Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ - ٣٠ - باب فضل التأذين - حديث رقم ٦٧٠ لكن هل يشمل ذلك التفكر في معاني الآيات التي يتلوها ؟ لا يبعد ذلك ؛ لأن غرضه نقص خشوعه وإخلاصه بأي وجه كان . انتهى . قال الجامع : وفي جعله التفكر في معاني الآيات التي يقرؤها ونحو ذلك من هذا القسم الذي هو من وسوسة الشيطان نظر ، إذ هو من مقاصد الصلاة ؛ لأن ذلك يحمله على الخشوع والإخلاص . فتنبه. والله أعلم . (حتى يظل المرء إِن يدري كم صلى) غاية لوسوسة الشيطان ، أي أنه يوسوس للرجل حتى يصير لا يدري كم صلى من الركعات ، أثلاثاً ، أم أربعاً . و((يظل)) بالظاء المشالة المفتوحة - ومعنى ((يظل)) في الأصل اتصاف المخبر عنه بالخبر نهاراً ، لكنها هنا بمعنى يصير ، كما في قوله تعالى : ظَلَّ وَجْهَهُ مُسْوَدًا﴾ [النمل: ٥٨]، وقيل : معناه يبقى ويدوم. وأشار بعضهم إلى أنه وقع في إحدى نسخ النظامية ، وهي رواية الأصيلي في صحيح البخاري (( حتى يضل)) بكسر - الضاد المعجمة - من باب ضرب ، من الضلال ، أي ينسى ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أو بفتحها من باب تعب ، أي يخطئ، ومنه قوله تعالى: ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه: ٥٢]، والمشهور الأول. أفاده في ((الفتح)). وقال في ((الطرح)): المشهور في الرواية (( حتى يظل الرجل إن يَدْري كم صلى)) - بفتح الظاء من يظل))، وكسر ((إن))، فيظل إحدى - ٢٤٢ شرح سنن النسائي - كتاب الأذان نواسخ الابتداء ، ترفع الاسم ، وتنصب الخبر ، ومعناها في الأصل اتصاف المخبر عنه بالخبر نهاراً ، وهي هنا بمعنى يصير ، كما في قوله تعالى: ﴿ظَلَّ وَجْهَهَ مَسْوَدًا﴾ [النحل: ٥٨]، وقيل: بمعنى يبقى، ويدوم ، وإن نافية ، ويدل على ذلك قوله في رواية البخاري « لايدري)) وفي رواية مسلم ((ما يدري)) والثلاثة حروف نفي . وقال ابن عبد البر: الرواية في ((أن)) ههنا عند أكثرهم بالفتح ، فيكون حينئذ لا يدري ، وكذلك رواه جماعة عن مالك حتى يظل لا يدري كم صلى )) ، ومن رواها بكسر الهمزة ، فمعناه : ما يدري كم صلى ، وإن بمعنى (( ما )) كثير. انتهى . واعترضه بعضهم ، فقال : وهذا غير صحيح ، لأن (( أن )) لا تكون نفياً ، ولا أعلم أحداً من النحويين حكى ذلك ، والوجه في هذه الرواية ((أنْ يدري) بفتح الياء من ((يدري))، وتكون (( أن)) هي الناصبة للفعل ، ويكون (( يضل)) بضاد غير مشالة ، من الضلال الذي هو الحيرة ، كما يقال: ضل عن الطريق، فكأنه قال: يَحَارُ الرجلُ ، ويَذْهَلُ عن أن يدري كم صلى ، فتكون أن في موضع نصب بسقوط حرف الجر ، ويجوز أن يكون من الضلال الذي يراد به الخطأ، فتكون الضاد مكسورة ، كقوله: أَيَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه: ٥٢] وتكون أن في موضع نصب على المفعولية ((لضَلَّ))، لأن ضل التي بمعنى أخطأ لا يحتاج تعديها إلى حرف الجر ، قال طرفة [من الطويل] : وَكَيْفَ يَضِلُّ القَصْدَ وَالحَقِّ وَاضِحّ وَلِلْحَقِّ بَيْنَ الصَّالِحِينَ سَبِيلٌ ٢٤٣ - ٣٠ - باب فضل التاذين - حديث رقم ٦٧٠ قال : ولو روي « حتی یُضلَّ الرجل أنْ يَدري کم صلی)» لکان وجهاً صحيحاً ، يريد به حتى يُضلَّ الشيطانُ الرجلَ عن دراية كم صلى، ولا أعلم أحداً رواه كذا ، لكنه لو روي لكان وجهاً صحيحاً في المعنى ، غير خارج عن مراد رسول الله عمله. انتهى. قال الحافظ العراقي رحمه الله : وما أدري ما وجه تفرقة ابن عبد البربين ((ما)) و((لا))، فجعل رواية الفتح بمعنى ((لا))، ورواية الكسر بمعنى ((ما))، مع أن ((لا))، و((ما)) بمعنى واحد . ثم إنه - أعني ابن عبد البر- لا يعرف قوله ((يظل)) إلا بالظاء المشالة ، ولا يتجه مع ذلك في (( أن)) إلا الكسر، ولا يتجه فيها الفتح ، إلا مع الضاد الساقطة كما حكيناه عن بعضهم وهي رواية ، قال القاضي عياض : حكى الداودي أنه روي ((يضل )) بالضاد، بمعنى ينسى ، ويذهب وهمه، قال الله تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وما حكيته عن ابن عبد البر من ضبطه ((أن)) هنا بالفتح وافقه علیه الأصيلي ، فضبطه بالفتح في صحيح البخاري ، وما حکیته عن المعترض عليه ، ذكره أيضاً القاضي عياض ، فقال : ولا يصح تأويل النفي، وتقدير ((لا)) مع الفتح، وإنما يكون بمعنى ((ما))، والنفي مع الكسر ، قال: وفتحها لا يصح، إلا على رواية من روى (( يضل)) بالضاد ، فتكون ((أن)) مع الفعل بعدها بتأويل المصدر مفعول ((ضل)) أي یجهل درایته ، وينسى عدد ركعاته . انتهى . : س ٢٤٤ شرح سنن النسائي - كتاب الأذان وما ذكره ابن عبد البر من أن أكثرهم على الفتح معارض بنقل القاضي عياض أن أكثرهم على الكسر، وهو المشهور المعروف. قال الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله: وما حكاه والدي رحمه الله عن ابن عبد البر أنه قال: الوجه ((حتى يضل)) الرجل أن يدري ((بفتح ((أن)) الناصبة، وبالضاد المكسورة، لم أره في كلامه، إنما تعرض لفتح الهمزة في أن، ولم يذكر كون الضاد ساقطة، هذا هو الذي وقفت عليه في الاستذكار، والتمهيد، فإما أن يكون الشيخ وقف على هذا الكلام في موضع آخر، وإما أن يكون خرَّج على ما ذكره ابن عبد البر في فتح الهمزة أن يكون ((يضل)) بالضاد الساقطة، وألزمه ذلك، إذ لا يمكن مع فتح الهمزة أن يكون يظل بالظاء المشالة. انتهى. طرح جـ ٢ ص ١٩٩ . ٢٠١. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا من رواية الأعرج عنه متفق عليه . المسألة الثانية: في بيان موضع ذكره عند المصنف: أخرجه هنا (٦٧٠)، وفي ((الكبرى)) (١٦٣٤) عن قتيبة، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عنه. والله تعالى أعلم. ٢٤٥ - ٣٠ - باب فضل التأذين - حديث رقم ٦٧٠ المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرج معه البخاري ومسلم وأبو داود . فأخرجه البخاري في ((الصلاة)) عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك به . وأخرجه مسلم فيه عن قتيبة ، عن المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، عن أبي الزناد به . وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي ، عن مالك به . المسألة الرابعة : في فوائده: منها : ما ترجم له المصنف ، وهو فضل التأذين ، وعظم قدره ، حيث إن الشيطان يهرب منه ، ولا يهرب عند قراءة القرآن في الصلاة التي هي أفضل الأحوال ، بدليل قوله: ((فإذا قضي التثويب أقبل)) ، ويكفي هذا في فضل الأذان . قاله العراقي . ومنها : أن الشیطان یتأذی منه ، فلا يستطيع سماعه . ومنها : أن الشيطان له تسلط على الإنسان بالوسوسة حتى في حال الصلاة ، وأنه شديد الحرص على الإضرار به ، فيجب الحذر منه . ومنها : أن للشيطان ضراطاً على حقيقته ، كما تقدم تحقيقه ، ولا حاجة إلى ما تكلف له بعضهم بتأويله . ومنها : أن الإقامة يقال لها : التثويب ، وهي مشروعة ، وما -- ـ ٢٤٦ شرح سنن النسائي - كتاب الآذان تقدم في کون التثویب بدعة کما نقل عن ابن عمر رضي الله عنهما هو ما كان بين الأذان والإقامة من قوله : حي علي الصلاة ، حي على الفلاح، ونحو ذلك . ومنها : أن التفكر في الصلاة ، والسهو لا يبطلها ، وهو إجماع . المسألة الخامسة : أنه يدل هذا الحديث على أنه كان في زمنه ◌َّ﴾ يفصل بين الأذان والإقامة بزمن ، وذلك دليل على أنه لا يشترط في تحصيل فضيلة إيقاع الصلاة في أول وقتها انطباق أولها على أول الوقت، إذ لو كان كذلك لما واظبوا على ترك هذه الفضيلة ، وهذا هو الصحيح المعروف ، وقيل : لا يحصل ذلك إلا بأن ينطبق أول التكبيرة على أول الوقت ، وهو شاذ ، وهذا الحديث يدل على خلافه ، قاله في طرح جـ٢ ص٢٠٤ . والله تعالى أعلم. المسألة السادسة: أنه يستدل به على استحباب رفع الصوت بالأذان، فإنه ذكر فيه أنه إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان ، وله ضراط إلى غاية لا يسمع فيها الأذان ، فدل على أنه كلما زاد في رفع صوته زاد الشيطان في الإبعاد ، ولا شك في استحباب فعل الأمور التي تبعد الشيطان ، وتطرده ، وقد دل هذا الحديث على أن زيادة الرفع زيادة له في الإبعاد، إلا أنه يحتمل أن يقال: قوله: (( حتى لا يسمع التأذين)) ليس غاية للإبعاد في الإدبار ، بل غاية للزيادة في الضراط. والمراد أنه يقصد بما يفعله من ذلك تصميم أذنه عن سماع صوت ٢٤٧ - ٣٠ - باب فضل التاذين - حديث رقم ٦٧٠ المؤذن ، لكن يدل على زيادته في الإبعاد ما رواه مسلم في صحيحه من رواية الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله 24 يقول: ((إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب حتى يكون مكان الروحاء)) قال سليمان - يعني الأعمش - فسألته عن الروحاء؟ فقال : هي من المدينة ستة وثلاثون ميلاً . انتهى طرح . قال الجامع : قد تقدم أن الأقرب كون الضراط علة لعدم سماعه الأذان ، على أنه لا مانع من اجتماع الأمرين في حصول الضراط . فتنبه. والله أعلم . المسألة السابعة : أنه اختلف العلماء في الحكمة في إدبار الشيطان وهروبه عند سماع الأذان والإقامة ، دون سماع القرآن والذكر في الصلاة ، فقال المهلب : إنما يهرب - والله أعلم - من اتفاق الكل على الإعلان بشهادة التوحيد ، وإقامة الشريعة ، كما يفعل يوم عرفة ، لما يرى من اتفاق الكل على شهادة التوحيد لله تعالى ، وتنزل الرحمة ، فييأس أن يردهم عما أعلنوا به من ذلك ، ويوقن بالخيبة بما تفضل الله تعالى عليهم من ثواب ذلك ، ويذكر معصية الله ، ومضادته أمره ، فلا يملك الحدث ، لما حصل له من الخوف . انتهى . وذكر القاضي عیاض نحوه . وقيل : إنما أدبر عند الأذان لئلا يسمعه ، فيضطر إلى أن يشهد له بذلك يوم القيامة ، لقوله لمّ: ((لا يسمع مدى صوت المؤذن جن، - ٢٤٨ شرح سنن النسائي - كتاب الأذان ولا إنس ، ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة . وهذا قد حكاه النووي عن العلماء ، وهو مبني على أن الكافر يدخل في هذه الشهادة ، وهو الصحيح . وحكى القاضي عياض قولاً أن الكافر لا يدخل في هذه الشهادة ، لأنه لا شهادة له ، وقال : لا يقبل هذا من قائله ، لما جاء في الآثار من خلافه . وقال ابن عبد البر : إنما يفعل ذلك لما يلحقه من الذعر ، والخزي عند الله ، وذكرُ الله تعالى في الأذان تفزغ منه القلوب ما لا تفزع من شيء من الذكر ، لما فيه من الجهر بالذكر ، وتعظيم الله تعالى فيه ، وإقامة دينه ، فيدبر الشيطان ، لشدة ذلك على قلبه . انتهى . وقال بعضهم : سبب إدباره عظم أمر الأذان ، لما اشتمل عليه من قواعد التوحيد ، وإظهار شعار الإسلام ، وإعلانه . وقيل : ليأسه من الوسوسة عند الإعلان بالتوحيد . وقيل : لأنه دعاء إلى الصلاة التي فيها السجود الذي امتنع من فعله لَمَّا أُمرَ به. قال ابن بطال: وليس بشيء، لأنه عليه الصلاة والسلام قد أخبر أنه إذا قضي التثويب أقبل يذكره ما لم يذكر ، يخلط عليه صلاته، وكان فراره من الصلاة التي فيها السجود أولى لو كان كما زعموا . انتهى . ٢٤٩ _ ٣٠ - باب فضل التأذين - حديث رقم ٦٧٠ قال القاضي عياض : ولا يلزم هذا الاعتراض إذ لعل نفاره إنما كان من سماع الأمر والدعاء بذلك ، لا من رؤيته ليغالط نفسه أنه لم يسمع دعاء ، ولا خالف أمراً . قال العراقي : أحسن ما ذكره القاضي عياض في جواب اعتراض ابن بطال أن نفرته عند الأذان إنما هو تصميم على مخالفة أمر الله، واستمرار على معصيته ، وعدم الانقياد إليه ، والاستخفاف بأوامره، فإذا دعى داعي الله فر منه ، وأعرض عنه ، واستخف به ، فإذا حضرت الصلاة حضر مع المصلين غير مشارك لهم في الصلاة ، بل ساعياً في إيطالها عليهم ، وهذا أبلغ في المعصية والاستخفاف مما لو غاب عن الصلاة بالكلية ، فصار حضوره عند الصلاة من جنس نفرته عند الأذان، ومن مهيع واحد ، ومقصوده بالأمرين الاستخفاف بأوامر الله تعالى ، وعدم الانقياد إليها ، كما ذكرته . والله أعلم . انتهى طرح جـ٢ ص٢٠١ - ٢٠٢. وفي ((الفتح)): وقيل : إنما يهرب لاتفاق الجميع على الإعلان بشهادة الحق وإقامة الشريعة . واعترض بأن الاتفاق على ذلك حاصل قبل الأذان وبعده من جميع من يصلي . وأجيب بأن الإعلان أخص من الاتفاق ، فإن الإعلان المختص بالأذان لا يشاركه فيه غيره من الجهر بالتكبير ، والتلاوة مثلاً ، ولهذا قال لعبد الله بن زيد ((ألقه على بلال، فإنه أندى صوتاً منك)) أي أقعد - ٢٥٠ شرح سنن النسائي - كتاب الأذان في المدّ والإطالة والإسماع ، ليعم الصوت ، ويطول أمد التأذين ، فيكثر الجمع ، ويفوت على الشيطان مقصوده من إلهاء الآدمي عن إقامة الصلاة في جماعة ، أو إخراجها عن وقتها ، أو وقت فضليتها ، فيفر حينئذ ، وقد ييأس عن أن يردهم عما أعلنوا به ، ثم يرجع لما طبع عليه من الأذى والوسوسة . وقال ابن الجوزي : على الأذان هيبة يشتد انزعاج الشيطان بسببها؛ لأنه لا يكاد يقع في الأذان رياء ، ولا غفلة عند النطق به ، بخلاف الصلاة ، فإن النفس تحضر فيها ، فيفتح لها الشيطان أبواب الوسوسة ، وقد ترجم عليه أبو عوانة ((الدليلُ على أن المؤذن في أذانه ، وإقامته منفي عنه الوسوسة ، والرياء ، لتباعد الشيطان منه )) . وقيل : لأن الأذان إعلام بالصلاة التي هي أفضل الأعمال بألفاظ ، هي من أفضل الذكر لا يزاد فيها ، ولا ينقص منها ، بل تقع على وفق الأمر ، فيفر من سماعها ، وأما الصلاة فلما يقع من كثير من الناس فيها من التفريط ، فيتمكن الخبيث من المفرط ، فلو قدر أن المصلي وَفَى بجميع ما أمر به فیها لم يقربه ، إذا كان وحده ، وهو نادر ، وكذا إذا انضم إليه من هو مثله ، فإنه يكون أندر . أشار إليه ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى. انتهى. فتح جـ ٢ ص١٠٣ - ١٠٤ . والله تعالى أعلم. المسألة الثامنة : أنه قد يستدل بهذا الحديث على أن الأذان أفضل من الإمامة ، قال العراقي : وهو الذي صححه النووي ، خلافاً للرافعي ، فإنه صحح أفضلية الإمامة ، وعن أحمد روايتان ، قال : ٢٥١ _ ٣٠ - باب فضل التاذين - حديث رقم ٦٧٠ وفي المسألة لأصحابنا - يعني الشافعية - وجه ثالث، وهو أنه إن قام بحقوق الإمامة كانت أفضل من الأذان ، وإلا فهو أفضل ، قال به أصحابنا ، أبو علي الطبري ، والقاضيان ، ابن كج ، والحسين ، والمسعودي ، ويوافقه قول الشافعي رحمه الله : أحب الأذان ، لقول رسول الله تَّى: ((اللهم اغفر للمؤذنين))، وأكره الإمامة للضمان، وما على الإمام فيها ، وإذا أم انبغى أن يتقي ، ويؤدي ما عليه في الإمامة، فإن فعل رجوت أن يكون أحسن حالاً من غيره . انتهى . وحكى النووي أول هذا النص مستدلاً به على ترجيح الأذان مطلقاً، وأغفل بقيته ، وقد عرفت أنه دال على هذا التفصيل الذي ذكرته. والله أعلم. انتهى. ((طرح)) جـ ٢ ص٢٠٣ . والله تعالى أعلم. المسألة التاسعة : نقل ابن بطال عن المهلب رحمهما الله تعالى: أن فيه من الفقه أن من نسي شيئاً، وأراد أن يتذكره ، فليصل، ويجهد نفسه فيها من تخليص الوسوسة وأمور الدنيا ، فإن الشيطان لابد أن يحاول تَسْهِيَتَهُ ، وإذكاره أمور الدنيا ، ليصده عن إخلاص نيته في الصلاة . وقد روي عن أبي حنيفة رحمه الله أن رجلاً دفن مالاً ، ثم غاب عنه سنين كثيرة ، ثم قدم ، فطلبه ، فلم يهتد لمكانه ، فقصد أبا حنيفة ، فأعلمه بما دار له ، فقال له : صل في جوف الليل ، وأخلص نيتك لله تعالى ، ولا تجر على قلبك شيئاً من أمور الدنيا ، ثم عرفني بأمرك ، ففعل ذلك ، فذكر في الصلاة مكان المال ، فلما أصبح أتى أبا حنيفة ، فأعلمه بذلك ، فقال بعض جلسائه من أين دللته على هذا يرحمك الله ، - ٢٥٢ شرح سنن النسائي - كتاب الأذان فقال : استدللت من هذا الحديث ، وعلمت أن الشيطان سيرضى أن يصالحه بأن يذكره موضع ماله ، ويمنعه الإخلاص في صلاته ، فعجب الناس من حسن انتزاعه ، واستدلاله . انتهى ما ذكره ابن بطال . انتهى (طرح)) ج٢ ص٢٠٤ قال الجامع : عندي فيما ذكره ابن بطال نظر ؛ لأنه إذا دخل في الصلاة بقصد تذكر شيء نسيه ، من مال أو غيره ، فأين تجريدُ الإخلاص لله تعالى ، وعدمُ إجراء شيء من أمور الدنيا في قلبه ؟ وأيضاً في صحة هذه الحكاية في قلبي شيء . والله أعلم . المسألة العاشرة : قال صاحب الطرح رحمه الله تعالى : هل يتوقف هروب الشيطان من الأذان على كونه أذاناً شرعياً ، مستجمعاً للشروط ، واقعاً في الوقت، مقصوداً به الإعلام بدخول وقت الصلاة، أو يهرب من الإتيان بصورة الأذان ، وإن لم يوجد فيه ما تقدم: الأقرب عندي الأول ، وكلام أبي صالح السمان ، راوي الحديث عن أبي هريرة يدل على أنه فهم الثاني ، ففي صحيح مسلم من رواية رَوْح بن القاسم ، عن سهيل بن أبي صالح ، قال : أرسلني أبي إلى بني حارثة ، ومعي غلام لنا ، أو صاحب لنا ، فناداه مناد من حائط باسمه، قال : وأشرف الذي معي على الحائط ، فلم ير شيئاً ، فذكرت ذلك لأبي ، فقال : لو شعرت أنك تلقى هذا لم أرسلك ، ولكن إذا سمعت صوتاً ، فناد بالصلاة ، فإني سمعت أبا هريرة ، يحدث عن رسول الله مي أنه قال: ((إن الشيطان إذا نودي بالصلاة ولَّ وله ٢٥٣ _ ٣٠ - باب فضل التأذين - حديث رقم ٦٧٠ خُصاص)). والحصاص - بالحاء ، والصاد، المهملتين - هو الضراط ، كما في الرواية الأخرى ، وقيل : شدة العدو. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : إن شيئاً من الخلق لا يستطيع أن يتحول في غير خلقه ، ولكن للجن سَحَرَة ، كسَحَرَة الإنس ، فإذا خشيتم شيئاً من ذلك ، فأذنوا بالصلاة . وقال مالك بن أنس استُعْمِلَ زيدُ بن أسلم على معدن بني سليم ، وكان معدنًا لا يزال يصاب فيه الناس من الجن ، فلما وليهم شكوا ذلك إليه ، فأمرهم بالأذان ، وأن يرفعوا أصواتهم به ، ففعلوا ، فارتفع ذلك عنهم ، فهم عليه حتى اليوم . قال مالك : وأعجبني ذلك من رأي زيد ابن أسلم. انتهى. ((طرح)) جـ٢ ص٢٠٣ - ٢٠٤ . والله تعالى أعلم. فائدة: قال ابن بطال رحمه الله : يشبه أن يكون الزجر عن خروج المرء من المسجد بعد أن يؤذن المؤذن من هذا المعنى ، لئلا يكون متشبهاً بالشيطان الذي یفر عند سماع الأذان . والله أعلم . انتھی. طرح جـ٢ ص١٠٤. والله تعالى أعلم . إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت ، وإليه أنيب. ٢٥٤ شرح سنن النسائي - كتاب الأذان ٣٠ - الاسْتِهَامُ عَلَى التَّدين ٠ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الاستهام ، أي الاقتراع على التأذين . يقال : استهم الرجلان تقارعا ، وساهَمَ القومَ ، فَسَهَمَهُمْ سَهْماً : فَارَعَهُم، فقَرَعَهُمْ ، وساهمتُهُ ، أي قارعته، فسَهَمْتُهُ أسْهَمُهُ ، بالفتح، وأسهم بينهم، أي أقرع، واستهموا : أي اقترعوا وتساهموا، أي تقارعوا، وفي التنزيل : ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١]، يقال: قارع أهلَ السفينة ، فقُرعَ. انتهى. لسان جـ٢ ص٢١٣٥. قال الخطابي رحمه الله : وإنما قيل له الاستهام، لأنهم كانوا يكتبون أسماءهم على سهام : إذا اختلفوا في الشيء ، فمن خرج سهمه ، غَلَبَ، والقرعة أصل من أصول الشريعة في حال مَن استوت دعواهم في الشيء ، لترجيح أحدهم ، وفيها تطييب القلوب . انتهى. ((عمدة القاري)) جـ٥ ص١٢٤ . والله أعلم. ٦٧١ - أخبَرَنَا قُتَّبَةُ، عَنْ مَالك، عَنْ سُمَيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِنَّهِ قَالَ: ((لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ، وَالصََّبِّ الأوَّلِ، ثُمَّلَمْ يَجِدُوا إلا أنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي ٢٥٥ _ ٣١ - باب الاستهام على التأذين - حديث رقم ٦٧١ التَّهْجير لاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ ، وَلَوْ عَلِمُوا مَا فِي العَتَمَةِ ، والصُّبْحِ لأَتَوهُمَا، وَلَوْ حَبْواً)) . رجال هذا الإسناد : خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد . ٢ - (مالك) بن أنس تقدما في السند الماضي. ٣ - (سمي) مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المدني ، ثقة، من [٦]، قتل بقديد سنة ١٣٠، أخرج له الجماعة، تقدم في ٥٤٠ . ٤ - (أبو صالح) ذكوان السمان الزيات المدني ، ثقة ثبت ، من [٣]، تقدم في ٤٠. ٥ - (أبو هريرة) الدوسي رضي الله عنه، تقدم في ١/١. والله أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من خماسياته . ومنها : أن رجاله كلهم ثقات أثبات ، اتفق الأئمة بالتخريج لهم . ومنها : أنه مسلسل بالمدنيين ، إلا شيخه ، فبغلاني . ومنها : أن فيه الإخبار في أوله ، والعنعنة في البواقي ، إلا الأخير ففيه ((أن)) وكلها من صيغ الاتصال من غير المدلس ، على الراجح . - ٢٥٦ شرح سنن النسائي - كتاب الأذان ومنها : أن فيه أبا هريرة أحد المكثرين السبعة ، روى (٥٣٧٤) حديثاً. والله أعلم. شرح الحديث (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه (أن رسول الله عَّةٍ قال: لو يعلم الناس) ((لو)) شرطية ، والغالب فيها أن يليها ماضي المعنى، كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وقد يليها ما هو مستقبل المعنى، كقوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِم ﴾ الآية [النساء: ٩٠]، ومنه هذا الحديث ، وإلى هذا أشار ابن مالك في ألفيته ، حيث قال : لَوْ حَرْفُ شَرْطِ فِي مُضِيٍّ وَيَقِلْ إِلاؤُهُ مُسْتَقْبَلاً لَكِنْ قُبِلْ فقوله: ((لو يعلم الناس)) أي لو علموا ، ففي المضارع إشارة إلى استمرار العلم ، وأنه مما ينبغي أن يكون على بال . قاله في المرقاة ج٢ ص٣٢٢. (ما في النداء) أي الأذان، وهي رواية بشر بن عمر ، عن مالك عند السراج ، وقال في المرقاة : ما في النداء ، أي التأذين والإقامة من الفضل والثواب ، وأطلق مفعول يعلم ، ولم يبين أن الفضيلة ما هي ليفيد ضرباً من المبالغة ، وأنه مما لا يدخل تحت ٢٥٧ - ٣١ - باب الاستهام على التأذين - حديث رقم ٦٧١ العبارة، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهَم مِّنَ الْيَمَّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨]، وكذا تصويره حالة الاستباق بالاستهام فيه مبالغة ، لأنه لا يقع إلا في أمر يتنافس فيه ، لا سيما إخراجه مخرج الحصر . انتهى . و قال الجامع : الإطلاق في مفعول یعلم ، کما قال في الفتح جـ٢ ص١١٥، إنما هو في قدر الفضيلة ، وإلا فقد بينت في رواية لأبي الشيخ لهذا الحديث ، فقد زاد فيها من طريق الأعرج ، عن أبي هريرة (( من الخير والبركة)). (والصف الأول) هو الذي لم يسبق بصف آخر ، فيشمل الجهات الأربع خلف الكعبة ، بل ربما تترجح الجهة التي هي أقرب إلى الكعبة . قاله القاري . وقال العلامة ابن حجر المكي : الأول عندنا - يعني الشافعية - هو الذي يلي الإمام ، وإن تخلله ، أو حجز بينهما نحو سارية، أو منبر . انتهى . قال الجامع : الأول أقرب . قال في المرقاة : وإنما أخر الصف عن النداء دلالة على تهيئ المقدمة الموصلة إلى المقصود الذي هو المثول والوقوف بين يدي رب العزة . انتهى . (ثم لم يجدوا) أي للتمكن من النداء والصف الأول (إِلا أن - ٢٥٨ شرح سنن النسائي - كتاب الأذان يستهموا) أي يقترعوا ، وقد تقدم معنى الاستهام في أول الباب . يعني أنهم لم يجدوا شيئاً من وجوه الأولوية ، أما في الأذان فبأن يستووا في معرفة الوقت ، وحسن الصوت ، ونحو ذلك من شرائط المؤذن ، وتكميلاته ، وأما في الصف الأول فبأن يَصلُوا دفعة واحدة ، ويستووا في الفضل ، فيقرع بينهم ، إذا لم يتراضوا فيما بينهم في الحالين . قاله في الفتح . وقال النووي رحمه الله : معناه لو علموا فضيلة الأذان ، وعظيم جزائه ، ثم لم يجدوا طريقاً، يحصلونه به لضيق الوقت ، أو لكونه لا يؤذن للمسجد إلا واحد ، لاقترعوا في تحصيله . وقال الطيبي رحمه الله : المعنى : لو علموا ما في النداء والصف الأول من الفضيلة ، ثم حاولوا الاستباق لوجب عليهم ذلك ، وأتى بثم المؤذنة بتراخي رتبة الاستباق من العلم . انتهى. عمدة القاري ج٥ ص١٢٥ . واستدل به بعضهم لمن قال بالاقتصار على مؤذن واحد ، وليس بظاهر ، لصحة استهام أكثر من واحد في مقابلة أكثر من واحد ، ولأن الاستهام على الأذان يتوجه من جهة التولية من الإمام ، لما فيه من المزية. والله تعالى أعلم. تنبيه : زعم بعضهم أن المراد بالاستهام هنا الترامي بالسهام ، وأنه أخرج ٢٥٩ _ ٣١ - باب الاستهام على التاذين - حديث رقم ٦٧١ مخرج المبالغة ، واستأنس بحديث لفظه (( لتجالدوا عليه بالسيوف)). قال الحافظ : لكن الذي فهمه البخاري منه أولى ، ولذلك استشهد بقصة سعد ، ويدل عليه رواية مسلم ((لكانت قرعة)). وقصة سعد أخرجها سعيد بن منصور ، والبيهقي من طريق أبي عبيد كلاهما عن هشيم ، عن عبد الله بن شبرمة ، قال: ((تشاح الناس في الأذان بالقادسية ، فاختصموا إلى سعد بن أبي وقاص ، فأقرع بينهم)). وهذا منقطع، وقد وصله سيف بن عمر في الفتوح ، والطبري من طريقه عنه ، عن عبد الله بن شبرمة ، عن شقيق - وهو أبو وائل - قال: ((افتتحنا القادسية صدر النهار، فتراجعنا، وقد أصيب المؤذن)) فذكره، وزاد ((فخرجت القرعة لرجل منهم، فأذن)). انتهى. ((فتح)) جـ٢ ص ١١٤_١١٥. (عليه) أي على ما ذكر من الأذان والصف الأول . وقال ابن عبد البر : الهاء عائدة على الصف الأول ، لا على النداء ، وهو حق الكلام، لأن الضمير يعود لأقرب مذكور . ونازعه القرطبي ، وقال : إنه يلزم منه أن يبقى النداء ضائعاً ، لا فائدة له ، قال : والضمير يعود على معنى الكلام المتقدم ، ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] ، أي جميع ما ذكر . قال الحافظ: وقد رواه عبد الرزاق، عن مالك بلفظ ((لاستهموا - ٢٦٠ - شرح سنن النسائي - كتاب الأذان عليهما )) فهذا مفصح بالمراد من غير تكلف. انتهى. فتح جـ٢ ص ١١٥ . وقيل : عليه ، أي على السبق إليه ، أو الاستحقاق فيهما . قاله في المرعاة جـ٢ ص٣٣٥ . قال الجامع : وما تقدم أوضح. وقال السندي رحمه الله : فيه تجهيل للمتساهلين في هذا الأمر ، فلا يَردُ أنهم قد علموا بخبر الصادق، وهم بسَعَة من تحصيله بلا استهام، ومع هذا لا يُحَصِّلُونَهُ ، فكيف يصدق الخبر بأنه لو علموا لاستهموا. انتهى. وقال في المرقاه: قال بعضهم: ويحتمل أن يكون المراد بالنداء الإقامة على تقدير مضاف ، وهو أوفق لما بعده، أي لو يعلم الناس ما في حضور الإقامة ، وتحريمة الإمام ، والوقوف في الصف الأول ، وثم هنا للإشعار بتعظيم الأمر ، وبعد الناس عنه . انتهى جـ٢ ص٣٢٢. قال الجامع : الصواب الأول ، فالمراد بالنداء هنا الأذان ، والحديث ورد لبيان فضل الأذان ، وهذا الذي ذكره هذا البعض داخل في مقصود الصف الأول ، لأنه إذا سبق إلى الصف الأول ، فقد أحرز حضور الإقامة ، وتكبيرة الإحرام ، فتبصر . والله أعلم (ولو يعلمون ما في التهجير) أي التبكير إلى الصلاة مطلقاً، أيّ صلاة كانت، قاله الهروي، وصوبه النووي، واختاره ابن عبد البر، إذ هو البدار إلى الصلاة أول وقتها ، وحمله الخليل وغيره على ظاهره، فقالوا : المراد الإتيان إلى الظهر في أول الوقت، لأن التهجير مشتق من