Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١ _
٦ - باب آخر وقت الظهر - حديث رقم ٥٠٢
وسيأتي تحقيق الخلاف في خروج وقت الظهر بصيرورة الظل مثله
وعدمه مُسْتَوفىَ في المسائل الآتية، إن شاء الله تعالى.
( ثم صلى العصر حين كان الظل مثليه) أي بعد فيء الزوال (ثم
صلى المغرب بوقت واحد) الباء بمعنى ((في)) أي في وقت واحد،
وهو ما صَلَّى فيه المغرب بالأمس، كما بينه بقوله (حين غربت
الشمس، وحل فطر الصائم، ثم صلى العشاء حين ذهب ساعةٌ من
الليل) أي وقت من الليل، وقد بُيِّنَ ذلك الوقتُ في الروايات
الأخرى، كما في رواية جابر الآتية أنه ثلث الليل .
(ثم قال ) أي جبريل (الصلاة) أي وقتها، والمراد جنس
الصلاة، أي وأوقاتُ الصلوات التي فرض الله أدَاءَهَا في وقت مُوَسَّع
رحمةً بعباده، وهو مبتدأ خبره قوله (ما بين صلاتك أمس) ((ما))
موصولة، و ((بين)) منصوب على الظرفية، متعلق بمحذوف صلة لما،
و((أمس)) من الظروف المبنية على الكسر، عند جمهور العرب، وبنو
تميم تعربه إعراب ما لا ينصرف، فتقول : ذهب أمسُ بما فيه، بالرفع،
قال الشاعر (من الرجز):
لَقَدْ رَأَيْتُ عَجَباً مُذْ أمْسَا عَجَائِزاً مِثْلَ السَّعَالِي خَمْساً
وهو اسم عَلَم على اليوم الذي قبل يومك، وقد يُستَعْمَلُ فیما قبله
مجازاً . أفاده في ((المصباح)).

- ٥٦٢
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
(وصلاتك اليوم) يعني أن الوقت المُحَدَّد لأداء الصلوات
المفروضات هو الوقت الذي بين صلاتك في اليوم الماضي، وصلاتك
في اليوم الحاضر .
فإن قيل : هذا القول من جبريل عليه السلام يقتضي أن لا يكون
الوقت الذي صَلَّى فيه في اليومين وَقْتاً لها، لأنه بَيَّنَ أن وقتها ما بين
ذلك، أجيب بأنه لما صَلَّى في أول الوقت وآخره وُجدَ البيانُ بالفعل،
وبقي الاحتياج إلى ما بين الأول والآخر، فبَيَّنَ بالقول أن هذا بيان
للوقت المستحب إذ الأداء في أول الوقت مما يتعسر على الناس، ويؤدي
أيضاً إلى تقليل الجماعة، وفي التأخير إلى آخر الوقت خشية الفوات،
فكان المستحب ما بينهما . أفاده في ((المنهل)) جـ٣ ص ٢٨٩ .
قال الجامع عفا الله عنه : وفي دعواه كون الوسط هو المستحبّ
نظر لا يخفى، لمخالفته الأحاديث الصحيحة، إذ منها ما يستحب فيه
التقديم في أول الوقت، وهي الصبح، والظهر في البرد، والعصر،
والمغرب، ومنها ما يستحب فيه التأخير، وهي الظهر في شدة الحر،
والعشاء. فتبصر . والله تعالى أعلم.
تنبيه:
وقع في رواية أبي داود، والترمذي في رواية ابن عباس رضي الله
عنهما لحديث جبريل عليه السلام ((ثم التفت إليّ، فقال : يامحمد هذا

٥٦٣ -
٦ - باب آخر وقت الظهر - حديث رقم٥٠٢
وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين )).
فاستشكل قوله: (( هذا وقت الأنبياء من قبلك)) ، إذ ظاهره يوهم
أن هذه الصلاة في هذه الأوقات كانت مشروعة لمن كان قبله من
الأنبياء، وليس كذلك، بل المراد أن هذا الوقت المُوَسَّعَ المحدود
بالطرفين : الأول والآخر كان مثله وقتاً للأنبياء قبلك، فصلاتهم كانت
واسعة الوقت، وذات طرفين، وإلا فلم تكن هذه الصلوات على هذا
الميقات إلا بهذه الأمة خاصة، وإن كان غيرهم قد شاركهم في بعضها .
قاله ابن العربي في عارضته جـ ١ ص ٢٥٧، ٢٥٨ . والله أعلم، ومِنه
التوفيق، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا إسناده حسن، وصححه ابن
السكن، والحاكم، وحسنه الترمذي في العلل. انظر ((التلخيص)) جـ ١
ص١٧٣ .
قال الجامع : لكن في متنه نكارة، حيث خالف الأحاديث
المشهورة التي فيها البداءة بالظهر، إلا أن يحمل على تعدد الواقعة، ففي
بعضها بدأ بالفجر، وفي بعضها بدأ بالظهر، ولكن هذا يحتاج إلى
دليل. والله أعلم .

٥٦٤
---
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه هنا (٥٠٢)، وفي ((الكبرى)) في ((الصلاة)) (١٤٩٣)، بسند
الباب.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه :
لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، كما قال الحافظ المزي في
تحفته .
وأخرجه الطحاوي، والسَّرَّاج، والدارقطني، والحاكم، وعنه
البيهقي. انظر ((الإرواء)) جـ١ ص ٢٦٩. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف؛ وهو بيان آخر وقت الظهر، وذلك أنه
صلى الظهر في اليوم الثاني حين صار ظله مثله، وَبَيَّنَ في آخره أن وقت
الصلاة بين الوقتين، فلا يجوز تأخيره عن المثْل، ويأتي في المسألة
التالية تحقيق الخلاف في ذلك .
ومنها: الدلالة على عظم أمر الصلاة، ومزید قدرها، حیث إن
الله تعالى أرسل جبريل لبيان وقتها، وكيفيتها بالفعل، ولم يكتف
بالقول كسائر الأحكام .
ومنها: بيان أنه عمّ ليس مُشَرِّعاً بنفسه، بل بأمر من الله تعالى.

٥٦٥ _
٦ - باب آخر وقت الظهر - حديث رقم ٥٠٢
ومنها : أن العبادة مقصورة على الوارد عن الله تعالى بالتحديد
والكيفية.
ومنها : بيان فضل الله تعالى على عباده حيث وَسَّعَ عليهم أوقات
الصلاة، ولم يضيقها، والله ذو الفضل العظيم .
المسألة الخامسة: في مذاهب العلماء في آخر وقت صلاة الظهر :
حَقَّقَ الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه النفيس، المجموعِ شرحٍ
المُهَذَّب هذه المسألة، تحقيقاً ظريفاً وفصلها بأدلتها تفصيلاً منيفاً، أحببت
إيراد خلاصته هنا لحسنه، قال رحمه الله تعالى :
أجمعت الأمة على أن أول وقت الظهر زوال الشمس، نقل الإجماع
فيه خلائق - ودليله الأحاديث الصحيحة، المذكورة عند النسائي،
وغيره :
منها: حديث أبي برزة رضي الله عنه المتقدم ، (٤٩)، وحديث أبي
هريرة المذكور في الباب، وحديث جابر الآتي ، (٥٠٣)، وحديثه،
(٥١٢)، وحديث بريدة الآتي، (٥١٨)، وحديث أبي موسى الآتي،
(٥٢٢)، وغير ذلك مما أورده النسائي في الأبواب الآتية، وحديث ابن
عباس رضي الله عنهما عند أبي داود والترمذي: أن النبي ◌َّم قال :
((أمني جبريل عند البيت مرتين، فصلى الظهر في المرة الأولى حين كان
الفيء مثل الشراك ... )) الحديث، وكلها أحاديث صحيحة .
.

٥٦٦
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
وأما آخر وقت الظهر فهو إذا صار ظل الشيء مثله غيرَ ظل الزوال
الذي يكون له عند الزوال، وإذا خرج هذا دخل وقت العصر متصلاً
به، ولا اشتراك بينهما، قال : هذا مذهبنا يعني الشافعية، وبه قال
الأوزاعي، والثوري، والليث، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد .
وقال عطاء، وطاوس : إذا صار ظل الشيء مثله دخل وقت
العصر، وما بعده وقت للظهر، والعصر على سبيل الاشتراك حتى
تغرب الشمس .
وقال إسحاق بن راهويه، وأبو ثور، والمُزَنيُّ، وابن جرير : إذا
صار ظله مثله فَقَدْرُ أربع ركعات بعده وقت للظهر والعصر، ثم
يتمحض الوقت للعصر.
وقال مالك : إذا صار ظله مثله فهو آخر وقت الظهر، وأول وقت
العصر بالاشتراك، فإذا زاد على المثل زيادة بَيِّنَةً خرج وقت الظهر،
وعن مالك رواية أن وقت الظهر يمتد إلى غروب الشمس، وقال
أبو حنيفة : يبقى وقت الظهر حتى يصير الظل مثلین، فإذا زاد على ذلك
يسيراً كان أول وقت العصر .
قال أبو الطيب: قال ابن المنذر : لم يقل هذا أحد غير أبي حنيفة .
واحتج من قال بالاشتراك بحديث ابن عباس المذكور، قالوا :
((فصلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم

٥٦٧ -
٦ - باب آخر وقت الظهر - حديث رقم٥٠٢
الأول))، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً، قال: (( جمع
رسول الله ◌َّ﴾ بين الظهر والعصر بالمدينة من غير خوف ولاسفر))
رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم ((من غير خوف، ولا مطر))،
فدل على اشتراكهما، قالوا : ولأن الصلوات زید فيها علی بیان جبريل
في اليوم الثاني، وللاختيار، فينبغي أن يزاد وقت الظهر .
واحتج القائلون بعدم الاشتراك بحديث عبد الله بن عمرو بن
العاص رضي الله عنهما أن نبي الله ◌َ ◌ّه قال: ((إذا صليتم الفجر، فإنه
وقت إلى أن يطلع قرن الشيطان الأول، ثم إذا صليتم الظهر، فإنه وقت
إلى أن تحضر العصر، فإذا صليتم العصر، فإنه وقت إلى أن تصفرّ
الشمس، فإذا صليتم المغرب، فإنه وقت إلى أن يسقط الشفق، فإذا
صلیتم العشاء، فإنه وقت إلى نصف الليل)) رواه مسلم من طرق كثيرة،
وفي بعضها ((وقت الظهر إذا زالت الشمس ما لم تحضر العصر)).
واحتجوا أيضاً بحديث أبي موسى رضي الله عنه الآتي (٥٢٢)،
وهو عند مسلم أيضاً، قال فيه؛ في صلاة الظهر في اليوم الثاني: (( ثم
أخر الظهر حتى كان قريباً من وقت العصر بالأمس )) ثم قال في آخره
((الوقت ما بين هذين))، وهذا نص في أن وقت الظهر لا يمتد وراء
ذلك، فيلزم منه عدم الاشتراك .
وبحديث أبي قتادة رضي الله عنه: أن النبي ◌َّم قال: ((ليس في
النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يُصَلِّ الصلاةَ حتى يجيء وقت
----

- ٥٦٨
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
الأخرى)) رواه مسلم في جملة حديث طويل .
وأجابوا عن قوله ◌َّهُ: ((صلى بي العصر في اليوم الأول حين صار
ظل الشيء مثله، وصلى بي الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل
شيء مثله)) بأن معناه بدأ بالعصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء
مثله، وفرغ من الظهر في اليوم الثاني حين صار الظل مثله، وبهذا
التفسير يحصل بيان أول وقت العصر، وآخر وقت الظهر، ولو حُملَ
على الاشتراك لم يحصل تحديد آخر وقت الظهر، ولَفَاتَ بيانه، وقد
قال في آخر الحديث: ((الوقت بين هذين)) .
قال الشيخ أبو حامد : ولأن حقيقة الكلام أن يكون فرغ من
الصلاتين حين صار ظل الشيء مثله فمنعنا الإجماع من إرادة ذلك في
العصر، فتأولناها على أنه ابتدأ حينئذ، وبقيت الظهر على حقيقته،
ونظير ما تأولنا عليه لفظَ الحديث قولُ الله تعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجْلَهُنَّ
فَأَمْسكُوهُن﴾ [البقرة: ٢٣١]، وقال تعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا
تَعْضُلُوهُن﴾ [البقرة: ٢٣٢] المراد بالبلوغ الأول مقاربته، وبالثاني حقيقة
انقضاء الأجل، ويقال : بلغ المسافر البلد : إذا انتهى إليه، وإن لم
يدخله، وبلغه : إذا دخله .
وأجابوا عن حديث الجمع بالمدينة من وجهين :
أحدهما: أنه محمول على أنه أخر الظهر إلى آخر وقتها، وقدم
العصر في أول وقتها، فصار صورته صورة جمع، وليس بجمع،
!
1

٥٦٩ -
٦ - باب آخر وقت الظهر - حديث رقم ٥٠٢
وعلى هذا التأويل حمله إمامان تابعيان من رواته : أبو الشعثاء جابر بن
زيد، وعمرو بن دينار، كما في صحيح مسلم وغيره .
الثاني: أنه جمع بعذر : إما بمطر، وإما بمرض، عند من يقول به .
قال الجامع عفا الله عنه : في هذين التأويلين نظر لايخفى،
وسنحققه في باب الجمع بين الصلاتين في الحضر (٧٤ / ٦٠٠) إن
شاء الله تعالى.
قال النووي رحمه الله : وأما قولهم زيد في الصلاة على بيان
جبريل، فتلك الزيادات ثبتت بنصوص، ولانص هنا في الزيادة،
ولا مدخلَ للقياس .
واحتُجَّ لأبي حنيفة بحديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع
رسول الله عَ ◌ّه يقول: ((إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم قبلكم، كما بين
صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة، فعملوا
حتى إذا انتصف النهار عجزوا ، فَأَعْطُوا قيراطاً قيراطاً، ثم أوتي أهل
الإنجيل الإنجيلَ، فعملوا إلى صلاة العصر، فعجزوا، فأعطوا قيراطاً
قيراطاً، ثم أوتينا القرآن، فعملنا إلى غروب الشمس، فأعطينا قيراطين
قيراطين، فقال أهل الكتاب : أي ربنا أعْطَيْتَ هؤلاء قيراطين قيراطين،
وأعطيتنا قيراطاً قيراطاً، ونحن أكثر عملاً، قال الله تعالى: ((هل
ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا : لا، قال : فهو فضلي أوتيه من
أشاء» رواه البخاري، ومسلم.

شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
- ٥٧٠
قالوا : فهذا دليل على أن وقت العصر أقصر من وقت الظهر،
ومن حينَ يَصير ظل الشيء مثله إلى غروب الشمس هو ربع النهار،
وليس بأقل من وقت الظهر، بل هو مثله . واحتجوا بأقيسة،
ومناسبات لا أصل لها، ولا مدخل لها في الأوقات .
قال النووي رحمه الله : واحتج أصحابنا - أي وهو مذهب
الجمهور - عليهم بحديث ابن عباس رضي الله عنهما - يعني حديث
جبريل - فقال إمام الحرمين : عمدتنا حديث جبريل، ولا حجة
للمخالف إلا حديث ساقه ◌َّ مَسَاقَ ضَرْب الأمثال، والأمثالُ مظنة
التوسعات والمجاز، ثم التأويلُ مُتَطَرِّق إلى حديثهم، ولا يتطرق إلى ما
اعتمدناه تأويل، ولا مطمع في القياس من الجانبين .
وأجابوا عن حديث ابن عمر بأربعة أجوبة :
أحدها: هذا الذي ذكره إمام الحرمين .
الثاني: أن المراد بقولهم : أكثر عملاً: أن مجموع عمل الفريقين
أکثر.
الثالث: أن ما بعد صلاة العصر مع التأهب لها بالأذان، والإقامة،
والطهارة، وصلاة السنة، أقل مما بين العصر ونصف النهار.
الرابع: قال الإصطخري : كثرة العمل لا يلزم منها كثرة الزمان؛
فقد يعمل الإنسان في زمن قصير أكثر مما يعمل غيره في زمن مثله، أو
أطول منه. انتهى خلاصة ما كتبه النووي رحمه الله في ((المجموع))

٥٧١ -
٦ - باب آخر وقت الظهر - حديث رقم ٥٠٣
ببعض تصرف جـ ٣ ص٢١، ٢٢ .
قال الجامع عفا الله عنه : قد تبين مما تقدم من الأدلة الكثيرة
ترجيح مذهب الجمهور؛ وهو أن آخر وقت الظهر صيرورة ظل كل
شيء مثله . وأنه لا اشتراك بين الظهر والعصر في الوقت، والله تعالى
أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٠٣ - أخْبَرنَا أبُو عَبْد الرَّحْمَن؛ عَبْدُاللَّه بْنُ مُحَمَّدِ الأدْرَمِيُّ،
قَالَ : حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي مَالِكِ الأشْجَعِيّ،
سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُدْرِكِ، عَنِ الأسْوَدِبْنِ
يزيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ : كَانَ قَدْرُ صَلاَة
رَسُولِ اللَّه ◌َُّ الظُّهْرَ فِي الصَّفِ ثَلاثَةَ أَقْدَامِ إِلَى خَمْسَةٍ
أقْدَامٍ، وفِىِ الشَّاءِ خَمْسَةَ أَقْدَامٍ إِلَى سَبْعَةِ أَقْدَامٍ)) .
رجال الإسناد : ستة
١- (أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد الأذرَمِيُّ ) هو عبد الله
ابن محمد بن إسحاق، الجَزَرِي الأَذْرَمِيُّ (١) المَوْصِليُّ، ثقة، من [١٠]،
أخرج له أبو داود والنسائي.
(١) الأذرمي: بفتح الهمزة، وسكون المعجمة، وفتح الراء : نسبة إلى قرية عند نَصيبين
من الجزیرة . قاله في اللباب جـ ١ ص ٣٨.
٠٠

شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
- ٥٧٢
وثقه أبو حاتم، والنسائي، وقال الخطيب : كان الواثق أحضر
شيخاً من أهل أذَنَةً للمحنة وناظر ابن أبي دؤاد بحضرته، واستعلى عليه
الشيخ بحجته، فأطلقه الواثق، ورده إلى وطنه، ويقال : إنه الأذرمي .
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال مسلمة : لا بأس به .
٢- (عَبِيدَةُ بنُ حُمَيد) الأول مكبر، والثاني مصغر، الكوفي
أبو عبد الرحمن الحَذَّاء، صدوق نحوي، ربما أخطأ، توفي سنة
١٩٠، وقد جاوز ٨٠، من [٨]، أخرج ه البخاري والأربعة، تقدم في
١٣/ ١٣.
٣ - (أبو مالك الأشجعي؛ سعد بن طارق) الكوفي ، ثقة،
توفي في حدود سنة ١٤٠، من [٤]، تقدم في ١٤٩/١١٠.
٤ - (كثير بن مُدْرِك) الأشجعي، أبو مُدْرك الكوفي، ثقة ، من
[٦]، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي، ذكره ابن حبان في الثقات،
له في مسلم حديث واحد في المتابعات في التلبية، وقال العجلي: كوفي
ثقة .
٥- (الأسود بن يزيد) بن قَيْس النخعي، أبو عمرو، أو
أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة مخضرم مكثر فقيه، توفي سنة ٧٤ أو
٧٥، من [٢]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٣/٢٩ .
٦- (عبد الله بن مسعود) أبو عبد الرحمن الْهُذَلي الصحابي

٦ - باب آخر وقت الظهر - حديث رقم٥٠٣
٥٧٣ _
٠٠
الجليل رضي الله عنه، تقدم في ٣٩/٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من سداسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، وكلهم
كوفيون إلا شيخه؛ فأذْرَميِّ كما تقدم، نسبة إلى أذرمة، قرية بالجزيرة
ومنها : أن فيه رواية كبير عن صغير، فسعد بن طارق تابعي رَوَی
عن أبيه، وأنس وعبد الله بن أبي أوفى، وكثير بن مدرك، لم يدرك
صحابياً بل روى عن علقمة، والأسود، وعبد الرحمن ابني يزيد، فهو
من تابعي التابعين .
منها: أن فيه الإخبارَ، والتحديثَ، والعنعنة، من صيغ الأداء .
وقوله : عبدُ الله بن محمد بالرفع بدل، أو عطف بيان لقوله : أبو
عبد الرحمن، وقوله : سعد بن طارق بالجر عطف بيان لأبي مالك.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن مسعود) رضي الله عنه، أنه (قال : كان
قدرُ صلاة رسول اللـه عَّه) قدر: اسم ((كان))، مضاف إلى
((صلاة))، ويقدر بينهما مضاف، أي قدر تأخير صلاة رسول الله عَ ليه
(الظهر) بالنصب مفعول ((صلاة))، لأنه اسم مصدر لصَلَّى، يعمل
عمل فعله، كما قال ابن مالك .
وَلَاِسْمِ مَصْدَرِ عَمَلْ

- ٥٧٤
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
ويحتمل أن يكون مفعولاً لفعل محذوف، أي أعني
الظهرَ، ويحتمل الجر بدلاً من (( صلاة)) (في الصيف) متعلق بصلاة،
والصيف، بفتح فسكون، الْقَيْظَ، أو بعد الرَّبيع، جمعه أصْيَاف. قاله
في ((ق))، والقيظ : شدَّةُ الحرّ .
وقال الفَيُّومي رحمه الله : السنة أربعة أزْمنَة، وهي الفصول أيضاً،
فالأول الربيع، وهو عند الناس الخَريف، سمته العرب ربيعاً، لأن أول
المطر يكون فيه، وبه ينبت الربيع، وسماه الناس خريفاً، لأن الثمار
تُخْتَرَفُ فيه، أي تقطع، ودخوله عند حلول الشمس رأس الميزان.
والثاني : الشتاء، ودخوله عند حلول الشمس رأس الجَدْي. والثالث:
الصيف، ودخوله عند حلول الشمس رأس الحمل، وهو عند الناس
الربيع. والرابع: القيظ، وهو عند الناس الصيف، ودخوله عند حلول
الشمس رأس السرطان.ا هـ المصباح في مادة ((زمن)). ومنهم من
يقسم السنة قسمين : الصيف، والشتاء، فيجعل الصيف ستة أشهر،
والشتاء ستة أشهر. قاله في ((المغني)) (١).
قال الجامع: الظاهر أن هذا هو المراد في هذا الحديث، والله
أعلم.
وقوله (ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام) خبر ((كان))، أي كان
(١) هو المغني في الإنباء عن غريب المهذب والأسماء، للعلامة عماد الدين بن باطيش
المتوفى سنة ٦٥٥ هـ.
1

٥٧٥ -
٦ - باب آخر وقت الظهر - حديث رقم ٥٠٣
تأخير رسول الله عَ ◌ّه صلاة الظهر في الصيف منتهياً بصيرورة ظل كل
إنسان ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام ( وفي الشتاء) قيل : جمع
شَتْوة، مثل كَلْبَة، وكلاب، نقله ابن فارس عن الخليل، ونقله بعضهم
عن الفراء وغيره، ويقال : إنه مفرد عَلَمٌ على الفصل، ولهذا جمع على
أشْتِيَة . قاله في المصباح .
(خمسةَ أقدام إِلى سبعة أقدام) أي كان ابتداء صلاته عَ لجم
الظهر في الشتاء إذا صار ظل كل إنسان خمسة أقدام إلى سبعة على
حسب قصَر ظل الفيء، وطوله .
قال الدهلوي رحمه الله : الظل الأصلي في المدينة يكون في ابتداء
الشتاء خمسة أقدام، وفي شدة الشتاء يكون سبعة أقدام، وفي ابتداء
الصيف يكون ثلاثة أقدام، فتكون الصلاة في هذه الأيام على هذا الظل
في أول الوقت، ويكون الظل الأصلي في شدة الحرنصف القدم،
فصلاته ◌َّ على خمسة أقدام في الصيف كانت للإبراد اهـ. منقولاً من
(المنهل)) جـ٣ ص ٣١١.
وقال السندي: قوله: ((كان قدر صلاة رسول الله عَّ ... )) إلخ:
أي قدر تأخير الصلاة عن الزوال ما يظهر فيه قدر ثلاثة أقدام للظل، أي
يصير ظل كل إنسان ثلاثة أقدام من أقدامه، فیعتبر قدم كل إنسان ثلاثة
بالنظر إلى ظله، والمراد أن يبلغ مجموع الظل الأصلي والزائد هذا
المبلغ، لا أن يصير الزائد هذا القدر، ويعتبر الأصلي سوى ذلك، فهذا

- ٥٧٦
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
قد يكون لزيادة الظل الأصلي كما في أيام الشتاء، وقد يكون لزيادة
الظل الزائد بسبب التبريد كما في أيام الصيف . انتهى.
وقال الخطابي رحمه الله : وهذا أمر يختلف في الأقاليم والبلدان،
ولا يستوي في جميع المدن والأمصار، لأن العلة في طول الظل وقصره
هو زيادة ارتفاع الشمس في السماء وانحطاطها، فكلما كانت أعلى،
وإلى محاذاة الرؤوس في مجراها أقرب كان الظل أقصر، وكلما كانت
أخفض، ومن محاذاة الرأس أبعد كان الظل أطول، ولذلك ظلال
الشتاء تراها أبدا أطول من ظلال الصيف في كل مكان .
وكانت صلاة رسول اللـه ◌َمّه بمكة والمدينة، وهما من الإقليم
الثاني، ويذكرون أن الظل فيهما في أول الصيف في شهر آذار ثلاثة
أقدام وشيء، ويشبه أن تكون صلاته إذا اشتد الحر متأخرة عن الوقت
المعهود قبله، فيكون الظل عند ذلك خمسة أقدام .
٠
وأما الظل في الشتاء، فإنهم يذكرون أنه في تشرين الأول خمسة
أقدام وشيء، وفي الكانون سبعة أقدام، أوسبعة وشيء، فقول ابن
مسعود منزل على هذا التقدير في ذلك الإقليم، دون سائر الأقاليم
والبلدان التي هي خارجة عن الإقليم الثاني . والله أعلم. اهـ ((معالم
السنن) جـ ١ ص ٢٣٧، ٢٣٨
قال في عون المعبود : قال السيوطي في مرقاة الصعود : قال ولي
الدين : هذه الأقدام هي قدم كل إنسان بقدر قامته .
ٹ

٥٧٧ -
٦ - باب آخر وقت الظهر - حديث رقم ٥٠٣
قلت : ضابط ما يعرف به زوال كل بلد أن يُدَقَّ وَتَدُفي حائط، أو
خشبة موازياً للقطب يمانياً، أو شمالياً، فينظر لظله، فمهما ساواه،
فذلك وسط النهار، فإذا مال للمشرق ميلاً تاماً، فذلك الزوال، وأولُ.
وقت الظهر، فكل الأقدام إذًا بكل شهر، واحفظها لكل شهر بكل فصل
وكل بلد، فلم أرضابطاً أفضل من هذا.
وقال علي القاري في المرقاة : قال السبكي : اضطربوا في معنى
الحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي - يعني هذا الحديث - والذي
عندي في معناه أنه كان يصليها في الصيف بعد نصف الوقت، وفي
الشتاء أوَّلَهُ، ومنه يؤخذ حد الإبراد . انتهى .
والأظهر أنه لا حَدَّ للإبراد، وانما يختلف باختلاف البلاد، ولعله
أراد أن لا يَتَعَدَّى في الإبراد عن نصف الوقت . والله أعلم . انتهى.
اهـ (عون)) جـ ٢ ص ٧٣، ٧٤.
تنبيه:
قوله: ((وفي الشتاء)): جار ومجرور معطوف على قوله: ((في
الصيف)) الذي هو معمول ((صلاة))، وقوله: ((خمسة أقدام)) بالنصب
عطف على ((ثلاثة أقدام)) الذي هو خبر ((كان))، ففيه عطف المعمولين
على معمولي عاملين مختلفين، وفيه الخلاف :
قال العلامة ابن هشام الأنصاري رحمه الله تعالى في ((مغني
اللبيب)): أجمعوا على جواز العطف على معمولي عامل واحد، نحو:

٥٧٨
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
إن زيداً ذاهب، وعمراً جالسٌ، وعلى معمولات عامل، نحو أعْلَمَ زيدٌ
بكراً جالساً، وأبو بكر خالداً سَعيداً منطلقاً، وعلى منع العطف على
معمولي أكثر من عاملين، نحوإِنَّ زيداً ضاربٌ أبوه لعمرو، وأخاكَ
روزي
غُلامُهُ بَكْر .
وأما معمولا عاملين، فإن لم يكن أحدهما جاراً، فقال ابن مالك :
هو ممتنع إجماعاً، نحو كان آكلاً طعامَكَ عمروٌ، وتَمْرَك بَكْرٌ، ولیس
كذلك، بل نقل الفارسي الجواز مطلقاً عن جماعة، وقيل : منهم
الأخفش، وإن كان أحدهما جاراً، فإن كان الجار مؤخراً، نحو زيد في
الدار، والحجرة عمرُو، أو وعَمْرُو الْحُجْرَة، فنقل المهدوي أنه ممتنع
إجماعاً، وليس كذلك، بل هوجائز عند من ذكرنا، وإن كان الجار
مقدما نحو في الدار زيدٌ، والحجرة عَمْروٌ، فالمشهور عن سيبويه المنع،
وبه قال المبرد، وابن السَّرَّاج، وهشام، وعن الأخفش الإجازة، وبه قال
الكسائي، والفراء، والزجاج، وفَصَّلَ قوم، منهم الأعلم، فقالوا : إنْ
وَلَيَ المخفوضُ العاطفَ، كالمثال جاز، لأنه كذا سُمعَ، ولأن فيه تَعَادُلَ
المتعاطفات، وإلا امتنع، نحو في الدار زيدٌ، وعمرُو الحجرة. اهـ
((مغني اللبيب)) جـ٢ ص ١٠١ بحاشية الأمير.
تنبيه آخر:
محل استدلال المصنف على آخر وقت الظهر من هذا الحديث: هو
قوله (( إلى خمسة أقدام)) و((إلى سبعة أقدام))، وذلك لأن الصحابي ذكر

٥٧٩ -
٦ - باب آخر وقت الظهر - حديث رقم ٥٠٣
هذا بياناً لما كان عليه النبي ◌َّ. في الصيف حيث يبدأ في ثلاثة أقدام،
إلى أن ينتهي إلى خمسة أقدام . وفي الشتاء حيث يبدأ في خمسة أقدام
إلى أن تكون النهاية سبعة أقدام. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن مسعود رضي الله عنه هذا صحيح .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا (٥٠٣)، وفي ((الكبرى)) (١٤٩٢) بهذا السند.
المسألة الثالثة: فیمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود في ((الصلاة)) عن عثمان بن أبي شيبة، عن عَبيدَة
بن حُمَيد بسند المصنف .
وأخرجه الحاكم ، والبيهقي .
المسألة الرابعة: أنه تقدم تقسيم العرب للسنة أربعة أقسام نقلاً عن
عبارة المصباح، وقد رأيت للعلامة عماد الدين ابن باطيش في كتابه
((المغني)) كلاماً نفيساً في تقسيم السنة فأحببت إيراده هنا وإن كان بعضه
تقدم إتماماً للفائدة، قال رحمه الله تعالی :
وقد كانت العرب تقسم السنة أربعة أقسام، كل ثلاثة أشهر منها
قسماً، فقسم منها عندهم : الربيع : وهو الذي يسميه الناس الخريف،

شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
- ٥٨٠ .
لأن الثمار تُخْتَرَفُ فيه، أي تُجْنَى، وأوله: عند حلول الشمس في برج
الميزان، وذلك في نصف أيلول، وآخره: عند خروج الشمس من برج
القَوْس، وذلك في نصف كانون الأول، وله من المنازل: الْغَفْر،
والزُّبَانَىَ، والإِكْليلُ، والقَلْبُ، والشَّوْلَةُ، والنَّعَائِمُ، والْبَلْدَةُ.
والقسم الثاني : هو الشتاء، وأوله عند حلول الشمس بُرْجَ
الْجَدْي، وذلك في نصف كانون الأول، وآخره عند خروجها من بُرْج
الحُوت، وذلك في نصف آذار، وله من المنازل : سَعْدُ الذَّابح، وسَعْدَ
بُلَع، وسعد السُّعُود، وسعد الأخْبيَة، والفَرْغُ الْمُقَدَّم، والفَرْغُ الْمُؤَخَّرُ،
والرِّشَاءُ .
والقسم الثالث : الصيف، وهو عند الناس الرَّبيعُ، وأوله : عند
حلول الشمس في برج الْحَمَل، في نصف آذَار، وآخره : عند خروج
الشمس من بُرْج الجَوْزَاء، وذلك في نصف حَزيران، وله من المنازل
الشَّرَطَان، والْبُطَيْنُ، والتُّرَيَّا، والدَّبَرَانُ، والْهَقْعَةُ، والْهَنْعَةُ، والذِّرَاعُ.
والقسم الرابع : الْقَيْظُ، وهو عند الناس الصَّيْفُ، وأوله حُلُولُ
الشمس في برج السَّرَطَان في نصف حَزيران، وآخره : عند خروجها
من بُرْجِ السُّنْبُلَةَ في نصفَ أيلول، وله من المنازل: النَّثْرَةُ، والطَّرْفُ،
والْجَبْهَةُ، والزُّبْرَةُ، والصَّرْفَةُ، والْعَوَّاءُ، والسِّمَاكُ .
ومنهم : من يقسم السنة أربعة أقسام أخَرَ، الأول : أيلُول،
وتشْرين، وتشْرِينُ(١). والثاني: كَانُونُ، وكانُونُ، وشُّبَاطُ . والثالث:
(١) أي تشرين الأول، وتشرين الثاني.