Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١ _
١٩ - باب الشفق - حدیث رقم ٥٢٨
إسناد صحيح، وخالفهما شعبة، وأبو عوانة، فقالا: عن أبي بشر، عن
بشیر بن ثابت، عن حبيب بن سالم. انتهى.
ورَقَبَةُ بن مَصْقَلَة ثقة، وروايته عند النسائي، عن محمد بن قدامة،
عن جرير بن عبد الحميد، عن رقبة ، وهذا كما ترى قد اختلفت الرُّواةُ
عن أبي بشر، فبعضهم رواه عنه ، عن حبيب بن سالم بلا واسطة،
وبعضهم رواه عنه، عن بشیر بن ثابت، عن حبيب .
وقد رجح الترمذي وتابعه ابن العربي روايةً من زاد: عن بشير بن
ثابت؛ قال الترمذي: وحديث أبي عوانة أصح عندنا، لأن يزيد بن
هارون رَوَى عن شعبة، عن أبي بشر نحو رواية أبي عوانة. وصرح ابن
العربي - كما تقدم - بأن هشيمًا أخطأ في روايته. ولكن متابعة رَقَبَة بن
مَصْفَلَة له تُبْعدُ احتمال الخطأ. والظاهر أن أبا بشر سمعه من حبيب،
وسمعه من بشير بن ثابت، عن حبيب، فكان يرويه مرة هكذا ومرة
هكذا، كما تراه كثيرا في صنيع الرواة. والإسناد صحيح في الحالين.
کذا حققه صاحب التعليق. وهو تحقيق جيد.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التحقيق حقيق بالقبول، لا كما قاله
الترمذي، وتبعه عليه ابن العربي، وهذا الذي اعتمدته هو الذي يدل
عليه صنيع المصنف رحمه الله حيث ساق الحديث بالإسنادين، ولم
يتعقب أحدهما بشيء من التعليل. والله أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
:
.

شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
- ١٠٢
أخرجه هنا (٢٥٨) وفي ((الكبرى)) (١٥١٠) عن محمد بن قُدَامَة،
عن جرير، عن رَقَبَة ، عن جعفر بن إياس ، عن حبيب بن سالم، عن
النعمان بن بشير ... .
و(٥٢٩) و ((الكبرى)) (١٥١١) عن عثمان بن عبد الله، عن عَفَّان،
عن أبي عَوَانَةَ، عن أبي بشْر ، عن بشير بن ثابت ، عن حبيب بن سالم،
عنه . والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه :
أخرجه أبو داود في الصلاة عن مسدد ، عن أبي عوانة، عن
أبي بشر، عن بشير بن ثابت، عن حبيب به. وأخرجه الترمذي فيه عن
محمد بن عبد الملك بن أبي الشَّوَارب، عن أبي عوانة به. وعن محمد
ابن أبان، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن أبي عوانة، نحوه. وقال:
رَوَى هشيم هذا عن أبي بشر، عن حبيب - ولم يذكر بَشيرَ بنَ ثابت -
وحديثُ أبي عوانة أصَحُّ، لأن يزيد بن هارون روى عن شعبة، عن
أبي بشر نحو رواية أبي عوانة . اهـ.
وأخرجه أحمد، والحاكم ، والبيهقي. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة :
أنه لم يتبين من ترجمة المصنف رحمه الله تعالى هنا في ((المجتبى))
بقوله: ((الشفق)) أىَّ شَفَق يريد الاستدلالَ عليه بهذا الحديث؛ هو الشفق

١٠٣ -
١٩ - باب الشغق - حديث رقم ٥٢٨
الأحمر، أم هو الشفق الأبيض؟، لكن بَيَّنَ مراده في ((الكبرى)) حيث
قال: ((ذكْرُ مَا يُسْتَدَلُّ بِه عَلَى أنَّ الشفق البياضُ))، فأورد حديث
النعمان هذا من طريق أبي عوانة، عن أبي بشر، عن بشير، عن حبيب،
عنه. فأفصح به أنه يريد ترجيح قول من قال: إن الشفق هو الأبيض،
ولكن هذا الاستدلال غير واضح.
وقد تقدم الاعتراض على ابن التركماني - في قوله: إن الأحمر "
يدخل قبل سقوط القمر لثالثة بزمن كثير رداً على الشافعية في قولهم
استحباب تعجیل العشاء مستدلین بحديث النعمان هذا(١)- بأن ما قاله
غير صحيح، بل أحياناً يتقدم، وأحياناً يتأخر، وهكذا هنا يعترض على
المصنف في استدلاله بهذا الحديث على أن المراد بالشفق هو الأبيض بأن
هذا غير صحيح، فقد يوافق هذا ، وقد لا يوافقه، بأن يتقدم مع
الأحمر، فلا يدل الحديث على ما قاله. والله أعلم.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في معنى الشفق:
قال المجد رحمه الله: الشَّفَقُ مُحَرَّكَةَ : الحمرةُ في الأُفُق من
الغروب إلى العشاء الآخرة ، أو إلى قريبها، أو إلى قريب العَتَمَة. اهـ.
(ق)).
وقال الفيومي رحمه الله: الشفق: الحمرةُ من غروب الشمس إلى
(١) واستدلال الشافعية به أيضاً غير صحيح، لأنه قد يتأخر عن أول الوقت. فتبصر.
ے

شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
- ١٠٤
-
وقت العشاء الآخرة، فإذا ذهب، قيل: غاب الشفقُ، حكاه الخليل،
وقال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب كالشَّفق، وكان
أحمر، وقال ابن قُتَيْبَةَ: الشفق: الأحمرُ من غروب الشمس إلى وقت
العشاء الآخرة، ثم يغيب ويبقى الشفق الأبيض إلى نصف الليل. وقال
الزَّجَّاج : الشفق: الحمرة التي تُرَى في المغرب بعد سقوط الشمس،
وهذا هو المشهور في كتب اللغة.
وقال الُطَرّزيُّ: الشفقُ : الحمرة عن جماعة من الصحابة،
والتابعين، وهو قول أهل اللغة، وبه قال أبو يوسف، ومحمد ، وعن
أبي هريرة أنه البياض، وبه قال أبو حنيفة، وعن أبي حنيفة قولٌ متأخِّر
أنه الحمرة. اهـ. ((المصباح)) ج١ ص٣١٨.
وقال النووي رحمه الله في تهذيب الأسماء واللغات:
أجمع العلماء على أن وقت صلاة العشاء يدخل بغيبوبة الشفق،
والأحاديث الصحيحة مشهورة بذلك. ولكن اختلفوا في الشفق المراد
به، هل هو الأحمر، أو الأبيض؟، والأحمر يتقدم والأبيض يتأخر.
فذهب الشافعي، والجمهور رضي الله عنهم إلى أنه الحمرة. وذهب
أبو حنيفة وآخرون رضي الله عنهم إلى أنه البياض .
وَرَوى البيهقيَّ بإسناده الصحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله
عنهما أنه قال: الشفق: الحمرة. ورواه البيهقي أيضًا عن عمر بن
الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وأبي هريرة، وعُبادَة بن

١٩ - باب الشفق - حدیث رقم ٥٢٨
١٠٥ -
الصامت، وشَدَّاد بن أوس رضي الله عنهم. ورواه عن مكحول،
وسفيان الثوري. ورواه مرفوعاً إلى رسول الله تَ ◌ّه ، وليس بثابت
عنه له .
وحكى ابن المنذر في ((الإشراف)) أنه الحمرة عن ابن أبي ليلى ،
ومالك، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبي يوسف، ومحمد بن
الحسن. قال: ورُويَ ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وعن ابن عباس
أيضاً أنه البياض. قال: وَرَوَيْنَا عن أنس، وأبي هريرة، وعمر بن
عبد العزيز، ما يدل على أنه البياض، وبه قال أبو حنيفة. قال ابن
المنذر: الشفق: البياض.
وحكى القاضي أبو الطيب عن أبي ثور، وداود أنه الحمرة، وعن
زُفَرَ، والُزَنَيّ أنه البياض.
وحكاه غيره عن معاذ بن جبل الصحابي رضي الله عنه. ونقل
البغوي عن أكثر أهل العلم أنه الحمرة .
قال: واستدل أصحابنا للحمرة بأشياء من الحديث ، والمعنى لا
يظهر منها دلالةٌ مُحَقَّقَةً، ، والذي ينبغي أن يُعتَمَدَ أن المعروف عند
العرب أن الشفق الحمرة، وذلك مشهور في شعرهم، ونثرهم، ويدل
عليه نقل أئمة اللغة.
قال الإمام أبو منصور الأزهري في شرح ألفاظ المختصر: الشفق
:

-
- ١٠٦
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
عند العرب: الحمرة. رَوَى سلمة عن الفراء، قال: سمعت بعض
العرب يقول: عليه ثوب مصبوغ، كأنه الشفق، وكان أحمر.
وقال ابن فارس في المُجْمَل: قال ابن دُرَيْد: الشفقُ: الحمرة. قال
ابن فارس: وقال أيضا الخليل: الشفق الحمرة التي من غُرُوب الشمس
إلى وقت العشاء الآخرة. وذكر قول الفراء، ولم يذكر ابنُ فارس غَيرَ
هذا .
وقال الزبيدي في ((مختصر العين)): الشفق الحمرة بعد غروب
الشمس .
وقال الخطابي في ((معالم السنن)): حُكيَ عن الفراء أنه الحمرة،
قال: وأخبرني أبو عُمَر عن ثعلب أن الشفق: البياض ، قال الخطابي :
وقال بعضهم : الشفق: اسم للحمرة، والبياض، إلا أنه إنما يطلق على
أحمر ليس بقَانئ، وأبيض ليس بنَاصع، وانما يعلم المراد به بالأدلة، لا
بنفس الاسم، كالقُرّ، وغيره من الأسماء للشتاء. اهـ. ((تهذيب
الأسماء، واللغات)) جـ٣ ص ١٦٥ - ١٦٦.
وكتب الإمام المجتهد أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى في كتابه
النفيس - ((المُحَلَّى)) - بحثا نفيسًا في هذه المسألة، فقال:
(مسألة الشفق ، والفجر) قال علي : الفجر فجران، والشفق
شفقان، والفجر الأول هو المستطيل المُستَدَقُّ صاعدًا في الفَلَك، كَذَنب

١٠٧ -
١٩ - باب الشفق - حديث رقم ٥٢٨
السِّرْحَان، وتَحْدُث بعده ظلمةٌ في الأفق، لا يُحَرِّم الأكلَ، ولا الشربَ
على الصائم، ولا يدخل به وقت صلاة الصبح . هذا لا خلاف فيه من
أحد من الأمة كلها .
والآخر هو البياض الذي يأخذ في عرض السماء في أفق المشرق في
موضع طلوع الشمس، في كل زمان ، ينتقل بانتقالها ، وهو مقدمة
ضوئها، ويزداد بياضه، وربما كان فيه توريد بحمرة بديعة، وبتبينه
يدخل وقت الصوم، ووقت الأذان لصلاة الصبح، ووقت صلاتها،
فأما دخول وقت الصلاة بتبينه فلا خلاف فيه من أحد من الأمة .
وأما الشفقان: فأحدهما الحمرة، والثاني البياض، فوقت المغرب
عند ابن أبي ليلى، وسفيان الثوري، ومالك ، والشافعي ،
وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن ، والحسي بن حي، وداود ،
وغيرهم: يخرج ، ويدخل وقت صلاة العتمة، بمغيب الحمرة، وهو
قول أحمد بن حنبل، وإسحاق، إلا أن أحمد، قال: يستحب في
الحضر خاصة دون السفر أن لا يصلي إلا إذا غاب البياض، ليكون على
يقين من مغيب الحمرة، فقد تُواريها الجُدْران ، وقال أبو حنيفة، وعبد
الله بن المبارك، والْمُزَني، وأبو ثَوْر: لا يخرج وقت المغرب، ولا يدخل
وقت العَتَمَة إلا بمغیب البياض.
قال علي: قد صح أن رسول الله ثمّ حد خروج وقت المغرب،

- ١٠٨ ـــ
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
ودخول وقت العتمة بمغيب نور الشفق، والشفق يقع في اللغة على
الحمرة، وعلى البياض، فإن ذلك كذلك، فلا يجوز أن يخص قوله
عليه السلام بغير نص، ولا إجماع، فوجب أنه إذا غاب ما يسمى شفقًا،
فقد خرج وقت المغرب ، ودخل وقت العتمة، ولم يقل عليه السلام
قط : حتى يغيب كل ما يسمى شفقًا .
وبرهانٌ قاطعٌ، وهو أنه قد ثبت أن رسول الله عَ ◌ّ﴾ حد وقت العتمة
بأن أوله إذا غاب الشفق، وآخره ثلث الليل الأول، ورُويَ أيضا نصف
الليل، وقد عَلَمَ كلُّ من له علم بالمطالع، والمغارب، ودَوَرَان الشمس :
أن البياض لا يغيب ، إلا عند ثلث الليل الأول، وهو الذي حد عليه
السلام خروج أكثر الوقت فيه، فصح يقينا أن وقتها داخل قبل ثلث
الليل الأول بيقين. فقد ثبت بالنص أنه داخل قبل مغيب الشفق الذي
هو البياض بلا شك (١)، فإن ذلك كذلك، فلا قول أصلا، إلا أنه
الحمرة بيقين، إذ قد بطل كونه البياض.
واحتج من قَلَّدَ أبا حنيفة بأن قال: إذا صلينا عند غروب البياض،
فنحن على يقين بإجماع أننا قد صلينا عند الوقت، وإن صلينا قبل
(١) قال العلامة أحمد شاكر في تعليقه على ((المحلى)): هذه القطعة من أبدع حجج ابن
حزم، وأمتنها، وقد نقل الشوكاني معناها في نيل الأوطار جـ١ ص ٤١١ عن شرح
الترمذي لابن سيد الناس، وأنا أظن أنه أخذها عن ابن حزم ، ويكاد يكون لفظهما
متحدًّا. اهـ. ج١ ص ١٩٣ .

١٩ - باب الشفق - حدیث رقم ٥٢٨
١٠٩ -
ذلك، فلم نصل بيقين إجماع في الوقت.
قال علي: هذا ليس شيئًا، لأنه إن التزموه، أبطل عليهم
جمهورَ مذهبهم، فيقال مثل هذا في الوضوء بالنبيذ، وفي الاستنشاق
، والاستئثار، وقراءة أم القرآن، والطمأنينة، وكل ما اختلف فيه ، مما
يبطل الصوم، والحج، ومما تجب فيه الزكاة، فيلزمهم أن لا يؤدوا
عملاً من الشريعة إلا حتى لا يختلف اثنان في أنهم قد أدَّوْهُ، كما
أمروا، ومع هذا لا يصح لهم من مذهبهم جزء من مائة جزء بلا
شك .
وذكروا حديث النعمان بن بشير: أنه عليه السلام كان يصلي العتمة
لسقوط القمر ليلة ثالثة، ولو كان لكان أعظم حجة لنا، لأن الشفق
الأبيض يبقى بعد هذه مدة طويلة بلا خلاف.
واحتج بعضهم بالأثر: ((أن رسول الله عَّه كان يصلي العشاء
الآخرة إذا اسود الليل))، وبقاء البياض يمنع من سواد الأفق.
قال علي: وهذا خطأ ، لأنه يصلي العتمة مع بياض القمر ، وهو
أمنع من سواد الأفق على أصولهم: من البياض الباقي بعد الحمرة الذي
لا يمنع من سواد الأفق، لقلته، ودقّته. وذكروا حديث النعمان بن
بشير: أنه عليه السلام كان يصلي العتمة لسقوط القمر ليلة ثالثة. وهذا
لا حجة لهم فيه، لأننا لا تمنع من ذلك، ولا من تأخيرها إلى نصف

- ١١٠
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
الليل، بل هو أفضل، وليس في هذا، المنع من دخول وقتها قبل ذلك.
وذكروا حديثًا ساقطاً موضوعًا، فيه أنه عليه السلام صلى العتمة
قبل غروب الشفق . (١)
وهذا لو صح - ومعاذ الله من ذلك - لما كان فيه إلا جواز الصلاة قبل
وقتها، وهو خلاف قولهم، وقولنا.
وذكروا عن ثعلب: أن الشفق البياض . قال علي: لسنا ننكر أن
الشفق البياض، والشفق الحمرة، وليس ثعلب حجة في الشريعة، إلا
في نقله ، فهو ثقة ، وأما في رأيه فلا .
وأظرف ذلك احتجاج بعضهم بأن الشفق مشتق من الشفقة، وهي
الرِّقَّة، ويقال: ثوب شفيق إذا كان رقيقاً، وقالوا : البياض أحق بهذا ،
لأنها أجزاء رقيقة تبقى بعد الحمرة.
قال علي: وهذا هَوَس، ناهيك به ، فإن قيل لهم: بل الحمرة أولى
به لأنها تتولد عن الإشفاق، والحياء!، وكل هذا تخليط هو في الهزل
(١) قال العلامة أحمد شاكر رحمه الله: هذا الحديث لم أجده، إلا أن البيهقي أشار إليه في
السنن، فقال: والذي رواه سليمان بن موسى ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن جابر،
عن النبي ◌َّ في أوقات الصلاة: ثم صلى العشاء قبل غيبوبة الشفة)) مخالف لسائر
الروايات. جـ١ ص٣٧٣، ولكنه رَوَى حديث سليمان في ص ٣٧٢ بلفظ «ثم صلى
المغرب قبل غيبوبة الشفق))، ونقل الشوكاني بعد حديث النعمان بن بشير أن ابن
العربي، قال: هو صحيح، وصلى قبل غيبوبة الشفق)). جـ١ ص ٤١١.

١١١ -
١٩ - باب الشفق - حدیث رقم ٥٢٨
أدخل منه في الجدِّ.
وقال بعضهم: لما كان وقت صلاة الفجر يدخل بالفجر
الثاني وجب أن يدخل وقت صلاة العتمة بالشفق الثاني، فعورضوا
بأنه لما كان الفجر فجرين، وكان دخول وقت صلاة الفجر الذي معه .
الحمرة وجب أن يكون دخول وقت العتمة بالشفق الذي معه
الحمرة.
وقالوا أيضاً: لما كانت الحمرة - التي هي مقدمة طلوع الشمس - لا
تأثير لها في خروج وقت صلاة الفجر، وجب أن يكون أيضا لا تأثير
لها في خروج وقت المغرب، فعورضوا بأنه لما كانت الطوالع ثلاثة،
والغوارب ثلاثة، وكان الحكم في دخول وقت صلاة الصبح للأوسط
من الطوالع: وجب أن يكون الحكم في دخول صلاة العتمة للأوسط
من الغوارب.
وهذه كلها تخاليط ، ودعاو فاسدة، متكاذبة، وإنما أوردناها ليَعْلَمَ
من أنعم الله تعالى عليه بأن هداه لإبطال القياس في الدين: عظيمَ نعمة
الله تعالى عليه في ذلك، وليتبصر من غَلطَ، فقال به(١). وما توفيقنا إلا
(١) قال الجامع: هذا عند المحققين في القياس الفاسد بأن كان في مقابلة النصوص، وأما
غيره فلا يرد ، وأما ابن حزم فمذهبه رد القياس مطلقاً . فتنبه.
-----

- ١١٢ .
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
بالله تعالى. اهـ المحلی جـ١ ص ١٩٢ - ١٩٥.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تَبَيَّن بما قال هؤلاء الأئمة أن الأرجح
في معنى الشفق المذكور في حديث صلاة العشاء هو الحمرة، لقوة
مُتَمَسَّكه الذي ذُكرَ في كلامهم. والله أعلم.
خاتمة: نسأل الله تعالی حسنھا۔في ذکر ثلاث فوائد :
الأولى: قال النووي رحمه الله تعالى: للعشاء أربعة أوقات:
فضيلة، واختيار، وجواز ، وعذر ، فالفضيلة أول الوقت، والاختيار
بعده إلى ثلث الليل في الأصح، وفي قول: نصفه، والجواز إلى طلوع
الفجر الثاني، والعذر وقت المغرب لمن جمع بسفر، أو مطر.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: والجواز إلى طلوع الفجر، هذا
مذهبه ومذهب أكثر العلماء ، لكن الصحيح الذي تدل عليه الأحاديث
الصحيحة أن الجواز إلى نصف الليل، وسيأتي تحقيق ذلك في بابه، إن
شاء الله تعالى.
الثانية: قال النووي أيضاً: قال صاحب التتمة: في بلاد المشرق
نَوَاحِ تقصر لياليهم فلا يغيب الشفق عندهم، فأولُ وقت العشاء عندهم
أن يَمْضيَ من الزمان بعد غروب الشمس قدر ما يغيب الشفق في مثله
في أقرب البلاد إليهم.

!
١١٣ -
١٩ - باب الشفق - حديث رقم ٥٢٨
الثالثة: قال أيضاً: قيل: إن بين المغرب، والعشاء نصف سدس
الليل، فإن طال الليل، طال نصف السدس، وإن قصر: قصر. ذكر
النووي هذه الفوائد في مجموعه جـ٣ ص ٤٠، ٤١. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت
وإليه أنيب .
٠٠

١١٤
--
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
٢٠ - مَا يُسْتَحَبُ مِنْ تَأخِيرِ الْعِشَاءِ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على بيان ما يستحب من تأخير
صلاة العشاء .
فما: موصولة بمعنى الذي، واقعة على العمل، و((من تأخير
العشاء)»: بيان لها .
والتقدير: هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على بيان العمل الذي
يستحب، وهو تأخير صلاة العشاء. والله تعالى أعلم.
٥٣٠ - أخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أنْبَأْنَا عَبْدُ اللَّه، عَنْ عَوْف،
عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلامَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ
الأسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أبي: أخْبُرَنَا كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّه ◌َثُّ
يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ، قَالَ: كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ التِّي تَدْعُونَهَا
الأولَى، حينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَكَانَ يُصَلِي الْعَصْرَ،
ثُمَّيَرْجِعُ أحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ، والشَّمْسُ
حَيَّةٌ، قَالَ: وَنَسيتُ مَا قَالَ في الْمَغْرِبِ، قَالَ: وَكَانَ
يَسْتَحِبُ أنْ تُؤَخَّرَ صَلاَةُ الْعِشَاءِ الَّتِي تَدِعُونَهَا الْعَتَمَةَ،
قَالَ: وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالحَديثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ

١١٥ _
٢٠ - باب ما يستحب من تأخير العشاء - حديث رقم ٥٣٠
يَنْفَتَلُ مَنْ صَلاة الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَليسَهُ، وَكَانَ
يَقْرَأ بالسَّتِّينَ إِلَى الْمائَة .
رجال الإسناد : خمسة
١ - (سُوَيَد بنُ نَصْر) بن سويد المروزي، أبو الفضل لقبه الشَّاه،
راوية ابن المبارك، ثقة، توفي سنة ٢٤٠، وله ٩٠ سنة، من [١٠]،
أخرج له الترمذي والنسائي، تقدم في ٤٥/ ٥٥ .
٢ - (عبد الله) بن المبارك المروزي مولى بني حَنْظَلَة، ثقة، ثبت،
فقيه، عالم، جَوَاد، مُجَاهد، اجتمعت فيه خصال الخير، توفي سنة
١٨١ عن ٦٣ سنة، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٦/٣٢.
٣ - (عوف) بن أبي جَميلَة الأعْرَابي العَبْدي البصري، ثقة رمي
بالقَدَر، والتشيع، توفي سنة ١٤٦ أو ١٤٧ عن ٨٦ سنة، من [٦]،
أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٦/ ٥٧ .
٤ - (سَيَّار بن سَلامَة) الرِّيَاحِيُّ، أبو الْمِنْهَال البصري، ثقة،
توفي سنة ١٢٩، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢/ ٤٩٥ .
٥ - (أبو بَرْزَة الأسلمي) اختلف في اسمه، واسم أبيه، والأشهر
الأصح: نَضْلَة بن عُبَيد، أو نَضْلَة بن عبد الله، ويقال: نضلة بن عائذ۔
بالذال المعجمة-، توفي سنة ٦٤، وقيل: توفي بعد ولاية ابن زياد، قبل
موت معاوية، سنة ٦٠، وكانت وفاته بالبصرة. قاله ابن دقيق العيد
:

شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
- ١١٦
رحمه الله تعالى. تقدم في ٤٩٥/٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسيات المصنف.
ومنها : أن رجاله كلهم ثقات.
ومنها: أنهم بصریون، إلا سويدًا، وعبد الله، فمروزیان.
ومنها : أن أبا برزة انفرد بهذه الكنية في الصحابة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن سيار بن سلامة) الرياحي البصري، أنه (قال: دخلت أنا)
أتى بالضمير المنفصل ليعطف على الضمير المتصل قَولَه (وأبي) لم
تعرف ترجمته، كما تقدم، وكان ذلك، كما زاد الإسماعيلي ((زمن
خَرَجَ ابن زياد على البصرة))، وقال الحافظ: وكان ذلك في سنة ٦٤ .
(على أبي برزة الأسلمي) بفتح الموحدة، وسكون الراء، بعدها
زاي، رضي الله عنه.
(فقال له أبي: أخبرنا كيف كان رسول الله ◌ُ ◌ّه يصلي
المكتوبة) يعني به كيفية الأوقات من تقديم، وتأخير، ونحو ذلك،
والألف واللام للاستغراق، ولهذا أجاب بذكر الصلوات كلها، لأنه
فهم من السائل العموم. قاله ابن دقيق العيد.

١١٧
٢٠ - باب ما يستحب من تأخير العشاء - حديث رقم ٥٣٠
(قال) أبو برزة ( كان يصلي الهجير) هو على حذف مضاف،
أي صلاة الهجير، وقد تقدم أن الهجير، والهاجرة: شدة الحر،
وقُوَّتُهُ.
قال ابن دقيق العيد رحمه الله: إن لفظة ((كان)) تشعر عرفًا
بالدوام، والتكرار، كما يقال: كان فلان يكرم الضيوف، وكان فلان
يقاتل العدو : إذا كان ذلك دأبه، وعادته .
(التي تدعونها الأولى) وتقدم سبب تسميتها بذلك، بأنها أول
صلاة صلاها جبريل عليه السلام .
(حين تدحض الشمس) بفتح التاء، والحاء. والمراد به هنا
زوالها، واللفظة من حيث الوضع أعم من هذا. وظاهر اللفظ
يقتضي وقوع صلاته عَّ عند الزوال، ولابد من تأويله، لأنه قد
علم من ضرورية شرعية الأوقات أنه لا وقت للظهر إلا من بعد
الزوال .
وقد اختلف أصحاب الشافعي فيما تحصل به فضيلة أول الوقت؛
فقال بعضهم: إنما تحصل بأن يقع أول الصلاة مع أول الوقت، بحيث
تكون شروط الصلاة متقدمة على دخول الوقت، وتكون الصلاة واقعة
في أوله، وقد يتمسك هذا القائل بظاهر هذا الحديث، فإنه قال: ((يصلي
حين تزول))، فظاهره وقوع أول الصلاة في أول جزء من الوقت عند

- ١١٨
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
الزوال، لأن قوله: ((يصلي)) يجب حمله على يَبْتَدئ الصلاة، فإنه لا
يمكن إيقاع جميع الصلاة حین تدحض الشمس .
ومنهم من قال: تمتد فضیلة أول الوقت إلى نصف وقت الاختيار،
فإن النصف السابق من الشيء ينطلق عليه أول الوقت بالنسبة إلى
المتأخر .
ومنهم من قال ۔ وهو الأعدل۔ کما قاله ابن دقیق العید رحمه الله:
إنه إذا اشتغل بأسباب الصلاة عقيب دخول أول الوقت، وسعى إلى
المسجد، وانتظر الجماعة - وبالجملة لم يشغل بعد دخول الوقت، إلا بما
يتعلق بالصلاة - فهو مدرك لفضيلة أول الوقت.
قال: ويشهد لهذا فعل السلف، والخلف، ولم ينقل عن أحد منهم
أنه كان يشدد في هذا، حتى يُوقعَ أول تكبيرة في أول جزء من الوقت.
اهـ عمدة مع العدة جـ٢ ص٣٦ -٣٨.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي رجحه العلامة ابن دقيق العيد
رحمه الله حسن جداً. والله أعلم.
(وكان يصلي العصر، ثم يرجع أحدنا) بعد انقضاء الصلاة.
(إِلى رحله في أقصى المدينة، والشمس حية) جملة حالية من
مقدر، أي فيصل إلى رحله، والحال أن الشمس نقية بيضاء، لم
يخالطها صفرة .
i
٠

١١٩ -
٢٠ - باب ما يستحب من تأخير العشاء - حديث رقم ٥٣٠
وفيه دليل على استحباب تقديم صلاة العصر في أول وقتها، وقد
تقدم تمام البحث في بابه. ٨/ ٥٠٥ والحمد لله.
(قال) سيار؛ كما بينه أحمد في ((مسنده).
(ونسيت ما قال ) أبو برزة.
صَلى الله
(في) بيان وقت صلاة (المغرب، قال) أبو برزة (وكان)
(یستحبُّ) أي یستحسن.
(أن تُؤخَّر صلاةُ العشاء) ((أن)) مصدرية، والفعل المبني
للمفعول، ونائبه في تأويل المصدر مفعول يستحب، أي يستحب تأخير
صلاة العشاء .
وفي الرواية السابقة (٤٩٥) ((كان لا يبالي بعض تأخيرها - يعني
العشاء - إلى نصف الليل)) أي إلى قريب من نصف الليل.
وعند البخاري ((ولا يبالي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل))، ثم قال:
((إلى شطر الليل)).
ولمسلم من طريق معاذ، عن شعبة، قال: ثم لقيته مرة، فقال: ((أو
ثلث الليل)».
قال الحافظ: وجزم حماد بن سلمة عن أبي المنهال عند مسلم بقوله :
((إلى ثلث الليل))، وكذا لأحمد عن حجاج، عن شعبة. اهـ.
والحاصل أن رواية نصف الليل لابد من تأويلها بما ذكرنا لتوافق

- ١٢٠
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
رواية ((وآخرُ وقت العشاء نصفُ الليل)»، كما يأتي.
وهذا هو محل استدلال المصنف رحمه الله تعالی حیث بوب
بقوله: ((ما يستحب من تأخير العشاء)). ففيه استحباب تأخيرها إلى
ثلث الليل، أو بعده. وسيأتي بيان اختلاف العلماء في هذا قريبًا، إن
شاء الله تعالى.
وقوله (التي تدعونها العتمة) فيه أن الأحسن تسميتها بالعشاء،
كما في لفظ الكتاب العزيز: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨].
وقد ورد في تسميتها بالعتمة ما يقتضي الكراهة، وورد أيضًا ما
يدل على جواز ذلك، وسيأتي بيان التوفيق بينهما في بابه إن شاء الله
تعالى .
قال في ((الفتح)): وقال الطيبي: لعل تقييده الظهر، والعشاء دون
غيرهما للاهتمام بأمرهما، فتسمية الظهر بالأولى يشعر بتقديمها،
وتسمية العشاء بالعتمة یشعر بتأخيرها. اهـ جـ٢ ص٣٤.
(وكان يكره النوم قبلها) لأنه قد يكون سببًا لنسيانها، أو
تأخيرها إلى خروج وقتها.
(و) کان یکره (الحدیث بعدها) لأنه قد يؤدي إلى سهر يفضي
إلى النوم عن الصبح، أو إلى إيقاعها في غير وقتها المستحب، أو لأن
الحديث قد يقع فيه من اللغط واللغو، ما لا ينبغي ختم اليقظة به، أو