Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١ -
٨ - تعجيل العصر - حديث رقم ٥٠٥
أدخل بيوت النبي ◌َ ◌ّه، وأنا محتلم، فأنال سقفها بيدي، وذلك في
خلافة عثمان رضي الله عنه. أفاده في ((طرح)) جـ٢ ص ١٦٨. والله
تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في استحباب التعجيل
بالعصر :
قال الحافظ ابن المنذر رحمه الله تعالى - في كتابه الأوسط - ما
خلاصته: اختلف أهل العلم في تعجيل العصر وتأخيرها؛ فقالت
طائفة : تعجيلها أفضل .
كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن وقت العصر، والشمس
بيضاء نقية، بقدر ما يسير الراكب فرسخين، أوثلاثة. وقال جابر بن
عبد الله: صَلَّى أبو بكر العصر، ثم جاءنا، ونحن في دور بني سَلَمَةَ،
وعندنا جَزُور، وقد تَشَرَّكْنَا عليها، فنحرناها، وجَزَّيْنَاهَا، وصنعنا له،
فأكل قبل أن تغرب الشمس. وقال نافع: كان ابن عمر يصلي العصر،
والشمس بيضاء لم تتغير، من أسرع السير سار قبل الليل خمسة
أمیال.
قال ابن المنذر: وهذا مذهب أهل المدينة، وبه قال الأوزاعي،
والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والأخبار الثابتة دالة على صحة هذا
القول .
وذهبت طائفة إلى أن تأخير العصر أفضل، ورُويَ ذلك عن أبي

- ٦٠٢
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
هريرة، وابن مسعود، وطاوس، وأبي قلابَةَ، وابن سيرين، وحكي
عن أبي قلابة أنه قال: إنما سميت العصر لتُعَصَرَ، وكذلك قال ابن
شُبْرُمَة، وعن إبراهيم، وهَمَّام، وعلقمة أنهم كانوا يؤخرون العصر،
وقال أصحاب الرأي: يُصَلِّي العصر في آخر وقتها، والشمس بيضاء لم
تتغير في الشتاء والصيف. اهـ كلام ابن المنذر في ((الأوسط)) باختصار.
جـ٢ ص ٣٦٢ - ٣٦٥.
وقال النووي رحمه الله: وأما العصر فتقديمها في أول الوقت
أفضل، وبه قال جمهور العلماء، وقال الثوري، وأبو حنيفة،
وأصحابه: تأخيرها أفضل ما لم تتغير الشمس، واحتجوا بقول الله
تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤]، وبحديث علي
بن شيبان رضي الله عنه قال: ((قَدمْتُ على رسول الله عَ ◌ّهِ، فكان
يؤخر العصر مادامت الشمس نقية))، وعن عبد الواحد بن نافع، عن ابن
رافع بن خَديج، عن أبيه رضي الله عنه، قال: ((أمر رسول الله عَ ليه
بتأخير العصر))، ولأنها إذا أخرت اتسع وقت النافلة.
قال: واحتج أصحابنا بقول الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾
[البقرة: ٢٣٨] الآية، ومن المحافظة تقديمها في أول الوقت، لأنه إذا
أخرها عَرَّضَها للفَوَاتِ، وبقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن
رَّبِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] والصلاةُ تُحَصّلُ ذلك، وبقوله تعالى:
﴿ فَاسْتَبَقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: ٤٨]، وبحديث أنس رضي الله عنه

٦٠٣ _
٨ - تعجيل العصر - حديث رقم ٥٠٥
قال: ((كان رسول الله ◌َّهُ يصلي العصر، والشمسُ مرتفعة حيَّة،
فيذهب الذاهب إلى قُبَاء، فيأتيهم، والشمس مرتفعة)) رواه البخاري
ومسلم(١) .
وفي رواية لهما ((فيذهب الذاهب إلى العوالي)).
قال العلماء: العوالي قُرَى عند المدينة أقربها منها أربعةُ أمْيَال،
وقيل: ثلاثة، وأبْعَدُها على ثمانية.
وعن أبي أمامة بن سَهْل بن حُنَيف، قال: ((صلينا مع عمر بن
عبد العزيز الظهر، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك، فوجدناه
يصلي العصر، فقلت: ياعم ما هذه الصلاة التي صَلَيْتَ؟ قال:
العصرُ، وهذه صلاة رسول الله ◌َّه التي كنا نصلي معه)). رواه
البخاري ومسلم(٢)، وعن رافع بن خَدیج رضي الله عنه، قال: ((كنا
نصلي العصر مع رسول الله تَّه، ثم نَنْحَرُ الجَزُور، فَتُقْسَمُ عَشْرَ قسم،
فنأكل لحماً نضيجاً قبل مَغيب الشمس)) . رواه الشيخان.
وعن أنس رضي الله عنه، قال: ((صلى بنا رسول الله تَ ◌ّه العصر،
فلما انصرف أتاه رجل من بني سَلَمَةَ، فقال: يا رسول الله إنا نريد أن
ننحر جزوراً لنا، ونحب أن تَحْضُرَها، فانطلَقَ، وانطلقنا معه، فوجدنا
(١) هو الحديث الآتي للمصنف ٥٠٦، ٥٠٧ .
(٢) يأتي في ٥٠٩ .

شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
- ٦٠٤
الجَزُور لم تُنْحَرَ، فنُحرَت، ثم قُطُّعَت، ثم طُبخَ منها ثم أكلنا قبل أن
تغيب الشمس». رواه مسلم.
وعن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه
كتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ((أن صل العصر،
والشمس بيضاءُ نَفيَّةٌ قَدْرِ ما يَسيرُ الراكبُ ثلاثَ فراسخ)) . رواه مالك
في الموطأ عن هشام.
وأما الجواب عن احتجاجهم بالآية، فقال أصحابنا: قال أهل
اللغة: الطَّرَفُ ما بعد النصف.
وعن حديث علي بن شيبان: أنه باطل، لا يعرف، وعن حديث
رافع: أنه ضعيف، رواه الدارقطني، والبيهقي، وضعفاه، وبينا
ضعفه، ونقل البيهقي عن البخاري أنه ضعفه، وضعفه أيضاً أبو زرعة
الرازي، وأبو القاسم اللالكائي، وغيرهم. وعن قولهم: يتسع وقت
النافلة أجيب بأن هذه فائدة لا تلتحق بفائدة فضيلة أول الوقت. اهـ
((المجموع)) جـ ٣ ص ٥٤، ٥٥. والله تعالى أعلم.
المسألة السادسة: قال العلامة المباركفوري رحمه الله في
((تحفته)): وقال محمدٌ يعني ابن الحسن - في الموطأ: تأخير العصر أفضل
عندنا من تعجيلها إذا صليتها، والشمس بيضاء نقية، لم تدخلها
صفرة، وبذلك جاء عامة الآثار ، وهو قول أبي حنيفة. انتهى . وعلله

٦٠٥ -
٨ - تعجيل العصر - حديث رقم ٥٠٥
صاحب ((الهداية)) وغيره من فقهاء الحنفية بأن في تأخيرها تكثير
النوافل، وقد رده صاحب ((التعليق الممجد))، وهو من العلماء الحنفية
بأنه تعليل في مقابلة النصوص الصحيحة الصريحة الدالة على أفضلية
التعجيل، وهي كثيرة مروية في الصحاح الستة وغيرها. انتهى.
وقد استدل العيني في ((البناية شرح الهداية)) على أفضلية التأخير
بأحادیث:
الأول: أخرجه أبو داود عن يزيد بن عبد الرحمن بن علي بن
شيبان، عن أبيه، عن جده قال: ((قَدمْنَا على رسول الله عَ ◌ّهِ المدينةَ،
فكان يؤخر العصر مادامت الشمس بيضاءَ نَفيَّةً)).
والثاني: حديث رافع بن خديج «أن رسول الله عَّه كان يأمر
بتأخير هذه الصلاة)) يعني العصر. أخرجه الدار قطني.
والثالث: حديث أم سلمة رضي الله عنها «کان رسول الله
البائع
أشد تعجيلاً للظهر منكم، وأنتم أشد تعجيلاً للعصر منه))، أخرجه
الترمذي .
الرابع: حديث أنس رضي الله عنه ((كان النبي ◌َّه يصلي العصر،
والشمس بيضاء)).
وأجاب عن هذه الأحاديث صاحب ((التعليق الممجد))، فقال: ولا
يخفى على الماهر ما في الاستدلال بهذه الأحاديث.

- ٦٠٦
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
أما الحديث الأول، فلا يدل إلا على أنه كان يؤخر العصر ما دام
كون الشمس بيضاء، وهذا أمر غير مستنكر، فإنه لم يقل أحد بعدم
جواز ذلك، والكلام إنما هو في أفضلية التأخير، وهوليس بثابت منه.
لا يقال: هذا الحديث يدل على أن التأخير كان عادته يشهد به لفظ
((كان)) المستعمل في أكثر الأحاديث لبيان عادته المستمرة، لأنا نقول: لو
دل على ذلك لعارضه كثير من الأحاديث القوية الدالة على أن عادته
كانت التعجيل، فالأولى أن لا يُحْمَلَ هذا الحديث على الدوام دفعاً
للمعارضة، واعتبارًا لتَقْديم الأحاديث القوية.
قال المباركفوري رحمه الله: حديث عبد الرحمن بن علي بن شيبان
ضعيف، فإنه رواه عنه يزيد بن عبد الرحمن بن علي بن شيبان، وهو
مجهول، كما صرح به في ((التقريب)) و((الخلاصة)) و((الميزان))، فهذا
الحدیث الضعيف لا يصلح للاحتجاج به .
قال اللكنوي رحمه الله: وأما الحديث الثاني، فقد رواه الدار قطني
في سننه عن عبد الواحد بن نافع، قال: دخلت مسجد الكوفة، فأذن
مؤذن بالعصر، وشيخ جالس، فلامه، وقال: إن أبي أخبرني أن
رسول الله ◌َّه كان يأمر بتأخير هذه الصلاة، فسألت عنه؟ فقالوا:
عبد الله بن رافع بن خديج، رواه البيهقي في سننه، وقال: قال
الدار قطني فيما أخبرنا عنه أبو بكر بن الحارث: هذا حديث ضعيف

٦٠٧ _
٨ - تعجيل العصر - حديث رقم ٥٠٥
الإسناد، والصحیح عن رافع ضده، ولم یروه عن عبد الله بن رافع غیر
عبد الواحد بن نافع، وهو يروي عن أهل الحجاز المقلوبات، وعن أهل
الشام الموضوعات، لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل القدح فيه .
انتھی .
ورواه البخاري في تاريخه الكبير في ترجمة عبد الله بن رافع:
حدثنا أبو عاصم، عن عبد الواحد بن نافع، وقال: لا يتابع عليه، يعني
عن عبد الله بن رافع. وقال ابن القطان: عبد الواحد بن نافع مجهول
الحال، مختلف في حديثه. كذا ذكره الزيلعي في تخريج أحاديث
الهداية .
وأما الثالث: فإنما يدل على كون التعجيل في الظهر أشد من
التعجيل في العصر، لا على استحباب التأخير.
وأما الحديث الرابع: فلا يدل أيضاً على استحباب التأخير.
قال المباركفوري رحمه الله: بل يدل على استحباب التعجيل، فإن
الطحاوي رواه هكذا عن أنس مختصراً، ورواه أصحاب الكتب الستة
عنه بلفظ ((كان رسول الله عَ ◌ّهم يصلي العصر، والشمس مرتفعة،
وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال، أونحوه، فالعجب من
العيني أنه كيف استدل بهذه الأحاديث التي الأول والثاني منها لا
يصلحان للاستدلال، والثالث، لا يدل على استحباب التأخير،

- ٦٠٨
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
والرابع يدل على استحباب التعجيل.
قال العلامة المباركفوري: ولم أر حديثاً صحيحاً صريحاً يدل على
أفضلية تأخير العصر .
انتھی خلاصة ما كتبه المباركفوري جـ ١ ص ٤٩٥، ٤٩٦.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله المباركفوري رحمه الله
تعالى كلام نفيس جداً. والحاصل أن أحاديث استحباب التعجيل
صحاح، وأصرح في المقصود، ولا ينبغي لطالب الحق أن يعارضها بهذه
الأدلة التي لا يصح أكثرها للاستدلال به، أوليس صريحاً في الدلالة.
فتبصر، والله الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٠٦ - أخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْر، قَال:َ أنْبَأَنَا عَبْدُ الله، عَنْ مَالك،
قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ
أَنَس، ((أَنَّ رَسُولَ اللهِنَُّ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَذْهَبُ
الذَّاهِبُ إِلَى قُبَاءَ، فَقَالَ أحَدُهمَا: فَيَأْتِيهِم وَهُمْ يُصَلُّونَ،
وَقَال الآخَرُ: وَالشَّمْسُ مُرْتَفعَةٌ)).
رجال الإسناد: ستة
١- (سويد بن نصر) المروزي راوية ابن المبارك، ثقة، من
[١٠]، تقدم في ٤٥ / ٥٥.

٦٠٩ _
٨ - تعجيل العصر - حديث رقم ٥٠٦
٢- (عبد الله) بن المبارك الحنظلي المروزي، ثقة ثبت حجة
جليل، من [٨]، تقدم في ٣٢ / ٦٣ .
٣- (مالك) بن أنس أبو عبد الله المدني، الإمام الحجة الثبت
الفقيه، من [٧]، تقدم في ٧ / ٧.
٤ - (الزهري) محمد بن مسلم أبو بكر المدني، الإمام الحافظ
الحجة الثبت، من [٤]، تقدم في ١/ ١ . .
٥- (إسحاق بن عبد الله) بن أبي طلحة الأنصاري المدني أبو
يحيى، ثقة حجة، توفي سنة ١٣٢، وقيل: بعدها، من [٤]،
تقدم في ٥٤ /٦٨ .
٦- (أنس) بن مالك الأنصاري الصحابي الجليل رضي الله عنه،
تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسيات المصنف.
ومنها : أن رواته كلهم ثقات نُبَلاء، اتفقوا عليهم إلا شیخه فانفرد به
هو والترمذي.
ومنها: أنهم مدنیون، إلا شیخه، وعبد الله، فمروزیان.
ومنها: أنه يقدر قبل قوله: ((عن أنس)) لفظ ((كلاهما)) لأن مالكاً

- ٦١٠
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
يروي هذا الحديث عن شيخين: الزهري، وإسحاق، وكلاهما يرويان
عن أنس.
ومنها : أن فيه رواية الراوي عن عمه؛ إسحاق عن أنس .
ومنها: أن أنساً أحد المكثرين السبعة، رَوَى ٢٢٨٦ حديثاً، وأنه
آخر من مات من الصحابة بالبصرة مات سنة ٩٢ أو ٩٣، وقد
جاوز ١٠٠ سنة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس) بن مالك رضي الله عنه (أن رسول الله عَ لَّه كان
يصلي العصر، ثم يذهب الذاهب) وللبخاري ((ثم يذهب الذاهب
منَّا))، قال الحافظ رحمه الله: كأن أنساً أراد بالذاهب نفسه، كما تشعر
بذلك رواية الطحاوي من طريق أبي الأبيض عن أنس. قال ((كان
رسول الله تَِّ يصلي بنا العصر، والشمسُ بيضاء مُحَلِّقَةٌ، ثم أرجع
إلى قومي في ناحية المدينة، فأقول لهم: قوموا، فصلوا، فإن
رسول الله ◌َّه قد صلى)) اهـ. ويأتي للمصنف مختصراً برقم (٥٠٨)
(إِلى قباء) متعلق بيذهب، وهو بضم القاف، والباء الموحدة،
والقصر، والمد، والصرف، وعدمه، والتذكير، والتأنيث، والأفصحُ
فيه المدُّ، والصرفُ، والتذكيرُ. قاله في ((طرح التثريب)) جـ ٢ ص

٦١١ _
٨ - تعجيل العصر - حديث رقم ٥٠٦
١٦٤، والمراد أهل قباء، وهم على حدّ قوله تعالى: ﴿وَاَسْأَلِ الْقَرْيَةَ
[یوسف: ٨٢] قالہ فی «الفتح» جـ٢ ص ٣٧.
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله: لم يختلف على مالك
أنه قال في هذا الحديث ((إلى قباء))، ولم يتابعه أحد من أصحاب
الزهري بل كلهم يقولون: ((إلى العوالي))، وهو الصواب عند أهل
الحديث. قال: وقول مالك: ((إلى قباء)) وَهَمّ، لا شك فيه.
قال الحافظ: وتعقب بأنه رُوي عن ابن أبي ذئب، عن الزهري ((إلى
قباء))، كما قال مالك، نقله الباجي عن الدار قطني، فنسبة الوهم فيه إلى
مالك مُنْتَقَد، فإنه إن كان وهماً احتمل أن یکون منه، وأن یکون من
الزهري حين حدث مالكاً. وقد رواه خالد بن مَخْلد عن مالك، فقال
فيه ((إلى العوالي)) كما قال الجماعة، فقد اختلف فيه على مالك، وتوبع
عن الزهري بخلاف ما جزم به ابن عبد البر. وأما قوله: الصواب عند
أهل الحديث ((العوالي))، فصحيح من حيث اللفظ، ومع ذلك فالمعنى
متقارب، لكن رواية مالك أخص، لأن قباء من العوالى، وليست
العوالي كل قباء، ولعل مالكاً لما رأى أن في رواية الزهري إجمالاً
حملها على الرواية المفَسَّرَة، وهي روايته عن إسحاق، حيث قال فيها:
((ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف))، وقد تقدم أنهم أهل قباء،
فبنى مالك على أن القصة واحدة لأنهما جميعاً حدثاه عن أنس، والمعنى

- ٦١٢
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
متقارب، فهذا الجمع أولى من الجزم بأن مالكاً وَهمَ فيه. وأما استدلال
ابن بطال على أن الوهم فيه ممن دون مالك برواية خالد بن مخلد
المتقدمة الموافقة لرواية الجماعة عن الزهري ففيه نظر، لأن مالكاً أثبته في
الموطأ باللفظ الذي رواه عنه كافة أصحابه، فرواية خالد بن مخلد عنه
شاذة، فكيف تكون دالة على أن رواية الجماعة وهم؟ بل إن سلمنا أنها
وهم فهو من مالك، كما جزم به البزار، والدارقطني، ومن تبعهما، أو
من الزهري حين حدثه به، والأوْلَى طريق الجمع التي أوضحناها.
انتھی کلام الحافظ (فتح) جـ٢ ص ٣٦.
(فقال أحدهما) أي أحد شيخي مالك، الزهريِّ، وإسحاقَ
(فيأتيهم). أي أهلَ قباء (وهم يصلون) جملة حالية من الضمير
المفعول.
وهذا القائل هو إسحاق، کما بينته رواية البخاري عن عبد الله بن
مسلمة، ورواية مسلم عن يحيى بن يحيى - كلاهما عن مالك، عنه،
ولفظه ((كنا نصلي العصر، ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف،
فيجدهم يصلون العصر)) .
ولاتنافي بين قوله في رواية المصنف: ((إلى قباء))، ورواية الشيخين
((إلى بني عمرو بن عوف)) لأن قباء منازل بني عمرو بن عوف.
ثم إن رواية المصنف مرفوعة صريحاً، ورواية الشيخين ليست

٨ - تعجيل العصر - حديث رقم ٥٠٦
٦١٣ _
صريحة في الرفع، حيث قال ((كنا نُصَلِّي العصر)).
قال الجامع عفا الله عنه: وعمل الشيخين رحمهما الله تعالى
في هذا يشعر أن قول الصحابي: ((كنا نفعل كذا)) مُسْنَد، ولولم يُصَرِّحْ
بإضافته إلى زمن النبي څګ ، وهو - كما قال الحافظ رحمه الله -اختيار
الحاكم، وقال الدار قطني، والخطيب، وغيرهما هو موقوف. والحق أنه
موقوف لفظاً مرفوع حكماً، لأن الصحابي أورده في مقام الاحتجاج،
فيحمل على أنه أراد كونه في زمن النبي ◌ٍَّ .
قال النووي رحمه الله: قال العلماء: كانت منازل بني عمرو بن
عوف على ميلين من المدينة، وكانوا يصلون العصر في وسط الوقت،
لأنهم كانوا يشتغلون بأعمالهم وحروثهم، فدل هذا الحديث على
تعجيل النبي قمّه بصلاة العصر في أول وقتها. اهـ فتح جـ ٢ ص ٣٥.
(وقال الآخر) أي الشيخ الآخر لمالك (والشمس مرتفعة)
مقول قال، أي قال ((فيأتيهم، والشمس مرتفعة))، والجملة في محل
نصب على الحال من الضمير المنصوب المفعول.
وهذا الآخر هو الزهري، كما بينته رواية البخاري عن عبد الله بن
یوسف، وروایةُ مسلم عن یحیی بن یحیی- کلاهما عن مالك، عنه.
والمعنى أن ذلك الذاهب يأتي أهل قباء، ويَصلُ إليهم في حال
ارتفاع الشمس، دون ذلك الارتفاع الذي صلَّى فيه رسولُ الله عَ لَّه ،
٠٠

- ٦١٤
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
ولكنها لم تَصلْ إلى الحد الذي توصف به بأنها منخفضة.
وفيه دليل على تعجيله ◌َّ لصلاة العصر، لوصف الشمس
بالارتفاع بَعْدَ أن تمضي مسافة أربعة أميال. والله أعلم، ومنه التوفيق،
وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته :
حديث أنس رضي الله عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
لم يخرجه إلا في هذا الباب بهذا السند.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم في ((الصلاة))؛ فأخرجه البخاري عن
عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن ابن شهاب، عنه.
وعن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عنه.
وعن القعنبي، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة،
عنه .
وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى، عن مالك عن إسحاق، عنه.

٦١٥ _
٨ - تعجيل العصر - حديث رقم ٥٠٦
وعن يحيى، عن مالك، عن ابن شهاب عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في هذا الحديث استحباب تقديم صلاة العصر
في أول وقتها، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد، والجمهور، خلافاً
للحنفية، فإنهم قالوا باستحباب تأخيرها، وذهب إليه طائفة من
السلف، كما تقدم التفصيل فيه في الحديث السابق.
قال الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله: وحاول الطحاوي تأويل
هذا الحديث، وأنه لا يدل على التعجيل، لجواز أن تكون الشمس
مرتفعة، قد اصفرت، فَرَوَى عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أنس أنه
قال: ((ما أحد أشَدُّ تعجيلاً لصلاة العصر من رسول الله عَم ◌ُّه ، إن كان
أبعد رجلين من الأنصار داراً من مسجد رسول تَّه لأبولبابة بن عبد
المنذر أخو بني عمرو بن عوف، وأبو عُبيَس بن جَبْر أحد بني حارثة،
ودار أبي لبابة بقباء، ودار أبي عُبَيس في بني حارثة، ثم إن كانا
ليصلیان مع رسول الله م﴾ العصر، ثم يأتيان قومهما، وما
صَلَّوْها، لتبکیر رسول الله ټ﴾ بها)).
ثم روى عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، قال:
((كنا نُصَلِّي العصرَ، ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف،
فیجدهم يصلون العصر))، ثم روى حديث الزهري عن أنس هذا، ثم
روى عن أبي الأبيض، قال: حدثنا أنس بن مالك، قال: ((كان

شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
- ٦١٦
رسول الله ◌َّم يصلي العصر، والشمس بيضاء، ثم أرجع إلى قومي
في ناحية المدينة، فأقول لهم: قوموا، فصلوا، فإن رسول الله عَّه قد
صلى))، ثم قال الطحاوي: فقد اختلف عن أنس في هذا الحديث، فكان
ما رَوَى عاصم بن عمر بن قتادة، وإسحاق بن عبد الله، وأبو الأبيض
عنه يدل على التعجيل بها، لأن في حديثهم أنه عليه الصلاة والسلام
كان يصليها ثم يذهب الذاهب إلى المكان الذي ذكروا، فيجدهم لم
يصلوا العصر، ونحن نعلم أن أولئك لم يكونوا يصلونها إلا قبل
اصفرار الشمس، فهذا دليل التعجيل .
وأما رواية الزهري عن أنس، فقد يجوز أن تكون الشمس مرتفعة،
قد اصفرت، فقد اضطرب حديث أنس، لأن معنى ما رَوَى الزهري منه
بخلاف ما روى إسحاق، وعاصم، وأبو الأبيض عنه . هذا كلام
الطحاوي .
و فيه نظر من أوجه:
أحدها: أن هذا الاحتمال الذي ذكره من كونه يأتيهم، والشمس
مرتفعة، قد اصفرت يَرُدُّهُ قوله في رواية أبي داود عن قتيبة، عن
الليث، عن الزهري، عن أنس ((والشمس مرتفعة حية))(١). كذا رواه
البيهقي في سننه من طريق ابن داسة، عن أبي داود، وقال في المعرفة:
(١) هي الرواية التالية للمصنف الآتية برقم (٥٠٧).

٦١٧ ~
٨ - تعجيل العصر - حديث رقم ٥٠٦
وفي رواية الليث ((فيأتيهم، والشمس مرتفعة حية)). انتهى. وحياتها
بقاء حرها ولونها، وهذا ينافي أن تكون قد اصفرت.
ثانيها: لو لم ترد هذه اللفظة ((وهي حية))، وكان ارتفاعها لا ينافي
صفرتها على ما قرره الطحاوي، فذلك لا يحصل مقصوده، لأن
المصلي مع النبي ◌َّه بالمدينة إذا وصل إلى قباء التي هي على ثلاثة
أميال، والشمس مرتفعة، فذلك دليل التعجيل، ولو كانت الشمس
مصفرة، ولاسيما الرواية فيها العوالي وقتها أنها على أربعة أميال(١)،
وفي رواية ستة أميال، ولو لم يعجل بالعصر أول وقتها لما وصل إلى
هذه المسافة إلا بعد الغروب.
ثالثها: كيف يجعل حديث أنس مضطرباً مع أن الروايات عنه لم
يتحقق اختلافها، وغاية ما ذكره أن رواية الزهري عن أنس تحتمل
مخالفة روايةَ الباقين، وقد صرح هو بذلك في قوله: فقد يجوز أن
تكون الشمس مرتفعة قد اصفرت، ومع احتمال المخالفة والموافقة لا
يكون اضطراباً، بل الواجب حمل الرواية المحتملة على الروايات
المصرّحة، وجَعْلُها على نَسَق واحد، لا اختلاف بينها، ولا تَضَادَّ،
وكيف نجيء إلى الرواية التي هي صريحة في المقصود، لا تحتمل
التأويل، فردها بورود رواية أخرى تحتمل أن تخالفها احتمالاً
مرجوحاً، بل لو كان احتمال المخالفة راجحاً لكان الواجب الحمل على
(١) هكذا النسخة، ولعل الصواب: وقَدَّروها أنها أربعة أميال.

شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
- ٦١٨
المرجوح ليوافق بقية الروايات، فكيف واحتمال المخالفة هو المرجوح،
أو الاحتمالان مستويان إن تنزلنا، والواقف على كلام الطحاوي في
هذا الموضع يفهم منه التعصب ببادىء الرأي، لأنه ذكر أولاً أن رواية
الزهري عن أنس محتملة لأن تكون الشمس قد اصفرت، ثم إنه نَزَّلَ
هذا الاحتمال منزلة المجزوم به، وقال: فقد اضطرب حديث أنس، ثم
جزم بأن معنى ما روي عن الزهري بخلاف ما رواه غيره، مع قوله
أولاً : إنه يحتمل المخالفة فقط.
ثم ذكر الطحاوي حديث أبي الأبيض عن أنس، قال: ((كان
رسول الله ◌َّهِ يصلي صلاة العصر، والشمس بيضاء مُحَلِّقَةٌ))، وقال:
ذلك دليل على أنه قد كان يؤخرها، ثم ذكر أنه رُوي عن النبي ◌َّه((أنه
كان يصليها، والشمس مرتفعة بيضاء نقية، قدر ما يسير الراكب
فرسخين، أو ثلاثة))، فذكر أنه دليل على التأخير أيضاً، وهذا من أعجب
العجب. والله أعلم. انتھی کلام الحافظ العراقي في (طرحہ) ج ٢ص
١٦٥ - ١٦٧ .
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ولي الدين رحمه الله
كلام نفيس جدّاً في الرد على من يتعصب لمذهب الحنفية في قولهم
باستحباب تأخير العصر، مثل الطحاوي، ومن تبعه كالعيني،
وصاحب العرف الشذي. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
الواجب على المسلم العاقل أن يكون ناصراً للحق، ومتبعاً للدلیل،

:
٨ - تعجيل العصر - حديث رقم ٥٠٦
٦١٩ _
يدور حيثما دار، ولا يلتفت إلى من خالفه، أيّا قدره ومنزلته من
العلم، ولا يمنعه من ذلك تقليده لإمام من الأئمة المجتهدين، فإنهم
يصيبون ويخطئون، ولكنهم مأجورون على خطئهم أجراً واحداً، كما
أنهم يؤجرون على صوابهم أجرين، فإنهم ما خالفوا النص، إلا لعدم
وصوله إليهم، أو بلغهم إلا أنه عن طريق لا يرتضونها، أو تأولوه على
حسب ما ظهر لهم، فأخطئوا في تأويله، إلى غير ذلك من الأعذار التي
تُبْرىء ساحتهم أن ينزل فيها لَوْم وتوبيخ. وأما هؤلاء الذين يقلدونهم
في أخطائهم فليس لهم عذر، إلا أنهم يقولون: إن إمامهم أعلم من
غيره، فلا ينبغي مخالفته، ياللعجب! هل إمامهم أعلم من الصحابة
والتابعين، المخالفين له في تلك المسألة، القائلين بما وافق النص الصريح
الصحيح؟! إن هذا لشيء عُجَاب!
عجيبة: مما اتفق لي أن مؤذناً أذن للمغرب، فدخل رجل حنفي
المسجد بعد الأذان، فجلس قبل أن يركع ركعتين، فقلت له: يا أخي لا
تجلس، فإنك دخلت المسجد، فتوجه إليك شيئان: نهیه تُ﴾ لمن دخل
المسجد أن يجلس حتى يركع ركعتين، وقوله تَّه: ((صلوا قبل
المغرب ... )) الحديث، فرد علي بأن الصلاة قبل المغرب مكروهة في
مذهبنا، فقلت له: إني كنت حنفيّاً مثلك، وقرأت من كتب الحنفية
أصولاً وفروعاً كتباً كثيرة، وفي ظني أنك ما قرأتها كلها، ولكني لما
رأيت الأحاديث الصحاح مخالفة لبعض مسائلها - كمسألتنا هذه .

- ٦٢٠
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
تركت ماكنت أقلد؛ لوضوح الحق لي والحمد لله، فتناقشنا كثيراً، فلما
أكثرت عليه قال لي: هل أنت أعلم من الإمام أبي حنيفة؟ فقلت له:
هَبْ أني لست أعلم، ولكن هل تعتقد أنت أن الإمام أبا حنيفة أعلم
من رسول الله تَّه حيث يقول: ((صلوا قبل المغرب))، ويقول هو
بكراهة الصلاة قبل المغرب، مع أني أحترم الإمام أبا حنيفة رحمه الله،
وأعتذر عنه في مخالفته لهذا الحدیث بأنه ما بلغه، أو بلغه، إلا أنه عن
طريق لا يرضاها. فانقطعت حجة الرجل، ولكنه ما تراجع عما هو
عليه، لمجرد تعصب، نسأل الله تعالى أن يُرِيَنَا الحق حَقّاً، ويرزقنا
اتباعه، ویُرینا الباطل باطلاً، ويرزقنا اجتنابه، إنه بعباده رؤوف رحيم.
ثم إني لا أقصد بهذا التَّقُّصَ بمذاهب الأئمة، حاشا ثم حاشا،
وكيف وهم الذين خدموا الكتاب والسنة، وقاموا في ذلك حق القيام،
فأقوالهم شارحة للكتاب والسنة، فمما يجب على طالب العلم أن
يستعين في فهم الكتاب والسنة بأقوال أهل العلم، من الفقهاء،
والأصوليين، والنحويين، واللغويين، وغيرهم رحمهم الله تعالى.
ولكني أنصح المسلم، وأحذّره أن يقلد آراءهم التي تخالف
النصوص الصريحة الصحيحة، بدعوى أنهم أعلم منه، وأدرى بتلك
النصوص، وكيف يَدَّعي ذلك، وقد خالفهم في تلك المسائل من هو
أعلم منهم، أومثلهم.
وبالجملة فالواجب على المسلم أن يجعل النصوص الصحيحة