي الشفاعة ، ويظهر أن المقام المحمود هو مجموع ما يحصل له في تلك الحالة ، ويشعر قوله في آخر الحديث ((حلت له شفاعتي)) بأن الأمر المطلوب له الشفاعة . والله أعلم . انتهى فتح جـ٢ ص ١١٣ - ١١٤. وذكر العلامة القرطبي رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]: ما حاصله : اخْتُلفَ في المقام المحمود على أربعة أقوال : الأول : وهو أصحها : الشفاعة للناس يوم القيامة ؛ قاله حذيفة بن اليمان ، وابن عمر رضي الله عنهم. وفي ((صحيح البخاري)) عن ابن عمر ، قال: إن الناس يصيرون يوم القيامة جُثاً - أي جماعة - كل أمة تتبع نبيها ، تقول : يا فلان اشفع ، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي عمّه ، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود. وفي ((صحيح مسلم)) عن أنس، قال: حدثنا محمد عَّ، قال : ((إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض ، فيأتون آدم ، فيقولون له: اشفع لذريتك ، فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بإبراهيم عليه السلام ، فإنه خليل الله ، فيأتون إبراهيم ، فيقول : لست ٣٣٧ _ ٣٨ - باب الدعاء عند الأذان - حديث رقم ٦٨٠ لها ، ولكن عليكم بموسى ، فإنه كليم الله ، فيؤتى موسى ، فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بعيسى ، فإنه روح الله وكلمته ، فيؤتى عيسى، فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بمحمد عَّه ، فأوتى ، فأقول: أنا لها)) ، وذكر الحديث . وذكر الترمذي عن أبي هريرة ، قال: قال رسول اللـه مَ له في قوله: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وسئل عنها؟ قال: ((هي الشفاعة)). قال : هذا حديث حسن صحيح. القول الثاني : أن المقام المحمود : إعطاؤه لواء الحمد يوم القيامة . قال القرطبي : وهذا القول لا تنافر بينه وبين الأول ؛ فإنه يكون بيده لواء الحمد ، ويشفع . روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله عَم: « أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ، وبيدي لواء الحمد ولا فخر ، وما من نبي يومئذ ؛ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي)). وهو حديث صحيح . القول الثالث: ما حكاه الطبري عن فرقة ، منها مجاهد ، أنها قالت: المقام المحمود هو أن يجلس الله تعالى محمداً عمّ معه على الكرسي ؛ وروت في ذلك حديثاً ، وعضد الطبري جواز ذلك بشطط من القول ، وهو لا يخرج إلا على تلطف في المعنى ، وفيه بعد، ولا ينكر مع ذلك أن يروى ، والعلم يتأوله(١). وذكر النقاش عن أبي داود السجستاني أنه قال : من أنكر هذا (١) هكذا العبارة، ولعل الصواب: والعالم يتأوله. والله أعلم. - ٣٣٨ شرح سنن النسائي - كتاب الأذان الحديث فهو عندنا متهم ، مازال أهل العلم يتحدثون بهذا ، من أنكر جوازه على تأويله ؟ . قال أبو عمر : ومجاهد وإن كان أحد الأئمة بتأويل القرآن، فإنَّ له قولين مهجورين عند أهل العلم : أحدهما هذا ، والثاني: في تأويل قوله تعالى: ﴿وُجُوهُ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (٣٢) إِلَىْ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]. قال : تنتظر الثواب ؛ ليس من النظر . وروي عن مجاهد أيضاً في هذه الآية قال : يجلسه على العرش . وهذا تأويله غير مستحيل ؛ لأن الله تعالی کان قبل خلقه الأشياء كلها ، والعرشَ قائماً بذاته ، ثم خلق الأشياء من غير حاجة إليها ، بل إظهاراً لقدرته وحكمته ، وليُعرَف وجودُه وتوحيده ، وكمال قدرته وعلمه بكل أفعاله المحكمة ، وخلق لنفسه عرشاً استوی علیه کما شاء من غیر أن صار له مماساً ، أو كان العرش له مكاناً ، قيل : هو الآن على الصفة التي كان عليها من قبل أن يخلق المكان والزمان ؛ فعلى هذا القول سواء في الجواز أقْعَدَ محمداً على العرش ، أو على الأرض ؛ لأن استواء الله تعالى على العرش ليس بمعنى الانتقال والزوال ، وتحويل الأحوال من القيام والقعود والحال التي تشغل العرش ، بل هو مستو على عرشه كما أخبر عن نفسه بلا كيف ، وليس إقعاده محمداً لَّه على العرش موجباً له صفة الربوبية ، أو مخرجاً له عن صفة العبودية ، بل هو رفع لمحله ، وتشريف له على خلقه . ٣٣٩ - ٣٨ - باب الدعاء عند الأذان - حديث رقم ٦٨٠ وأما قوله في الأخبار ((معه)) فهو بمنزلة قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] و﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١]، ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]، ونحو ذلك ، كل ذلك عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة ، لا إلى المكان . القول الرابع : إخراجه من النار بشفاعته من يخرج ؛ قاله جابر ابن عبد الله ، وأنس بن مالك رضي الله عنهم . أخرج مسلم في الصحيح عن يزيد الفَقير ، قال : كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج، فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد الحج ، ثم نخرج على الناس، فمررنا على المدينة، فإذا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يحدث الناس أو القوم إلى سارية عن رسول الله لم، قال: وإذا هو قد ذكر الجهنمیین ، قال : فقلت له : يا صاحب رسول الله، ما الذي تحدثون؟ والله تعالى يقول: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزِيَتَهَ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، و﴿ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعيدُوا فيهَا﴾ [السجدة: ٢٠]، فما هذا الذي تقولون؟ قال: أتقرأ القرآن ؟ فقلت: نعم، فقال: هل سمعت بمقام محمد نَّه، يعني الذي يبعثه الله عز وجل فيه؟ قلت: نعم، قال: فإنه مقام محمد عمّه الذي يخرج الله به من يخرج . وذكر الحديث. وفي ((صحيح البخاري)) من حديث أنس رضي الله عنه ، عن - - ٣٤٠ شرح سنن النسائي - كتاب الأذان النبي ◌َّهُ، وفيه: وقد سمعته يقول: ((فأخرجهم ، وأدخلهم الجنة حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن)) أي وجب عليه الخلود ، قال: ثم تلا هذه الآية: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، قال: هو المقام المحمود الذي وُعَدَه نبيكم ◌َّه. انتهى من ((تفسير القرطبي)) جـ١٠ص٣١١-٣١٢، بزيادة من تذکر ته ص٢٨٥ - ٢٨٦. قال الجامع عفا الله عنه: القول الراجح عندي تفسير المقام المحمود بالشفاعة ، كما صححه القرطبي ، وقبله ابن جرير الطبري ، لصحته مرفوعاً إلى رسول الله عَّة ، حيث سئل عن معنى الآية ، فقال: ((هي الشفاعة )) كما تقدم في رواية الترمذي ، وأما ما نقل عن مجاهد وغيره من أنه يجلسه على العرش أو الكرسي ، وإن كان معناه لا يستبعد ، كما ذكره ابن جرير والقرطبي ، فالشأن في صفته ، فإن صح مرفوعاً فذاك ، وإلا فلا ينبغي حمل معنى الآية عليه . والله أعلم . (إِلا حلت له شفاعتي يوم القيامة) أي وجبت له ، كما في رواية الطحاوي ، أو استحقها ، واللام بمعنى (( على)) ويؤيده رواية مسلم ((حلت عليه)). وتقدم الكلام بأتم من هذا في الباب السابق ، فارجع إليه تزدد علماً .