Indexed OCR Text

Pages 661-680

٦٦١ -
٩ - باب التشديد في تأخير العصر - حديث رقم ٥١٢
أنواع العلوم التي يحتاج إليها طالب العلم.
وقد قال الإمام المحقق المحدث، الفقيه، الأصوليّ، مُحَرِّر المذهب
الشافعي بلا مدافع أبو زکریا یحیی بن شرف النووي رحمه الله تعالى
في أوائل شرحه لصحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى ما نصه:
ولا ينبغي للناظر في هذا الشرح أن يسأم من شيء من ذلك - يعني تنبيهه
على دقائق الإسناد - يجده مبسوطاً واضحاً، فإني إنما أقصد بذلك إن
شاء الله الكريم الإيضاح والتيسير، والنصحية لمطالعه،
وإعانته، وإغنائه من مراجعة غيره في بيانه، وهذا مقصود الشروح، فمن
استطال شيئاً من هذا، وشبهه، فهو بعيد من الإتقان مباعد للفلاح في
هذا الشان، فَلْيُعَزِّ نفسه لسوء حاله، وليرجع عما ارتكبه من قبيح
فعاله، ولا ينبغي لطالب التحقيق، والتنقيح، والإتقان، والتدقيق، أن
يلتفت إلى كراهة، أو سامة ذوي البَطَالَة، وأصحاب الغَبَاوَة، والَهَانَة،
والمَلالَة، بل يفرح بما يجده من العلم مبسوطاً، وما يصادفه من القواعد
والمشكلات واضحاً مضبوطاً، ويحمد الله الكريم على تيسيره، ويدعو
لجامعه الساعي في تنقيحه، وإيضاحه، وتقريره، وفقنا الله الكريم
لمعالي الأمور، وجنبنا بفضله جميع أنواع الشرور، وجمع بيننا وبين
أحبابنا في دار الحبور والسرور. والله أعلم.
اهـ کلام النووي في (شرح مسلم)) جـ ١ ص ١٥٢، ١٥٣.
فينبغي لك أيها الأخ العزيز المطالع لشرحي هذا أن تجعل هذه

- ٦٦٢
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
النصيحة نُصْبَ عينيك، فكلما مرعليك تكرار، أو إطالة فتذكرها
تنفعك، فإن الكتاب هذا قد شرحه الحافظ السيوطي، والعلامة السندي
رحمهما الله تعالى قبلي، بزمان، ولكن أين الفوائد المذكورة من هذين
الشرحين؟ والله المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف :
أخرجه هنا (٥١٢)، وفي ((الكبرى)) في ((الصلاة)) (١٤٩٨) بهذا
السند .
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه .
أخرجه مسلم وابن ماجه؛ فأخرجه مسلم في ((الصلاة)) عن أبي بكر
ابن أبي شيبة، وعمرو الناقد .
كلاهما عن ابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه رضي الله
عنه .
وأخرجه ابن ماجه في ((الصلاة)) أيضاً عن هشام بن عمار، عن
سفیان ابن عيينة به .
وأخرجه أحمد، ومالك في ((الموطأ)).
وأما فوائد الحديث فقد تقدمت في شرح الحديث رقم (٤٧٨)،

٦٦٣ -
٩ - باب التشديد في تأخير العصر - حديث رقم ٥١٢
(٤٧٩)، (٤٨٠)، فارجع إليها تزدد علماً.
قال الجامع: مناسبة حديث ابن عمر رضي الله عنهما للباب
واضحة، إذ التأخير صادق على تأخيرها إلى أن يخرج وقتها، وعلى
تأخيرها إلى آخر وقتها الذي لا يسع لأدائها على الوجه الأكمل،
فحديث أنس رضي الله عنه مبين لما يترتب على من أخرها إلى آخر
وقتها، وحديث ابن عمر رضي الله عنهما مبين لما يترتب على من
أخرها حتى خرج وقتها. والله أعلم.
تنبيه:
وجد في هامش النسخة الهندية، زيادة حديث بعد الحديث
المذكور، وقد ذكره الحافظ المزي مستدركاً على ابن عساكر، وقال :
حديث النسائي في رواية أبي الطيب(١) محمد بن الفضل بن العباس عنه
ولم يذكره أبو القاسم. ا هـ وحيث لم يكن من رواية ابن السني لم
أضع له رقماً، كما فعل الشيخ أبو غدة في ترقيمه لـ ((لمجتبى)).
قال رحمه الله تعالی:
أخْبَرَنِي قُتِيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ
رَضِيَ الله عَنْهُمَا: أن رسوله اللـه عَّهِ، قَالَ: ((الَّذي
تَقُوتُهُ صَلَاَةُ الْعَصْرِ، فَكَأَنَّمَا وُتْرَ أَهْلُهُ، وَمَالُهُ).
(١) أبو الطيب هذا لم أجد ترجمته.

- ٦٦٤
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
رجال الإسناد: أربعة
١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في
١/١.
٢- (مالك) بن أنس الإمام، ثقة حجة فقيه، من [٧]، تقدم في
٧/ ٧.
٣- (نافع) مولى ابن عمر الفقيه المدني، ثقة ثبت، من [٣]، تقدم
١٢/١٢.
٤- (ابن عمر) عبد الله العدوي الصحابي رضي الله عنهما تقدم
في ١٢ / ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعياته، وهو (٢١) من رباعيات الكتاب.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات نُبَلاء، اتفقوا عليهم.
ومنها : أنهم مدنیون، إلا شيخه، فبَغْلاني.
ومنها: أن هذا السند أصح الأسانيد مطلقاً عند الإمام البخاري
رحمه الله تعالى.
ومنها: أن فيه ابن عمر أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة
الأربعة.
-------

٦٦٥ -
٩ - باب التشديد في تأخير العصر - حديث رقم ٥١٢
تنبيه:
هذا الحديث متفق عليه، أخرجه المصنف هنا، كما أشار إليه في
النسخة الهندية، وفي ((الكبرى)) في ((الصلاة)) (٣٦٤)، وأخرجه
البخاري في ((الصلاة)) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن نافع،
عن ابن عمر رضي الله عنهما، وأخرجه مسلم فیه عن یحیی بن یحیی،
عن مالك به. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي، عن مالك به .
وشرحه مضى في الذي قبله، فلا حاجة إلى إعادته، فارجع إليه إن
شئت تزدد علماً. والله سبحانه وتعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت، وإليه أنيب .

٦٦٦
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
١٠ - آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على آخر وقت صلاة العصر.
والظاهر أنه أراد آخر الوقت المستحب، بدليل أن في الحديث صلى
العصر في اليوم الثاني حين كان الظل مثليه، وأما وقت الاضطرار فيمتد
إلى غروب الشمس، ولذا أتبعه بحديث ((من أدرك ركعة من صلاة
العصر ... )) الحديث. إشارة إلى أن هذا الباب موضوع لبيان آخر
الوقت المستحب، والباب التالي لبيان آخر وقت الاضطرار، والله
أعلم.
٥١٣ - أخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: حَدَّثْنَا قُدَامَةُ - يَعْنِي ابْنَ
شهَاب ◌ِ عَنْ بُرْدِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ
عَبْد الله: أنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّنَّهُ يُعَلِّمَهُ مَواقِيتَ الصَّلاَةَ،
فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ، وَرَسُولُ اللهِنَّهُ خَلْفَهُ، وَالنَّاسُ خَلْفَ
رَسُول الله تٍَّ، فَصَلَّى الظَّهْرَ حينَ زَالت الشَّمْسُ، وَآتَاهُ
حينَ كَانَ الظُّلُّ مِثْلِ شَخْصِهِ، فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ، فَتَقَدَّمَ
جِبْرِيلُ، وَرَسُولُ اللهِ تَّ خَلَفَه،ُ وَالنَّاسُ خَلْفَ
رَسُولِ اللهِلَّهُ، فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ أَتَاهُ حينَ وَجَبَت

٦٦٧ _
١٠ - آخر وقت العصر - حديث رقم ٥١٣
الشَّمْسُ، فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ، وَرَسُولُ اللهِعَّهِ خَلْفَهُ، وَالنَّاسُ
خَلْفَ رَسُول الله عَّهِ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَتَاهُ حينَ
غَابَ الشَّفَقُ، فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ، وَرَسُولُ اللهِعَّهَ، خَلْفَهُ،
والنَّاسُ خَلْفَ رَسُول اللهِ نَّهِ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَاهُ
حينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ، فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ، وَرَسُولُ اللهِ عَُّ
خَلْفَهُ، وَالنَّاسُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِنَّهِ، فَصَلَّى الْغَدَاةَ، ثُمَّ
أَتَاهُ الْيَومَ الثَّانِي حِينَ كَانَ ظلُّ الرَّجُلِ مِثْلَ شَخْصه،
فَصَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعَ بالأَمْسِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ
كَانَ ظِلُّ الَّرَجُلِ مِثْلَ شَخْصَيْهِ، فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ
بالأمْسِ، فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّأَتَاهُ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ،
فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ بالأمْسِ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، فَنِمْنَا، ثُمَّ
قُمْنَا، ثُمَّ نِمْناَ، فَأَتَاهُ، فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ بِالأَمْسِ، فَصَلَّى
الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَاهُ حينَ امْتَدَّ الْفَجْرُ، وَأَصْبَحَ، وَالنُّجُومُ
بَادِيَةٌ مُشْتَبَكَةٌ فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ بِالأَمْسِ، فَصَلَّى الْغَدَة،
ثُمَّ قَالَ: مَابَيْنَ هَاتَيْنِ الصّلاَتَيْنِ وَقْتٌ .

٦٦٨
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
رجال هذا الإسناد: خمسة
١- (يوسف بن واضح) الهاشمي، أبو يعقوب البصري
المكتب، ثقة، من [١٠].
رَوَىَ عن معتمر بن سليمان، وقُدَامَةَ بن شهَاب، وعمر بن على بن
مُقَدَّم، وغيرهم. وعنه النسائي، وروى أيضاً عن زكرياء السِّجْزيّ عنه،
وأبو حاتم، وابن یاسین، وغيرهم.
قال أبو حاتم: محله الصدق، وقال النسائي: ثقة، وقال مَسْلَمَةُ:
لا بأس به. وقال ابن حبان في الثقات: مات سنة ٢٥٠، وقال
البخاري: مات سنة ٢٥١. اهـ ((تت)). انفرد به المصنف.
٢- (قُدَامة بن شِهَاب) - بضم القاف، وتخفيف الدال المهملة -
المازني البصري، صدوق، من [٨].
قال أبو زرعة: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: محله عندي محل
الصدق، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما خالف اهـ. انفرد به
المصنف، له عنده حديث جابر رضي الله عنه هذا فقط. كما في ((تت)).
٣- (بُرْد) بن سنَان، أبو العَلاء الدمشقي، نزيل البصرة، مولى
قریش، صدوق، رمي بالقدر، من [٥].
ذكره النسائي في الطبقة السادسة من أصحاب نافع، وقال عبد الله
ابن أحمد، عن أبيه: صالح الحديث. وقال ابن معين: ثقة. وقال

٦٦٩ -
١٠ - آخر وقت العصر - حديث رقم ٥١٣
دُحَيم، والنسائي، وابن خراش: ثقة. وقال الدَّوري عن ابن معين:
ليس بحديثه بأس، وكان شامياً. وقال ابن الجنيد عنه: نحوذلك،
وقال أيضاً: هَرَبَ من الشام من أجل قتل الوليد بن يزيد، فلأجل ذلك
سمع منه أهل البصرة. وقال يزيد بن زريع: ما رأيت شامياً أوثق من
برد. وقال يعقوب بن سفيان: سألت عبد الرحمن بن إبراهيم: أيُّ
أصحاب مكحول أعلى؟ فقال وذكر جماعة، ثم قال: ولكن برد بن
سنان من كبارهم. وقال النسائي مرة: ليس به بأس. وقال أبو زرعة:
لا بأس به. وقال أيضاً: كان صدوقاً في الحديث. وقال أبو حاتم: كان
صدوقا قَدَريًا. وقال الدارمي عن علي بن المديني: برد بن سنان
ضعيف. وقال أبو داود: كان يَرَى القدر. وقال أبو حاتم أيضا: ليس
بالمتين، وقال مرة: كان صدوقا في الحديث. وذكره ابن حبان في
الثقات. وقال عمرو بن علي: مات سنة ١٣٥، أخرج ه البخاري في
((الأدب المفرد)»، والأربعة.
٤- (عطاء بن أبي رباح) أسلم المكي، ثقة فقيه فاضل، لكنه
كثير الإرسال، من [٣]، تقدم في ١١٢ / ١٥٤ .
٥- (جابر بن عبد الله) الأنصاري الصحابي الجليل رضي الله
عنه ٣١ / ٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسيات المصنف.

- ٦٧٠
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
ومنها: أن رجاله موثقون، وأنهم ما بين بَصْريَّين؛ وهما يوسف
وقدامة، ودمشقي، وهو بُرد، ومكي، وهو عطاء، ومدني، وهو
جابر.
ومنها : أن شيخه وشیخ شيخه من أفراده، وهذا الباب أول محل
ذكرهما، وأن قدامة ليس له عنده إلا هذا الحدیث الواحد.
ومنها : أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ برد عن عطاء.
ومنها: أن جَابرًا أحد المكثرين السبعة؛ روى ١٥٤٠ حديثاً. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري السَّلَميّ
رضي الله عنه (أن جبريل) عليه السلام، تقدم الكلام على لغاته في
شرح حديث (٤٩٤) (أتى النبي ◌َّر، يعلمه مواقيت الصلاة)
جملة حالية في محل نصب من فاعل أتى (فتقدم جبريل ورسول
الله ◌َ ◌ّ خلفه) جملة في محل نصب على الحال من ((جبريل)). ظاهر
هذا الحديث يدل على أن الصحابة ما كانوا يرون جبريل عليه السلام
في ذلك الوقت، ولذا تقدم النبي ◌َّه أمامهم ليقتدوا بفعله حيث لا
يعلمون بانتقالات جبريل، وكيفية صلاته، ويحتمل أن يروه، وإنما
تقدم ◌َّ لتبليغ التكبير، ويحتمل أن يكون بياناً لجواز اقتداء المصلي
بمن يقتدي بغيره، كما سيأتي في محله، إن شاء الله تعالى. والاحتمال
-----

٦٧١
١٠ - آخر وقت العصر - حديث رقم ٥١٣
الأول هو الأظهر. والله أعلم.
(والناس خلف رسول الله ◌َّ) جملة في محل نصب على
الحال من رسول الله، والرابط فيها الواو، كما أن الأولىَ رُبْطَت بها،
وبالضمير أيضاً، كما قال في الخلاصة:
بِوَاوٍ أوْ بِمُضْمَرٍ أوْ بِهِمَا
وَجُمْلَةُ الْحَالِ سِوَى مَا قُدّمَا
قال العلامة السندي رحمه الله: وكانت إمامة جبريل بأمر الله
تعالى، فاقتداء النبي تَّه به، والناس اقتداء مفترض بمفترض، فلا
يستقيم استدلالُ مَن استدل بالحديث على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: لكن المسألة وإن كان هذا الحديث
ليس نصاً فيها فلها أدلة أخرى، كحديث إمامة معاذ رضي الله عنه لقومه
بعد صلاته مع النبي ◌َّه، وسيأتي تمام البحث في ذلك في بابه إن شاء
الله تعالى.
(فصلى الظهر حين زالت الشمس) عن وسط السماء، وفي
حديث ابن عباس رضي الله عنهما في إمامة جبريل ((فصلى الظهر في
المرة الأولى، حين كان الفيء مثل الشِّراك))، والشراك بكسر الشين: أحد
سُور النعل التي تكون على وجهها، وليس الشراك هنا للتحديد،
والاشتراط، بل لأن الزوال لا یبین بأقل منه.
والمراد بالزوال ما يظهر لنا، لا الزوال في نفس الأمر، فإن ذلك
يتقدم على ما يظهر، ولكن لا اعتبار بذلك، وإنما يتعلق التكليف،
ويدخل الوقت بالزوال الذي يظهرلنا، فلوشَرَعَ في تكبيرة الإحرام

شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
- ٦٧٢
بالظهر قبل ظهور الزوال، ثم ظهر عقيبها، أو في أثنائها لم تصح
الظهر، وإن كانت التكبيرة حاصلة بعد الزوال في نفس الأمر، لكن قبل
ظهوره لنا، ذكره إمام الحرمين وغيره، قالوا: وأما قبل ظهور الظل فهو
معدود من وقت الاستواء، قال: وكذا الصبح، ولو اجتهد فيها،
وطلع الفجر بحيث عَلَمَ وقوعها بعد طلوعه، لكن في وقت لا يتصور
أن يَبينَ الفجرُ للناظر لم تصح الصبح. والله أعلم. قاله في (المجموع))
جـ٣ ص ٢١،٢٠.
( وأتاه حين كان الظل مثل شخصه) - بفتح فسكون - هو سواد
الإنسان، تراه من بُعْد، ثم استُعمل في ذاته، قال الخطابي رحمه الله :
ولا يُسَمَّى شخصاً، إلا جسم مؤلف، له شخوص وارتفاع. قاله في
المصباح. والمعنى: حين كان ظل الشيء مثل ذاته .
(فصنع) جبريل (كما صنع) في الظهر، ثم بيَّنَ صنعه
بقوله (فتقدم جبريل، ورسول الله ◌َ ﴾ خلفه، والناس خلف
رسول الله عَّ، فصلى) صلاة (العصر، ثم أتاه حين وجبت
الشمس) أي غربت (فتقدم جبريل، ورسول الله عُّ خلفه،
والناس خلف رسول الله عَّة ، فصلى المغرب، ثم أتاه حين غاب
الشفق) والمراد به الأحمر، كما تقدم (فتقدم جبريل،
ورسول الله تَّه خلفه، والناس خلف رسول الله عٍَّ، فصلى
العشاء، ثم أتاه حين انشق الفجر) أي طلع (فتقدم جبريل،
-

٦٧٣ -
١٠ - آخر وقت العصر - حديث رقم ٥١٣
ورسول الله تَّه خلفه والناس خلف رسول الله عَّ، فصلى
الغداة) أي صلاة الصبح (ثم أتاه اليوم الثاني، حين كان ظل الرجل
مثل شخصه) أي مثل طوله، وارتفاعه (فصلى الظهر ) لليوم الثاني .
والمراد أنه أتاه في وقت قريب من كون ظل الرجل مثله، بحيث
يكون فراغه من صلاة الظهر وقت كون ظل الرجل مثله، لا أنه أتاه عند
نهاية الظل، ثم صلى الظهر بعده، بخلاف ما تقدم في العصر في اليوم
الأول، فإن المراد أنه أتاه عند نهاية الظل، فصلى العصر بعده، فلا
مُتَمَسَّكَ لمن قال باشتراك وقت الظهر والعصر بظاهر هذا الحديث، كما
تقدم تحقيق المسألة في شرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه في إمامة
جبريل عليه السلام برقم (٥٠٢) فتنبه. والله أعلم.
( ثم أتاه حين كان ظل الرجل مثل شخصيه فصنع كما صنع
بالأمس، فصلى العصر) لليوم الثاني (ثم أتاه حين وجبت ) أي
غربت (الشمس، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى المغرب ) فيه أنه
صلى المغرب في اليومين لوقت واحد، وهو غروب الشمس، وتمسك
به من قال: إنه ليس للمغرب إلا وقت واحد، وبه قال مالك
والأوزاعي، والشافعي في الجديد، قالوا: لها وقت واحد، مُقَدَّر بمقدار
فعلها مع تحصيل شروطها، وقال الثوري، وأصحاب الرأي، وأحمد،
وإسحاق: آخرُ وقت المغرب مَغيب الشفق، وهذا أصح المذهبين،
وسيأتي تحقيق المسألة بدلائلها في ((باب آخر وقت المغرب)) (١٥ / ٥٢٢)

- ٦٧٤
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
(فنمنا) بكسر النون، لأنّ أصله نَومْنَا، كَفَرَحْناَ، فَنُقْلَتْ كسرة
عين الكلمة إلى الفاء، ثم حذفت العين لالتقاء الساكنين، فصار نمْناً،
٠
إن شاء الله تعالى.
قال ابن مالك رحمه الله في ((لاميَّة الأفعال)): (من البسيط).
وانْقُلْ لِفَاءِ الثَّلاَثِيْ شَكْلَ عَيْنٍ إِذَا اعْ سَلَّتْ وَكَانَ بِتَا الإِضْمَارِ مُتَّصِلاً
أَوْ نُونِهِ وَإِذَا فَتْحأْ يَكُونُ فَمِنْ ـهُ اعْتَضْ مُجَانِسَ تِلْكَ الْعَيْنِ مُنْتَقِلاً
وإنما نبهت عليه - وإن كان واضحاً - لفُشُوِّ اللحن في الكلمة حتى من
طلبة العلم فضلاً عن العوام، فيقولون: نُمْنَا بضم النون.
قال السندي رحمه الله تعالى: ظاهره أن جابراً قد حضر هذه
الصلاة، لكن المشهور أن هذه الصلاة كانت بمكة قبل الهجرة، فإمّا أن
يُقَال: إن هذا الكلام كَلامُ مَن سَمِعَ جَابرٌ الحديث عنه، ثم ذَكَرَهُ جابر
على وجه الحكاية، أونقول بتعدد الواقعة، كما ذكرتُ في حديث أبي
هريرة رضي الله عنه، وعلى الثاني فقول جابر: ((يُعَلِّمُهُ مواقيت الصلاة))
يُحْمَلُ على زيادة الإتقان والحفظ، والله أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني هو الأظهر، لأن قوله :
«نمْنَا)) ظاهر في أنه حضر الواقعة. والله أعلم.
(فنمنا، ثم قمنا، ثم منا، ثم قمنا ) الظاهر أنه أراد الحاضرين
في المسجد لا نتظار صلاة العشاء، يعني أنهم لطول انتظارهم لها ناموا
------
-

٦٧٥ ~
١٠ - آخر وقت العصر - حديث رقم ٥١٣
في المسجد، ثم استيقظوا، ثم ناموا، ثم استيقظوا، وهذا يدل على
تأخره في اليوم الثاني، وثبت تقديره في رواية جابر رضي الله عنه الآتية
من رواية وهب بن كيسان (١٧ / ٥٣٦) حيث قال: ((ثم جاءه للعشاء
حين ذهب ثلث الليل)) (فصنع كما صنع بالأمس، فصلى العشاء،
ثم أتاه حين امتد الفجر) أي طال (وأصبح) أي دخل في الصباح،
وهو مؤكد لمعنى ((امتد الفجر)) (والنجوم بادية) جملة حالية في محل
نصب من فاعل أتى، أي والحال أن النجوم ظاهرة (مشتبكة) أي كثيرة
منضمة، والمراد أن الفجر في أوائل إسفاره. وهذا موافق لحديث أبي
هريرة السابق (٥٠٢) ((ثم جاءه الغد، فصلى به الصبح حين أسفر
قليلاً)) .
قال السندي: ولعله ما انتظر الإسفار التام لتطويل القراءة، فصلى
بحيث وقع الفراغ عند الإسفار، فضبط آخر الوقت بالفراغ من الثانية،
كما ضبط أوله بالشروع في الأولى. والله أعلم. اهـ.
فإن قلت: هذا يعارض ما يأتي في رواية جابر الآتية (٥٢٦) من
قوله: ((ثم جاءه للصبح حين أسفر جداً».
أجيب: بأن وصف الإسفار بالمبالغة هناك بالنسبة لليوم الأول، فإن
جبريل جاءه في اليوم الأول حين طلع الفجر، وجاءه في اليوم الثاني
متأخراً حين انتشر الضوء، ولكنه لم يبلغ انتشاره إلى أن يطمس ظهور
النجوم.
..---
٠

- ٦٧٦
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
والحاصل أن صلاته في اليوم الثاني وقع في الإسفار، الذي معه
اشتباك النجوم، وهو أوائل الإسفار، ولكنه بالنسبة لليوم الأول متأخر
حيث إن الضوء انتشر، ولذا وصفه بمبالغة الإسفار. حيث قال: (( حين
أسفر جداً)). والله أعلم.
(فصنع، كما صنع بالأمس، فصلى الغداة، ثم قال: ما) اسم
موصول بمعنى الذي مبتدأ، وقوله (بين هاتين) منصوب على الظرفية،
متعلق بفعل محذوف صلة لـ ((ما))، أي الوقت الذي استقر بين هاتين،
و((هاتين)) اسم إشارة لمثنى المؤنث المجرور، وقوله (الصلاتين) نعت
لاسم الإشارة، أو بدل، أوعطف بيان، كما قال بعضهم:
يُعْرَبُ نَعْتاً أَوْ بَيَاناً أَوْ بَدَلْ
0 - 8 - 0 8
مُعَرَّفٌ بَعْدَ إِشَارَةٍ بِألْ
والمراد جنس الصلاة، أي الصلوات الواقعة في اليومين، وقوله
(وقت) خبر المبتدإ يعنى أن الوقت الذي ثبت بين هاتين الصلاتين:
وقت لأداء ما فرض الله تعالى من الصلوات الخمس.
فإن قيل: هذا يقتضي أن لا يكون الأول والآخر وقتاً لها.
قيل: لما صَلَّى في أول الوقت وآخره وجد البيان بالفعل، وبقي
الاحتياج إلى بيان ما بين الأول والآخر، فَبَيَّنَ بالقول، فجمع بين التعليم
الفعلي والقولي، وقد تقدم مزيد بسط في هذا في شرح حديث أبي
هريرة رضي الله عنه (٥٠٢) والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
:

٦٧٧ -
١٠ - آخر وقت العصر - حديث رقم ٥١٣
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث جابر رضي الله عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف.
أخرجه هنا (٥١٣) وفي ((الكبرى)) (١٥٠٧) عن يوسف بن واضح،
عن قُدامة بن شهاب، عن بُرْد، عن عطاء، عنه، وفي (٥٢٦) المجتبى،
و (١٥٠٨) ((الكبرى)» عن سُوَيَد بن نَصْر، عن ابن المبارك، عن حسين
ابن علي بن حسين، عن وَهْب بن كَيْسَان، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أما طريق عطاء فمن أفراده، وأما طريق وهب فأخرجه الترمذي في
(الصلاة» بعد حديث ابن عباس عن أحمد بن محمد بن موسى، عن ابن
المبارك به، وقال: فذكر نحو حديث ابن عباس بمعناه، ولم يذكر فيه
((لوقت العصر بالأمس))، قال أبو عيسى: حديث حسن صحيح. وقال
محمد - يعني البخاري - : أصح شيء في المواقيت حديث جابر عن
النبي ◌َّهِ .
قال: وحديث جابر في المواقيت قد رواه عطاء بن أبي رباح،
وعمرو بن دينار، وأبو الزبير عن جابر بن عبد الله، عن النبي عَّة
نحو حديث وهب بن كيسان، عن جابر عن النبي ◌ُّ. اهـ كلام

٦٧٨
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
-
الترمذي جـ ١ ص ١٠١، وقد تقدم ذكر فوائد الحديث في شرح حديث
أبي هريرة رضي الله عنه (٥٠٢) فارجع إليه تزدد علماً، والله أعلم.
المسألة الرابعة: في اختلاف العلماء في آخر وقت العصر: قال
الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى: واختلفوا في آخر وقت
العصر، فقال مالك: آخر وقت العصر أن يكون ظل كل شيء مثليه،
بَعْدَ المثل الذي زالت عليه الشمس، وهذا محمول عندنا من قوله على
وقت الاختيار، وما دامت الشمس بيضاء نقية، فهو وقت مختار
لصلاة العصر عنده، وعند سائر العلماء.
وقد أجمع العلماء على أن من صلى العصر، والشمسُ بيضاء نقية
لم تدخلها صفرة فقد صلاها في وقتها المختار، وفي ذلك دليل على أن
مراعاة المثلين عندهم استحباب.
وقال الثوري رحمه الله: إن صلاها، ولم تتغير الشمس، فقد
أجزأه، وأحب إلي أن يصليها إذا كان ظله مثله إلى أن يكون مثليه .
وقال الشافعي رحمه الله: أول وقتها في الصيف إذا جاوز ظل كل
شيء مثله بشيء ما كان، وَمَنْ أخر العصر حتى يجاوز ظل كل شيء
مثليه في الصيف، أو قدر ذلك في الشتاء فقد فاته وقت الاختيار، ولا
يجوز أن يقال: فاته وقت العصر مطلقاً، كما جاز ذلك على الذي أخر
الظهر إلى أن جاوز ظل كل شيء مثله، قال: وإنما قلت ذلك، لحديث
أبي هريرة عن النبي ◌َّه، أنه قال: ((من أدرك ركعة من العصر قبل أن
:

٦٧٩
١٠ - آخر وقت العصر - حديث رقم ٥١٣
-
تغرب الشمس، فقد أدركها».
قال أبو عمر: إنما جعل الشافعي وقت الاختيار، لحديث إمامة
جبريل، وحديث العلاء، عن أنس ((تلك صلاةُ المنافقين))(١) ونحوها من
الآثار، ولم يقطع بخروج وقتها، لحديث أبي هريرة الذي ذكره.
ومذهب مالك نحو هذا.
وقد كان يلزم الشافعي أن لا يشرك بين الظهر والعصر في الوقت
لأصحاب الضرورات، لخروج وقت الظهر عنده بكمال المثل، ولكن
وقت العصر عنده وقت رفاهية ومقام لا يتعدى ما جاء فيه، وأما
أصحاب الضرورات فأوقاتهم كأوقات المسافر، لعذر السفر،
وضرورته، والسفر عنده تشترك فيه صلاتا النهار، وصلاتا الليل.
وأما مالك فقد رَوَى عنه ابنُ وهب وغيره أن الظهر والعصر آخر
وقتهما غروب الشمس، وهو قول ابن عباس، وعكرمة مطلقاً، ورواية
ابن وهب عن مالك لذلك محمولة عند أصحابه لأهل الضرورات،
كالمغمى عليه، ومن أشبهه. وروى ابن القاسم عن مالك: آخر وقت
العصر اصفرار الشمس.
وقال أبو يوسف، ومحمد: وقت العصر إذا كان ظل كل شيء
قامته، فيزيد على القامة إلى أن تتغير الشمس.
(١) تقدم للمصنف (٥١١).

- ٦٨٠
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
وقال أبو ثور: أول وقتها إذا كان ظل كل شيء مثله بعد الزوال،
وزاد على الظل زيادة تبين إلى أن تصفر الشمس، وهو قول أحمد بن
حنبل، قال: آخر وقت العصر مالم تصفر الشمس(١). وحجة من قال
بهذا القول: حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ◌َّه، أنه قال: ((وقت
العصر مالم تصفر الشمس)) (٣) رواه قتادة، عن أبي أيوب الأزدي،
عنه .
وقال إسحاق بن راهويه: آخر وقت العصر أن يدرك المصلي منها
ركعة قبل الغروب، وهو قول داود لكل الناس، معذور، وغير
معذور، صاحب ضرورة، وصاحب رفاهية، إلا أن الأفضل عنده،
وعند إسحاق أيضاً أول الوقت.
وقال الأوزاعي: إن ركع ركعة قبل غروبها، وركعة بعد غروبها فقد
أدركها .
وحجتهم حديث أبي هريرة رضي الله عنه ((من أدرك ركعة من
العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر ... )) الحديث(٣). اهـ
خلاصة ما قاله ابن عبد البر رحمه الله في كتابه ((التمهيد)) جـ ٨،
ص٧٦ -٧٩.
(١) هذا أصح القولين عنه، وعنه حين يصير ظل كل شيء مثليه، قاله في المغني جـ٢
ص١٥.
(٢) يأتي للمصنف (٥٢٢).
(٣) يأتي للمصنف في الباب التالي.