Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ _ ٢٢ - باب فرض القبلة - حديث رقم ٤٨٩ المسألة الثامنة: في الحديث دليل على جواز نسخ السنة بالقرآن، قال البدر العيني رحمه الله: وهو جائز عند الجمهور من الأشاعرة والمعتزلة، وللشافعي فيه قولان، قال في أحد قوليه: لا يجوز، كما لا يجوز عنده نسخ القرآن بالسنة قولاً واحدًا، وقال عياض: أجازه الأكثر عقلاً وسمعًا، ومنعه بعضهم عقلاً، وأجازه بعضهم عقلاً، ومنعه سمعاً. قال الإمام فخر الدين الرازي: قطع الشافعي، وأكثر أصحابنا، وأهل الظاهر، وأحمد في إحدى روايتيه بامتناع نسخ الكتاب بالسنة المتواترة، وأجازه الجمهور، ومالك، وأبو حنيفة، رضي الله عنهم. واستدل المجوزون على المسألة الأولى بأن التوجه نحو بيت المقدس لم يكن ثابتًا بالكتاب، وقد نسخ بقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ [البقرة: ١٤٤]. وأجيب من جهة الشافعي بأنما هي نسخ قرآن بقرآن، وأن الأمر كان أوَّلاً بتخيير المصلي أن يُوَلِّيَ وجهه حيث شاء بقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، ثم نسخ باستقبال القبلة. وأجاب بعضهم بأن قوله تعالى ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ مجمل، فُسِّرَ بأمور : منها التوجه إلى بيت المقدس، فيكون كالمأمور به لفظًا في الكتاب، فيكون التوجه إلى بيت المقدس بالقرآن بهذه الطريقة، وباحتمال أن المنسوخ كان قرآنًا نسخ لفظه . وقال بعضهم: النسخ كان بالسنة، ونزل القرآن على وفقها، ورد - ٤٠٢ شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة الأول والثاني بأنا لو جوزنا ذلك لأفضى إلى أن لا يعلم ناسخ من منسوخ بعينه أصلاً، فإنهما يطردان في كل ناسخ ومنسوخ. والثالث مجرد دعوى ، فلا تقبل. قالوا: قال الله تعالى: ﴿لِتْبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وصفه بكونه مبينًا، فلو جاز نسخ السنة بالقرآن لم يكن النبي مبينًا، واللازم باطل، فالملزوم مثله، أما الملازمة فلأنه إذا أثبت حكمًا، ثم نسخه الله تعالى بقوله لم يتحقق التبيين، لأن المنسوخ مرفوع لا مبين، لأن النسخ رفع، لا بیان. وأما بطلان اللازم فلقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] حیث وصفه بکونه مبیناً . قلنا: لا نسلم الملازمة ، لأن المراد بالتبيين البيان، ولا نسلم أن النسخ ليس ببيان، فإنه بيان لانتهاء أمر الحكم الأول، ولئن سلمنا أن النسخ ليس ببيان، وأن المراد منه بيان العام، والمجمل، والمنسوخ، وغيرها، لكن نسلم أن الآية تدل على امتناع كون القرآن ناسخاً للسنة. وقالوا: لو جاز ذلك لزم تنفير الناس عن النبي ◌َّه، وعن طاعته، لأنه يوهم أن الله تعالى لم يرض بما سنه الرسول عمّه، واللازم باطل، لأنه مناقض للبعثة. فالملزوم كذلك. قلنا: الملازمة ممنوعة، لأنه إذا علم أنه مبلغ فلا تنفير، ولا تنفر، لأن الكل من عند الله تعالى(١). (١) انظر عمدة القاري جـ١ ص٢٤٧ . ٤٠٣ - ٢٢ - باب فرض القبلة - حديث رقم ٤٨٩ قال الجامع عفا الله عنه: قد حقق هذه المسألة الإمام الجليل، والمجتهد النبيل أبو محمد بن حزم الظاهري رحمه الله تعالى في كتابه «الإحكام في أصول الأحكام))، ودونك عبارته، قال رحمه الله: (فصل في نسخ القرآن بالسنة، والسنة بالقرآن) قال أبو محمد: اختلف الناس في هذا بعد أن اتفقوا على جواز نسخ القرآن بالقرآن، وجواز نسخ السنة بالسنة، فقالت طائفة: لا تنسخ السنة بالقرآن، ولا القرآن بالسنة، وقالت طائفة: جائز كل ذلك، والقرآن ينسخ بالقرآن، وبالسنة، والسنة تنسخ بالقرآن وبالسنة. قال أبو محمد: وبهذا نقول، وهو الصحيح، وسواء عندنا السنة المنقولة بالتواتر، والسنة المنقولة بأخبار الآحاد، كل ذلك ينسخ بعضه بعضاً، وينسخ الآيات من القرآن، وينسخه الآيات من القرآن، وبرهان ذلك ما بيناه في باب الأخبار من هذا الكتاب، من وجوب الطاعة لما جاء عن النبي ◌َّه، كوجوب الطاعة لما جاء في القرآن، ولا فرق، وأن كل ذلك من عند الله تعالى، ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]، فإذا كان كلامه وحياً من عند الله عز وجل، والقرآن وحي، فنسخ الوحي بالوحي جائز، لأن كل ذلك سواء في أنه وحي. واحتج مَنْ مَنَعَ ذلك بقوله تعالى: ﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس: ١٥]، قال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه، لأننالم نقل: إن رسول الله تَ﴾. بَدَّله من تلقاء نفسه وقائل هذا كافر، . - ٤٠٤ شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة وإنما نقول: إنه عليه السلام بَدَّلَه بوحي من عند الله تعالى، كما قال آمراً له أن يقول: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥]، فَصَحَّ بهذا نصاً جواز نسخ الوحي بالوحي ، والسنة وحي، فجائز نسخ القرآن بالسنة، والسنة بالقرآن. واحتجوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مَنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، قالوا: والسنة ليست مثْلاً للقرآن، ولا خيراً منه . قال أبو محمد: وهذا أيضًا لا حجة لهم فيه، لأن القرآن أيضاً ليس بعضه خيرًا من بعض، وإنما المعنى نأت بخير منها لكم، أو مثلها لكم، ولا شك أن العمل بالناسخ خير من العمل بالمنسوخ قبل أن ينسخ، وقد يكون الأجر على العمل بالناسخ مثل الأجر على العمل بالمنسوخ قبل أن ينسخ، وقد يكون أكثر منه، أو مثله، ولابد من أحد الوجهين، تفضلاً من الله تعالی ، لا إله إلا هو، علينا. وأيضًا فإن السنة مثل القرآن في وجهين: أحدهما: أن كلاً منهما من عند الله عز وجل على ما تلونا آنفًا من قوله تعالى ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤،٣]. والثاني: استواؤهما في وجوب الطاعة بقوله تعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وبقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]، وإنما افترقا في أن لا يكتب في 1 ٤٠٥ _ ٢٢ - باب فرض القبلة - حديث رقم ٤٨٩ المصحف غير القرآن ، ولا يتلى معه غيره مخلوطًا به، وفي الإعجاز فقط. وليس في العالَم شيئان إلا وهما يشتبهان من وجه، ويختلفان من آخر، لابد من ذلك ضرورة، ولا سبيل إلى أن يختلفا من كل وجه، ولا أن يتماثلا من كل وجه ، وإذ قد صح هذا كله، فالعمل بالحديث الناسخ أفضل وخير من العمل بالآية المنسوخة، وأعظم أجرًا، كما قلنا قبل، ولا فرق ، وقد قال تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقد تكون المشركة خيراً منها في الجمال، وفي أشياء من الأخلاق ونحوها، وإن كانت المؤمنة خيرًا عند الله تعالى وهذا شيء يُعلَمُ حسًا ومشاهدة، وبالله التوفيق. واحتجوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبتُ وَعندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]. قال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه، لأنه كل ما جاء عن النبي ◌َّ فالله عز وجل هو المثبت له، وهو تعالى الماحي به لما شاء أن يمحو من أوامره، وكلٌّ من عند الله، وهذه الآية حجة لنا عليهم في أنه تعالى يمحو ما شاء بما شاء على العموم، ويدخل في ذلك السنة والقرآن. واحتجوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] قالوا: والمبين لا يكون ناسخًا. قال أبو محمد: وهذا خطأ من وجهين : أحدهما: ما قد بينا في أول الكلام في النسخ، من أن النسخ نوع - ٤٠٦ شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة من أنواع البيان ؛ لأنه بيان ارتفاع الأمر المنسوخ، وبيان إثبات الأمر الناسخ. والثاني: أن قولهم: إن المبين لا يكون ناسخًا دعوى لا دليل عليها، وكل دعوى تَعَرَّت من برهان فهي فاسدة ساقطة. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ [النحل: ١٠١] قال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه، لأنه لم يقل تعالى : إني لا أبدل آية إلا مكان آية، وإنما قال لنا: إنه يبدل آية مكان آية، ونحن لم ننكر بل أثبتناه، وقلنا: إنه يبدل آية، ويفعل أيضا غير ذلك، وهو تبديل وحي - غير ذلك - متلو مكان آية، ببراهين أخرى، وكل ما أبطلنا به أقوالهم في دليل الخطاب، فهو مبطل لاحتجاجهم بهذه الآية. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحَيَهَ﴾ [طه: ١١٤]، قالوا: فإذا منعه الله تعالى من أن يبين القرآن من ٥٥٠ م قبل أن يقضى إليه وحيه، فهو من نسخه أشد منعًا . قال أبو محمد: وهذا شغب وتمويه، لأننا لم نجز قط أن يكون الرسول عليه السلام ينسخ الآيات من القرآن قبل أن يقضى إليه وحي نَسْخها، وقائل ذلك عندنا كافر، وإنما قلنا: إنه عليه السلام إذا قضى إليه ربه تعالى وحياً غير متلو بنسخ آية أبداه رسول الله عَّه إلى الناس حينئذ بكلامه، فكان سنة مبلغة وشريعة لازمة ووحياً منقولاً، ولا ٤٠٧ _ ٢٢ - باب فرض القبلة - حديث رقم ٤٨٩ يضره أن لا يسمى قرآنًا، ولا يكتب في المصحف، كما لم يضر ذلك سائر الشرائع التي ثبتت بالسنة، ولا بيان لها في القرآن من عدد ركوع الصلوات، ووجوه الزكوات، وماحرم من البيوع ، وسائر الأحكام ، و کل ذلك من عند الله عز وجل. واحتج بعضهم بقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُّسِ مِن رَّبِّكَ [النحل: ١٠٢] قال: وهذا لا يطلق إلا على القرآن. قال أبو محمد: وهذا كله كذب من قائله وافتراء، وكل وحي أتَى إلى النبي ◌ُّه بشريعة من الشرائع، فإذا (١) نزل به الروح القدس من ربه، وقد جاء نص الحديث بأن جبريل عليه السلام نزل فصلى، فصلى رسول الله ﴾ ، ثم صلى، فصلى رسول الله ﴾ هكذا، حتى علمه الصلوات الخمس، وليس هذا في القرآن ، وقد نزله روح القدس كما تری. فبطل کل ما احتجوا به . وقد قال الشافعي رحمه الله: إذا أحدث الله تعالى لنبيه عليه السلام أمرًا برفع سنة تقدمت أحدث النبي ◌َّه سنة تكون ناسخة لتلك السنة الأولى، فأنكر عليه بعض أصحابه هذا القول، فقال: لو جاز أن يقال - في وحي نزل ناسخًا لسنة تقدمت، فعمل بها النبي تعمّه -: إن عمله هذا نسخ السنة الأولى، لكان إذا عمل عليه السلام سنة، فنسخ بها سنة سالفة له، فعمل بها الناس - إن عمل الناس نسخ السنة الأولى، (١) هكذا النسخة، ولعل الصواب: فإنه نزل به روح القدس من ربه . ٤٠٨ شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة 1 وهذا خطأ. قال أبو محمد: وهذا اعتراض صحيح، والرسول تَّه مفترض عليه الانقياد لأمر ربه عز وجل، فإنما الناسخ هو الأمر الوارد من الله عز وجل، لا العمل الذي لابد منه، والذي إنما يأتي انقيادًا لذلك المطاع. فيقال لمن خالفنا في هذه المسألة: أيفعل الرسول تعمّ ، أو يقول شيئًا من قبَل نفسه دون أن يوحى إليه به؟ فإن قال: نعم، كفر وكَذَّبَهُ ربه تعالى بقوله عز وجل: ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]، وبقوله تعالى آمرًا له أن يقول: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥]، فلما بطل أن يكون فعله معَّةٍ أو قوله إلا وحيًا، وكان الوحي ينسخ بعضه بعضًا، كانت السنة والقرآن ينسخ بعضها بعضًا . قال أبو محمد: ومما يبين نسخ القرآن بالسنة بيانا لا خفاء به قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٥]، ثم قال ◌َّ: ((خذوا عَنِّي خذوا عَنِّي، قد جعل الله لهن سبيلاً: البكر بالبكر جَلْدُ مائة، وتغريب سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم»، فكان كلامه م﴾ الذي ليس قرآناً ناسخًا للحبس الذي ورد به القرآن. فإن قال قائل: ما نسخ الحبس إلا قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَدْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. ٤٠٩ _ ٢٢ - باب فرض القبلة - حديث رقم ٤٨٩ قيل له: أخطأت ، لأن هذا الحديث يوجب بنصه أنه قبل نزول آية الجلد، لأنه بيان السبيل الذي ذكر الله تعالى، وأمر لهم باستماع تلك السبيل، وأيضًا فإن في الحديث التغريب والجلد، وليس ذلك في الآية التي ذُكرَت، فالحديث هو الناسخ على الحقيقة، لا سيما إذا كان خصمنا من أصحاب أبي حنيفة ، والشافعي ، أو مالك، فإنهم لا يرون على الثيب جلداً، إنما يرون الرجم فقط، فوجب على قولهم الفاسد ألا مدخل للآية المذكورة أصل في نسخ الأذى والحبس الذي كان حد الزناة والزواني. فإن قال قائل منهم: ما نسخ الأذى والحبس إلا ما روي مما كان نازلاً، وهو: ((الشيخ والشيخة، فارجموهما البتة))، قيل له، وبالله التوفيق: قد تركتَ قولك، ووافقتنا على جواز نسخ القرآن المتلوّ بما ليس مثله في التلاوة، وبما ليس مثله في أن يكتب في المصحف، فإذا جوزت ذلك، فكذلك كلامه ◌َّه بنص القرآن وحي غير متلوّ، وليس ذلك بمانع من أن ینسخ به . ومما نَسَخَت فيه السنةُ القرآنَ قوله عز وجل: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، فإن القراءة بخفض أرجلكم وفتحها، كلاهما لا يجوز إلا أن يكون معطوفًا على الرؤوس في المسح، ولابد ، لأنه لا يجوز البتة أن يحال بين المعطوف والمعطوف عليه : بخبر غير الخبر عن المعطوف عليه، لأنه إشكال، وتلبيس ، وإضلال، - ٤١٠ شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة لا بيان، لا تقول: ضربت محمداً وزيدًا، ومررت بخالد وعمرًا، وأنت تريد أنك ضربت عمرًا أصلاً ، فلما جاءت السنة بغسل الرجلين صح أن المسح منسوخ عنهما . وهكذا عَمَلُ الصحابة رضي الله عنهم، فإنهم كانوا يمسحون على أرجلهم حتى قال عليه السلام ((ويل للأعقاب والعراقيب من النار))، وكذلك قال ابنُ عباس: نزل القرآن بالمسح. قال أبو محمد: والنسخ تخصيص بعض الأزمان بالحكم الوارد دون سائر الأزمان، وهم يجيزون بالسنة تخصيص بعض الأعيان، مثل قوله عليه السلام : ((لا قطع إلا في ربع دينار، فصاعدًا))، وما أشبه ذلك، فما الفرق بين جواز تخصيص بعض الأعيان بالسنة، وبین جواز تخصيص بعض الأزمان بها؟ وما الذي أوجب أن يكون هذا ممنوعا، وذلك موجودًا؟ فإن قالوا: ليس التخصيص كالنسخ، لأن التخصيص لا يرفع النص، والنسخ يرفع النص كله، قيل لهم: إذا جاز رفع بعض النص بالسنة - وبعض النص نص - فلا فرق بين رفع نص آخر بها، وكل ذلك سواء، ولا فرق بين شيء منه . قال أبو محمد: وقد أقروا ، وثبت الخبر، بأن آيات كثيرة رفع رسمها البتة، ولا يجوز أن ترفع بقرآن، إذ لو رفعت بقرآن لكان ذلك القرآن موجودًا متلوّاً ، وليس في شيء من المتلوّ ذكر رفع لآية كذا مما أ ٤١١ - ٢٢ - باب فرض القبلة - حديث رقم ٤٨٩ رفع البتة، فوجب ضرورة أن ما ارتفع(١) ، وهذا نفس ما أجزنا من نسخ القرآن بالسنة، فإن قالوا: إنما رفع بالإنساء، قيل لهم: الإنساء ليس قرآناً ، وإنما هو فعل منه تعالى، وأمر بألا يتلى. قال: ومما نسخ من القرآن بالسنة قوله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] نسخ بعضها قولهمَ ◌ّ﴾ («لا وصية لوارث)). وقد قال قوم: إن آيات المواريث نسخت هذه الآية . قال أبو محمد: وهذا خطأ محض، لأن النسخ هو رفع حكم المنسوخ ومضادّ له، وليس في آية المواريث ما يمنع الوصية للوالدين والأقربين، إذ جائز أن يرثوا ويُوصَى لهم مع ذلك من الثلث. قال: ومما نسخ من السنة بالقرآن صُلْحُهُ عَّهِ أهلَ الحديبية إلى المدة التي كانت، ثم نسخ الله تعالى ذلك في سورة براءة، ولم يَجُزْ لنا صلح مشرك إلا على الإسلام فقط، حاشا أهل الكتاب، فإنه تعالى أجاز صلحهم على أداء الجزية مع الصَّغَار، وأبطلَ تعالى تلك الشروط کلها، وتلك المدة كلها، وبالله التوفيق. اهـ. ما قاله أبو محمد بن حزم في ((الإحكام في أصول الأحكام)) جـ١ ص٥١٨ _٥٢٥ باختصار. والله تعالى أعلم. (١) هكذا النسخة، ولعل الصواب: ((أنه ما ارتفع)) أي أن ذلك المرفوع لم يرتفع بمتلوّ، بل إنما إرتفع بالسنة والله أعلم. i شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة - ٤١٢ المسألة التاسعة: في الحديث دليل على جواز نسخ المتواتر بخبر الواحد، قال القاضي: وإليه مال القاضي أبو بكر وغيره من المحققين، ووجهه أن العمل بخبر الواحد مقطوع به، كما أن العمل بالقرآن والسنة المتواترة مقطوع به، وإن الدليل الموجب لثبوته أوّلاً غير الدليل الموجب لنفيه وثبوت غيره، قال البدر العيني: اختاره الإمام الغزالي ، والباجي من المالكية، وهو قول أهل الظاهر. اهـ. انظر ((العمدة)) جـ١ ص ٢٤٧. وقال العلامة القرطبي رحمه الله : وفيها - يعني الآية المذكورة في النسخ - دليل على جواز القطع بخبر الواحد ، وذلك أن استقبال بيت المقدس كان مقطوعًا به من الشريعة عندهم، ثم إن أهل قباء لما أتاهم الآتي، وأخبرهم أن القبلة قد حُولت إلى المسجد الحرام قبلوا قوله، واستداروا نحو الكعبة، فتركوا المتواتر بخبر الواحد، وهو مظنون(١). قال الجامع عفا الله عنه: الصحيح الذي عليه المحققون أن خبر الواحد الصحيحَ يفيد العلم القطعي، وقد كتبت في تحقيق هذا الموضوع في شرحي على ((ألفية السيوطي في الحديث)) بحثًا طويلاً نفيسًا، وذكرت من رجح هذا الرأي من المحققين ، وحججهم التي استندوا إليها ، أسأل الله تعالى أن يوفقني لإكماله، ويسهل طبعه، ، وينفع به، إنه سميع قريب مجيب. (١) تفسير القرطبي جـ١ ص ١٥١ . ٦ ٤١٣ ٢٢ - باب فرض القبلة - حديث رقم ٤٨٩ المسألة العاشرة: أنه قال المازري: اختلفوا في النسخ إذا ورد متى يتحقق حكمه على المكلف، ويحتج بهذا الحديث لأحد القولين، وهو أنه لا يثبت حكمه حتى يبلغ المكلف، لأنه ذكر أنهم تحولوا إلى القبلة، وهم في الصلاة، ولم يُعيدُوا ما مضى، فهذا يدل على أن الحكم إنما يثبت بعد البلاغ، وقال غيره: فائدة الخلاف في هذه المسألة في أن ما فُعلَ من العبادات بعد النسخ وقبل البلوغ هل يعاد أم لا؟ ولا خلاف أنه لا يلزم حكمه قبل تبليغ جبريل عليه السلام. وقال الطحاوي رحمه الله: وفيه دليل على أن من لم يعلم بفرض الله، ولم تبلغه الدعوة، ولا أمكنه استعلام ذلك من غيره، فالفرض غير لازم، والحجة غير قائمة علیه . وقال القاضي: قد اختلف العلماء فيمن أسلم في دار الحرب، أو أطراف بلاد الإسلام حيث لا يجد من يستعلم منه الشرائع، ولا علم أن الله فرض شيئاً من الشرائع، ثم يعد ذلك ، هل يلزمه قضاء ما مَرَّ عليه من صيام وصلاة لم يعملها؟ فذهب مالك والشافعي في آخرين إلى إلزامه، وإنه قادر على الاستعلام، والبحث ، والخروج إلى ذلك، وذهب أبو حنيفة إلى أن ذلك يلزمه إن أمكنه أن يستعلم، فلم يستعلم، وفَرَّطَ، وإن كان لا يحضره من یستعلمه، فلا شيء عليه، قال: و کیف یکون ذلك فرض - ٤١٤ شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة على من لم يفرضه (١). اهـ ((عمدة القاري)) جـ١ ص ٢٤٧، ٢٤٨. وقال القرطبي رحمه الله بعد ذكر نحو ما تقدم، وترجيح القول بأن من لم يبلغه النسخ متعبد بالحكم الأول إلى أن يعلم بالنسخ مانصه : وفائدة الخلاف: في عبادات فعلت بعد النسخ وقبل البلاغ هل تعاد، أم لا؟ وعليه تبنى مسائل الوكيل في تصرفه بعد عزل موكله، أو موته، وقبل علمه بذلك - على قولين، وكذلك المُقارض - أي المضارب-، والحاكم إذا مات من ولاه، أو عُزُلَ. والصحيح أن ما فعله كل واحد من هؤلاء ينفذ فعله، ولا يُرَدّ حكمه . قال القاضي عياض: ولم يختلف المذهب في أحكام من أعتقَ ، ولم يعلم بعتقه أنها أحكام حُرّ فيما بينه وبين الناس، وأما بينه وبين الله تعالى فجائزة، ولم يختلفوا في المعتقة أنها لا تعيد ما صلت بعد عتقها وقبل علمها بغير سَتْر، وإنما اختلفوا فيمن طرأ عليه موجب يُغَيّر حكم عبادته وهو فيها، قياسًا على مسألة قباء، فَمَنْ صلَّى على حال، ثم تغيرت به حاله تلك قبل أن يتم صلاته إنه يتمها، ولا يقطعها، ويجزيه ما مضى. وذلك كمن صلَّى عُرْيانًا، ثم وجد ثوبًا في الصلاة، أو ابتدأ صلاته صحيحًا فَمَرَضَ، أو مرض فصح، أو قاعدًا، ثم قَدَرَ على القيام، أو أمة عُتقَت وهي في الصلاة أنها تأخذ قنَاعَهَا وتبني. (١) هكذا النسخة: ((وكيف يكون ذلك فرض على من لم يفرضه))، ولعل الصواب: «و کیف یکون ذلك فرضا على من لم يعلمه)). ٤١٥ - ٢٢ - باب فرض القبلة - حديث رقم ٤٨٩ قال القرطبي: وكمن دخل في الصلاة بالتيمم، فطرأ عليه الماء إنه لا يقطع، كما يقوله مالك والشافعي - رحمهما الله - وغيرهما، وقيل: يقطع، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى. اهـ. ((تفسير القرطبي)) جـ١ ص١٥٢. قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي هو قول من قال: إن من لم يبلغه النسخ لا يلزمه الحكم إلا إذا علم، كما رجحه القرطبي، قال: لأن أهل قباء لم يزالوا يصلون إلى بيت المقدس إلى أن أتاهم الآتي، فأخبرهم بالناسخ، فمالوا نحو بيت الكعبة، فالناسخ إذا حصل في الوجود فهو رافع لا محالة، لكن بشرط العلم به، لأن الناسخ خطاب، ولا يكون خطابًا في حق من لم يبلغه. اهـ. جـ١ ص١٥٢ . والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب . - ٤١٦ شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة ٢٣ - بَابُ الْحَالِ الَّتِ يَجُوزُ فِيهَا اسْتِقْبَالُ غَيْرِ الْقِبْلَةِ أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على الحالة التي يجوز التوجه فيها إلى غير الكعبة . والحال: صفة الشيء، يُذكَّر ويؤنث، فيقال: حال حسن، وحال حسنة، وقد يؤنث بالهاء؛ فيقال: حالة. قاله في ((المصباح)). ٤٩٠- أخْبَرَنَا عيسَى بْنُ حَمَّاد؛ زُغْبَةُ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَمْرو بن السَّرْحِ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: (( كَانَ رَسُولُ اللَّه ◌َ لَّه يُسَبِّحُ عَلَى الرََّحِلَةِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهِ تَتَوَجَّهُ، وَيُوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أنَّهُ لا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ)). رجال الإسناد : ثمانية ١ - (عيسى بن حماد زُغْبة) بن مسلم التُّجيبي، أبو موسى الأنصاري، ثقة، توفي سنة ٢٤٨، وقد جاوز ٩٠ سنة، من [١٠] ، وهو آخر من حَدَّث عن الليث من الثقات، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، تقدم في ١٣٥/ ٢١١ . ٤١٧ _ ٢٣ - باب الحال التي يجوز فيها استقبال غير القبلة - حديث رقم ٤٩٠ وزغبة : بضم الزاي، وسكون المعجمة بعدها موحدة: لقبه ، وهو لقب أبيه أيضًا . ٢ - (أحمد بن عمرو بن السرح) المصري ، أبو الطاهر، ثقة، توفي سنة ٢٥٠، من [١٠]، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، تقدم في ٣٩/٣٥. ٣ - (الحارث بن مسكين) بن محمد بن يوسف مولى بني أمية، أبو عمرو المصري قاضيها، ثقة فقيه، توفي سنة ٢٥٠، عن ٩٦ سنة، من [١٠]، أخرج له أبو داود والنسائي ، تقدم في ٩/ ٩. ٤ - (ابن وهب) هو عبد الله بن وهب بن مسلم، أبو محمد القرشي مولاهم المصري الفقيه، ثقة حافظ عابد، توفي سنة ١٩٧ عن ٧٢ سنة، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٩/٩. ٥ - (يونس) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأيْلِيِّ، أبو يزيد ، ثقة ، من كبار [٧]، تقدم في ٩/ ٩. ٦ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري، الإمام الحجة، رأس الطبقة [٤]، تقدم في ١/١. ٧ - (سالم) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي ، أبو عمر، أو أبو عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، كان ثبتًا عابداً فاضلاً، كان يُشَبَّهُ بأبيه في الهدي والسمت، من كبار [٣] . ! 1 - ٤١٨ شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة قال ابن المسيب: كان عبد الله أشبهَ ولد عمر به، وكان سالم أشبه ولد عبد الله به، وقال مالك: لم يكن أحد في زمان سالم بن عبد الله أشبه من مَضَى من الصالحين في الزهد والفضل والعيش منه، وقال الأصمعي عن ابن أبي الزناد: كان أهل المدينة يَكْرَهُون اتخاذَ أمهات الأولاد حتى نشأ فيهم القراء السادة: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، والقاسم بن محمد ، وسالم بن عبد الله، ففاقوا أهل المدينة علْماً وتُقىّ وعبادةً وَوَرَعاً، فَرَغبَ الناسُ حينئذ في السراري. وقال علي بن الحسن العَسْقَلاني عن ابن المبارك : كان فقهاء أهل المدينة سبعة، فذكره فيهم. قال: وكانوا إذا جاءتهم المسألة دخلوا فيها جميعًا، فنظروا فيها، ولا يقضي القاضي حتى يرفع إليهم، فينظرون فيها، فيصدرون. وقال مالك: كان ابن عمر يخرج إلى السوق، فيشتري، وكان سالم دهره يشتري في الأسواق، وكان من أفضل أهل زمانه. وقال أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه: أصح الأسانيد: الزهري، عن سالم، عن أبيه. وقال الدوري عن ابن معين: سالم، والقاسم حديثهما قريب من السواء، وسعيد بن المسيب قريب منهما، وإبراهيم أعجب إلي مرسلات منهم. وقال البخاري: لم يسمع من عائشة، وقال العجلي: تابعي ثقة، وقال ابن سعد : كان كثير الحديث عاليًا من الرجال. وقال أبو نعيم، وجماعة: مات سنة ١٠٦، في ذي القعدة، أو ذي الحجة، وقال خليفة قبلة - حديث رقم ٤٩٠ ٤١٩ - ٢٣ - باب الحال التي يجوز فيها استقبال غير القبلة - حديث رقم ٤٩٠ سنة ١٠٧، وقال الهيثم بن عدي: سنة ١٠٨، وقال الأصمعي: سنة ١٠٥، والأول أصح. وقال ابن حبان في الثقات: كان يُشْبِهُ أباه في السَّمْت والهَدْي، وقال البخاري في التاريخ الصغير: لا أدري سالم عن أبي رافع صحيح، أم لا؟ ، وقال غيره : لما قَدمَ سَبْيُ فارس على عمر كان فيه بنات يَزْدَجْرد، فَقُوِّمن، فأخذهن علي، فأعطى واحدة لابن عمر، فولدت له سالماً، وأعطى أختها لولده الحسين، فولدت له عليًا، وأعطى أختها لمحمد بن أبي بكر، فولدت له القاسم. قال الحافظ رحمه الله: فرواية سالم عن عم أبيه زيد بن الخطاب منقطعة قطعا. والله أعلم. أخرج له الجماعة. اهـ تت جـ٣ ص ٤٣٧ . ٤٣٨. ٨ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب الصحابي الجليل رضي الله عنه تقدم في ١٢/ ١٢ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من سداسيات المصنف . ومنها: أن رواته كلهم ثقات أجلاء، اتفق الجماعة عليهم، إلا شيوخه الثلاثة؛ فالأولان لم يخرج لهما البخاري والترمذي، والثالث انفرد به هو وأبو داود. : شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة - ٤٢٠ ومنها: أنهم ما بين مصريين؛ وهم إلى يونس، ومدنيين؛ وهم من بعده . ومنها : أن فيه روایة الابن عن أبيه. ومنها : أن فيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال؛ وهو سالم. ومنها : أن فيه رواية تابعي عن تابعي. ومنها: أن فيه ابن عمر رضي الله عنهما أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، رَوَى ٢٦٣٠ حديثًا. ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبار ، والعنعنة. والله تعالى أعلم. تنبيه : قوله: ((زغبة)) بدل من عيسى ، أو عطف بيان له، وقوله: ((قراءة عليه)) منصوب على التمييز، وقوله: ((وأنا أسمع)) جملة حالية في محل نصب من الضمير المنصوب في أخبرنا، وقوله: ((واللفظ له)) أي لفظ الحديث الآتي للحارث ، وأما عيسى وأحمد فروياه بالمعنى ، وقد تقدم البحث عن مثل هذا غير مرة. وبالله التوفيق. شرح الحديث (عن سالم) بن عبد الله (عن أبيه) عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أنه (قال: كان رسول الله تَّ يسبح) أي يصلي النافلة.