Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١ -
٩ - باب المؤذنان للمسجد الواحد - حديث رقم ٦٣٧
حالته الأولى ، وعلى ذلك تنزل رواية أنيسة وغيرها ، ثم في آخر الأمر
أَخَّر ابن أم مكتوم لضعفه ، ووكل به من يراعي له الفجر ، واستقر أذان
بلال بليل ، وكان سبب ذلك ما روي أنه ربما كان أخطأ الفجر ، فأذن
قبل طلوعه، وأنه أخطأ مرة فأمره النبي ◌َّى أن يرجع فيقول: ((ألا إن
العبد نام )) يعني أن غلبةَ النوم على عينيه منعته من تبين الفجر ، وهو
حديث أخرجه أبو داود وغيره من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب ،
عن نافع ، عن ابن عمر موصولاً مرفوعاً ، ورجاله ثقات حفاظ. لكن
اتفق أئمة الحديث : علي بن المديني، وأحمد بن حنبل ، والبخاري،
والذهلي ، وأبو حاتم ، وأبو داود ، والترمذي ، والأثرم ، والدار قطني
على أن حماداً أخطأ في رفعه، وأن الصواب وقفه على عمر بن
الخطاب، وأنه هو الذي وقع له ذلك مع مؤذنه ، وأن حماداً انفرد
برفعه، ومع ذلك فقد وجد له متابع ، وأخرجه البيهقي من طريق سعيد
ابن زَرْبيّ - وهو بفتح الزاي وسكون الراء ، بعدها موحدة ، ثم ياء كياء
النسب - فرواه عن أيوب موصولاً ، لكن سعيد ضعيف . ورواه
عبدالرزاق ، عن معمر ، عن أيوب أيضاً ، لكن أعضله فلم يذكر نافعاً،
ولا ابن عمر .
وله طريق أخرى عن نافع عند الدارقطني وغيره ، واختلف في
رفعها ووقفها أيضاً ، وأخرى مرسلة من طريق يونس بن عبيد ، وغيره
عن حميد بن هلال ، وأخرى من طريق سعيد عن قتادة مرسلة ،

شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
- ٦٢
ووصلها يونس عن سعيد بذكر أنس ، وهذه طرق يقوي بعضها بعضًا
قوة ظاهرة ، فلهذا - والله أعلم - استقر أن بلالاً يؤذن الأذان الأول .
انتهى فتح الباري جـ٢ ص١٢١-١٢٣. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل.
٦٣٨ - أخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ،
عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أبيهِ: أنَّ النَّبِيَّ ◌َُّ قَالَ: ((إنَّ بلالاً
يُؤَذِّنُ بِلَيْلِ ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا تَأذينَ ابْنِ أمِّ
مَكْتُومٍ ).
رجال هذا الإسناد : خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد ، تقدم في السند الماضي .
٢ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي ، أبو الحارث
المصري ، ثقة، ثبت، فقيه ، إمام مشهور ، توفي سنة ١٧٥ ، من [٧]،
أخرج له الجماعة ، تقدم في ٣٥/٣١.
٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري ، أبو بكر القرشي
المدني ، الفقيه ، الحافظ ، المتفق على جلالته وإتقانه، توفي سنة ١٢٥ ،
من رؤوس [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/١.
٤ - (سالم) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي المدني ،

٦٣ _
٩ - باب المؤذنان للمسجد الواحد - حديث رقم ٦٣٨
الفقيه، ثقة ، ثبت ، عابد، فاضل، توفي سنة ١٠٦، من كبار [٣].
تقدم في ٤٩٠.
٥ - ( عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله عنهما ، تقدم في
السند السابق . والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسيات المصنف .
ومنها : أن رجاله كلهم ثقات نبلاء ، اتفقوا عليهم ، وأنهم
مدنیون، إلا شيخه فبغلاني ، وليثاً فمصري .
ومنها : أن فيه سالماً أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال .
ومنها : أن فيه رواية الراوي عن أبيه .
وشرح الحديث يعلم مما قبله. والله تعالى أعلم، وهو المستعان،
وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بالحديث
الأولى : في درجته :
حديث ابن عمر رضي الله عنهما من رواية سالم عنه أخرجه
مسلم .
الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا (٦٣٨)، وفي الكبرى (١٦٠٢) عن قتيبة ، عن الليث،
عن الزهري ، عن سالم عنه .

-
٦٤
شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
الثالثة : فيمن أخرجه معه :
أخرجه مسلم والترمذي ، فأخرجه مسلم في الصوم عن يحيى بن
یحیی ، ۔ وقتیبة ۔ ومحمد بن رمح۔ کلهم عن اللیث بن سعد به .
وأخرجه الترمذي في الصلاة عن قتيبة به . وقال : حسن صحيح.
والله تعالى أعلم .
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت وإليه أنيب .

٦٥ -
١٠ - باب هل يؤذنان جميعاً أو فرادى - حديث رقم ٦٣٩
١٠ - هَلْ يُؤَذِّنَانِ جَمِيعاً أَوْ فُرَادَى
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على بيان حكم من سأل قائلاً : هل
المؤذنان يؤذنان جميعاً ، أو فرادى ، أي حال كونهما مجتمعين في وقت
واحد، أو حال كونهما فرادى ، يؤذن كل منهما في وقت غير ما يؤذن
فیه الآخر .
قال العلامة ابن دقيق العيد رحمه الله : والفقهاء من أصحاب
الشافعي قالوا : يخيرون بين أن يؤذن كل واحد منهم في زاوية من
زوايا المسجد، وبين أن يجتمعوا ، ويؤذنوا دفعة واحدة . انتهى . عمدة
ج٢ ص ١٨٢.
قال الجامع : والاستدلال لهذا القول بحديث الباب بعيد ، فإنه
يدل على اتخاذ مؤذنين ، يؤذن كل واحد منهما في غير الوقت الذي
يؤذن فيه الآخر، لا أنهما يجتمعان في الأذان، فتبصر. والله تعالى أعلم.
٦٣٩ - أخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ، عَنْ
عُبَيْد اللَّهِ عَنْ الْقَاسِمِ، عنْ عَائشَةَ، قَالَتْ : قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ عَهُ: ((إِذَا أَذَّنَ بِلالٌ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى
يُؤَذِّنَ ابْنُ أَمِّ مَكْتُومٍ)) ، قَالَتْ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إلا أن
يَنْزِلَ هَذَا، وَيَصْعَدَ هَذَا .

٦٦
-
شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
رجال هذا الإسناد : خمسة
١ - (يعقوب بن إِبراهيم) بن كثير بن أفلح العبدي مولاهم
الدَّوْرَقيُّ ، أبو يوسف البغدادي ، ثقة حافظ ، توفي سنة ٢٥٢ عن ٩٦
سنة، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٢/٢١.
٢ - (حفص) بن غياث بن طَلْق بن معاوية النخعي ، أبو عمر
الكوفي القاضي ، ثقة ، فقيه ، تغير حفظه قليلاً في الآخر ، توفي سنة
١٩٤، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠٥/٨٦.
٣ - (عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن
الخطاب العمري ، أبو عثمان المدني ، ثقة، ثبت ، توفي سنة بضع
و١٤٠، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٥/١٥.
٤ - (القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي ، ثقة ،
فقيه، فاضل، توفي سنة ١٠٦ ، من كبار[٣]، أخرج له الجماعة،
تقدم في ١٢٠/ ١٦٦.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين رضي الله عنها تقدمت في ٥/٥ . والله
أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف .
ومنها : أنهم مدنيون ، إلا شيخه فبغدادي ، وحفصاً فكوفي .

٦٧ -
١٠ - باب هل يؤذنان جميعاً أو فرادى - حديث رقم ٦٣٩
ومنها : أن شيخه ممن اتفق الستة بالرواية عنه بدون واسطة ، وهم
تسعة ، جمعتهم في قولي :
ذَوُو الأصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ
اشتَركَ الأئمَّةُ الْهُدَاةُ
النَّاقدينَ الْبَارِعِينَ الْبَرَرَهْ
فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشَّيُوخِ الْمَهَرَه
نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ، وَعَمْرٌوَ السَّرِي
أُولَئِكَ الأَشَجُّ وابْنُ مِعْمرٍ
ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى
وَابْنُ الْعَلاءِ وابْنُ بَشَّارٍ كَذَا
ومنها : أن فيه عبيد الله بن عمر العمري قدمه ابن معين في القاسم
عن عائشة على الزهري ، عن عروة، عنها .
ومنها: أن القاسم هو أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة
المجموعين في قول بعضهم :
إِذَا قِيلَ مَنْ فِي العِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَقَالَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ
سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَان خَارِجَهْ
فَقُل: هُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عُرْوَةُ قَاسِمُ
ومنها : أن فيه رواية الراوي عن عمته : القاسم ، عن عائشة .
ومنها : أن عائشة رضي الله عنها من المكثرين السبعة من الصحابة
رضي الله عنهم ، قال في ألفية الأثر :
وَالْمُكْثِرُونَ فِي رِوَيَةِ الأَثَرْ أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ
وجابرٌ، وَزَوْجَةُ النَّبِيِّ
وَأَنَسٌ ، وَالْبَحْرُ كالْخُدْرِيِّ
والله تعالى أعلم.

- ٦٨
-
شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
شرح الحديث
(عن عائشة) رضي الله عنها، أنها (قالت: قال رسول الله مؤ لّه :
إذا أذن بلال فكلوا واشربوا) فيه أن هذا الأمر أمر إباحة ، وإعلام
بامتداد وقت السحور إلى هذا الوقت (حتى يؤذن ابن أم مكتوم،
قالت ) عائشة رضي الله عنها (ولم يكن بينهما) أي بين أذانيهما
(إلا أن ينزل هذا) بکسر الزاي ، من باب ضرب ، أي ينزل بلال من
محل الأذان ، وفيه أن الأذان يكون في موضع مرتفع ، إذ القَصْد منه
الإعلامُ، فكونه في مكان مرتفع أبلغ ( ويصعد هذا) أي ابن أم
مكتوم، وصَعَدَ بكسر العين ، يقال : صَعَدَ في السلم ، والدرجة ،
يصعَد ، من باب تعبَ ، صعوداً، وصعد السطحَ ، وإليه ، وصَعَّدت
في الجبل - بالتثقيل - : إذا علوته . أفاده في المصباح .
ومراد عائشة رضي الله عنها بهذا تقليل المدة التي تكون بين
أذانيهما .
ثم إن رواية المصنف رحمه الله صريحة في أن جملة (( ولم يكن بين
أذانيهما ... )) إلخ من كلام عائشة رضي الله عنها، لا من كلام
القاسم، وأما ما وقع في صحيح البخاري في الصيام من قوله : قال
القاسم: ((لم يكن بين أذانيهما ، إلا أن يرقى ذا ، وينزل ذا))، فمعناه،
كما قال الحافظ : قال القاسم في روايته عن عائشة .
قال في الفتح : وفيه حجة لمن ذهب إلى أن الوقت الذي يقع فيه

٦٩ -
١٠ - باب هل يؤذنان جميعاً أو فرادى - حديث رقم ٦٣٩
الأذان قبل الفجر هو وقت السحور ، وهو أحد الأوجه في المذهب
- يعني المذهب الشافعي - واختاره السبكي في شرح المنهاج، وحكَى
تصحيحه عن القاضي حسين ، والمتولي ، وقطع به البغوي ، وكلامُ
ابن دقيق العيد يشعر به ، فإنه قال بعد أن حكاه : يُرَجَّحُ هذا بأن قوله:
((إن بلالاً ينادي بليل )) خبر يتعلق به فائدة للسامعين قطعاً ، وذلك إن
كان وقت الأذان مشتبهاً محتملاً لأن يكون عند طلوع الفجر، فبين ◌َڭ
أن ذلك لا يمنع الأكل والشرب ، بل الذي يمنعه طلوع الفجر الصادق ،
قال : وهذا يدل على تقارب وقت أذان بلال من الفجر . انتهى .
ويقويه أيضاً ما تقدم من أن الحكمة في مشروعيته التأهب لإدراك
الصبح في أول وقتها . وصحح النووي في أكثر كتبه أن مبدأه من
نصف الليل الثاني ، وأجاب عن الحديث في شرح مسلم ، فقال : قال
العلماء : معناه : أن بلالاً كان يؤذن ، ويتربص بعد أذانه للدعاء
ونحوه، فإذا قارب طلوع الفجر نزل ، فأخبر ابن أم مكتوم ، فيتأهب
بالطهارة وغيرها ، ثم يرقى ويشرع في الأذان مع أول طلوع الفجر.
قال الحافظ : وهذا - مع وضوح مخالفته لسياق الحديث - يحتاج
إلی دلیل خاص لما صححه حتى يسوغ له التأويل .
واحتج الطحاوي لعدم مشروعية الأذان قبل الفجر بقوله : لما كان
بين أذانيهما من القرب ما ذكر من حديث عائشة ثبت أنهما كانا يقصدان
وقتاً واحداً ، وهو طلوع الفجر ، فيخطئه بلال ، ويصيبه ابن أم

- ٧٠
شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
مكتوم، وتعقب بأنه لو كان كذلك لما أقره النبي ◌َّ مؤذناً، واعتمد
علیه ، ولو کان كما ادعى لكان وقوع ذلك منه نادراً ، وظاهر حديث
ابن عمر يدل على أن ذلك كان شأنه وعادته ، والله أعلم . انتهى فتح
الباري جـ٢ ص ١٢٥ . والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته :
حديث عائشة رضي الله عنها هذا من طريق عبيد الله متفق عليه.
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا (٦٣٩)، وفي ((الكبرى)) (١٦٠٣) عن يعقوب بن
إبراهيم، عن حفص بن غياث ، عن عبيد الله العمري ، عن القاسم ،
عنها . والله أعلم.
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه :
أخرجه البخاري ومسلم ، فأخرجه البخاري في ((الصلاة)) عن
إسحاق ابن إبراهيم ، وفي ((الصوم)) عن عُبَيد بن إسماعيل ، كلاهما
عن أبي أسامة - وفي ((الصلاة)) أيضاً عن يوسف بن عيسى، عن الفضل
ابن موسى - وأخرجه مسلم في ((الصوم)) عن أبي بكر بن أبي شيبة ،
عن أبي أسامة - وعن إسحاق بن إبراهيم ، عن عَبْدة بن سليمان - وعن
أبي موسى محمد بن المثنى ، عن حماد بن مَسْعَدة-، وفيه ، وفي
((الصلاة)) عن محمد بن عبد الله بن نُمَير ، عن أبيه - كلهم عن عبيد الله به.

٧١ -
١٠ - باب هل يؤذنان جميعاً أو فرادى - حديث رقم ٦٣٩
والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في مذاهب أهل العلم في الأذان للصبح قبل
دخول وقتها :
ذهب إلى جواز ذلك مالك ، والشافعي ، وأحمد ، والأوزاعي ،
وعبد الله بن المبارك ، وإسحاق بن راهويه ، وأبو ثور ، وداود ،
والجمهور ، ورجع إليه أبو يوسف بعد أن كان يقول بالمنع .
وذهب آخرون إلى منع الأذان بها قبل دخول وقتها کسائر
الصلوات ، وهو قول سفيان الثوري ، وأبي حنيفة ، ومحمد بن
الحسن ، والحسن بن صالح بن حي ، قالوا : فإن أذَّنَ لها قبل الفجر
أعاد الأذان بعده . ورَوَى ابنُ أبي شيبة في مصنفه عن عائشة ، قالت :
ما كانوا يؤذنون حتى ينفجر الفجر ، وعن إبراهيم النخعي ، قال :
شَيَّعْنَا علقمة إلى مكة ، فخرجنا بليل ، فسمع مؤذناً يؤذن ، فقال : أما
هذا فقد خالف أصحاب محمد علي ، لوكان نائماً لكان خيراً له ، فإذا
طلع الفجر أذن ، وعن إبراهيم النخعي أنه كره أن يؤذن قبل الفجر .
وعن عبيد الله بن عمر، قلت لنافع : إنهم كانوا يُنَادُون قبیل
الفجر؟ قال : ما كان النداء إلا مع الفجر .
وحَكَى ابنُ حزم عن الحسن البصري ، أنه قيل له : الرجل يؤذن
قبل الفجر يوقظ الناس ؟ فغضب، وقال: عُلُوج (١) فَرَآغٌ، لو أدركهم عمر بن
الخطاب لأوجع جنوبهم، من أذن قبل الفجر فإنما صلى أهل ذلك
(١) العُلُوج بالضم جمع علج بكسر، فسكون: يطلق على معان، منها الحمار، وهو
المناسب هنا، أي هم مثل الحُمُر.

- ٧٢
شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
المسجد بإقامة لا أذان فيها . وعن إبراهيم النخعي أنه قال : كانوا إذا أذن
المؤذن بليل قالوا له اتق الله ، وأعد أذانك .
وذهبت طائفة من أهل الحديث أنه إن كان للمسجد مؤذنان ، يؤذن
أحدهما قبل طلوع الفجر ، والآخر بعدالفجر ، فلا بأس أن يؤَذَّن
للصبح إذا كان هكذا ، وبه قال ابن حزم الظاهري ، فقال : يجوز أن
يؤذن قبل طلوع الفجر الثاني بمقدار ما يتم المؤذن أذانه ، وينزل من
المنارة أو العلو ، ويصعد مؤذن آخر ، ويطلع الفجر قبل ابتداء الثاني في
الأذان .
واحتج المانعون بحديث ابن عمر (( أن بلالاً أذن قبل طلوع الفجر ،
فأمره النبي ◌َّ أن يرجع فينادي: ألا إن العبد نام، فرجع فنادى: ألا إن
العبد نام )) ، رواه أبو داود في سننه ، وصحح وقفه على عمر في أذان
مؤذن له يقال له : مسعود . وأجاب الجمهور عنه بأجوبة :
أحدها : ضعفه ، كما تقدم عن أبي داود ، وضعفه أيضاً الشافعي ،
وعلي بن المديني ، ومحمد بن يحيى الذهلي ، والترمذي ، وأبو حاتم،
وأبو بكر الأثرم ، والدار قطني ، والبيهقي ، وغيرهم .
ثانيها : أنه عارضه على تقدير صحته ما هو أصح منه ، وهو قوله
عليه السلام ((إن بلالاً يؤذن بليل ... )) الحديث . قال البيهقي :
والأحاديث الصحاح التي تقدم ذكرها مع فعل أهل الحرمين أولى
بالقبول منه ، ثم روى بإسناده عن شعيب بن حرب ، قال : قلت لمالك

٧٣ -
١٠ - باب هل يؤذنان جميعاً أو فرادى - حديث رقم ٦٣٩
ابن أنس: أليس قد أمر النبي ◌َّ بلالاً أن يعيد الأذان ؟ فقال : قال
رسول الله عَّ: ((إن بلالاً يؤذن بليل))، قلت : أليس قد أمره أن يعيد
الأذان ؟ قال : لا ، لم يزل الأذان عندنا بليل .
ثالثها : قال الخطابي: يشبه أن يكون هذا فيما تقدم من أول زمان
الهجرة ، فإن الثابت عن بلال أنه كان في آخر أيام رسول الله تَمّ يؤذن
بليل ثم يؤذن بعده ابن أم مكتوم مع الفجر .
وأجاب المانعون عن حديث الباب بأن هذا الأذان لم يكن لأجل
الصلاة ، وإنما كان لإيقاظ النائمين للسحور وغيره . أجاب بمعناه
الطحاوي ، وابن حزم ، ويرده حديث زياد بن الحارث الصدائي ،
قال: لما كان أول أذان الصبح أمرني - يعني النبي ◌َّ - فأذنت ، فجعلت
أقول : أقيم يا رسول الله، فجعل ينظر إلى ناحية المشرق إلى الفجر ،
فيقول: ((لا))، حتى إذا طلع الفجر ... الحديث . رواه أبو داود،
وغيره ، وهو صريح في الأذان للصبح قبل الوقت من غير إعادته بعد
دخول الوقت .
قال الجامع : حديث الصدائي ضعيف ، لا يصح الاستدلال به ،
فتنبه .
وقال ابن عبد البر : وفي إجماع المسلمين على أن النافلة بالليل
والنهار لا أذان لها ما يدل على أن أذان بلال بالليل إنما هو لصلاة
الصبح .

- ٧٤
شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
قال الجامع : فيما قاله نظر لا يخفى ، فأذان بلال بين في الحديث
سببه ، وهو أنه يوقظ النائم ويرجع القائم ، لا لأجل صلاة الصبح ،
كما زعمه ، فتبصر .
وقال الطحاوي: يجوز أن يكون بلال كان يؤذن في وقت يرى أن
الفجر قد طلع فيه ولا يتحقق ذلك لضعف بصره ، ثم استدل بما رواه
عن أنس مرفوعاً: (( لا يغرنكم أذان بلال ، فإن في بصره شيئاً )) . قال
الطحاوي : فدل على أن بلالاً كان يريد الفجر ، فيخطئه ، لضعف
بصره .
قال صاحب ((طرح التثريب)): قلت : وهذا ضعيف ؛ لأن قوله
عليه الصلاة والسلام: ((إن بلالاً يؤذن بليل)) يقتضي أن هذه كانت
طريقته، وعادته دائماً ، ولو كان لا يقع ذلك منه إلا لخطأ لم يقع إلا
نادراً ، فإنه لولا أن الغالب إصابته لما رُقِّبَ مؤذناً، واعتُمدَ عليه في الأوقات .
وفي «صحيح البخاري)) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه ،
عن النبي تمّ: ((لا يمنعن أحدكم)) أو (( أحداً منكم أذان بلال من
سحوره، فإنه يؤذن)) أو (( ينادي بليل ، ليرجع قائمكم ، ولينبه
نائمكم ... )) الحديث ، وهذا صريح في أنه كان يؤذن قبل الفجر ،
يقصد ذلك ، ويتعمده . والله أعلم .
انتھی من «طرح التثريب)» باختصار ، وبعض تصرف جـ٢ ص ٢٠٥ .
٢٠٧ .

٧٥ -
١٠ - باب هل يؤذنان جميعاً أو فرادى - حديث رقم ٦٣٩
قال الجامع : الراجح عندي أن الأذان قبل الفجر سنة ثابتة ، بأدلة
صحيحة ، وليس لأجل صلاة الصبح، وإنما هو لأجل أن يرجع القائم،
ويستيقظ النائم ، فلا يجزئ عن الأذان بعد طلوع الفجر، فتبصر ،
والله أعلم .
المسألة الخامسة : أنه استدل بهذا الحديث على جواز الاعتماد في
الرواية على الصوت من غير رؤية المخبر بأن يكون وراء حجاب ، إذا
كان عارفاً بالصوت ، واعتمد في ذلك على إخبار ثقة ، فإن ابن أم
مکتوم لم یکن یشاهد ما يعرف به دخول الوقت ، وإنما كان يعتمد في
ذلك على إخبار من يخبره بذلك ممن يثق به، وأقره النبي ◌َّى على
ذلك ، وأيضاً فإنه عليه الصلاة والسلام أمر بالاعتماد على صوت
المؤذن من غير مشاهدة ، فإن ذلك يكون في الليل وظلمته ، ولا بد أن
يميز صوت بلال من صوت ابن أم مكتوم ، فإن لكل منهما حكماً غير
حكم الآخر ، وبهذا قال جمهور العلماء من السلف والخلف . وعن
شعبة بن الحجاج منعه لاحتمال الاشتباه .
وأما في باب الشهادة فالأكثر على المنع من الاعتماد على الصوت
فيها ، وباب الشهادة أضيق ، وبالاحتياط أجدر ، ومن جوز استدل
بهذا الحديث ، قال المهلب : فيه جواز شهادة الأعمى على الصوت ،
لأنه ميز صوت من علمه الوقت ممن يثق به ، فقام أذانه على قبوله مقام
شهادة المخبر له . انتهى طرح التثريب جـ٢ ص ٢١٠ -٢١١.

- ٧٦
شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
قال الجامع عفا الله عنه : القول بجواز شهادة الأعمى إذا كان
عاقلاً يعرف الأصوات هو الحق ، وهو الذي رجحه البخاري في
صحيحه ، حيث قال: ((باب شهادة الأعمى ، وأمره ، ونكاحه ،
وإنكاحه ، ومبايعته ، وقبوله في التأذين وغيره ، وما يعرف
بالأصوات ... إلى آخر ما قاله . انظر الصحيح بنسخة الفتح جـ٥
ص٣١٢. والله تعالى أعلم.
المسألة السادسة : فيه جواز كون المؤذن أعمى ، فابن أم مكتوم
کان أعمی ، وهو جائز بلا کراهة إذا کان معه بصير ، کما کان بلال وابن
أم مكتوم ، وروى البيهقي في سننه عن عبد الله بن الزبير رضي الله
عنهما أنه كان يكره أن يكون المؤذن أعمى .
قال البيهقي : وهذا ، والذي روي عن ابن مسعود في ذلك
محمول على أعمى منفرد ، لا يكون معه بصير يعلمه الوقت . انتهى .
وبوب عليه البخاري في ((صحيحه)) ((باب أذان الأعمى إذا كان له
من يخبره)) . وقال ابن بطال : اختلفوا في أذان الأعمى ، فكرهه ابن
مسعود وابن الزبير ، وكره ابن عباس إقامته ، وأجازه طائفة ، وروي
أن مؤذن النخعي كان أعمى ، وأجازه مالك ، والكوفيون ، والشافعي،
وأحمد، وإسحاق ، إذا كان له من يُعَرِّفُه الوقت ، لأن ابن أم مكتوم إنما
كان يؤذن بعد أن يقال له: أصبحت أصبحت . انتهى ((طرح التثريب)).
والله أعلم.
المسألة السابعة : في هذا الحديث أن النبي څ﴾. كان له مؤذنان

٧٧ _
١٠ - باب هل يؤذنان جميعاً أو فرادى - حديث رقم ٦٣٩
بالمدينة ، وفي صحيح مسلم عن عائشة ، وابن عمر رضي الله عنهم
قالا: كان لرسول الله تَُّ مؤذنان : بلال ، وابن أم مكتوم .
قال أبو بكر بن إسحاق الصِّبْغيّ: والخبران صحيحان ، فمن قال:
كان له مؤذنان أراد اللذين كانا يؤذنان بالمدينة ، ومن قال : ثلاثة أراد
أبا محذورة الذي كان يؤذن بمكة . قال ولي الدين العراقي رحمه الله :
وكان له مؤذن رابع ؛ وهو سعد القرظ ، أذن للنبي ◌َّ بقباء مراراً ، ثم
صار بعد النبي مه مؤذناً بالمدينة لما ترك بلال الأذان ، وأذن له زياد بن
الحارث الصدائي أيضاً ، وقال: (( إن أخاصداء أذن ، ومن أذن فهو
يقيم)) رواه أبو داود ، وغيره ، لكنه لم يكن راتباً ، ولهذا عد مؤذنوا
النبي ◌َ له أربعة. انتهى.
قال الجامع : تقدم أن حديث الصدائي لا يصح ، فتنبه .
قال الشافعي رحمه الله : وأحب أن أقتصر في المؤذنين على اثنين ،
لأنا إنما حفظنا أنه أذن لرسول الله :﴿4﴾ اثنان، ولا نُضَيِّقُ إن أذن أكثر من
اثنين . واحتج في الإملاء في جواز أكثر من اثنين بقصة عثمان ،
فقال : ومعروف أنه زاد في عدد المؤذنين فجعله ثلاثة.
وذكر أبو علي الطبري، والرافعي أن المستحب ألا يزاد على أربعة
مؤذنین .
وذكر النووي في الروضة أنه أنكر هذا القول كثيرون من أصحاب
الشافعي ، وقالوا : إنما الضبط بالحاجة ورؤية المصلحة ، فإن رأى

- ٧٨
شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
الإمام المصلحة في الزيادة على الأربعة فعله ، وإن رأى الاقتصار على
اثنين لم يزد ، قال : وهذا هو الأصح . أفاده في طرح التثريب
ج٢ص٢١١، ٢١٢.
قال الجامع : ثم إن الأولى في تأذينهم أن يكون في أوقات
مختلفة، كما ثبت عن مؤذني رسول الله ◌َ﴾، إلا إذا دعت الحاجة إلى
الأذان في وقت واحد ، فلا مانع منه للضرورة .
قال في الفتح : وأما أذان اثنین معاً فمنع منه قوم ، ویقال : إن أول
من أحدثه بنو أمية ، وقال الشافعية: لا يكره ، إلا إن حصل من ذلك
تهويش . انتهى جـ٢ ص ١٢٠ . والله أعلم.
المسألة الثامنة : في الحديث دليل على جواز نسبة الإنسان إلى
أمه، وفي الصحابة جماعة عرفوا بذلك، منهم: ابن بُحَيْنَة ، ويعلى ابن
مُنْيَةَ ، والحارث ابن الْبَرَصَاء ، وغيرهم ، وحكي أن يحيى بن معين
كان يقول: حدثنا إسماعيل ابن علية ، فنهاه أحمد بن حنبل ، وقال :
قل إسماعيل بن إبراهيم ، فإنه بلغني أنه كان يكره أن ينسب إلى أمه ،
فقال: قد قبلنا منك يا معلم الخير ، ولهذا استثنى ابن الصلاح في علوم
الحديث من الجواز ما يكرهه الملقب ، وهو حسن ، لكن قال الحافظ
العراقي : الظاهر أن ما قاله أحمد على طريق الأدب ، لا اللزوم . أفاده
في الطرح ج٢ ص٢١٣ .
وقال السيوطي رحمه الله في ((ألفية الأثر)):

٧٩ -
١٠ - باب هل يؤذنان جميعاً أو فرادى - حديث رقم ٦٤٠
وَذِكُرُهُ بِالوَصْفِ أَوْ بِاللَّقَبِ أَوْ حِرْفَةٍ لَا بَأْسَ إِنْ لَمْ يَعِبِ
والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٦٤٠ - أخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هُشَيْمٍ ، قَالَ : أَنْبأنَا
مَنْصُورٌ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمَّنَه، أُنَيْسَةٌ،
قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَُّ: ((إِذَا أَذَّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ،
فَكُلُوا واشْرَبُوا، وَإِذَا أَذَّنَ بلالٌ، فَلا تَأْكُلُوا وَلا
تَشْرَبُوا)).
رجال هذا الإسناد : خمسة
١ - (يعقوب بن إِبراهيم) الدورقي المتقدم في السند السابق .
٢ - (هشيم) بن بشير بن القاسم بن دينار السلمي ، أبو معاوية
ابن أبي خَازم الواسطي ، ثقة ، ثبت ، كثير التدليس والإرسال الخفي ،
من [٧]، تقدم في ١٠٩/٨٨.
٣ - (منصور) بن زاذان الواسطي ، أبو المغيرة الثقفي، ثقة،
ثبت، عابد، توفي سنة ١٢٩، من [٦] أخرج له الجماعة، تقدم في
٤٧٥.
٤ - (خُبَيب بن عبد الرحمن) بن خبيب بن يساف ، الأنصاري
الخزرجي ، أبو الحارث المدني ، ثقة ، من [٤].

شرح سنن النسائي - كتاب الآذان
- ٨٠
...
وثقه ابن معين ، والنسائي ، وقال أبو حاتم : صالح الحديث .
وقال ابن سعد : كان ثقة قليل الحديث ، وذكره ابن حبان في الثقات.
وقال : مات سنة ١٣٢ ، وقال الواقدي : مات في زمن مروان بن
محمد ، أخرج له الجماعة .
٥ - (أنيسة) - بالتصغير - بنت خبيب بن يساف الأنصارية ،
عدادها في أهل البصرة ، روت عن النبي ◌َّ﴾ هذا الحديث ، روى عنها
ابن أخيها خبيب بن عبد الرحمن .
قال ابن سعد: أسلمت ، وبايعت النبي ◌َّى ، وقال ابن حبان :
لها صحبة ، وذكرها جماعة ممن صنف في الصحابة، أخرج لها المصنف فقط.
والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسيات المصنف .
ومنها : أن رواته كلهم ثقات ، وهم ما بین بغدادي، وهو شيخه
وواسطيين؛ وهما هشيم ومنصور ، ومدني ؛ وهو خبيب ، وبصرية،
وهي أنسية .
ومنها: أن فيه رواية الراوي عن عمته .
ومنها : أن أنيسة من أفراد المصنف ، ولا رواية لها إلا في هذا
الموضع .
وشرح الحديث يعلم مما تقدم. والله تعالى أعلم.